اضغط «احفظ PDF» ثم اختر حفظ كملف PDF من نافذة الطباعة
الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ أ.د. عبد الله الزبير عبد الرحمن

علماء السلطان

اللهم فصلِّ وسلم وبارك عليه، وعلى آله الطيبين الطاهرين، وأصحابه الغرِّ الميامين الذين شادوا الدين، ومن اتبعوهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد، فيا أيها المسلمون،

النعم إن لم تُطلب بها المنعم، المنعم عز وجل، انقلبت إلى نقم. النعم إن لم تتوجَّه إلى عمارة آخرتك، توجَّهت إلى خراب أهلك وأمتك. النعم إن لم ترقُ بأصحابها إلى مقام الصالحين المصلحين، أودت بهم إلى درك المفسدين المسيئين.

فالملك والأمير والسلطان إذا استخدم سلطانه وملكه لتمكين ذاته، لا لخدمة شعبه وصلاح رعيته وأمته، عندئذٍ بغى وطغى واغتصب واعتدى واستعبد الناس وتفرعن حتى يعلن: ﴿ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَىٰ ﴾ [النازعات: 24].

كذلك التاجر إذا طلب بتجارته التمكين لنفسه في الدنيا، والتفوق على الآخرين، والاستزادة من ماله، والاعتلاد على عرش التمكن التجاري، وأغلق أبوابه عن الربح، عندئذٍ أكل الحرام وأكل أموال الناس بالباطل ضرورة، وأخذ الربا، وبايع بالغرر، وغش في السوق، وخدع إخوانه، وظلم وبطر وما شكر، وأحل قومه دار البوار.

كذلك العالم إذا جعل همته التمكن في الدنيا بعلمه، والرفعة في الدنيا بعلمه، والتفوق على إخوانه في الدنيا ومنافستهم. إذا جعل العالم همته الفوز بالدنيا ولو في غفلة عن الآخرة. إذا جعل العالم همته جمع حطام الدنيا وخدع الدنيا بالدين، عندئذٍ انسلخ من لحمة الهدى في المهديين، وأتبعه الشيطان فكان من الغاوين. ومن الغاوين كان حقه أن يكون وارث الخير والرشد والصلاح والسداد في كل قلب، لكنه بان سلاخه عن ذلك انحط إلى حال الكلب، فضُرب به مثل الكلب.

﴿ وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَٰكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَٰلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ ﴾ [الأعراف: 175-176].

هؤلاء هم علماء السوء، من علماء السلطان وعلماء السوق. مصطلح عالم السلطان اشتهر الآن وظهر بعد عصر التابعين، وبعد القرون الثلاثة الخيرة للأمة، عندما انفصل السلطان عن القرآن، وعندما تخلى الأمراء عن خلافة النبوة في حراسة الدين وسياسة الدنيا به.

كثر في هذه الأيام اتهام المشايخ والعلماء والدعاة بأنهم علماء سلطان. كثير في الصحف، وفي وظائف الهواتف، وفي مجالس الأنس، وفي المنتديات، وفي حلقات النقاش، وفي قاعات الدين والتداول. عالم السلطان صحيح هو كل من يداهن الحكام والسلاطين، أو هو من يستعين به الأمراء والحكام في شؤونهم الدينية. ولكن ليس كل عالم يخالط الحكام من علماء السوء، هم ليسوا سواء. هناك عالم يخالط السلاطين والحكام لكن على الصدق والمناصحة، وهناك عالم يخالطهم على المداهنة والمنافقة. فالتعميم ظلم.

هذا الأخير الذي يخالط الحكام على المداهنة والمنافقة هو المقصود بالتعريض بعلماء السلطان، هو عالم السلطان المداهن، لا عالم السلطان الناصح. وهؤلاء هم والله مصيبة من مصائب الأمة. هم يد السلطان الباطشة، هم نفس السلطان الظالمة، هم سلوك السلطان المضيع لحقوق الله وحقوق الرعية، هم فكر السلطان المنحرف، هم عقل السلطان الخرف، هم قلب السلطان المريض، هم هوى السلطان المنجرف. نعوذ بالله أن نكون منهم، ونسأل الله أن يسلمنا من حالهم.

علاماتهم:

العلامة الأولى: عالم السلطان المداهن يكثر من الدعاء للظلمة، من الشكاء، يدعو للحاكم الظالم بالنصر والبقاء. وبذلك يقول الحسن البصري رحمه الله تعالى: «من دعا لظالم بالبقاء، فقد أحب أن يعصى الله في أرضه». وهؤلاء تبرأ رسولنا صلى الله عليه وسلم منهم، فقال كما في سنن البيهقي: «إنه سيكون بعدي أمراء، فمن صدقهم بكذبهم وأعانهم على ظلمهم، فليس مني ولست منه، ولن يرد علي الحوض».

العلامة الثانية: أن عالم السلطان المداهن معروف بالركون إلى الظلمة من السلاطين، بل مغرور بصحبتهم، فرح بصحبتهم، حبور، يفتخر أنه يصاحب السلطان ويجالس السلطان الظالم. وقد غفل هذا عن قول الله تعالى: ﴿ وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ ﴾ [هود: 113]. العلامة الثالثة: أنه معروف بالتبرير لظلمهم و بتهوين معاصيهم، بل يخترع لهم المسوغات والحيل الدينية.

العلامة الرابعة: أنه لا يقول لهم كل ما يرضيهم في مجالسهم ويوافقهم علمهم عليه، وإن كان في نفسه مضطربًا لهم. قال أناس لابن عمر رضي الله عنهما: «إنا ندخل على سلطاننا فنقول له خلاف ما نتكلم إذا خرجنا من عنده». فقال ابن عمر: «كنا نعدها نفاقًا». فحالهم كما قيل:

إن الأمير إذا تكلم بالخطأ، قالوا أفاض وصدقوا ما قاله وإذا الحكيم أو الحليم أصابه، قالوا كلهم أخطأت يا هذا وقلت ضلالًا لماذا؟ لأن الجواري في الأماكن كلها تُسِرُّ الرجال مهابةً وجلالًا فهي اللسان لمن أراد فصاحةً وهي السلاح لمن أراد قتالًا

العلامة الخامسة: أنه معروف عند العلماء العاملين بأنه عالم دنيا، طالب دنيا بعلمه، وطالب الدنيا بعلم الدين أي بئيس، كمن قضى لنعله يمسح بالخلاقة. قال يحيى بن معاذ رحمه الله: «إنما يذهب بهاء العلم والحكمة إذا طلب بهم الدنيا». ومرة رحمه الله تعالى عليه نادى في العلماء، قال لهم: «يا أصحاب العلم، قصوركم قيصرية، بيوتكم كُسروية، أثوابكم ظاهرية، أختامكم جنودية، مراكبكم قانونية، أوانيكم فرعونية، مآدبكم جاهلية، ومذاهبكم شيطانية».

هؤلاء هم علماء السلطان على المداهنة والمنافقة. هم الذين أورثوا صدر الخليفة على إمام أهل السنة أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى، فعذب بسببهم وضُرب وحُبس وجُلد وأُهين رضي الله عنه. قال أحمد بن أبي دؤاد، قاضي الخليفة: «هم والله يا أمير المؤمنين ظالم مضل مفترج». وقال أحدهم عبد الرحمن بن إسحاق الشافعي أو ابن سماعة قال: «يا أمير المؤمنين، هؤلاء هم علماء السلطان المداهنون».

علماء السلطان على المداهنة هم الذين شحنوا قلب الواثق رحمه الله على المحدث الفقيه الإمام أحمد بن نصر الخزاعي رحمه الله تعالى. فقال عبد الرحمن بن إسحاق: «يا أمير المؤمنين هو حلال الدم». وقال أبو عبد الله الأرماني: «افقد دمه يا أمير المؤمنين». وقال ابن أبي دؤاد: «هو كافر». لما عُذب، قام إليه الواثق وقال: «لا يعترضني أحد».

فأشهر سيفه وقطع رأسه، قتله بنفسه. فطار رأس أحمد بن نصر الخزاعي وهو يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمد رسول الله. وقد انفصل رأسه عن جسده. بل لما أمر بحجره على رأسه الواثق بأن يعلقه على جسد بغداد ثلاثين يومًا، ما ينتصف الليل يدور الرأس إلى القبلة ويبدأ يقرأ القرآن ثلاثة ليال، حتى اجتهد ذلك رحمة الله تعالى عليه.

هؤلاء هم موجودون في كل عصر، يثيرون إلى الأمة وإلى علماء الأمة، يثيرون ولا يصلحون. مقاطع الفيديو منتشرة هذه الأيام، وأحد هؤلاء يقول: «لو ظهر السلطان الحاكم على برنامج في شاشة التلفزيون نصف ساعة كل يوم يغني ويشرب الخمر، لا يجوز الإنكار عليه». شريعة من هذا؟ ودين من؟ وسنة من؟ في أي آيات الكتاب أن يظهر ويشهر الحاكم المعصية ونسكت نحن ويحرم علينا الإنكار عليهم؟ شريعة من؟

آخر أيضًا من المقاطع المنتشرة، آخر يقول: «من حق الحاكم أن يقتل ثلث الشعب أو الثلثين ليبقى الثلث الآخر». شريعة من هذا؟ وبدين من يتكلمون؟ وذلك يقول: «طاعة الحاكم ولو كان ظالمًا». نعوذ بالله أن نكون من الجاهلين. ورب أن يقول: «انرب في المليان». وقف المنتجات ألف، ألفين، ثلاثة، أربع، أضل من اليهود والنصارى. بشريعة من يتكلمون؟ وبدين من؟ ودين من؟ يُنصرون من الحكام هذه الأيام؟ مئات آلاف، مئات آلاف المسلمين يقتلون، برروا لهم ما يقتلون من المرات والذنوب والمعاصي من الكبائر. وهذا لا يجوز.

هؤلاء نعم هم علماء السلطان، لكنهم على المداهنة والمنافقة، لا على المناصحة. لا على الصدق والمناصحة. أقول قولي هذا وأستغفر الله لكم فاستغفروه إنه غفور.

الخطبة الثانية:

الحمد لله رب العالمين. وصلى الله وسلم على آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا.

ثم أما بعد،

هؤلاء هم علماء السلطان الذين يخالطون السلطان على المداهنة والمنافقة. ولكن فئة أخرى نعم يجتمعون مع الحكام، يجالسون الحكام، يتكلمون مع الحكام، يعملون للحكام، يستعان بهم في شؤون كثيرة، لكنهم ما باعوا. لا يبررون للحاكم ما يفعل من الأخطاء، ولا يسهلون له ما يرتكب من المآثم، ولا يبحثون له عن الحيل المحرمة ليسهل أفعاله. لا، إنما هم يخالطون الحكام على الصدق والمناصحة. يجتمعون.

يحيى بن يحيى الليثي، رحمه الله تعالى، هو ناقل المذهب المالكي في الأندلس والمغرب. فجاءنا مذهب بلادنا بأول من نقله هو. ثم تجول المذهب حتى جاء إلى بلادنا الحبيبة رحمه الله تعالى، وهو راوي تولى عن الإمام مالك، هاجر من الأندلس إلى المدينة، فصاحب مالكًا، وأفضل رواية رواية يحيى بن يحيى الليثي. كان حاكم الأندلس يجلس مع كبار العلماء، ثم في يوم من أيام رمضان واقع جارية من جواريه، مرت أمامه جارية فلم يصبر عليها في نهار رمضان فوقعها. هي ملك يمينه نعم، لكنه في نهار رمضان، لا يجوز المباح محرم إن كان أكلًا أو شربًا أو جماعًا في نهار رمضان. فانتهك حرمة نهار رمضان بالوقوع في جارية.

وطلب يجدون له مخرجًا. خشي يحيى بن يحيى الليثي لو تصدر بالكلام ولم يبادر أن يفتيه أحد العلماء بأخف الأحكام، وعند المالكية لكن من انتهك نهار رمضان بمثل هذا بأكل أو شرب أو جماع عنده أحد ثلاثة خيارات: إما عتق رقبة، وإما إطعام ستين مسكينًا، وإما صيام شهرين متتابعين. أحد الثلاثة خيارات، على خلاف المذاهب الأخرى مخير من بعد ذلك. لكن يحيى خشي أن يُكتب أخف الأقوال فبادر وقال: «يا أمير المؤمنين، ليس لك إلا أن تصوم شهرين متتابعين».

هو شيخهم جميعًا، فسكتوا جميعًا وفي نفوسهم شيء. فلما خرجوا، قالوا له: «يا شيخ، أقسيت على الحاكم؟ شققت عليه؟ ضيقت عليه؟ خرفت مذهبًا؟ أنت علمتنا أن الخيارات الثلاثة كان على الخيار، لعن الإلزام يعني صوم شهرين متتابعين».

فقال رحمه الله تعالى عليه: «إن شرعت الكفارات للزجر، ولو قلنا لأمير المؤمنين: اعتق رقبة، لو قلنا لهم: أطعم ستين مسكينًا، لاستطاع أن يطعم في كل يوم ألف مسكين وواقع عشر جاريات. فلا ينزجر بمثل هذه الفتاوى، فلا ينزجر إلا أن يصوم شهرين متتابعين». رحمه الله تعالى عليه.

أبو يوسف، قاضي الرشيد، هارون الرشيد، كان عالمًا، هو صاحب أبي حنيفة رحمه الله تعالى عليه الذي تنبأ له أبو حنيفة وهو صغير يأتي ويطلب العلم عنده، فقال: «إن هذا سيكون له شأن عظيم وسيأكل الفيروزج بدهن الفستق في صحن الفيروزج». فمرت الأيام وكان جالسًا عند هارون الرشيد، فجيء بصحنه، فقال له هارون: «تقدم يا قاضينا فإن هذا لا يصنع لنا كثيرًا». فقال: «وما هو يا أمير المؤمنين؟».

قال: «إنه الفيروزج بدهن الفستق». فتبسم أبو يوسف وتذكر كلام أبي حنيفة رحمه الله تعالى عليه. تحققت نبوءة أبي حنيفة لأبي يوسف. وكان قاضي قضاة الدنيا رحمه الله تعالى عليه. فقال هارون: «ما يضحكك؟». قال: «لا شيء يا أمير المؤمنين». قال: «لا، قل ما يضحكك». فحكى له الخبر، فبكى هارون الرشيد وقال: «رحم الله أبا حنيفة، كان ينظر بعين قلبه لا بعين رأسه». رحمه الله تعالى عليه.

أبو يوسف هو قاضي هارون الرشيد رد شهادة وزير هارون، الفضل بن الربيع. رفض أن يقبل شهادة الفضل بن الربيع، وهو الوزير، رئيس الوزراء يعني، أكبر مسؤول في الدولة بعد هارون مباشرة. فعاتبه الرشيد: «كيف ترد شهادة الفضل؟ أأسأت إليه؟ شهرت به؟ كيف تفعل ذلك؟». فقال: «يا أمير المؤمنين، سمعته يومًا يقول للخليفة، والخليفة هو نفسه هارون، سمعته يومًا يقول للخليفة: »إن يقول لك، لكن قال لي: يقول للخليفة: «أنا عبدك». فإن كان صادقًا فلا شهادة للعبد، وإن كان كاذبًا فلا شهادة لكاذب. ويا أمير المؤمنين إن لم يبالي في مجلسك بالكذب، فلا يبالي في مجلسي”. فعذره الخليفة رحمه الله تعالى عليهم.

مفتي تونس، محمد الطاهر بن عاشور، صاحب كتاب «التحرير والتنوير»، من أعظم تفاسير هذا العصر، رحمة الله تعالى عليه: بورقيبة، بورقيبة قرّر تحريم الصيام في رمضان، تحريم صيام رمضان، وقال: صيام رمضان -هه- رمضان يعطّل الإنتاج! وطلب من مفتي الديار التونسية أن يؤكد…

https://azubair.net/sermon/%d8%b9%d9%84%d9%85%d8%a7%d8%a1-%d8%a7%d9%84%d8%b3%d9%84%d8%b7%d8%a7%d9%86/ — azubair.net