الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، الله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد.
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، نحمده سبحانه كما يحمده حملة عرشه المكرّمون، والملائكة المقرّبون، والنبيون والمرسلون، عدد ما أحاط به علمه، وخطّه قلمه، وأحصاه كتابه، وبلغ فيه لطفه، وأدركه بصره، وقهره ملكه، ورضيته نفسه، ووسعته رحمته. أهل الثناء والمجد، أحقّ ما قال العبد، وكلنا لك عبد، لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجدّ منك الجد.
لك الحمد يا ربنا، خلقتنا من عدم، وأنطقتنا من بكم، وشفيتنا من سقم، وأسبغت علينا وافر النعم، فلك الحمد. لك الحمد يا ربنا، كبّرتنا من صغر، وأطعمتنا من جوع، وأرويتنا من ظمأ، وكسوتنا من عري، من غير حولٍ منا ولا قوة، فلك الحمد. لك الحمد يا ربنا، هديتنا من ضلالة، وعلّمتنا من جهالة، فلك الحمد. لك الحمد يا ربنا على ما وفّقت من الصيام، وباركت من القيام، ومحوت من الآثام، ومنحت من النعم العظام، فلك الحمد.
لك الحمد يا ذا الجود والمجد والعلا تباركتَ تعطي من تشاء وتمنعُ
إلهي وخلّاقي وحرزي وموئلي إليك لدى الإعسار واليسر أفزعُ
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادة مُقرٍّ بربوبيته، شاهدٍ بوحدانيته، منقادٍ إليه بمحبته، مذعنٍ له بطاعته، فارٍّ إليه من ذنبه وخطيئته، مؤمّلٍ لعفوه ورحمته، معترفٍ بنعمته، طامعٍ في مغفرته، بريءٍ إليه من حوله وقوته، لا يبتغي سواه ربًّا، ولا يتخذ من دونه وليًّا ولا وكيلًا، ولا يروم عن عبوديته انتقالًا ولا تحويلًا.
وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وحبيبه وصفيّه وخليله، وخيرته من خلقه، وأمينه على وحيه، وسفيره بينه وبين عباده، أكرم الخلق على الله، وأحبّ الخلق إلى الله، أرسله ربه للإيمان مناديًا، وإلى الجنة داعيًا، وإلى صراطه المستقيم هاديًا، وبكل معروفٍ آمرًا، وعن كل منكرٍ ناهيًا، رفع له ذكره، وشرح له صدره، ووضع عنه وزره، وجعل الذلة والصغار على من خالف أمره، والشفاعة والسعادة لمن تابع سيره.
يا خير مبعوثٍ وأفضل مرسلٍ وشفيع قومٍ أذنبوا وأساؤوا
أنوارك العظمى إذا ما أشرقت يوم القيامة فالورى سعداءُ
الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، الله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد.
اللهم فصلِّ وسلم وبارك على سيدنا وحبيبنا المصطفى محمدٍ النبي الصوّام، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا وحبيبنا المصطفى محمدٍ النبي القوّام، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا وحبيبنا المصطفى محمدٍ النبي الأوّاه، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا وحبيبنا المصطفى محمدٍ النبي الأوّاب، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا وحبيبنا المصطفى محمدٍ النبي الذكّار، وعلى آله الأطهار، وأصحابه الأخيار الأبرار، ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم القرار، ما تعاقب الليل والنهار.
الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، الله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد.
الله أكبر ما صام المسلمون شهر رمضان وأفطروا، الله أكبر ما قام المتهجّدون في لياليه وسحّروا، الله أكبر ما تلا أهل القرآن كلام ربهم ورتّلوا، الله أكبر ما تباهى المصلّون في مساجدهم ولحبّ الله أظهروا، الله أكبر ما تنافس الصائمون ولياليهم بالقرآن نوّروا، الله أكبر ما ذكروا وشكروا ورتّلوا واستغفروا. الله أكبر كبيرًا، والحمد لله كثيرًا، وسبحان الله بكرةً وأصيلًا.
الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، الله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد.
رمضانُ، أيها الضيف تمهّل، والحنايا مثقلاتٌ، كيف ترحل؟ والمطايا تترجّل، كيف ترحل؟ هل عُتِقنا؟ أم بقينا في المعاصي نتكبّل؟ أيها الشهر تمهّل، خذ فؤادي حيث سِرتَ، فحنيني يتنقّل. الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، الله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد. رمضان يا عباد الله مضى وانقضى، ولكن والله لن ننساه، وكيف ننساه وبين الجوانح في الأعماق سُكناه؟ فكيف ننساه؟ ومن في الناس ينساه؟
في كل عامٍ لنا لُقيا محبّبةٌ يهتزّ كلّ كياني حين ألقاهُ
بالعين بالقلب بالآذان أرقبه وكيف لا وأنا بالروح أحياهُ
فالليل تحلو به اللُّقيا وإن قصرت ساعاتها، ما أُحيلاها وأحلاها
وكلّهم بات بالقرآن مندمجًا كأنه الدم يسري في خلاياهُ
الأذن سامعةٌ، والعين دامعةٌ والنفس خاشعةٌ، والقلب أوّاهُ
الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، الله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد.
أيها المسلمون:
أيامًا صُمتم الشهر الفضيلا وصُنتم صومكم صونًا جميلا
وقمتم في ليالي الشهر طوعًا على نور القُران كذا المَقيلا
فمنكم ساهدٌ لله يبكي ومنكم راكعٌ عبدًا ذليلا
ومنكم قارئٌ للآي يتلو بقلبٍ مصدّقٍ لله قِيلا
الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، الله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد.
أبشروا أيها الصائمون، يا من صمتم الشهر الفضيل، أبشروا بتوفيق الحنّان، وبكرم الكريم المنّان، وبرحمة الرحيم الرحمن، فقد أمسكتم أيام رمضان عن الحلال من مطعمٍ ومشربٍ ومنكحٍ ابتغاء وجه الله، تحمّلتم حرّ النهار جوعًا وعطشًا امتثالًا لأمر الله، جافيتم مضاجعكم ليالي رمضان طلبًا لرضوان الله.
فأبشروا، فقد صعد إلى الله الكلم الطيب، ورُفع إليه العمل الصالح، وذهب الظمأ، وابتلّت العروق، وثبت الأجر إن شاء الله، فجاء العيد بكل ذلك، فتحقّقت الفرحة والبهجة والسرور بفضل الله وبرحمته: ﴿ قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَٰلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ ﴾ [يونس: 58].
أكرمنا الله يا عباد الله، فبلّغنا رمضان، والحمد لله، ولم ينقضِ أجلنا قبل مجيء رمضان، فأدركنا رمضان، ودخلنا رمضان، فزاد من تكريمه لنا، فوفّقنا لصيام هذا الشهر الكريم، ولقيام لياليه، فهذا لوحده بشرى.
ولكن اسمعوا خبر طلحة بن عبيد الله رضي الله تعالى عنه الذي صحّ، قال طلحة: قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلان من بَلِيّ -حيٍّ من قُضاعة- قدما على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكان إسلامهما جميعًا -أي أسلما في نفس اللحظة، وبايعا النبي صلى الله عليه وسلم في وقتٍ واحد- وكان إسلامهما جميعًا، فكان أحدهما أشدّ اجتهادًا من الآخر، فغزا المجتهد في سبيل الله واستُشهد، ثم مكث الآخر بعده سنة، ثم توفّي.
قال طلحة: فرأيت في المنام -طلحة بن عبيد الله رضي الله عنه- فرأيت في المنام: بينا أنا عند باب الجنة إذا أنا بهما، فخرج خارجٌ من الجنة فأذن للذي توفّي الآخِر فأدخله الجنة، ثم خرج فأذن للذي استُشهد، قال: ثم رجع إليّ وقال: ارجع، فإنك لم يأنِ لك بعد. فأرجعه رضي الله تعالى عنه.
فأصبح طلحة رضي الله عنه وحدّث الناس بهذا الخبر، فانتشر الخبر، والناس يعجبون من هذا الأمر، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «من أيّ ذلك تعجبون؟» قالوا: أسلما، وكان أحدهما أشدّ اجتهادًا من الآخر، فغزا واستُشهد! قال: «أليس مكث الآخر بعده سنة؟» قالوا: بلى. قال: «وأدرك رمضان، وصلّى كذا وكذا من سجدةٍ في السنة؟» قالوا: بلى. قال: «فما بينهما أبعد ما بين السماء والأرض».
هذه البشارة العظيمة، هذه البشارة العظيمة لنا جميعًا، رجالًا ونساءً، ممن أدركهم الله رمضان فصاموا نهاره وقاموا ليله. بل أزيدكم بشرى من حديث عمرو بن مُرّة الجهني رضي الله تعالى عنه، قال: جاء رجلٌ إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقال: يا رسول الله، أرأيت إن شهدتُ أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله، وصلّيت الصلوات الخمس، وأدّيت الزكاة، وصمت رمضان وقمته، فممّن أنا؟ قال له النبي صلى الله عليه وسلم: «من الصديقين والشهداء»، وفي رواية: «من مات على هذا كان من الصديقين والشهداء». وصحّحه الألباني، وصحّحه شعيب الأرناؤوط، رحمهم الله تعالى جميعًا.
هذا الخبر لو تدبّرتموه تجدونه أن هذا الرجل ما زاد على أركان الإسلام إلا قيام ليالي رمضان، القيام فقط، قال: أرأيت إن شهدت أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله -الأول- وصليت الصلوات الخمس، وأديت الزكاة، وصمت رمضان وقمته؟ فما زاد إلا القيام، معنى هذا أنك بقيام ليالي رمضان تُدرك مقام الصديقين والشهداء.
الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، الله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد.
أيها المسلمون، عباد الله، هذا اليوم يوم العيد يجب أن يكون هو يوم التعافي والتصافي والتغافر والتسامح؛ فإن الله تعالى يحب أن يعفو بعضنا عن بعض، وأن يغفر بعضنا لبعض، وأن يصفح بعضنا عن بعض، ولو بالتذلّل، ولو تذلّلت لأخيك المؤمن، ولو بركوب الهوان في سبيل بقاء الأخوّة، وصفاء النفوس، وإفشاء المودّة والإخاء.
فالله عز وجل يقول: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ ﴾ [المائدة: 54]، قومٌ يحبهم الله ويحبون الله، ادخل معهم، صنّف نفسك فيهم، كن منهم، ولكن بماذا؟ بالتذلّل للمؤمن: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ ﴾ [المائدة: 54]، تتذلّل له، تتجاوز عنه، تعفو عنه، تتغافل عنه، تتناسى أخطاءه ولو أساء إليك، ولو ظلمك، ولو نال منك.
الله عز وجل لمّا غضب الصديق رضي الله تعالى عنه من ابن خالته مِسطح بن أُثاثة، حين نال من عائشة في حادثة الإفك وتكلّم عليها -وكان أبو بكر رضي الله عنه ينفق عليه، نفقة مسطح كانت على أبي بكر- فغضب أبو بكر من موقفه، فحلف وأقسم ألا ينفق عليه، أن يوقف نفقته، فأنزل الله عتابًا لأبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه، فأجرى نفقته ثانية.
وأهل المسارعة إلى الجنان هم الباذلون لأعراضهم، هم الباذلون لأعراضهم للناس، هم من يعفون عمّن ظلمهم، ويتجاوزون عمّن نال منهم، هم من يغفرون لمن أساء إليهم، الله تعالى يقول: ﴿ وَسَارِعُوا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ﴾ [آل عمران: 133-134].
الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، الله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد.
أعجب من ذلك أهل التصافي، أهل التصافي والتعافي، الذين يغفرون للمسلمين، يغفر بعضهم لبعض، يعفو بعضهم عن بعض، يصفح بعضهم عن بعض. اسمعوا هذا الخبر العجيب، حديث أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه، قال: بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم جالس إذ ضحك عليه الصلاة والسلام، ضحك حتى بدت ثناياه، فقال عمر رضي الله عنه: ما أضحكك يا رسول الله بأبي أنت وأمي؟ -هذا في المستدرك، وقال الحاكم رحمه الله: صحيح الإسناد ولم يخرّجاه- فقال عمر: ما أضحكك يا رسول الله بأبي أنت وأمي؟
فقال صلى الله عليه وسلم: «جثا رجلان من أمتي بين يدي رب العزة، فقال أحدهما: يا رب، خذ لي مظلمتي من أخي، فقال الله تبارك وتعالى للطالب: فكيف بأخيك ولم يبقَ من حسناته شيء؟» -حسناته كلها أُخذت؛ يصير إلى هذا، ويفعل في هذا، ويسبّ هذا، فلم يبقَ من حسناته شيء، كلها أُخذت للناس، ما عنده أي حسنات باقية- قال للطالب المظلمة، قال له: «فكيف بأخيك ولم يبقَ من حسناته شيء؟ قال: يا رب، فليحمل من أوزاري» -يعني: زيادة، من أوزاري-.
قال أنس: وفاضت عينا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالبكاء، وقال: «إن ذاك اليوم عظيم، يحتاج الناس أن يُحمل عنهم من أوزارهم» صلى الله عليه وسلم، يربّي أمته، يرشد أمته، يوجّه أمته، لو يعقلون، لو يفهمون، لو يتّعظون! «إن ذاك اليوم عظيم، يحتاج الناس إلى من يحمل عنهم من أوزارهم».
ثم قال: «فقال الله تعالى للطالب: ارفع رأسك فانظر إلى الجنان» -صاحب المظلمة: ارفع رأسك وانظر- «فانظر إلى الجنان. قال: فرفع رأسه فنظر، وقال: يا رب، أرى مدائن من ذهب، وقصورًا من ذهب مكلّلةً باللؤلؤ، لأيّ نبيٍّ هذا؟ أو لأيّ صدّيقٍ هذا؟ أو لأيّ شهيدٍ هذا؟ فقال الله عز وجل له: هذا لمن ملك الثمن» -لمن أعطى الثمن- «قال: ومن يملك ذلك؟ فقال له الله: أنت تملكه. قال: بماذا؟ قال: بعفوك عن أخيك». لا إله إلا الله! «فقال: يا رب، فإني قد عفوت عنه. فقال الله عز وجل: فخذ بيد أخيك فأدخله الجنة».
بشارةٌ عظيمة لمن عفا، لمن تجاوز، لمن تغافل، فاليوم فرصة: من كان مع جاره شيء فليتعافَ، من كان مع صديقه أمرٌ فليتجاوز، من كان من أخيه له شيء فليعفُ عنه، وليغفر له. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «اتقوا الله، وأصلحوا ذات بينكم؛ فإن الله يُصلح بين المسلمين».
الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، الله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد.
عباد الله، إن مقصود هذا العيد أن نستكمل مقاصد الصوم العظيمة، وإن من أعظم مقاصد الصيام، أعظم مقاصد الصيام: توسيع مواعين التعاطف والتوادّ والتراحم بين المؤمنين، و«مثل المؤمنين في توادّهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضوٌ تداعى له سائر الجسد بالحمّى والسهر». التراحم بين المسلمين، التراحم بين المؤمنين، نوسّع هذه المواعين، نبثّ هذه الروح، روح التراحم والتكافل.
فهذا شهرٌ أوله رحمة، بدخول هذا الشهر تُفتح أبواب الرحمة، كما في صحيح مسلم من فضائل هذا الشهر، تنزل الرحمة على المؤمنين، هذه هي رحمات من في السماء، رحمات الرحيم الرحمن، فأين رحمات المؤمنين؟ واعلموا أن رحمة من في السماء تُكتسب برحمة من في الأرض، كما في سنن الترمذي: «الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء».
ولا أحتاج لأن أذكّركم ما نعيشه من شدة البلاء، ومن ارتفاع الأسعار والغلاء، حتى كثر بذلك في بلادنا الفقراء. فيا أغنياء المسلمين، ألا تحبون أن يعتق الله رقابكم من النار؟ فالله الله في الفقراء، الله الله في المساكين، الله الله في المحتاجين، الله الله في الأرامل، الله الله في الأيتام.
اعتقوا رقاب الفقراء من الفقر والعوز، اعتقوا رقاب المساكين من العيلة والحاجة، اعتقوا رقاب الأيتام من الذلة والمسكنة، اعتقوا رقاب المحتاجين من الجوع والمسغبة، وبذلك تقتحم العقبة: ﴿ وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ فَكُّ رَقَبَةٍ أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ ﴾ [البلد: 12-16]، فبذلك نحقق مقصود العيد.
فليس العيد أيها الأخ الكريم لبس الجديد، ولا أكل الثريد، ولا الطرب للغناء والنشيد، لكن العيد بإشباع الجوعى، وإعانة المرضى، وتفقّد الأرامل والأيتام والأرحام. فهنيئًا لمن أطعم جائعًا، هنيئًا لمن أشبع جائعًا، هنيئًا لمن كسا عاريًا وأعطى مسكينًا، هنيئًا لمن أغاث ملهوفًا وأعان منكوبًا، هنيئًا لمن تكفّل يتيمًا، هنيئًا لمن سأل عن أرملة، بذلك نحقق مقصود العيد، وهؤلاء هم الذين يبتغون عند الله الوسيلة.
سيدنا موسى عليه السلام سأل ربه تبارك وتعالى فقال: يا رب، أين أبغيك؟ أين أبغيك؟ قال: عند المنكسرة قلوبهم. وقال نبيٌّ من أنبياء بني إسرائيل: يا رب، كيف أعرف رضاك عني؟ قال: انظر إلى رضا المساكين عنك. فرضا الله في رضا المساكين، رضا الله في رضا المساكين عنك، فأرضِ أيها الغني المساكين من حولك تنل رضا الله عز وجل، أيها المسؤول اخدم المساكين تنل رضا الله عنك، أيها الرئيس اجعل حياتك، ليلك، سهرك، في إعانة المساكين، تنل رضا المولى عز وجل.
ويا أهل السودان، لنعد كما كنا، مجتمع التكافل الفريد في العالمين: كان القادر منا يكفل من أهله الأسر العديدة، والمغترب يكفل من أسرته المحتاجين، وبذلك كنا نحقق مقاصد العيد، ولنحقق مقصود العيد. الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، الله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد.
ما عيدك الفخم إلا يوم يُغفر لك لا أن تجرّ به مستكبرًا حُللك
كم من جديد ثيابٍ دينه خَلَقٌ تكاد تلعنه الأقطار حيث سلك
ومن مرقّعِ الأطمار ذي ورعٍ بكت عليه السماء والأرض حين هلك
الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، الله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد. أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه، وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد:
أيها الإخوة، حقّ العيد أن نفرح به، وحقّ العيد أن نُسَرّ به، وأن نبتهج فيه، ولكن لماذا فرحة العيد تنقص في كل عام؟ لماذا فرحة العيد في هذا العام ناقصةٌ مبتورة؟ إن الوجوه تُظهر الفرح، والصدور دامية، والقلوب باكية، لسان حال كثيرٍ منا يردّد:
عيدٌ بأيّة حالٍ عُدتَ يا عيدُ بما مضى أم بأمرٍ فيك تجديدُ
أمّا الأحبّة فالبيداء دونهمُ فليت دونك بيدًا دونها بيدُ
ما الذي يقضّ المضاجع؟ ما الذي ينغّص على المؤمن يوم عيده؟ ما الذي ينقص فرحته، أو يُعدم فرحته؟ أيُعقل مسلمٌ يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، يسعى إلى البلد الحرام، ويسعى إلى الطائفين والعاكفين، إلى المعتمرين والزائرين، إلى أهل مكة بالسوء؟! يسعى باستحلال الحرام وحرمته؟ يسعى إلى قتل المؤمنين والمسلمين في مكة؟ أيُعقل هذا؟! تفجيرات أمس يوم الجمعة أمرٌ عجيب! يسعون لقتل المسلمين في مكة! أيُعقل هذا؟!
والله تعالى يقول: ﴿ وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ ﴾ [الحج: 25]، يقول ابن مسعود رضي الله عنه: لو أن رجلًا همّ -مجرّد همّ يا إخوان، مجرّد همّ أن يشيل متفجرات ويدخل مكة ويقصد الناس المسلمين يفجّرهم- مجرّد الهمّ: لو أن رجلًا همّ بقتل رجلٍ عند البيت -أي في مكة- وهو بعدن أبين -أبعد ما يكون، في عدن في اليمن، آخر اليمن- همّ بقتل رجلٍ عند البيت؛ أخذه الله في الدنيا بعذابٍ أليم. مجرّد الهمّ! فكيف بمن فعل؟!
﴿ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ ﴾ [الحج: 25]: الإلحاد كما قال ابن عباس رضي الله عنهما: استحلال الحرام وحرمته. الإلحاد بالظلم، والظلم يشمل كل ظلم، من الكفر إلى أصغر الصغائر، بل ذهب ابن مسعود وجماعةٌ من الصحابة، والإمام أحمد، وغيرهم رحمهم الله تعالى، إلى أن مجرد الهمّ بالسيئة -في كل مكانٍ لا تُكتب عليك إذا هممت بسيئة- إلا في مكة، من همّ بسيئةٍ في مكة كُتبت عليه سيئة، للمكان، لعِظم المكان، لعِظم حرمة البلد الحرام. فهل هذا يُعقل؟!
كيف لا نُمغَّص؟ كيف لا تذهب الفرحة؟ كيف لا يختفي السرور من قلوب المسلمين، وكل عامٍ نُذَلّ؟ أمعقولٌ أن حماس وفصائل فلسطين المقاومة -أنها تقاوم العدو المحتل لبلادنا، اليهود أعدى أعداء البشرية، أعدى أعداء رسول الله صلى الله عليه وسلم، الذين عادَوا رسول الله، والذين لا يزالون يؤذون أتباع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويؤذون المؤمنين- أيُعقل أن يُطلب، ويُقنَّن، وتُتّخذ من السياسات ما تحرّم دعمها؟!
الواجب الشرعي على كل دولةٍ مسلمة: دعم كل الفصائل الفلسطينية التي تقاوم الاحتلال، وتقاوم يهود. الخصومات السياسية! والله عز وجل يقول: ﴿ إِنَّ هَٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ ﴾ [الأنبياء: 92]، ويقول: ﴿ وَإِنَّ هَٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ ﴾ [المؤمنون: 52]، والله تعالى يقول: ﴿ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ ﴾ [الأنفال: 46].
الفشل مع الاختلاف! الفشل مع التنازع! لا يجوز لقادة الأمة أن يتسبّبوا بأتفه الأسباب فيتخاصموا سياسيًّا، ثم يعادوا الأمة، ويعادوا دين الأمة، ويضيّعوا علينا المسرّة، ولا نزال نضعف ونُهان ونُذَلّ بهذه الأسباب! أحد حكماء المسلمين يقول لنا ولهم جميعًا: إن انقسمنا هلكنا، وإن اتّحدنا ملكنا.
تأبى عقيدتنا، تأبى أصالتنا أن يصبح العُرب أشتاتًا وقطعانا
فلا لشرقٍ ولا غربٍ نطأطئها بل ترفض الجبهة الشمّاء إذعانا
فواجب القادة: التلافي والتلاقي، والتصافي والتعافي، ومن أوجب واجبات قادة الأمة: الحفاظ على كيان الأمة موحّدة. نسأل الله عز وجل أن يعتق رقاب أنظمتنا وسياساتنا من الارتهان والتبعية، نسأل الله عز وجل أن يحرّر قرارنا…