خطبة: البنات حسنات

مقدمة الخطبة: حمد الله والثناء عليه

إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا. من يهده الله فلا مُضِلَّ له، ومن يُضلل فلا هاديَ له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله وحبيبه وصفيه وخليله. أرسله الله بالهدى ودين الحق ليُظهِره على الدين كله ولو كره المشركون. اللهم فصلِّ وسلِّم وبارِك على سيدنا وحبيبنا محمد بن عبد الله، وعلى آله الطيبين الطاهرين، وأصحابه الغُرِّ الميامين الذين شيدوا الدين ومن اتبعوهم بإحسانٍ إلى يوم الدين.

مكانة البنت في الجاهلية: الوأد والتشاؤم

ثم أما بعد، فيا أيها الإخوة المسلمون، كانت البنت عند العرب في الجاهلية شؤماً وإهانة. كانوا يتشاءمون من الأنثى ويشعرون بالهوان والذلة من ولادة البنات. ولذلك كانوا يشعرون أن الرجل المحظوظ هو من رُزِق البنين. نعم، البنون زينةُ الحياة الدنيا، نعم زينة، ولكن من قال إن البنت هوان إلا العرب في جاهليتهم؟ بل كان ذلك اعتقاد وظنُّ الناس في الجاهلية من عربٍ وعجمٍ لأمورٍ كثيرة وأسبابٍ عديدة.

قال تعالى: ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُم بِالْأُنثَىٰ ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ * يَتَوَارَىٰ مِنَ الْقَوْمِ مِن سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ ۚ أَيُمْسِكُهُ عَلَىٰ هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ ۗ أَلَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾. نعم، كان في أول الأمر بدأ شعورُهم بالهوان. كانوا يشعرون بالهوان من ولادة الأنثى ومن ولادة البنت. ثم تطور ذلك إذ أن الأسرة كانت تتضايق ضيقاً شديداً إذا رزقهم الله البنت. وهم لا ينسبون الرزق لله، وإنما كانوا ينسبون الرزق للأم التي حملت وللبطن التي وضعت هذه الأنثى. فكانت الأسرة تتضايق والأب ربما ينحبس في بيته أياماً عديدة حتى لا يخرج مخافة أن يُعيَّر بمولوده الأنثى، يتوارى من القوم من سوء ما بُشِر به، من سوء ما رُزق، ومن سوء ما وُلِد له.

ثم ازداد الشعور بعد ذلك بالهون والهوان فأصبحوا يتشاءمون. دخل التشاؤم بعد الشعور بالهوان. صاروا يتشاءمون بالأنثى. فبدأ التفكيرُ في التخلص من هذا الشعور، من هذا العار، والتبرِّي من هذا الشؤم اللعين الذي حلَّ بهم حسب اعتقادهم وظنهم السوء واعتقادهم الباطل. فهدَتهم نفوسهم الأمارة بالسوء يقدح الشيطان زندها ويؤجِّج نارها ويزيد لهيبها وأوارها. فقرَّروا التخلص من البنت بدسِّها في التراب وإن كانت حيَّة. لأنه بين أمرين أحلاهما مرٌّ في نظره وعقيدته: أيمسكه على هون أم يدسه في التراب؟ فاختار دسَّها في التراب. ﴿أَلَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾.

فكانت المرأة، صارت هذه عادة بل عقيدة، أن البنت إذا جاءت يجب التخلص منها. حتى الأم فقدت حنانَها وقَفَلَت أبواب الشفق والرحمة من قلبها. فكانت إذا حملت حملاً حَفَرَت حفرةً في البيت في غرفتها. فإذا جاءها المولود الخارج ذكرٌ أم أنثى، فإن ولدت جارية أنثى رمت بها في الحفرة وردَّت التراب عليها. وإن جاء الذكر حفَظته وأبقته. ربما أمٌّ ترحم المولودة فتبقيها شهوراً أو سنةً أو سنتين، ربما تبلغ الخامسة فتلعب مع أبيها وأمها، وربما تبلغ السادسة. فإذا بلغت السادسة لا تبلغ السابعة، يأخذها أبوها إلى الصحراء مجملةً مزينةً، فيلقيها في بئرٍ مظلمة ويناديها وتناديه: “أبتاه لا تتركني، أبتاه لا أبتاه لا”. حتى يخفت صوتها وينقطع صوتها حينما يُثقل عليها التراب فتموت رحمها الله.

أسباب وأد البنات

عمر يروى عنه كما في كتب التاريخ أنه ذهب بابنته يحفر لها قبرها وهي حية جميلة مزينة تجلس بجواره ثم تنفض الغبار من لحيته وهو يجهز لها قبرها فيرميها ويدفنها ويبكي. لا يعني ذلك شيئاً. ﴿وَإِذَا الْمَوْؤُودَةُ سُئِلَتْ * بِأَيِّ ذَنبٍ قُتِلَتْ﴾.

السبب الأول: التشاؤم من البنت.

وإذا الموؤودة سئلت: “بأي ذنبٍ قتلت؟” ستسأل: “بأي ذنبٍ قتلت؟” ما ذنبك؟ ما جرمك؟ أتعرفون ربما قال الأب الذي يئد ابنته حين يسأل ما ذنبها: “وعدتها”. والوعد أن تدفن حية. شعورٌ بالهوان: “أيمسكه على هون؟ لا بل أدسه في التراب”. ﴿أَلَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾. أهذا سبب للتخلص من فلذة كبدي، ابنتي، لحمي ودمي؟ لا ذنب لها. ﴿وَإِذَا الْمَوْؤُودَةُ سُئِلَتْ * بِأَيِّ ذَنبٍ قُتِلَتْ﴾.

السبب الثاني: سوء العقيدة.

كانوا يعتقدون أن الملائكة بنات الله. فالبنات لله فلا ينبغي أن يكون للمخلوق بنات، أن يكون للناس بنات. فإذا جاءت البنت يجب أن تلحق بالله فتقتل. ﴿أَفَاسْتَفْتِهِمْ أَلِرَبِّكَ الْبَنَاتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ * أَمْ خَلَقْنَا الْمَلَائِكَةَ إِنَاثًا وَهُمْ شَاهِدُونَ * أَلَا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ * وَلَدَ اللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ * أَصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَ1ى الْبَنِينَ * مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾. عقيدة فاسدة، عقيدة باطلة، أدت ببعضهم إلى قتل بناتهم.

السبب الثالث: مخافة الحاجة والإملاق.

وبعض آخر، ﴿إِذَا الْمَوْؤُودَةُ سُئِلَتْ مَا ذَنبُهَا﴾ يقول: “مخافة الحاجة والإملاق”. أخاف ضيق الرزق. الذكر الغلام سينشأ ثم يسعى فيكد فيأتي بالرزق، يعينني على الحياة، يدفع عني السوء والشر، يقاتل عن عشيرته عن قريته عن بلده. مستورة ترزق ولا ترزق فهي عالة وعيلة يجب التخلص منه. والله تعالى يقول: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ ۖ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ﴾. إن كنتم في ضيق من رزق وعيلة فأنا الرازق لك ولها، فرزقك ورزقها علي. وإن كنت تخشى الفقر والعيلة فرزقها لا تقتلها. ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ ۖ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ ۚ إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا﴾. ﴿وَإِذَا الْمَوْؤُودَةُ سُئِلَتْ بِأَيِّ ذَنبٍ قُتِلَتْ﴾. ما ذنبها وما جرمها؟

تطور الأسباب ومواقف الجاهلية

قد يقول وقد تطورت الأسباب من مخافة الرزق، من عقيدة الباطل أن البنات لله، من الشعور بالهوان والذلة. فتتطور أسباب التخلص. أصبحت عقيدة، أصبحت عادة. بأي سبب يدخل التساهل عندئذ في تنفيذ إقامة هذه العقائد والعادات. فنجد عقيل ابن علفة وقد نشأت ابنته جرباء جميلة ساحرة كثيرة الجمال. ويلبس ابنته أجمل ما عندها ويزينها. فينظر إليها فيجدها جميلة فيغار عليها فيقتلها. يغار عليها فيدفنها وهو يعيش ويقول:

إني وإن سيق إلي المهر ألف عديد

وزوائد عشر، ولو أعطيت ألف طن من الذهب

مهراً لها ولو أعطيت ألف أوقية من الذهب،

ياهو الفضة مهراً لها ولو أعطيت عبدان أي العبيد والموالي،

ولو أعطيت عشراً من الإبل وكانت الإبل أجود أموالهم أيضاً لا،

إني وإن سيق إلي المهر ألف عديد وزوائد عشر

أحب أصهار إلي القبر

فساقها إلى القبر ودفنها حية مجرد الغيرة عليها. يا سبحان الله! ﴿إِذَا الْمَوْؤُودَةُ سُئِلَتْ * بِأَيِّ ذَنبٍ قُتِلَتْ﴾.

آخر الأسباب تطورت بمجرد الهوان من العقيدة الفاسدة، من مخافة الرزق، مخافة العيلة، مخافة الفقر إلى أمور تافهة. آخر يظن نفسه رحيماً بابنته شفوقاً عليها ولذلك خاف أن تعيش بؤساً من بعده فيئدها. يفضل وأدها على ودها. يقول:

أحب بنيتي ووجدت أني

سترت بنيتي في قعر لحدي

في قعر لحدي سترت بنيتي في قبر أدخلتها قبراً وإن كانت حية.

أحب بنيتي ووجدت أني

سترت بنيتي في قعر لحدي

وما ذاك من بغض ولكن

مخافة حتى تذوق البؤس بعدي.

يا عجباً لهذه النظرات الجاهلية. آخر يتشاؤم لها لا يتشاؤم منها. كانت العرب الجهلاء يتشاءمون منها ولذلك يأيدونها. لكن هذا عكس المسألة صار يتشاؤم لها ولا يتشاؤم منها. فقال: “هذه حين تكبر ربما يتزوجها رجل وهذا الرجل قد يكون فقيراً فتعيش في فقر وبؤس وحاجة، لا تجد ما تريد، لا تقضي حاجتها فأحمل همها أنا وهي عنده”. وربما تزوجها رجل غني فربما أساء إليها، ربما ضربها، ربما شتمها، ربما سبني بسببها. فخير لها أن تموت. يقول:

وإن زوجتها رجلاً فخيراً

أراها عنده والهم عندي

وإن زوجتها رجلاً غنياً

سيلطم وجهها ويسب جدي

سألت الله أن يأخذها قريباً

ولو كانت أحب الناس عندي.

هكذا كانت الجاهلية.

ميلاد النور: محمد ﷺ ونصرة البنات

فولد محمد أثناء هذا صلى الله عليه وآله وسلم. ولد محمد وشب محمد وهو يرى كيف أن البنت تقتل وتدفن حية مجرد هذه العقائد الفاسدة أو هذه المشاعر الفاسدة. صلى الله عليه وسلم. فيتزوج بخديجة الطاهرة. يتزوج بخديجة الطاهرة فتلد له أربع بنات: زينب، ثم أم كلثوم، ثم رقية، ثم فاطمة بضعة محمد صلى الله عليه وآله وسلم. وقبل أن يُبعث، قبل أن يكون نبياً وقبل أن يكون رسولاً عليه الصلاة والسلام. وهو يعيش في الجاهلية، لكن لا على جاهلية بل على بصائر سنية.

مرت سليمة الخزاعية، امرأة من قريش، سُئلت في ثلاث بنات. الأولى فأصر أبوها أن يئدها وهي تترجاه وتبكي دماً لا دموعاً لكن الأب يلقبها في وجهه ويأخذ الوليدة فيئدها. ثم ثانية ثم ثالثة. واعتادت على ذلك. وهي في السوق تجد أم أيمن مربية بنات محمد صلى الله عليه وسلم التي كان يقول عليه الصلاة والسلام عنها: “أم أيمن أمي بعد أمي” رضي الله تعالى عنها. تجدها مسرعة في السوق فتصطدم بسليمة الخزاعية فتصيح فيها: “ما لك يا أم أيمن؟ ما لك يا بركة؟” ما الذي أصابها؟ فتقول: “إني مسرعة لأبشر الصادق الأمين”. فقالت: “ومم تبشريه؟” قالت: “لقد وضعت الطاهرة خديجة رضي الله تعالى عنها. لقد وضعت الطاهرة ابنتها الرابعة”. فتقف سليمة مذهولة مدهوشة مندهشة: “كيف أبشر بالأنثى؟” قالت: “نعم، إني مسرعة إليه لأنال الجائزة والمكافأة”. قالت: كيف تحكي لها وهي تبكي تتذكر ما كان من موقف سابق الذي قامت به مع بناتها الثلاث؟ قالت: “في أول مولود وكانت بنتاً فأرسلوني لأبشر محمد صلى الله عليه وسلم”. قالت: “فترددت وأنا أخاف وكنت أظن أنه سيجفني معها. فذهبت إليه وأنا أرجف ترتعد فرائصي فقلت له: يا محمد وضعت خديجة بنتاً”. قال: “فرأيت البشرى في وجهه والسرور والفرح. وقام من فوره وانطلق مسرعاً إلى خديجة يدخل عليها ويحمل المولودة يحمل الوليدة يقبلها ويشمها ثم يعمر بالذبائح ويمدد الولائم فرحاً بولادتها”. فتزداد سليمة الخزاعية بكاءً تتذكر بناتها الثلاث وكيف وادهن أبوهن. وهكذا استمر محمد صلى الله عليه وسلم قبل الإسلام ثم جاء الإسلام.

أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه إنه الغفور الرحيم.

 


الخطبة الثانية:

الإسلام وتكريم البنات: كرامة وفضل

الحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

ثم أما بعد، فيا أيها الإخوة والأخوات، جاء الإسلام ليقرّر قرآنه الحقيقة الخلقية الإيمانية: ﴿يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ * أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا وَيَجْعَلُ مَن يَشَاءُ عَقِيمًا﴾. جاء الإسلام ليكرم البنات وينشأ المسلمون يكرمون البنات فيحيل عقيدة الإهانة إلى الكرامة وعقيدة الشعور بالشؤم إلى التفاؤل بولادة البنت.

كان أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى إمام أهل السنة رحمه الله إذا ولد له بنتٌ قالها تفاؤلاً: “الأنبياء كانوا آباء البنات”. نعم كان اللوط لم يُرزق إلا بنات، وهؤلاء بنات هم أطهر لكم. وشعيب ما عنده إلا بنات صلوات ربه وسلامه عليهم جميعاً. حتى قالت إحداهما: ﴿يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ ۖ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾. قال: ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَىٰ أَن تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ﴾. حتى قال بعضهم:

حبَّذا من نعمة الله البنات الصالحات

هن للنسل وللأنس وهن الشجرات

وبإحسانٍ إليهن تكون البركات

إنما الأهلون أرضون لنا مُحترَثات

فعلينا الزرع فيها وعلى الله البنات.

بل هو قال: “أحب البنات فحب البنات فرضٌ على كل نفسٍ كريمة وإن شعيباً لأجل البنات خدّمه الله موسى كليم الله”. شعيباً إكراماً للبنات. وآل عمران إذ قالت امرأة عمران: ﴿رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي﴾. لكنها لما وضعت وضعت أنثى فقالت: ﴿رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَىٰ﴾. والله عز وجل تكفل بها فجعلها خيراً من بلايين الرجال. جعلها من المصطفين الأخيار صلوات ربي وسلامه عليها وعلى عيسى عليه السلام. ومحمد صلى الله عليه وسلم رزق البنات ورزقه غلامين ولكنهما ما ماتا ولم يبقى إلا البنات. ولم يكن لنسل محمد إلا من البنات. وهذا إن كان فيه الإهانة لم يكن ذلك لمحمد صلى الله عليه وسلم. كل ما له فيه الكرامة. فإن أُكرمَ، فإن رزق البنات فذلك الكرامة. فمن يُرزق البنات فذلك الكرامة.

دعوة لإكرام البنات

ولذلك كان محمد صلى الله عليه وسلم يدعو لإكرام البنات. كما في حديث مسلم عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “من ابتلي من البنات بشيء فأحسن إليهم كن له ستراً من النار”. وجاءت مسكينة ومعها بنتان تطلب شيئاً، ليس لها شيء تطعمه لا هي ولا بناته. فأعطتها عائشة رضي الله عنها ثلاث تمرات. فأعطت إحداهن تمرة والأخرى تمرة، فأرادت أن تأكل الثالثة بعد أن اطمأنت إليهم. فاستعطفت إحداهما. فقالت لها: “أعطني تمرة”. فقسمت التمرة الثالثة بينهما. فذكرت ذلك عائشة رضي الله عنها للنبي صلى الله عليه وسلم. فقال عليه الصلاة والسلام: “إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَوْجَبَ لَهَا بِهَا الْجَنَّةَ”. وفي رواية: “أَعْتَقَهَا بِهَا مِنَ النَّارِ”.

وفي صحيح مسلم من حديث أنس: “من عالَ جاريتين حتى تبلُغَا جاء يوم القيامة أنا وهو كهاتين”. وضمَّ أصابعه صلى الله عليه وسلم. وفي المُستدرَك من حديث أبي هريرة رضي الله عنه: “من كن له ثلاثُ بناتٍ فصبر عليهن وضرائهن أدخله الجنة برحمته إياهن”. فقال رجلٌ: “وابنتان يا رسول الله؟” قال: “وإن ابنتان”. وقال آخر: “يا رسول الله وواحدة؟” قال: “وواحدة”. وصححه الحاكم. وفي مُصنَّف ابن أبي شيبة: “من ولدت له ابنة فلم يئِدها ولم يُهِنها ولم يُؤثِر ولدَه عليها أدخله الله الجنة”.

وكلُّ ذلك دعوة من محمد صلى الله عليه وسلم لإكرام البنات، لا لإهانة البنات. غير أنه بقايا عقائد الجاهلية تعلَّقت ببعض الناس إلى اليوم، ناهيك عن الصحابة رضوان الله عليهم ومن بعدهم من التابعين. فبقايا هذه الآثار كانت باقية.

مواقف في تكريم البنات

دخل عمر بن العاص رضي الله تعالى عنه على معاوية أمير المؤمنين معاوية بن أبي سفيان وعنده ابنته عائشة يُلاعِبُها ويُداعِبُها. فقال عمر بغضب: “أبعدها عنك يا أمير المؤمنين! فوالله ما علمتُ أنهن لا يُلبسن إلا الأعداء ولا يُقرِّبن إلا البُعداء ولا يُورِثن إلا الضغائن والشحناء”. فقال معاوية: “لا تقل هذا يا عمر! فوالله ما مَرَّضَ المرضى ولا ندبَ الموتى ولا أعوَن على الأحزان منهن. ولا رُبَّ ابن بأختٍ قد ينفعُ خالَه”. فقال عمر: “والله ما دخلتُ إليك إلا وهن أبغض شيءٍ إليك، والآن والله هن أحب شيءٍ إليك”.

أبو حمزة الضبي تزوَّج امرأة فصارت تلدُ له الأنثى الواحدة والأخرى. فصار يتشاءم وغضب منها. فتزوَّج بأخرى وأسكنها بجوارها في البيت الذي يلي بيتها. فولدت له غلامًا ففرح بها. فبقي عندها وهجر أم البنات. ثم لما طال هجرها سمعها تقول وهي تنشد بصوتٍ عال:

ما لأبي حمزة لا يأتينا

ينام في البيت الذي يلِينا

غضبان ألا ننبِت البنين

فالله ما ذلك في أيدينا

فنحن كالأرض لزارعين

ننبِت ما قد زرعوه فينا.

فلما علم ذلك وانتبه لهذه الحقيقة وهو مسلم رجع إليها وجعل القسمة بالسوية. يقوله محمد بن سليمان: “تفاؤلاً بالبنت، البنون نعم والبنات حسنات. والله عز وجل يحاسِب على النعم ويُجازِي على الحسنات”. فأيهما أفضل؟ ولهذا قال أبو محمد الريحاني:

حبَّذا من نعمة الله البنات الصالحات

هن للنسل وللأنس وهن الشجرات

وبإحسانٍ إليهن تكون البركات

إنما الأهلون أرضون لنا مُحترَثات

فعلينا الزرع فيها وعلى الله البنات.

الواقع المعاصر وتكريم البنات

أيها الإخوة، دليلُ ذلك أننا يجب أن نكون على هدي المصطفى صلى الله عليه وسلم فنزيدَ من إكرام البنات في هذا الزمان العسير. الزمان الذي كثُرت فيه الفتن. ولكن مع ذلك الأنفعُ ظاهراً في كل بيت، المُتقدِّم في الدراسة ابنتُك غالباً. التي تهتمُّ لك ابنتُك غالباً. التي تعطِفُ لك ابنتُك غالباً. ولدُك يخرُج في الشارع ويعبث، وبنتُك تجلس تطبخ وتنظِّف. البنتُ ترعاك والولدُ يهجُرك. البنتُ تعطِفُ عليك والولدُ لا يسأل عنك. ربما لو كبرت جاء لك فألقى لك جُنيهات أو دنانير أو ريالات ثم ينصرف عنك. لكن هذه مهما كانت حتى لو عندها زوجها تسأل عنك وتتابعُ أمرك.

والأعجب أن كثيراً منا يعتقد أن المرأة فعلاً والبنت ناقصة عقل. لا بالمعنى الذي ذكره النبي صلى الله عليه وسلم: “ناقصة عقل نقصانٌ إضافيٌّ لا حقيقي، بالإضافة إلى عاطفية”. بمعنى أن عاطفتها تغلبُ تعقُّلها. ولهذا كانت شهادتها نصف شهادة الرجل، نصف دينها. ناقصة عقلٍ ودين أنها تنقص أياماً شطرَ عمرها لا تصلي. أمر عملي لا مش حقيقة نقصان عقلٍ أو نقصان دينٍ في الحقيقة والانتقال لا. وإلا لو كانت البنت ناقصة عقلٍ حقيقةً فكيف من عشر الأوائل سبعة بنات؟ كيف من المئة الأوائل في السودان كله سبعين بنت؟ البنت هي الأولى مش السنة في سنوات كثيرة جداً ماضية. إذن استحقَّت أن تُكرم وأن نزيدَ من إكرامها وأن نشبع عاطفةً أبوية.

اللهم أرنا الحقَّ حقًّا وارزقنا اتباعه.

موضوعات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *