إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وحبيبه وصفيه وخليله، أرسله الله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون.
اللهم صل وسلم وبارك عليه، وعلى آله الطيبين الطاهرين، وأصحابه الغر الميامين الذين شادوا الدين، ومن اتبعوهم بإحسان إلى يوم الدين.
ثم أما بعد:
أيها الإخوة المصلون، إن هناك انحرافًا كثيرًا لدى كثير من المسلمين، تخلى عن ملزمات الدين، وضُربت آداب الإسلام بعرض الحائط، إلى أبعد من حدود الجاهلية، فيلبسون لباس الإجرام ظنًا أنهم على تقوى من الله ورضوان، ويتخذونه إثماً سبيلًا إلى إرضاء المولى عز وجل، وهو أبعد ما يكون من سبيل إلى الله سبحانه وتعالى.
فهذا انحراف لا نعرف كيف يكون العلاج في هذا الزمان. وكثرة ما كان نادرًا من قديم التعدي على بيوت الله والمساجد، لا سيما في رمضان وفي تاريخ الأمة، حدث هذا لكن على تباعد وقلة، وإن كان كبيرًا من حيث الحدث ومفسدة عظيمة من حيث المغزى والمقصد والمرام.
إلا أنه كان متباعدًا.
قتل أمير المؤمنين الفاروق رضي الله عنه في المسجد وهو يصلي بالناس في عام ثلاثة وعشرين هجرية، بعدما حج بالناس وعاد، كان يصلي بالناس صلاة الفجر، فوقف خلفه قريبًا منه أبو لؤلؤة المجوسي غلام المغيرة بن شعبة لعنه الله، ورضي عن المغيرة.
فلما خشع الناس في الصلاة، أخرج سكينته ذات الطرفين فطعن بها عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فصاح عمر: قتلا الكلب! فانتبه الناس، فطار الرجل لا يمر على أحد من المصلين يمينًا ولا شمالًا إلا طعنه، فطعنه ثلاثة عشر رجلاً من المصلين، حتى رمى عليه أحد المصلين برنسا أجلبابا فوقع، فلما ظنه وتأكد أنه مأخوذ، نحر نفسه.
فسأل عمر بن الخطاب رضي الله عنه ابن عباس: من الذي قتلني من قاتلي؟ قال له: غلام المغير ابن شعبة.
فقال عمر: الحمد لله الذي لم يجعل منيتي بيد رجل يدعي الإسلام.
كان هذا عام ثلاثة وعشرين من الهجرة.
ثم في عام أربعين من الهجرة، وفي سحر أو صبيحة التاسع عشر من رمضان، يخرج علي بن أبي طالب رضي الله عنه من بيته ينادي: الصلاة الصلاة، يوقظ جيرانه، ومعه ولده الحسن رضي الله تعالى عنهم.
فلما دخل المسجد تلقاه ثلاثة من الخوارج: عبد الرحمن بن موجم المرادي، ووردان بن مجالد التيمي، وشبيب بن بجرة، فتلقاه عبد الرحمن بن موجم.
وكان الثلاثة قد خططوا لقتل علي بن أبي طالب في المسجد الأعظم بالكوفة هذه الليلة، تجيرهم وتنظمهم امرأة قطامة بنت الأخضر التيمية، نظمتهم وأدارتهم وهي معتكفة في المسجد.
وعبد الرحمن بن موجم حافظ للقرآن، بل يقرأ القرآن، معلم للقرآن، بعثه عمر بن الخطاب رضي الله عنه معلما للقرآن إلى عمر بن العاص في مصر، وبنى له عمر بأمر الخليفة عمر بن الخطاب دارًا واسعة بجوار المسجد ليعلم القرآن والفقه والحديث.
لكنه رأى أن علي قد انحرف وحاد عن الطريق، لأنه جعل الحكمة بينه وبين معاوية وعمر فتعاقد ثلاثة: عبد الرحمن بن موجم، والبراك التيمي، وبكر التيمي في المسجد الحرام في مكة أن يقتل كل واحد منهم: عبد الرحمن بن موجم عليًا، والاثنان أحدهما عمر بن العاص، والآخر معاوية.
ليلة التاسع عشر من رمضان، فخرجوا من مكة وقصدوا الكوفة، ودخلوا ونظم الأمر مع القطامة، لأنه أراد أن يتزوجها فطلبت مهرًا فقال لها: سمي مهرق، فقال ثلاثة آلاف دينار أو درهم وجارية ورأس علي.
لأن علي رضي الله عنه قتل أباها وقتل أخاها في واقعة النهروان، وهي معتكفة، وهم هؤلاء من العباد، من حفاظ القرآن، من معلمي القرآن، لكنهم منحرفون فكريا، هم الخوارج.
رأى أن يتقرب إلى الله عز وجل بقتل علي رضوان الله تعالى عليه.
ومن علي؟ هو أفضل من يمشي على الأرض يومئذ، هو صهر النبي صلى الله عليه وسلم، هو ابن عم رسول الله، هو أول من أسلم، أول من أسلم بعد خديجة رضي الله تعالى عنه، هو الذي أعلن النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة خيبر أن الله ورسوله يحبه.
رضوان الله تعالى عليه كان أعلى من الناس بالقرآن والفقه، كان أمير المؤمنين، لكنهم لا يعترفون له بالإمارة، ولا يعترفون له بفضل، ولا يعترفون له بخير.
إنما يرون أنه قد انحرف.
ضربه عبد الرحمن بن ملجم بسيف اشتراه بألف درهم، وسمه بألف درهم، ووضعه في السم شهرا كاملا، وضربه على مفرق رأسه وهو يقول: الحكم لله يا علي لا لك ولا لأصحابك.
ولكن النبي صلى الله عليه وسلم كان قد بشر عليًا بذلك حين قال له: أشق الناس الذي عقر الناقة ناقة صالح والذي يضربك على هذا.
ووضع النبي صلى الله عليه وسلم يده على رأس علي رضي الله عنه حتى يخضب هذه، ووضع يده على لحيته رضي الله تعالى عنه، فضرب عليًا وهو قائم يصلي، فاستخلف علي جعدت ابنه بيره رضي الله عنهم جميعا.
هكذا فعلوا، ويا عجبا لعمران بن حطان الخارجي الذي يمدح فعل عبد الرحمن بن ملجم ويقول:
يا ضربة من تقي ما أراد بها إلا ليبلغ من ذي العرش رضوانا
إني لأذكره حين فأحسبه أو فالبرية عند الله ميزانا
فيا عجبا والله يقتل خير من يمشي على الأرض، هو ثالث خير البشر بعد النبيين، رابع خير البشر بعد النبيين بعد أبي بكر وعمر وعثمان، علي رضي الله عنه رابع أفضل بشر على وجه الأرض في التاريخ بعد النبيين رضوان الله تعالى عليهم.
يقول فيه:
يا ضربة يمدح ضربة ابن ملجم لعلي رضي الله عنه:
يا ضربة من تقي ما أراد بها إلا ليبلغ من ذي العرش رضوانا
إني لأذكره حينا فأحسبه أو فالبرية عند الله ميزانا
وهكذا يرون دائمًا أهل البدع والضلال، مفسدتهم في الأمة أعظم من مفسدة اليهود والنصارى والمشركين، وإن كانوا أولئك في الضلال أبعد، لكنهم في المضرة أفسد وأشد وأمكى بالأمة.
دائمًا هذا في عهد علي أيضًا، وفي العهد الأموي خرج شبيب ابن يزيد الشيباني الخارجي على عبد الملك ابن مروان ونصب نفسه أمير المؤمنين في العراق.
فدخل الكوفة في رمضان في العشر الأواخر، والناس بين معتكف وقائم وتال للقرآن، دخلوا المسجد الأعظم في الكوفة، ذات المسجد الذي قتل فيه علي رضي الله عنه، فقتلوا حراس المسجد ثم دخلوا فقتلوا جميع المصلين والمعتكفين فيه.
ثم نصب أمه غزالة أم شبيب إمامًا على المنبر، فصعدت غزالة، وكانت قد نظرت أن تبول على منبر الكوفة.
فصعدت على المنبر وخطبت وبالت على المنبر حتى قال الناس: أوفت غزالة نذرها، يا رب لا تغفر لها.
ثم خرجت من المسجد إلى قصر الحجاج وصارت تدعوه للمبارزة، غزالة هذه والخروج للنزال، فلم يخرج الحجاج.
أنشر في ذلك عمران بن حطان الخارجي:
أسد علي يذن الحجاج بن يوسف أسد علي
وفي الحروب نعامة رب داء تجفله
عن صفير الطائري صدعت غزالة قلبه
بفوارس جعلت منابره كأمس الداثري
هلا خرجت إلى غزالة في الورى
أم كان قلبك في جناحي طائري
هكذا فعلوا، ثم توجهوا إلى مسجد ذهل، وإمام المسجد هو ذهل بن الحارث رضي الله تعالى عنه، كان عابدا زاهدا يطيل في صلاته، فقتلوه وقتلوا المصلين.
وهكذا فعلوا.
وفي العهد العباسي في عام ثلاثمائة وسبعة عشر من الهجرة كان الحدث الأكبر الأشهر الأفضع الذي قاده أبو طاهر القرمطي الرافضي.
حين دخل مكة ودخل الحرم بيت الله الحرام في اليوم التروية فقتل ثلاثين ألفًا من الحجاج في صحن الكعبة في صحن المطاف.
قتل ثلاثين ألفًا يوم التروية من المسلمين من الصالحين، من الحجيج، من أفضل من هؤلاء، ومن أصلح من هؤلاء في أيام الحج.
فملأ بئر زمزم من الجثث، وجرى صحن المطاف أنهارًا من دماء الحجيج.
فشهر سيفه ووقف على باب الكعبة، وقد خلعوا الباب ونزعوا كسوة الكعبة، وقسمها على أصحابه.
ثم أمر أحدهم يصعد ليغلع الميزاب، لكنه سقط فمات.
وخلع الحجر الأسود، وذبح به إلى هجر.
ثم وقف على باب الكعبة وقال لمن الملك اليوم، وهو يصيح شاهرا سيفه ويقول:
أنا بالله وبالله أنا يخلق الخلق وأثنيهم
وهكذا فعل أهل البدع والضلال في كل عصر وفي كل زمان حتى جاء عصرنا.
أنا لا أتكلم عن الاعتداء على المساجد من غير المسلمين، فمئات الاعتداءات على المسجد الأقصى والخليل ومساجد فلسطين من اليهود.
عشرون اعتداء في ألمانيا، أربع وخمسون اعتداء فقط بعد أسبوع من حادثة صحيفة في فرنسا.
عدد من الاعتداءات في السويس وفي غير ذلك وفي أمريكا.
أنا لا أتحدث عن اعتداءات غير المسلمين على مساجد المسلمين، وإنما أتحدث عن اعتداء المسلمين.
الاعتداء المسلمين، بل وشباب المسلمين الذين يظنون أنهم على أركان الدين وأنهم يعبدون الله بذلك ويتقربون إلى الله بالاعتداء على المساجد وبالاعتداء على المصلين.
في السعودية، أبو عامر النجدي فجر نفسه بحزام ناسف داخل مسجد الإمام علي بالقطيف في شرق السعودية، فقتل مائة وسبعة وعشرين، وجُرح مئتان وسبعة وعشرون.
ثم في اليمن، في مسجد الحشوش ومسجد بدر في صنعاء، وفي مسجد في صعدة، دخلوا أيضاً الدواعش، ففجر أربعة دواعش أنفسهم، فقتلوا مئة واثنين قتلى وأكثر من مئتين جريح.
وعشرات القتلى في مسجد صعدة.
ثم تذكرون عندنا في مسجد الحارة الأولى، مسجد الشيخ أبو زيد محمد حمزة رحمه الله تعالى عليه، حين دخل محمد الرحمن الخليفي الليبي بقيادته، ومعه…
دخل مع مجموعة مسلحة إلى مسجد الحارة الأولى، وقتل عدد من المؤمنين الأبرياء، واستباحوا المسجد بحرمته ومكانته، هذه الجرائم والاعتداءات على بيوت الله وعلى المصلين فيها هي من أبشع الموبقات، وأعظم المنكرات التي يجب أن تحارَب بكل ما أوتينا من قوة، وأن يدرك كل مسلم أن المساجد هي بيوت الله، ومجالس العلم والعبادة، لا يحق لأحد الاعتداء عليها أو المساس بكرامتها.
