أقبل رمضان فلنفرح بمقدمه

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له،

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله وحبيبه وصفيه وخليله، أرسله الله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو مره المشركون.

سلامي إلى سيد المرسلين

         شفيعِ الخلائق في المزدحم

وأصحابهِ الغرِّ الفخر الوجود

          دعاةِ الفضيلة أهل الذمم

أراهم بقلبيَّ في مهجتي

          يذودون عن ديننا والقيم 

تشع على الكون أنوارهم

          وتسري تبدد عنَّا الظُلَم

ومن لم يهج بالرسول الكريم

         يعاني التردي وفرض السقم

فأكثر صلاة على المصطفى

     تفز بالرضى والمنى والكرم

اللهم فصلِّ وسلِّم وبارِك على حبيبنا وسيدنا وإمامنا وقدوتنا النبي المصطفى، حبيبِ المجتبى، ما تعاقب الليل والنهار.

 اللهم صلِّ وسلِّم وبارِك عليه ما صلَّى عليه الأخيار.

 اللهم صلِّ وسلِّم وبارِك عليه عدد خلقك، ومداد كلماتك، وزنة عرشك، ورضا نفسك.

 اللهم أمتنا على ملَّته، واحشُرنا في زمرته، واجعلنا بجواره في جنات النعيم يا أكرم الأكرمين.

ثم أما بعد:  أيُّها الإخوة والأخوات المسلمون والمسلمات.

استقبال الوالي واستقبال رمضان:

تناقلت الصحف والمجموعات على الواتساب، وغير ذلك الصور والمشاهد في استقبال والي البحر الأحمر السابق الذي عُين والي الجزيرة، فخرج أهل الجزيرة رجالًا ونساءً وشبابّا في استقبال هذا الوالي.

 نحروا النوق والإبل والبعير، هللوا وفرحوا واستبشروا بحلوله وتعيينه واليًّا عليهم، استقبالًا حارًا ما سمعنا باستقبال والٍ مثل ما استُقْبِل، ولا بفرحة ولايةٍ أو أهل منطقة كما فرح أهل الجزيرة بواليهم.

ماذا غرضهم؟ ولماذا كل هذا الاستقبال؟

لأنهم يرجون على يديه خيرًا كثيرًا. يتطلعون إلى أن يحقق مصالحهم وأن يُقدم لهم خدماتٍ جليلة، مصالح وخدمات – انتبهوا – كلها دنيوية! لا نرفض ذلك ولا نأباه، ولكن مصالح الدين أولى، وخيرُ العابدين في الآخرة أحرى بالطلب.

فلو جاءنا ما يحقق لنا خيرَ الدِّين والدُّنيا، ما يحقق لنا سعادة الآخرة، ما يحقق لنا دخول الجنة، فيجب أن يكون استقبال المؤمنين له أشد وأقوى، وفرحهم بقدومه أعظم وأكبر، ولذلك كان أهل السماء يفرحون بمقدِمِ رمضان، وكان الصالحون الأخيار من أهل الأرض يفرحون ويستبشرون بمقدِمِ رمضان. يتغنى بمقدمه الصالحون ويستبشِرُ بمجيئه الخيرون.

فرحة أهل السماء والأرض برمضان:

أهل السماء كما أخبر الرسول صلى الله عليه وسلم، كما في حديث ابن عباس -رضي الله عنهما- بإسناد لا بأس به: “إنَّ الجنة لَتُبخَّرُ وتُزيّنُ من الحول إلى الحول لدخول شهر رمضان”

 فإذا كانت أول ليلة من شهر رمضان، هبت ريحٌ من تحت العرش يقال لها -المُثيرة- لأنها تثير العواطف الإيمانية الحية، تثير مجامع الإحسان في النفس، فيُقيم مقاصد الصيام، لأنها تثير مكامن الرضا في العبد المؤمن، فيطلب ويتشوق إلى رضا الرحمن وإلى أرائك الجنان.

 هبت ريحٌ من تحت العرش يقال لها المثيرة، فتصفق ورقُ أشجار الجنان وحِلق المصاريح، فيسمع لذلك طنينٌ لم يسمعِ السامعون أحسن منه، فتبرز الحورُءي العين حتى يقفن بين شُرَف الجنة ثم ينادين يا رضوان: ما هذه الليلة؟ فيقول رضوان: هذه أول ليلة من شهر رمضان.فُتحت أبواب الجنان للصائمين من أمة محمد صلى الله عليه وسلم”

 استقبال الملأ الأعلى لمقدِم رمضان، استبشاراً بمقدِمه، تُهيئُ الجنان للصائمين، تفتح الجنان للصائمين استقبالًا لرمضان ولمن يصوم رمضان.

تبشير النبي والصحابة برمضان:

النبي صلى الله عليه وسلم كان يبشر أصحابه بمقدِمه، ولذلك كان الصحابة رضوان الله عليهم يكونون نَشْوَى بمقدِم رمضان، لا ضجر ولا غضب ولا تثاقل ولا استئخار.

الرسول صلى الله عليه وسلم كما في حديث أنس -رضي الله عنه- رواه ابن النجار وغيره: “أنه لما قرب رمضان خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم عند صلاة المغرب خطبة خفيفة فقال: “استقبلكم رمضان واستقبلتموه، وإن الله عز وجل يغفِرُ لأهل القبلة في أول ليلة من شهر رمضان.”

وكذلك في رواية البيهقي في “الشعب” وابن خزيمة في “صحيحه” والطبراني في “الأوسط” وغيرهم من حديث أنس أيضًا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لهم: “ماذا يستقبلكم وتستقبلونه؟” وكان عمر رضي الله عنه حاضرًا فقال: “يا رسول الله، وحيٌ نزل؟” قال: “لا.” قال: “عدوٌ حضر؟” قال: “لا.” قال: “فماذا؟” فقال النبي صلى الله عليه وسلم: “إن الله عز وجل يغفر لكل أهل هذه القبلة في أول ليلة من شهر رمضان” وأشار إليها، فجعل رجل يدس رأسه ويقول: “بخٍ بخٍ!” فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: “يا فلان، ضاق به صدرك؟” قال: “لا، ولكني ذكرت المنافقين.” فقال صلى الله عليه وسلم: “إن المنافقين هم الكافرون، وليس لكافر من ذلك شيء”

وجود إسناد هذا الحديث البنا في “الفتح الرباني” رحمه الله تعالى.

فكان الصحابة لذلك يدعون الله كما روى مٌعلى بن الفضل، يدعون الله ستة أشهر أن يبلغهم رمضان، ثم يدعون الله ستة أشهر أن يتقبل منهم رمضان. فكانوا يجعلون دعائهم على مدار العام لرمضان.

وكما قال يحيى بن أبي كثير -رحمه الله تعالى- مستغرباً من دعائهم أنهم كانوا يقولون: “اللهم سلمني إلى رمضان وسلم لي رمضان وتسلمه مني متقبلًا”

 وكان مما اشتهر من دعاء السلف الصالح -رضوان الله تعالى عليهم- أنهم كانوا يقولون: “اللهم بارك لنا في رجب وشعبان وبلغنا رمضان.”

بل إنهم إذا دخل شعبان بدأوا الاستعداد باستقبال شهر الصوم، شهر رمضان المعظم، كما قال أنس -رضي الله تعالى عنه-: “كان المسلمون” – وأنس إذا قال: “كان المسلمون” فهم الصحابة أو كبار التابعين – “كان المسلمون إذا دخل شعبان انكبوا على المصاحف فقرؤوها، وأخرجوا زكاة أموالهم تقوية للضعيف والمسكين على صوم رمضان” رضوان الله تعالى عليهم.

كذلك الصالحون، الصالحون من هذه الأمة حريصون على نفحات هذا الشهر، ولذلك كانوا يستقبلونه بفرحٍ وحفاوة، باستعداد من قبل شهور، إنهم كانوا إذا مضى رجب وخرج يتباكون، يتنادون يقول بعضهم:

مضى رجبٌ وما أحسنتَ فيه

            وهذا شهر شعبانِ المبارك

فيا من ضيع الأوقات جهلًا

           بحرمتها افق واحذر بوارك

فسوف تفارقُ اللذاتِ قسرًا

     ويُخلي الموت قرحًا منك دارك

تدارك ما استطعت من الخطايا

       بتوبة مخلص واجعل مدارك

على طلب السلامة من جحيم

       فخيرُ ذوي الجرائم من تدارك

فإذا تضايق شعبان، وأوشك على الخروج والمفارقة، تنادو أيضًا وقال بعضهم لبعض:

ياذا الذي ما كفاه الذنب في رجب

     حتى عصى ربه في شهر شعبان

لقد أظَلَّك شهرُ الصوم بعدهما

      فلا تصيِّره أيضًا شهرُ عصيان

اتلُ القرآنَ وسبّحْ فيهِ مجتهدًا

       فإنهُ شهرُ تسبيحٍ وقرآنِ

فأهل الصلاح من هذه الأمة يفرحون بمقدم رمضان ويستعدون لمقدم رمضان بأرواحهم وبجوارحهم وبأنفسهم.

يقدمون أنفسهم للإرتقاء في مطالب العبادة إلى الله عز وجل.

 ثم يستعدون ويستقبلون هذا الشهر بجوارحهم، فيُقلعون عن النظرِ الحرام، وعن البطشِ الحرام، وعن المشيِ الحرام، وحتى عن الفكرِ الحرام، استعداداً لشهر رمضان.

اللهم بلغنا رمضان يا كريم يا رحيم. أقول قولي هذا، أسأل الله لي ولكم فاستغفروه إنه الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية:

الحمد لله رب العالمين حمدًا كثيرًا طيباً مباركاً فيه، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا وحبيبنا محمد بن عبد الله، وعلى آله الطيبين الطاهرين، وأصحابه الغُرِّ الميامين الذين شادوا الدين، ومن اتبعوهم بإحسان إلى يوم الدين.

ثم أما بعد، فإن كان هذا هو حال الأخيار من أمة محمد لاستقبال شهر رمضان، فإن هناك صنفًا آخر منا، طائفةٌ أخرى، فئةٌ أخرى ليسوا من الصالحين.

لم يدخل قلوبهم حب رمضان، يستكرهون مجيئهُ، ويستثقلون عبادته، يريدون أن يتأخر ولا يأتي، فإذا أوشكت أيامُ شعبان بالخروج تباكوا -لا خوفًا من عدم العطاء، من عدم القدرة على استقبال رمضان، وإنما خوفاً من الصيام في رمضان- حتى سموا أواخر شعبان بأيام التوديع فيضاعفون من الأكل والشرب ولا حول ولا قوة إلا بالله، وبعضهم يسميها أيام التنحيس.

وذكر ابن الدرستويه النحوي أن أصل هذه التسمية متلقى من النصارى، فإنهم كانوا يسمون الأيام التي تسبق أيام صيامهم بأيام التنحيس، حتى أنشد بعضهم:

“إذا العشرونَ من شعبانَ ولّتْ

             فواصلْ شُرب ليلكَ بالنهارِ

ولا تشربْ بأقداحٍ صغارٍ

             فإنَّ الوقتَ ضاقَ على الصغارِ

وقال الآخر:

“جاءَ شعبانُ مُنذِراً بالصيامِ

           فاسقياني راحاً بماءِ الغمامِ

ورجل آخر سفيه من السفهاء، من سفهاء أهل الشعر يقول، يسمى الرشيد بن سفيه – هو السفيه بن سفيه – يقول:

“دعانيَّ يا شهرَ الصومِ           لا كانَ من شهري

ولا صمتُ شهرًا بعدَهُ آخرَ الدهر     فلو كانَ يعديني الأنامُ

 بقدرةٍ على الشهرِ         لاستعديتُ جهدي على الشهرِ

عداوة عجيبة لشهر رمضان.

فأخذه داء الصرع، أخذه الله أخذًا عزيزًا مقتدرًا أخذًا عاجلًا فصار يُصرع في اليوم مراتٍ ومرات، ثم مات قبل أن يدركه رمضان الآخر

موضوعات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *