اضغط «احفظ PDF» ثم اختر حفظ كملف PDF من نافذة الطباعة
الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ أ.د. عبد الله الزبير عبد الرحمن

نصرة الصحابة لخير البشر صلى الله عليه وسلم

إن الحمد لله، نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا. من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وحبيبه، وصفيه، وخليله، أرسله الله بالهدى ودين الحق ليُظهره على الدين كله ولو كره المشركون.

اللهم صل وسلم وبارك على حبيبك وصفيك ونبيك محمد صلى الله عليه وسلم، وعلى آله الطيبين الطاهرين، وأصحابه الغُرِّ الميامين الذين شادوا الدين، ومن اتبعوهم بإحسان إلى يوم الدين. سلامي إلى سيد المرسلين، شفيع الخلائق في المزدحم، وأصحابه الغُرِّ، أهل الفضيلة، أهل الذمم، أراهم بقلبي في مهجتي يذودون عن ديننا، والقيام تشع على الكون أنوارهم، وتسري تُبدّد عنا الظلم.

ومن لم يهم بالرسول الكريم يعاني التردي وفرط السقم، فأكثر صلاةً على المصطفى تفوز بالرضا والمُنى والكرم. اللهم صل وسلم وبارك على هذا النبي الأمّي الذي أنزلت على قلبه كتابك وكلامك، الذي جعلته خاتم النبيين، وجعلته خير المرسلين، وأكرمتنا باتباعه والإيمان به وبرسالته. اللهم اجعلنا ممن أحب نبيك بتوفيقك وصدقه بإرشادك، وأمِتنا اللهم على ملَّته برحمتك، واحشرنا اللهم في زمرته بنعمتك.

أما بعد: فيا أيها الإخوة المسلمون، رأينا في الخطب الماضية كيف أن غير البشر لا يصبرون على أذى خير البشر صلى الله عليه وسلم، ما أوذي رسول الله، فوجَدوا فرصة للانتقام فتأخروا أو تباطؤوا؟ بل بادروا فانتقموا دفاعًا وحمايةً لجناب المصطفى الحبيب صلى الله عليه وسلم. لم يكن ذلك إلا حبًّا لرسول الله عليه الصلاة والسلام، فالمحب الصادق لا يصبر على أذى رسول الله، والمدّعي هو الذي ذاك شأنه سواء عنده أن يُسب النبي أو لا يُسب، ولو وجب عليه أن يقف موقف نصرة لا اعتذر، ولا بحث من المعاذير ما يردّه، لا حكمةً ولا اتباعًا لهدي المصطفى صلى الله عليه وسلم في ذلك.

ولهذا كان نصرة المصطفى من صالح الأمة، ومن اتبعه من المؤمنين. حسبك الله يا أيها النبي، حسبك الله، ومن اتبعك من المؤمنين. ليس كل نبي يكون حسبه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وليس كل مؤمن يكون حسبه نبي الله، وليس كل مؤمن يكون ناصرًا لرسول الله حاميًا لجناب رسوله صلى الله عليه وسلم. فإن تظاهر عليه فإن الله هو مولاه، وجبريله، وصالح المؤمنين. إذن المؤمنون عندما يُؤذى النبي صلى الله عليه وسلم على صنفين:

صنف ينتصر له صنف يكون حسبه وصنف لا

فالذي يكون ناصر النبي صلى الله عليه وسلم هو من صالح المؤمنين ممن اتبع النبي صلى الله عليه وسلم، وذلك من محبته عليه الصلاة والسلام. فإن من أعظم وأظهر علامات المحبة الصادقة لرسول الله صلى الله عليه وسلم عدم الصبر على أذاه عليه الصلاة والسلام. ولنجد ذلك في صالح المؤمنين: أبو بكر الصديق شيخ المؤمنين، أصدق المؤمنين، خير المؤمنين بعد النبيين رضي الله تعالى عنه.

في يوم الهجرة، وليلة الهجرة الأولى، لما خرج مع النبي صلى الله عليه وسلم خشي على رسول الله مما يتوقع ويُحتمل أن يقع عليه من الأذى رضي الله تعالى عنه، فكان في طريقهما إلى الغار يمشي أمام النبي صلى الله عليه وسلم ساعة ثم يرجع فيمشي خلفه ساعة، ثم يمشي أمامه ساعة ثم يسرع فيمشي خلفه ساعة رضي الله تعالى عنه.

فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: ما لك يا أبا بكر؟ قال: بأبي أنت وأمي يا رسول الله، أذكر الطلب فأمشي خلفك، وأذكر الرصد فأمشي أمامك. يتصور أنه ربما يأتي من الخلف مطارد فيسرع إلى خلف النبي صلى الله عليه وسلم ليُصاب هو دون النبي عليه الصلاة والسلام، ثم يتخيل أن يكون أمامه كمين أو رصد، فيسرع فيمشي أمام النبي صلى الله عليه وسلم ساعة خوفًا من أن يُصاب النبي عليه الصلاة والسلام أو يُؤذى بشيء.

فإذا وقع شيء أصيبه دون النبي عليه الصلاة والسلام. فقال له النبي عليه الصلاة والسلام: حملك هذا حملك على هذا حب الله ورسوله. قال: نعم بابي أنت وأمي. فقال له: لو كان شيء اقتلت دوني؟ قال: نعم يا رسول الله. إن قتلت أنا فإني رجل واحد، وإن قتلت أنت هلكت الأمة.

فقه رفيع، حب عالٍ، نصرة صادقة، اتباع صادق، رضي الله تعالى عنه وأرضاه. إن قتلت أنا، انظروا فقه النصرة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، إن قتلت أنا فإني رجل واحد، وإن قتلت أنت هلكت الأمة رضي الله تعالى عنه. هكذا حتى انتهيا إلى الغار، رضوان الله تعالى عليه.

اسمعوا عمر كيف يتصور هذا المقام مقام أبي بكر رضي الله عنه في نصرة رسول الله صلى الله عليه وسلم: يقول عمر: وددته لو أن عملي كله مثل عمله، أي عمل أبي بكر، يومًا واحدًا من أيامه وليلة واحدة من لياليه. أما الليلة الواحدة فليلته في الغار، فإنه لما انتهيا إلى الغار، قال أبو بكر رضي الله عنه لرسول الله صلى الله عليه وسلم: “مكانك يا رسول الله حتى أدخل فأستبرئ لك المكان.” كل ذلك خوفًا مما يؤذي رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى لو شوكة أو شيئًا من الهوام أو شيئًا مما يؤذي الناس.

فدخل أبو بكر رضي الله عنه، فمسح المكان للنبي صلى الله عليه وسلم ونظف المكان. فوجد في جانب الغار ثقبًا حجريًا، فشق إزارَه فسده به، ثم نظر فوجد ثقبين آخرين، فجلس أبو بكر رضي الله عنه ومد رجليه فألقمهما رجليه. رضي الله تعالى عنه، سد الثقبين برجليه، كل ثقب برجل. رضي الله تعالى عنه. فنظر، فلما اطمأنّ إلى الغار قال للنبي صلى الله عليه وسلم: “الآن فادخل يا رسول الله صلى الله عليه وسلم.”

فدخل النبي صلى الله عليه وسلم وكان مرهقًا، لم ينم ليلتين أو ثلاثًا، فكان من الإرهاق ما لا يحتمل، وضع رأسه على فخذ أبي بكر رضي الله عنه ونام. ولكنّ أبا بكر رضي الله عنه لُدغ من الجحر، وربما من الجحرين، لدغ، ويصبر، يلدغ ويصبر، ما تحرك، رضي الله عنه، ما التفت، ما سحب رجله، بل ما تحرك أبدًا خوفًا من أن ينتبه النبي صلى الله عليه وسلم من أذى.

لا إله إلا الله، نحن مؤمنون برسول الله، من إثبات المصطفى وندائي محبته. وهذا متبع مؤمن برسول الله، متبع لرسول الله. فليقارن كل واحدٍ منا حاله بحال هذا الحدث. وهذه الوقفة وهذه النصرة ما تحرك، يلدغ ويلدغ ويلدغ فانتشر السم في جسد أبي بكر رضي الله عنه واعتصره الألم وهو يتماسك ويصبر حتى لا ينتبه، يخاف أن يؤذى نبي الله حتى في نومته. رضي الله تعالى عنه، ولكن ترجم هذا الألم اعتصر حتى سقط دموعًا على خد النبي صلى الله عليه وسلم من شدة الألم. رضوان الله تعالى عليه.

فانتبه النبي عليه الصلاة والسلام، فقال: “ما لك يا أبا بكر؟” “بأبي أنت وأمي.” أي لدغتي في ذلك، وإذا أنا في ذلك، وجرحي في ذلك، ونفسي في ذلك، بل في ذلك أبي وأمي يا رسول الله صلى الله عليه وسلم. فأخذ النبي صلى الله عليه وسلم رجل أبي بكر، فتفل عليه فذهب الذي كان يجده من الألم، وبرأ.

ولكن انتقض عليه هذا الألم وهذا الجرح في آخر أيامه، فكان سببًا لموته كما روي رضي الله تعالى عنه. أيّ تضحيةٍ مثل هذه؟ وأي حب هذه الدرجة؟ لكن هو حب المصطفى صلى الله عليه وسلم، أظهر علاماته عدم الصبر على أذاه مهما كانت درجة الأذية للنبي صلى الله عليه وسلم.

علي ابن أبي طالب رضوان الله تعالى عليه، والصحابة ما كانوا يقبلون ولا يحتملون ولا يصبرون على أي نوع من أنواع الأذى للنبي صلى الله عليه وسلم. علي بلغه أن النبي صلى الله عليه وسلم قد أصابه إصابة خصاصة جوع، ما وجد ما يأكله نبي الأمة خير المرسلين، بل خير البشر على الإطلاق، خير الخلق، أحب الخلق إلى الله جائعًا لا يجد ما يأكله، وأصناف المطاعم والمشارب بأنواع لا يصدقها جماهير الأمة عنده أصحاب السلطات وأصحاب المال من اتباع المصطفى صلى الله عليه وسلم. والملايين جائعة، ألوف مئات الآلاف في بلادنا وفي بلاد غيرنا، لا يجدون قيمة الباندول شراب باندول لأطفالهم، والناس يتمتعون بأوسع ما يكون.

ورسول الله أحب الخلق إلى الله جائع، سمع ذلك علي رضي الله عنه، فما صبر وما فكر، خرج ما وجد شيئًا في بيته ليقدمه للنبي صلى الله عليه وسلم، لكنه خرج يطلب عملًا ليستجلب طعامًا للنبي صلى الله عليه وسلم. فما وجد عملًا إلا في بستان يهودي أن يسقي له سبعة عشر نخلة، في كل نخلة دلوا من ماء، فوافق، ولكن كم أجرة الدلو؟ تصوّروا كم أجرة الدلو؟ تمرة، تمرةٌ أجرةُ كل دلو ليسقي نخله. لذلك اليهودي أولاً يؤاجر نفسه لليهودي، وكل دلو بتمرة واحدة كما في تاريخ ابن عساكر.

ثم لما انتهى قدم له اليهودي فخيره بين التمر، فاختار سبع عشرة عجوة، يتخير أفضل التمر. وما أكله تمرة، وما كان يفكر أن يأخذ شيئًا من ذلك، إنما همه إزاحة الخصاصة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. فجاء بهذا التمر إلى النبي عليه الصلاة والسلام. فقال له: ما هذا يا أبا الحسن؟ قال: بلغني أنك في خصاصة، فخرجت ألتمس عملًا لآتيك بطعام. فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: حملك على هذا حب الله ورسوله. قال: نعم يا رسول الله.

فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: ما من عبد يحب الله ورسوله إلا الفقر أسرع إليه من جِرية السيل على وجهه، ومن أحب الله ورسوله فليُعِدَّ للبلاء تِجفافًا. رضي الله تعالى عنه. المؤمن الصادق، المحب الصادق لرسول الله، لا يصبر على أذى رسول الله، بل يسعى لحمايته، المصطفى الحبيب، مما يتوقع أن يؤذيه أو يقع عليه أذى.

سعد بن الربيع في غزوة أحد رضي الله عنه، بعد انجلاء المعركة، فقده النبي صلى الله عليه وسلم وكان يتفقد أصحابه. كخير صاحبٍ صلى الله عليه وسلم، فقد سعد بن الربيع وهو من الأنصار الأخيار الأبرار. فقال: «من رجلٌ ينظر لي ما فعل سعد بن الربيع؟ أفي الأحياء هو أم في الأموات؟» فقال رجل من الأنصار: أنا أنظر لك يا رسول الله ما فعل سعد؟ فصار يبحث عن سعد في الموتى، في القتلى، في الشهداء.

فوجد سعد بن الربيع وبه رمق، ما زال حيًّا. فقال له: يا سعد، بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أنظر، ما فعلت؟ أفي الأحياء أنت أم في الأموات؟ فقال سعد: بل أنا في الأموات. انتهى الأمر، لم يبق إلا رمق، لم يبق إلا لحظات ويموت. فقال له سعد: أبلغ عني رسول الله السلام. وقل له: إن سعد ابن الربيع يقول لك جزاك الله خيرًا، جزاك الله عنّا خير ما جزى نبيًّا عن أمته. وأبلغ عني قومك السلام، أي الأنصار. وقل لهم: إن سعد ابن الربيع يقول لكم والله لا خير فيكم عند الله إن وصل إلى نبيكم شيء وفيكم عين تطرف. ثم مات سعد رضي الله عنه ثم خرجت روحه.

حسن خاتمة، خوف على النبي صلى الله عليه وسلم، ينصح وهو يموت من وراءه أن يدافع عن رسول الله، أن يحموا جناب الرسول صلى الله عليه وسلم من كل أذية تلحقه عليه الصلاة والسلام. فأي حب هذا الحب الذي كان يحبه الصحابة لرسول الله صلى الله عليه وسلم؟

زيد بن الدَّثِنة يضرب لنا مثالًا آخر، أمسك به أهل مكة، وكانوا في حنق وغيظ من قتلهم في بدر، فأخذوا به وخرجوا به من الحرم ليقتلوه ثم صلبوه على شجرة، قيدوا يديه إلى الخلف إلى الشجرة وصلبوه صلبًا كاملاً، وما بقي إلا أن يضرب عنقه بالسيف، وقد أظهروا سيوفهم ليقتلوه.

فصبرهم أبو سفيان، وكان كافرًا، كان زعيم المشركين، ثم جاء إلى زيد وقال له: أنشدك الله يا زيد، أنشدك الله، أتُحب أن محمدًا الآن في مكانك الذي أنت فيه نضرب عنقه، وأنك جالس في أهلك؟ قال زيد: وما تردد، وما فكر، وما قال احتال عليهم حتى يفكه، يطلق صراحي؟ لا، إنما رده فورًا لما قالوا ذلك. قال: لا والله لا أحب أن محمدًا الآن في مكانه الذي هو فيه تصيبه شوكة تؤذيه. لا إله إلا الله.

فشهد لحب أصحاب محمد لمحمد هذا الكافر العنيد، آنذاك: أبو سفيان. فقال: ما رأيت في الناس أحدًا يحب أحدًا كحب أصحاب محمد لمحمد رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم. جعلنا الله منهم وألحقنا بهم. اللهم اجعلنا من أحباب المصطفى، من نصرة المصطفى، من حماة المصطفى، وهديه وسنته. أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية:

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

ثم أما بعد: هكذا تمعوا خير البشر، خير الناس، خير أحباب المصطفى مع غير البشر في نصرة المصطفى الحبيب صلى الله عليه وسلم، لا يحتملون أذىً يقع عليه حتى لو كان محتملاً.

عمر بن الخطاب رضي الله عنه جاءه رجلان، فقال أحدهما: يا عمر، خاصمني هذا فاقضِ بيننا. فقال: اختصمنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فحكم لي عليه، فلم يرضَ. فقال: نذهب إلى أبي بكر، فطاوعته، فذهبنا إلى أبي بكر فقضى أبو بكر بما قضى به رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال: لا أرضى، لم يرضَ حكم النبي، قضاء النبي، ولم يرضَ قضاء أبي بكر رضي الله عنه. فقلت: ماذا تريد؟ قال: ليقضِ بيننا عمر. فجئنا إليك.

فسأل الذي طلبه ولم يرضَ بقضاء النبي صلى الله عليه وسلم. آها، كذا؟ قال: كذلك.

فقال لهما: مكانكما حتى أخرج إليكما فأقضي بينكما. فدخل عمر، فأشهر سيفه وجاء بسيفه فقطع عنق هذا المنافق. قطع عنق المنافق الذي لم يرضَ بقضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال: هكذا الحكم فيمن لم يرضَ بقضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم. فخرج ذاك مسرعًا خاف أن يقتله عمر.

فذهب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخبره الخبر. فلم يرضَ النبي صلى الله عليه وسلم بفعل عمر، ولكن القرآن يتنزل، يأتي جبريل مسرعًا إلى رسول الله يلقي على قلب المصطفى الحبيب آية عظيمة توافق فعل عمر.

يقول الله تعالى فيها: ﴿ فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ﴾ [النساء: 65]

من لم يرضَ بقضاء رسول الله خرج من الإيمان للنفاق. وهذا هو القضاء الحق. لم يصبر عمر رضي الله عنه لأن في ذلك شيء من الأذى يلحق رسول الله، وفعل رسول الله، وفعل للرسول الله صلى الله عليه وسلم. كيف لا يرضى مؤمن بقضاء النبي صلى الله عليه وسلم؟ ففي هذا إيذاء للرسول، وإيذاء للقرآن، وإيذاء للسنة، وإيذاء لحكمه، وحكمه مرضٍ عند الله. جل ما كانوا يرضون.

جاء النبيَّ صلى الله عليه وسلم وهو يقسم غنيمة، فقال رجل وهو منهم وكان يقاتل في صف المسلمين وكان تحت لواء المصطفى صلى الله عليه وسلم: “يا محمد، أعدل، فإنك لم تعدل.” قال: «ويلك، ومن يعدل إن لم أعدل؟» قال: «قد خِبتَ وخسرتَ إن لم أعدل».

فما احتمل عمر ذلك، بل أشهر سيفه واستأذن النبي صلى الله عليه وسلم، يقول له: “دعني يا رسول الله أضربه، أقتل هذا المنافق الخبيث.” فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: “دعه يا عمر، لا يتحدث الناس أن محمداً يقتل أصحابه، إن هذا مع أصحابه يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية.”

ولما قال عبد الله بن أُبيّ ابن سلول، رأس النفاق: ﴿ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ ﴾ [المنافقون: 8]، أشهر عمر سيفه، يستأذن النبي صلى الله عليه وسلم، النبي صلى الله عليه وسلم يرد عليه: “دعه يا عمر، لا يتحدث الناس أن محمداً يقتل أصحابه.”

إذن نحن لا نصبر على أذى نبي صلى الله عليه وسلم. ونحن نقول: نبادر فنقتل الآن!. وعمر يستأذن النبي صلى الله عليه وسلم، والرسول صلى الله عليه وسلم يرشده. يقول له: “لا يتحدث الناس أن محمداً يقتل أصحابه.” لا، حتى لا تتحدث الأمم في رواية أن محمداً يقتل أصحابه.

والله عز وجل في ذلك يقول: ﴿ وَلَوْلَا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَئُوهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ لِيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا ﴾ [الفتح: 25]

في هذا كله دليل على أن الحكم واجب، وفيما قلناه سابقًا أنه لا بد من التفريق بين الحكم ومحل الحكم. لما أريد أن أُنزل الحكم لا بد أن تتوافر الشروط، وأن تتحقق الأسباب، وأن تندفع الموانع، حتى يقع الحكم في محله.

فالنبي صلى الله عليه وسلم نبهنا: “لا يتحدث الناس أو الأمم أن محمداً يقتل أصحابه.” فالسيرة السيئة عن الأمة يجب أن تمنع فعل الواجب، من موانع فعل الواجب، وإن وجب، وإن خاف على إخواننا في الغرب، في أوروبا الآن كم يعانون. أكثر من خمسين مسجدًا اعتدي عليه. الآن كل مسلم يترصد، يتابع هاتفه، بيته مراقب، أولاده مراقبون، يؤذون إذا دخلوا بقالة، أو أذوا إذا ذهبوا إلى المدارس، أذوا إذا وجدوا في الطريق أذوا.

لذلك منع الله عز وجل القتال في مكة لأن لا يؤذى المؤمنون الذين لا نعلمهم ولا نعلم حالهم وكيف يكونون. ﴿ وَلَوْلَا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَئُوهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ ﴾ [الفتح: 25] العاقبة السيئة تندم تبكي عليهم، ولكن فعلتم ذلك بأيديكم. سيد الإمام مالك سئل: هل يقذف إيرما مركب فيه كفار محاربون ومعهم المسلمون؟ أجاب: لا، لأن لا يؤذى المسلمون.

ولذلك لا بد أن ننتبه، نعم نفرق بين الحكم ما وجدنا فرصة.

قال تعالى: ﴿ لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا ﴾ [الفتح: 25] أي بايد المؤمنين لو تزيلوا، أي تميزوا، لو استطعنا أن نميز الكافر المسيء للنبي صلى الله عليه وسلم من المؤمنين نقتله، نعم نترصده ونقتله، وهذا ما فعله الذي قتل مخرج الفيلم الهولندي، والسويدي، أو الدنماركي. ذاك ترصده ثلاث سنوات يتبعه حتى عرف من أين يأتي ومن أين يذهب وفي أي طريق يسلك حتى وجده خاليًا في طريق فقتله.

ولكنه أساء حينما وضع بيانًا في السكين، السكين التي طعن بها، فعرفوا حاله وتتبعوه وأمسكوا به، ثم اتهموا الأمة.

اللهم أرنا الحق حقًا، وارزقنا اتباعه، وارنا الباطل باطلاً، وارزقنا اجتنابه. اللهم اهدنا في من هديت، وعافنا في من عافيت، وتولنا في من توليت، وبارك لنا فيما أعطيت، وقِنا واصرف عنا شر ما قضيت، فإنك تقضي ولا يُقضى عليك، وإنه لا يذلّ من واليت، ولا يعز من عاديت. تباركت ربنا وتعاليت.

اللهم انصر الإسلام وأعزّ المسلمين، اللهم أذلّ الكفر والمشركين، اللهم عليك بأعدائنا أعدائك أعداء الدين يا رب العالمين، اللهم انصرنا يا كريم يا رحيم، انصر أمة محمد، وحكّم كتابك في أمة محمد، اللهم أرشد ولاة أمورنا، واحملهم على تحكيم شريعتك فينا، في أمة محمد صلى الله عليه وسلم، اللهم احملهم على الاهتداء بهدي المصطفى الحبيب صلى الله عليه وسلم، والنزول -بل الارتفاع- إلى سنة الحبيب المصطفى عليه الصلاة والسلام.

اللهم لا تدع لنا في مقامنا هذا ذنبًا إلا غفرته، ولا همًّا إلا فرّجته، ولا دَينًا إلا قضيته، ولا حاجةً من حوائج الدين والدنيا إلا قضيتها بيُسرٍ منك ونعمة، يا أرحم الراحمين.

اللهم من بنى هذا المسجد، أو عمّره، أو خدمه، أو أعان فيه، أو صلى فيه، اللهم اغفر لهم وارحمهم، اللهم بارك لهم في أموالهم، بارك لهم في أعمارهم، بارك لهم في أبدانهم، بارك لهم في أولادهم يا رب العالمين، اللهم يا كريم يا رحيم اجعلهم خير أمة محمد صلى الله عليه وسلم. اللهم صلِّ وسلم وبارك على حبيبك ونبيك محمد صلى الله عليه وسلم. قوموا إلى صلاتكم يرحمكم الله.

https://azubair.net/sermon/%d9%86%d8%b5%d8%b1%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%b5%d8%ad%d8%a7%d8%a8%d8%a9-%d9%84%d8%ae%d9%8a%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d8%a8%d8%b4%d8%b1-%d8%b5%d9%84%d9%89-%d8%a7%d9%84%d9%84%d9%87-%d8%b9%d9%84%d9%8a%d9%87-%d9%88/ — azubair.net