أقبل رمضان فلنفرح بمقدمه

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا. من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادة مُقِرٍّ بربوبيته، شاهدٍ بوحدانيته، منقادٍ إليه لمحبته، مُذعنٍ له بطاعته، معترفٍ بنعمته، فارٍّ إليه من ذنبه وخطيئته، مؤمنٍ لعفوه ورحمته، طامعٍ في مغفرته، فارٍّ إليه من حوله وقوته، عائذٍ به، ملتجئٍ إليه. لا يبتغي سواه ربًّا، ولا يتخذ من دونه وليًّا ولا وكيلاً، ولا يروم عن عبوديته انتقالاً ولا تحويلاً.

وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، خير المرسلين، وإمام المتقين، وقائد الغُرِّ المحجلين، صاحب المقام المحمود، والحوض المورود، واللواء المعقود، والصراط الممدود. لا يداني منزلته بشر ولا ملك، ولا يبلغ فضله مخلوق إذا سلك.

اللهم صلِّ وسلِّم وبارِك على من جعلته خاتم الأنبياء، وجعلته خير الأولياء، وخير الأصفياء. من تركنا على المحجة البيضاء، ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها إلا ذو الأهواء.

“ومما زادني شرفاً وتيهاً، وكدتُ بأخمصي أطأ الثُريّا

دُخولي تحت قولك يا عبادي، وأن صيّرتَ أحمدَ لي نبياً”

اللهم فصلِّ وسلِّم وبارِك على حبيبنا وسيدنا وإمامنا وقدوتنا النبي المصطفى، حبيب المجتبى، ما تعاقب الليل والنهار. اللهم صلِّ وسلِّم وبارِك عليه ما صلَّى عليه الأخيار. اللهم صلِّ وسلِّم وبارِك عليه عدد خلقك، ومداد كلماتك، وزنة عرشك، ورضا نفسك. اللهم أمدنا على ملَّته، واحشُرنا في زمرته، واجعلنا بجواره في جنات النعيم يا أكرم الأكرمين.

ثم أما بعد أيها الإخوة والأخوات المسلمون والمسلمات.

استقبال الوالي واستقبال رمضان

تناقلت الصحف والمجموعات على الواتساب وغير ذلك الصور والمشاهد في استقبال والي البحر الأحمر السابق الذي عُين والي الجزيرة. فخرج أهل الجزيرة رجالاً ونساءً وشباباً في استقبال هذا الوالي. نُحِرت النوق والإبل والبعير. هللوا وفرحوا واستبشروا. قلوبهم تعلقت به و تُعَيِّنُه والياً عليهم، استقبالاً حاراً ما سمعنا باستقبال والٍ مثل ما استُقْبِل، ولا بفرحة ولايةٍ أو أهل منطقة كما فرح أهل الجزيرة بواليهم.

ماذا غرضهم؟ ولماذا كل هذا الاستقبال؟

لأنهم يرجون على يديه خيراً كثيراً، يتطلعون إلى أن يحقق مصالحهم وأن يُقدم لهم خدماتٍ جليلة. مصالح وخدمات – انتبهوا – كلها دنيوية! لا نرفض ذلك ولا نأباه، ولكن مصالح الدين أولى، وخير العابدين في الآخرة أحرى بالطلب.

فلو جاءنا ما يحقق لنا خير الدين والدنيا، ما يحقق لنا سعادة الآخرة، ما يحقق لنا دخول الجنة، فيجب أن يكون استقبال المؤمنين له أشد وأقوى، وفرحهم بقدومه أعمق وأكبر. ولذلك كان أهل السماء يفرحون بمقدم رمضان، وكان الصالحون الأخيار من أهل الأرض يفرحون ويستبشرون بمقدم رمضان. يتغنى بمقدمه الصالحون ويستبشر بمرئيه الخيرون.

فرحة أهل السماء والأرض برمضان

أهل السماء كما أخبر الرسول صلى الله عليه وسلم، كما في حديث ابن عباس رضي الله عنهما بإسناد لا بأس به: “إن الجنة لَتُبخَّر وتُزيّن من الحول إلى الحول لدخول شهر رمضان. فإذا كانت أول ليلة من شهر رمضان، هبت ريح من تحت العرش يقال لها المُثيرة – لأنها تثير العواطف الإيمانية الحية، تثير مجامع الإحسان في النفس، فيُقام مقاصد الصيام، لأنها تثير مكامن الرضا في العبد المؤمن، فيطلب ويتشوق إلى رضا الرحمن وإلى أرائك الجنان – هبت ريح من تحت العرش يقال لها المثيرة، فتصفق ورق أشجار الجنان وحُلق المصابيح فيسمع لذلك طنين لم يسمع السامعون أحسن منه، فتبرز الحور العين حتى يقفن بين شُرَف الجنة ثم ينادين: يا رضوان، ما هذه الليلة؟ فيقول رضوان: هذه أول ليلة من شهر رمضان، فُتحت أبواب الجنان للصائمين من أمة محمد صلى الله عليه وسلم.”

هذا استقبال الملأ الأعلى لمقدم رمضان، استبشاراً بمقدمه، تهيؤاً للجنان للصائمين، تفتح الجنان للصائمين استقبالاً لرمضان ولمن يصوم رمضان.

تبشير النبي والصحابة برمضان

النبي صلى الله عليه وسلم كان يبشر أصحابه بمقدمه، ولذلك كان الصحابة رضوان الله عليهم يكونون نَشْوَى بمقدم رمضان، لا ضجر ولا غضب ولا تثاقل ولا استئخار.

الرسول صلى الله عليه وسلم كما في حديث أنس رواه ابن النجار وغيره، أنه لما قرب رمضان خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم عند صلاة المغرب خطبة خفيفة فقال: “استقبلكم رمضان واستقبلتموه، وإن الله عز وجل يغفر لأهل القبلة في أول ليلة من شهر رمضان.”

وكذلك في رواية البيهقي في “الشعب” وابن خزيمة في “صحيحه” والطبراني في “الأوسط” وغيرهم من حديث أنس أيضاً أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لهم: “ماذا يستقبلكم وتستقبلونه؟” وكان عمر رضي الله عنه حاضراً فقال: “يا رسول الله، وحيٌ نزل؟” قال: “لا.” قال: “عدوٌ حضر؟” قال: “لا.” قال: “فماذا؟” فقال النبي صلى الله عليه وسلم: “إن الله عز وجل يغفر لكل أهل هذه القبلة في أول ليلة من شهر رمضان.” وأشار إليها. فجعل رجل يدس رأسه ويقول: “بخٍ بخٍ!” فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم: “يا فلان، ضاق بك صدر؟” قال: “لا، ولكني ذكرت المنافقين.” فقال صلى الله عليه وسلم: “إن المنافقين هم الكافرون، وليس لكافر من ذلك شيء.” وقد أجاد إسناد هذا الحديث الألباني في “الفتح الرباني” رحمه الله تعالى.

فكان الصحابة لذلك يدعون الله كما روى معلى بن الفضل، يدعون الله ستة أشهر أن يبلغهم رمضان، ثم يدعون الله ستة أشهر أن يتقبل منهم رمضان. فكانوا يجعلون دعائهم على مدار العام لرمضان.

وكما قال يحيى بن أبي كثير رحمه الله تعالى مستغرباً من دعائهم أنهم كانوا يقولون: “اللهم سلمني إلى رمضان وسلم لي رمضان وتسلمه مني متقبلاً.” وكان مما اشتهر من دعاء السلف الصالح رضوان الله تعالى عليهم أنهم كانوا يقولون: “اللهم بارك لنا في رجب وشعبان وبلغنا رمضان.”

بل إنهم إذا دخل شعبان بدأوا الاستعداد باستقبال شهر الصوم، شهر رمضان المعظم. كما قال أنس رضي الله تعالى عنه: “كان المسلمون” – وأنس إذا قال: “كان المسلمون” فهم الصحابة أو كبار التابعين – “كان المسلمون إذا دخل شعبان انكبوا على المصاحف فقرؤوها، وأخرجوا زكاة أموالهم تقوية للضعيف والمسكين على صوم رمضان.” رضوان الله تعالى عليهم.

كذلك الصالحون، الصالحون من هذه الأمة حريصون على نفحات هذا الشهر. ولذلك كانوا يستقبلونه بفرح وحفاوة، باستعداد من قبل شهور. إنهم كانوا إذا خرج رجب، إذا مضى رجب وخرج يتباكون، يتنادون يقول بعضهم:

“لماذا مضى رجب وما أحسنت فيه؟ وهذا شهر شعبان المبارك.”

“فيا ذا الذي ما كفاهُ الذنبُ في رجبٍ، حتى عصى ربّهُ في شهرِ شعبانِ

لقد أظلّكَ شهرُ الصومِ بعدهما، فلا تُصيّرْهُ أيضاً شهرَ عصيانِ

اتلُ القرآنَ وسبّحْ فيهِ مجتهداً، فإنهُ شهرُ تسبيحٍ وقرآنِ”

فأهل الصلاح من هذه الأمة يفرحون بمقدم رمضان ويستعدون لمقدم رمضان بأرواحهم وبجوارحهم وبأنفسهم. يقدمون أنفسهم للارتقاء في مطالب العبادة إلى الله عز وجل. ثم يستعدون ويستقبلون هذا الشهر بجوارحهم فيقلعون عن النظر الحرام، وعن البطش الحرام، وعن المشي الحرام، وحتى عن الفكر الحرام، استعداداً لشهر رمضان.

اللهم بلغنا رمضان يا كريم يا رحيم. أقول قولي هذا، أسأل الله لي ولكم فاستغفروه إنه الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية:

الحمد لله رب العالمين حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه. وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا وحبيبنا محمد بن عبد الله، وعلى آله الطيبين الطاهرين، وأصحابه الغر الميامين الذين شادوا الدين، ومن اتبعوهم بإحسان إلى يوم الدين.

ثم أما بعد، فإن كان هذا هو حال الأخيار من أمة محمد لاستقبال شهر رمضان، فإن هناك صنفاً آخر منا، طائفة أخرى، فئة أخرى ليسوا من الصالحين. لم يدخل قلوبهم حب رمضان. يستكرهون مجيئه ويستثقلون عبادته. يريدون أن يتأخر ولا يأتي. فإذا أوشكت أيام شعبان بالخروج تباكوا – لا خوفاً من عدم العطاء، من عدم القدرة على استقبال رمضان، وإنما خوفاً من الصيام في رمضان – حتى سموا أواخر شعبان بأيام التوديع فيضاعفون من الأكل والسرور ولا حول ولا قوة إلا بالله. وبعضهم يسميها أيام التنحيس.

وذكر الدرستويه النحوي أن أصل هذه التسمية متلقى من النصارى، فإنهم كانوا يسمون الأيام التي تسبق أيام صيامهم بأيام التنحيس، حتى أنشد بعضهم:

“إذا العشرونَ من شعبانَ ولّتْ، فواصلْ ثم ليلكَ بالنهارِ

ولا تشربْ بأقداحٍ صغارٍ، فإنَّ الوقتَ ضاقَ على الصغارِ”

وقال آخر:

“جاءَ شعبانُ مُنذِراً بالصيامِ، فاسقياني راحاً بماءِ الغمامِ” – مبشراً وليس منذراً.

ورجل آخر سفيه من السفهاء، من سفهاء أهل الشعر يقول، يسمى الرشيد بن سفيه – هو السفيه بن سفيه – يقول:

“دعاني يا شهرَ الصومِ لا كانَ من شهري، ولا صمتُ شهراً بعدَهُ آخرَ الدهرِ

فلو كانَ يعديني الأنامُ بقدرةٍ، على الشهرِ لاستعديتُ جهدي على الشهرِ”

عداوة عجيبة لشهر رمضان. فأخذه داء الصرع. أخذه الله أخذاً عزيزاً مقتدراً، أخذاً عاجلاً. فأخذه داء الصرع، فصار يصرع في اليوم مرات ومرات، ثم مات قبل أن يدركه رمضان الآخر.

موضوعات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *