إن الحمد لله نحمدُه ونستعينُه ونستغفِرُه ونستهدِيه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا. من يهدِه الله فلا مُضِلَ له، ومن يُضلِل فلا هاديَ له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبدُه ورسولُه، وحبيبُه وصفيُّه وخليلُه. أرسله الله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون. اللهم فصلِّ وسلِّم وبارِك على سيدنا وحبيبنا ونبينا محمد بن عبد الله، وعلى آله الطيبين الطاهرين، وأصحابه الغرِّ الميامين الذين شادوا الدين، ومن اتبعوهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد، فيا أيها الإخوة المسلمون،
قيمةٌ خلقيةٌ وروحية ما عدنا اليوم لنتصف بها. سلوكٌ تُصنَّف به مع الربانيين من قادة أهل التوحيد، غاب اليوم عن حياتنا إلا قليلًا. صفةٌ محبوبة، بل من أحب الصفات، اتصف بها الرحمن وجُبلَ عليها الرسل الكرام وتخلق بها المقربون الأخيار. تتخفى اليوم في أثواب التبعية للغرب والشرق ولا تبدو إلا تسللًا. خُلُقٌ قويم تعبر في التزامه عن خيرية خير أمة. طوته أمواج المادية اليوم وحب الدنيا، فلا يدرك منه إلا طرف ولا نرى منه إلا جوانب ضئيلة.
إنها قيمة الإحسان، وخُلُق الإحسان، وسلوك الإحسان. فالإحسان قيمةٌ وخُلُقٌ وسلوك. قيمةٌ خلقية وروحية وسلوك رباني وإيماني.
الإحسان في القرآن والسنة
قيمةٌ خلقية من أجله خلق الله الحياة ومن أجله خلق الله الموت. فالله عز وجل يقول: “تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا”. أيكم أحسن عملاً؟ لإحسان العمل خُلِقَت الحياة والموت. قال: “إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَّهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا”.
الإحسان معيار خلق الخالق جل جلاله، “الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ”. “لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ”. بل وصف الله به نفسه تبارك وتعالى: “فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ”.
الإحسان قيمةٌ خلقيةٌ وروحية تزينت به أخلاق الأنبياء. الله عز وجل جعل جميع النبيين من المحسنين، وصفهم بالإحسان وأدخلهم في المحسنين، بل هم أول المحسنين، صلوات ربي وسلامه عليهم أجمعين.
- نوح عليه السلام، قال الله فيه: “سَلَامٌ عَلَىٰ نُوحٍ فِي الْعَالَمِينَ * إِنَّا كَذَٰلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ”.
- وإبراهيم، قال فيه: “وَنَادَيْنَاهُ أَن يَا إِبْرَاهِيمُ * قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا ۚ إِنَّا كَذَٰلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ”.
- وموسى وهارون، قال الله فيهما: “سَلَامٌ عَلَىٰ مُوسَىٰ وَهَارُونَ * إِنَّا كَذَٰلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ”.
- “سَلَامٌ عَلَىٰ إِلْ يَاسِينَ * إِنَّا كَذَٰلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ”.
- ولما بلغ أشده لسيدنا يوسف عليه السلام: “وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا ۚ وَكَذَٰلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ”.
- أما محمد صلى الله عليه وسلم، فجمعه كل القيم وجمعه كل الأخلاق: “وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ”.
فالإحسان خُلُق تزينت به أخلاق الأنبياء، وخُلُق تزين به صالح الأمة من سلفنا رضوان الله تعالى عليهم. جارية لعلي بن الحسين بن علي، رضوان الله تعالى عليهم من أهل بيت كريم، جارية كانت تسكب الماء لعلي بن الحسين وهو يتوضأ، فانفلت منها الإبريق فوقع على علي فشجه. فرفع رأسه ينظر إليها فخافت، فقالت: “إن الله تعالى يقول: وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ”. فقال: “قد كظمت غيظي”. قالت: “وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ”. قال: “قد عفوت عنك”. فقالت: “وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ”. قال: “فاذهبي فأنت حرة لوجه الله تعالى”. رضي الله تعالى عنه.
الإحسان أيها المسلمون، يا سادة الأمم في حقيقتكم، يا خير أمة أخرجت للناس، هو وصية الله للمؤمنين، وصية الله لسائر المسلمين بفئاتهم وطبقاتهم وصفاتهم وأحوالهم.
- هو وصية الله للأولاد من البنين والبنات: “وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا”. الإحسان إلى الوالدين، ما أقله اليوم وما أندره! كم من هو بار بوالديه؟ وهو موضوع يحتاج إلى مثل هذا المنبر.
- الإحسان وصية الله تعالى للأزواج المطلقين المفارقين، لمن أساء من الزوجات. ناهيك عن الزوج الذي يعاشر زوجته ويعيش معها، فمن باب أولى أن يحسن إليها. وصية الله للأزواج المطلقين المفارقين لزوجاتهم أن تكون المفارقة بإحسان وعلى إحسان، فقال: “الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ ۖ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ”.
- الإحسان وصية الله تعالى للمتخاصمين والمتحاكمين، لا للمتقاربين للأصدقاء للحميمين للإخوان. لا، بل للمتحاكمين، للمتخاصمين، للمتفارقين. الإحسان هو وصية الله لهؤلاء: “فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ”.
- الإحسان أيها السادة هو وصية الله تعالى لكل أخ معاجِر أو لكل أخت معاجرة. يقول الله لهم، لكل منهم: “ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ”.
الإحسان هو وصية الله للدعاة في دعوتهم، في محاوراتهم، في مناظراتهم، حتى مع غير المسلمين. والله تعالى يقول لهم: “وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ”. فبالله، كيف حال الإحسان بين الدعاة اليوم؟ بين الجماعات؟ بين الأحزاب من المسلمين فيما بينهم؟ هل ترون إحسانًا بينهم في مجادلاتهم ومحاوراتهم؟ طوائف تتقاتل، جماعات تتقاتل، لا تتجادل، تتقاتل. أبدلنا الجدال بالقتال، والإحسان بالإساءة، والمحافظة على بعضنا وحب بعضنا إلى كره وبغض وسعي إلى الإبادة والتنكيل والتعذيب والتقتيل.
الإحسان هو وصية الله تعالى للمتلقين والمستمعين، كل الفئات وفي كل الأحوال: “الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ”. بل هو وصيته جل جلاله لكل مسلم ومؤمن متكلم لا يتكلم إلا بإحسان. “قُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا”. ليس لصديقك ولا لرئيسك ولا للمسؤول منك ولا لأبيك، لا، لكل الناس، صالحهم وطالحهم، مسلمهم وكافرهم، مؤمنهم وجاحدهم، محسنهم ومسيئهم. “وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا”. فيا ليتنا كنا كذلك.
هو وصيته وأمره الجامع للمؤمنين في قوله تعالى: “إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ ۚ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ”.
خُلُق الأنبياء، خُلُق الصالحين، وصية الله تعالى لفئات المؤمنين من صالح الأمم جميعًا. ألا أكون وتكونوا منهم؟
أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه.
الخطبة الثانية:
الحمد لله وعليه صلى الله عليه وسلم وبارك على سيدنا محمد سيد المرسلين وعلى آله وصحبه المعين.
كيف أكون من المحسنين؟
ثم أما بعد،
أريد أن أكون من المحسنين، وأريد أن أكون معهم. فقد قال القمم المحسنين في مصطبة الإيمان الحاكم من حديث أبي هريرة، قال رضي الله عنه: “جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، دلني على عمل إذا عملته دخلت الجنة. فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: كن محسنًا“. فقال الرجل: “كيف أعرف أني محسن؟”. قال: “سل جيرانك“. سل جيرانك، انتبه. قال: “كيف أعلم أني محسن؟”. قال له النبي صلى الله عليه وسلم: “سل جيرانك، فإن قالوا إنك محسن فأنت محسن، وإن قالوا إنك مسيء فأنت مسيء”.
فليبدأ كل من اليوم يرى حاله مع جيرانه. أمحسن إليهم؟ أيؤمنهم بوائقه وشروره وإساءاته؟ أم لا؟ أهو محسن؟ أمطمئن هو أن كل جيرانه سيحكمون له أنه محسن، أم سيشهدون عليه أنه مسيء؟
وقال رجل لعائشة رضي الله عنها: “متى أكون محسنًا؟”. فقالت رضي الله عنها: “إذا علمت أنك مسيء”. إذا علمت أنك مسيء فأنت محسن، لأنك ستسعى إلى الإحسان لتغيير حالك وتبديل أمرك وسلوكك. فقال: “ومتى أكون مسيئًا؟”. قالت: “إذا ظننت أنك محسن”.
أيها الإخوة والأخوات، غاب الإحسان من حياتنا ومجتمعنا، والذي غلب فينا إساءة الظن. تخيل أن رجلًا لا يعرفك، ركبت معه في حافلة، في مركب عام، جارك لا يعرفك لكنه جارك في المقعد. لما جاء طالب التذكرة، دفع لك هو. لا يعرفك، لكنه ظن أنك محتاج. هو ظن ذلك. فالغالب في كثير مننا أنه سيفكر: “لماذا دفع لي؟ ما الذي يحمله على ذلك؟ أكيد أنت حاجة معي. أكيد يظن أنه سأقدم لك شيئًا”. لا حول ولا قوة إلا بالله.
المادية البغيضة، حب الدنيا، التعلق بالدنيا، جعلنا نسيء الظن بالمحسنين أنهم مسيئون، ونجعلهم مسيئين في كل الأحوال. ما من أحد يقدم لك خيرًا أو يأتي إليك بإحسان إلا شككت في نيته وغرضه ومقصده وماذا يريد من ذلك. هو يريد وجه الله، يبتغي رضوان الله، يريد أن يكون من المحسنين، يريد أن يتصف بما وصف الله به نفسه، يريد أن يتخلق بما تخلق به الأنبياء والأبرار والأخيار من أمم التوحيد. فلماذا يغيب ظن الإحسان فيما بيننا؟
ولذلك يجب أن نفشي الإحسان في مجتمعنا.
- نبدأ بالإحسان إلى الجيران.
- نبدأ بالإحسان إلى اليتامى وهم كثر.
- نبدأ بالإحسان والسعي إلى الأرامل.
- نبدأ أولًا بالإحسان إلى أولادنا، فولدك أولى بإحسانك من غيره، وبنتك أولى بإحسانك من غيرك.
- نسعى أولًا للإحسان إلى أزواجنا، فزوجتك اخترتها من بين ملايين النساء وجمع بك معها سقف واحد، تعيشون وتتعاشرون. كيف تحسن إليها؟ كيف تسكب الإحسان إليها؟ اصبر عليها، أحسن إليها، إذا أساءت، اسق إليها الإحسان في مواطن الإساءة منها، حتى تشعرها أنك مستحق لها وفي لها، قادر على رعايتها والإحسان إليها.
الرعية من كل مسؤول، لا تطلب أيها المسؤول، أيها الوزير، أيها الرئيس، أيها الحاكم خدمة شعبك، لا، اسعى إليهم بإحسان، كن معهم محسنًا، لا تحسن إليهم قبيل الانتخابات والتقاط الأصوات، بل كن محسنًا ما دمت مسؤولًا وبعد أن تتخلى عن مسؤوليتك.
عندئذ نوجد مجتمع الإحسان، وهو مجتمع الإسلام، وهو أمر الله أمره جميعًا: “إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ”. فلنكن من المحسنين.
اللهم يا كريم يا رحيم يا رب العالمين، اهدنا في من هديت، وعافنا في من عافيت، وتولنا في من توليت، وبارك لنا في ما أعطيت، وقنا واصرف عنا شر ما قضيت. إنك تقضي ولا يقضى عليك، فإنه لا يذل من واليت ولا يعز من عاديت. تباركت ربنا وتعاليت.
اللهم اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معاصيك، ومن طاعتك ما تبلغنا به جنتك، ومن اليقين ما تهون به علينا مصائب الدنيا. ومتعنا بأسماعنا وأبصارنا وقواتنا ما أحييتنا، واجعله الوارث منا، واجعل ثأرنا على من ظلمنا، وانصرنا على من عادانا، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا ولا مبلغ علمنا، ولا تسلط علينا بذنوبنا من لا يخافك ولا يرحمنا يا رب العالمين.
اللهم انصر الإسلام وأعز المسلمين، اللهم عليك بأعدائنا أعدائك أعداء الدين يا رب العالمين. اللهم اجمع شمل المسلمين. اللهم ووحد صفهم. واجمع كلمتهم. واجعلهم على قلب رجل مؤمن واحد يا رب العالمين.
اللهم يا كريم يا رحيم. اللهم يا رب العالمين اهد ولاة أمورنا إلى تحكيم كتابك، والاهتداء بهدي سنة نبيك، والاستنارة بسنته، وتحكيم شريعته يا رب العالمين.
اللهم من صلى في هذا المسجد، ومن بنى هذا المسجد، ومن خدم هذا المسجد، ومن يسعى في خدمته يا كريم يا رحيم. اللهم عافهم. واغفر لهم. واعفُ عنهم. اللهم بارك لهم في أموالهم. وأوقاتهم. وأبدانهم. وأولادهم. وذرياتهم. يا رب العالمين. وعافيتهم يا أكرم الأكرمين.
اللهم أحسن إلى محسنهم. اللهم تجاوز عن إساءة مسيئهم يا رب العالمين. اللهم أكرم جيران المسجد يا رب العالمين. وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
