مقدمة الخطبة: حمد الله والثناء عليه
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا. من يهده الله فلا مُضِلَّ له، ومن يُضلل فلا هاديَ له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله وحبيبه وصفيه وخليله. أرسله الله بالهدى ودِين الحق ليُظهِره على الدِّين كله ولو كره المشركون. اللهم فصلِّ وسلِّم وبارِك على سيدنا وحبيبنا محمد بن عبد الله، وعلى آله الطيبين الطاهرين، وأصحابه الغُرِّ الميامين الذين شادوا الدِّين ومن اتبعوهم بإحسانٍ إلى يوم الدِّين. أما بعد:
تكريم رباني للرسول العدناني: عطايا إلهية وعود محققة
فيا معاشر المسلمين!! نبدأ خطبتنا بالتكريم الرَّبانيّ للرّسُول العدناني، الرّحمة المهداة والنعمة المسداة، السراج المنير صلى الله عليه وآله وسلم.
يستهلُّ الربُّ الكريم جلَّ ثناؤه وعزَّ جاره إخبارَ نبيّهِ الحبيب صلى الله عليه وسلم بالتكريم والعطاء، بإخباره بكرمه وعطائه الذي ما سبق لأحدٍ من قبلِه ولا يرجوه أحدٌ من بعده.
استهل ذلك ربُه بالقسم الرَّبانيّ العظيم: ﴿وَالضُّحَىٰ * وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَىٰ﴾. قسمٌ عظيمٌ من ربٍّ عظيمٍ يبتدر به لإخبار نبيِّه الكريم بعطايا الرَّبِّ الكريم جلّ جلاله.
فيا أتباع محمد!! لقد تضمّن هذا التكريم الرّبانيّ للرسول العدنانيّ بأبي هو وأمي صلى الله عليه وآله وسلم خمس عطايا، التالي أعظم من الأَوّل، والأَوّل أعظم، والثالث أعظم وأعظم، والرابع أعظم وأعظم وأعظم، والخامس أعظم على الإطلاق.. خمس؛؛ في خبرين وثلاثة عطايا؛ تنتظر الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم:
- ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ﴾: إخبار المصطفى عليه الصلاة والسلام ببقاء المودة والصلة بينه وبين ربه وخالقه وباعثه ومكرمه تبارك وتعالى، يخبره اللهُ أنَّه باقٍ على مودته وصلته!، فما أعظم هذا الخبر وما أعظم هذا العطاء! ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ﴾، ما تركك وما هجرك، ولن يتركك ولن يهجرك، أو مثلك يا حبيب الحق يا أحب الخلق يُترك أو يُهجر؟؟!!.
- ﴿وَمَا قَلَىٰ﴾: إخبارٌ بعطية الخُلّة والمحبة، مؤكّد دوامَ المحبة والخُلَّة. ولا شك أن الخُلَّة أعظم من الصِّلَة.
- ﴿وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَىٰ﴾: وفيه غاية التطمين في الآجلة. وهذا أعظم من الصِّلة والخُلَّة.
- ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَىٰ﴾: يتضمن ضمان العطاء والخير في الدنيا قبل الآخرة. والسين للوعد القريب القاطع المؤكّد.
- العطاء المرضي بإطلاق: مرضي لرسول الله صلى الله عليه وسلم: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَىٰ﴾. يعطيك حتى ترضى، ولسوف ترضى، وهذا معلوم لنا لا نشك ولا نرتاب.
تأكيد الوعود بالعطايا السابقة
ولننتبه!! هناك ارتباط عجيب بين تحقيق وعود الرب تبارك وتعالى بالعطايا الخمس وبين تأكيد تحقيق هذه الوعود بالعطايا الخمس. فتحقيق وعود العطايا الخمس بما أعطاه بالأمس. التأكيد بتحقق العطايا الخمس بالعطايا الخمس التي سبقت لمحمد صلى الله عليه وسلم التي هي:
- الإيواء والرعاية: ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَىٰ﴾.
- والإصلاح والهداية: ﴿وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَىٰ﴾.
- والإغناء والكفاية: ﴿وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَىٰ﴾.
- والتطهير من الأوزار والرزايا: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ * وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ * الَّذِي أَنقَضَ ظَهْرَكَ﴾. فشرح الله صدر محمد لتطهيره من بقايا الأرجاس والأدناس الجاهلية، ليكون مهيَئَاً للوحي والنبوة صلى الله عليه وسلم.
- ورفع الذكر في البرايا: ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾. فلا يذُكَر الربُّ إلا ذُكِرَ نبيُّه صلى الله عليه وسلم؛؛ ما ذُكِر اللهُ إلا ذُكِر رسولُه صلى الله عليه وسلم. ما ذُكر ربُّ محمد إلا ذُكر محمد ٌe. رفعٌ لذكره u مع ذكره تعالى.
الشروط الخمسة لتحقيق العطايا لأتباع النبي e :
لكن هذه العطايا أيها المسلمون، هذه العطايا الربانية الخمس الآتية والماضية، لتحقيقها وتحققها شروط خمسة. عطايا خمس تأكيدها بعطايا خمس بشرائط خمس. غير أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن معنياً بهذه الشروط.
إذن لمن هذه الشروط؟ لأنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم فاعلٌ لها وزيادة؟، فلا ترتبط العطايا بالشروط، بل هي متحقّقة من غير الشروط في حقّ المصطفى صلى الله عليه وسلم. لأنها:
أولاً: عطايا لإرضائه صلى الله عليه وآله وسلم..
وثانياً: لأنه صلى الله عليه وسلم فاعلٌ لهذه المطلوبات وزيادة من غير اشتراط عليه الصلاة والسلام.
إذنْ هي ليست مشروطة في حقّه، بل عطايا الربّ الكريم للنبيّ الكريم إنما هي ليرضى حبيبُه المصطفى وخليلُه المجتبى عليه الصلاة والسلام.
إذن هي شروط لمن؟
هي شروطٌ لأتباع محمد، لأمّة محمد، لمن رغب في العطايا الخمس من أتباعه عليه الصلاة والسلام. هذه الشرائط خمسٌ ـ يا محب محمد ومتبعه بإحسان ومحبة ـ لنيل عطايا الرب الخمس، وهي:
- الرّحمة باليتيم: ﴿فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ﴾.
- الاهتمام بأمر الفقير والمسكين: ﴿وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ﴾.
- التحدّث بنعم الكريم جل وعلا: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾.
- الانتصاب في الفراغ بطاعة العزيز الحكيم: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانصَبْ﴾.
- الرَّغَب إلى البَرِّ الرّحيم جل وعلا: ﴿وَإِلَىٰ رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾.
الفراغ: فرصة للطاعة لا للعبث:
وقوله تعالى: ﴿فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ﴾، فالفاء سببيةٌ للتحقّق بالشروط لتحقيق العطايا، وتعقيبيةٌ لتأكيد أنّ من فعل ذلك رَغَباً إلى الله نالَ العطايا الربّانية. ﴿فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ * وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ * وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ * فَإِذَا فَرَغْتَ فَانصَبْ * وَإِلَىٰ رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾. وهذا تأكيدٌ أنّ السورتين «سورة الضحى وسورة الشرح» مترابطتان، تُكمل الشرحُ الضحى وتُكمل الضحى الشرح.
أما الوقفة فيجب أن تكون مع قوله: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانصَبْ * وَإِلَىٰ رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾. فالفراغُ قاتلُ أبناء الأمة. إذا فرغوا من شيءٍ فرحوا ليلهُوَ أحدُهم ويلعب ويترك الواجب ولو كان ناقصاً ولو لم يؤدِّه. يُهرعون إلى اللعب واللهو أكثر من هرعهم إلى ربهم والرَغَب إليه. ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانصَبْ * وَإِلَىٰ رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾. هذا هو حالُ أتباع النّبيe الصادقين في اتباعه، هو حالُ أتباع النّبيe الحريصين على التأسِّي به، هو حالُ أتباع النّبيe الراغبين في عطايا ربه..!!..
ü فما فرغوا من طاعة إلا انتصبوا إلى طاعة..
ü وما فرغوا من عبادة إلا انتصبوا إلى عبادة..
ü وما فرغوا من قُربةٍ إلا سعوا إلى قُربة..
ü وما فرغوا من ذكرٍ إلا انتصبوا لذكر..
ü وما فرغوا من واجبٍ إلا انتصبوا إلى واجب.
هذا هو الذي يُرغبه الربُّ تبارك وتعالى وبهذا يُرغبُ إلى الرب.
الانتصاب بعد الفراغ في العبادات:
﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانصَبْ * وَإِلَىٰ رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾. والانتصابُ بالفراغ كلما فرغت انتصبت للرب الكريم العظيم هو محبوبُ الله تعالى أيها المؤمنون في عباده الطائعين الصالحين في كل الفرائض والأركان. أشار فيها الله عز وجل إلى هذا المعنى الذي يغيبُ عنّا كثيراً.
- بعد الفراغ من الصلاة أمرٌ بالانتصاب من رب العزة قال: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىٰ جُنُوبِكُمْ﴾. فأين اللعب؟
- بعد الفراغ من الجمعة أمرٌ بالانتصاب: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾.
- انتهاء من واجبٍ ديني وانتصابٌ إلى واجبٍ ديني!! ﴿.. فَانتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾.
- وبالفراغ من أداء الزكاة أخبر بالانتصاب: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزَكَّىٰ * وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّىٰ﴾.
- وبالفراغ من الصوم وإكمال العِدَّة أمرٌ بالانتصاب، بالتكبير والشكر: ﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾.
- وبالفراغ من الحج أمرٌ بالانتصاب فقال: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُم مَّنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا﴾. فأين اللعب؟ أين اللهو؟ أين تضييع الوقت؟ أين الفراغ من الخير؟ هذا فراغ المتفلتين عن دينهم، هو فراغ غير المتدينين.
حياة الأنبياء بين “قم” و “أقم”:
بل لو تقرأ القرآن لتجدنّ أنّ القرآن يجعل حياة محمدٍ صلى الله عليه وسلم والأنبياء كلها بين «قم» و «أقم»:
- ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ * قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا * نِّصْفَهُ أَوِ انقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا * أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا﴾. طاعةٌ وذكرٌ وقربة.
- ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنذِرْ * وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ * وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ * وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ * وَلَا تَمْنُن تَسْتَكْثِرُ * وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ﴾. دعوة، قيامٌ للدعوة بواجب الدعوة، بالذكر، بالتطهُّر، بالتفكر، بالتصبر. في كل ذلك حياة محمد صلى الله عليه وسلم والأنبياء انتصاب بين “قم” و “أقم”.
- ﴿أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾.
- ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَىٰ غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ ۖ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾.
- ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنكَرِ وَاصْبِرْ عَلَىٰ مَا أَصَابَكَ﴾.
إذن حياة المؤمن الصالح كلُّها بين “قم” و “أقم”، انتصاب.
الفراغ بين الدنيا والعبادة :
فإذا فرغت فانصب وإلى ربك فارغب. قال أهل التفسير في معنى: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانصَبْ * وَإِلَىٰ رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾: “إذا فرغت من العبادة فانصب في عمل الدنيا، وإذا فرغت من عمل الدنيا فانصب في العبادة. ولا تكن سبهللاً، لا واجب لك ولا فرض لك ولا خير منك، تلعب وتلهو بلا فائدة”.
قال ابن عباس: “إِذَا فَرَغْتَ مِنَ الصَّلاةِ فَانْصَبْ فِي الدُّعَاءِ، وَاسْأَلِ اللَّهَ وَارْغَبْ إِلَيْهِ”.
قال ابن مسعود: “إذا فرغت من الفرائض فانصب في قيام الليل”.
قال الحسن البصري: ” إذا فرغت من جهاد عدوك، فَانْصَبْ في عبادة ربّك”.
قال قتادة: “إذا فرغت من جهاد عدوك فانصب في عبادة ربك”.
وقال زيد بن أسلم: “إِذَا فَرَغْتَ مِنَ الْجِهَادِ فتعبد”.
وفي معنى ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانصَبْ﴾ كان الإمام البخاري رحمه الله تعالى يتمثل ببيتين:
اغتنِم في الفراغ فضل ركوعٍ فعسى أن يكون موتُك بغتهْ
كم صحيحٍ رأيتَ من غيرِ سقمٍ ذهبت نفسُه الصحيحةُ فلتهْ
وقد كان رحمة الله تعالى عليه ما خشيه وتوقّعه فانتبه له وانتصب، فيا سبحان الله كان موتُه بالسكتة القلبية رحمه الله تعالى.
وكان ابن المبارك رحمة الله تعالى عليه ينصح مثلي ومثلك يقول:
اغتنِم ركعتَين زلفى إلى الله إذا كنت فارغًا مُستريـــحًا
وإذا ما هممتَ بالمنطق الباطل فاجعل مكانَه تسبـيــــــــــــحًا
إنَّ بعضَ السكوت خيرٌ من النُّطق وإن كنت بالكلام فصيحًا
أقولُ قولي هذا وأستغفرُ الله لي ولكم فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
الخطبة الثانية:
تطلعات عظيمة ومسؤولية الفراغ:
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه.
أما بعد، فيا أيها الإخوة المؤمنون!! التطلُّع للعطاء العظيم من الربّ الكريم إنَّما يكون بإحسان التعامل مع الفراغ. تنفيذاً لقوله تعالى وامتثالاً لأمره جل في علاه: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانصَبْ * وَإِلَىٰ رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾.
التعامل مع الفراغ؛ ملؤُه بالمفيد النافع. والقاعدة الصلاحية «لا فراغ في حياة المؤمن وواجبٌ ينتظر». لا مكان للمباحات في وقت الفراغ بضياع الواجبات. لا مكان للمباحات على حساب الواجبات. لا مجال للمباح والفرض يئِنُّ، والواجب ينادي فهذه سبهللةٌ. هذا شرطُفعل المباح في الشريعة، شرطُه إذن إن أردت أنْ تلهوَ أو تلعب بمباح. ألاّ يضيّع اللعب واللهو فرضاً أو واجباً دينياً أو دنيوياً أو مهمّة دعوية أو مسؤولية حياتية.
واقع الأمة: أمعه مجال للهو؟!:
قل لي: أيُعقل أن تذهب إلى ميدان تلعب كرة، أو تذهب إلى الميدان تشاهد لعب كرة، أو تشاهد مباراة في ميدان أو في إستاد أو في التلفاز أو في القناة، وأبوك مريض يئنُّ من المرض؟..
أيُعقل أنك تخرج وتترك أمك تعاني أوجاع المرض لتذهب وتشاهد كرة أو تلعب في الميدان؟..
أيُعقل أنّك ستترك زوجتك أو ولدك ابنك أو ابنتك يقاومون المرض، أزمة صدرية، أو مغص كلوي أو معوي!! فتتركهم لتلعب؟..
أيُعقل أنك تعاني في نفسك مرضاً مثل أزمة أو غيرها ثم تذهب وتلعب؟.
هذا ما هو حالنا اليوم أيها المسلمون. أمتنا في أزمات ونكبات. الأمة الخاصة في السودان، والأمة عامةً، كيف والقدس والأقصى وفلسطين تُباع وتُشترى!!. أهلي وأهلك في أراكان بين تقتيل وتنكيل وتشريد ومطاردة!! فكيف يسوغ لي أن ألعب أو ألهو أو أضحك؟ ..
مئات الشباب الروهينغي مجروح، الآلاف منهم مقتول. عشرات المسلمات في أراكان يستشهدن حفظاً على أعراضهن، أو قد يُنهش عرضهن!! وهم بين مقتول ومجروح وهارب وضائع وجائع وخائف. وأنا ألعب وألهو! لا يتناسب ولا يليق ولا يجوز. ألـْهُو وألْعَبُ والأمة هكذا ؟؟!!!..
إخواني وإخوانك في مالي يُقتّلون.
المسلم في أفريقيا الوسطى خائف يترقّب الموت أو دخول جندي من جنود الأمم المتحدة أو من جنود النصارى في بلادهم. يترقب الموت، يترقب الرصاص، يترقب الذبح، يترقب الاعتداء. وهنا وهناك نضحك ونلعب؟!!.
المسلمون في سوريا في ليبيا في اليمن الحبيب بين تشريدٍ وطردٍ وذبحٍ وتقتيل ونحن نلهو ونلعب.
السودان في أزماتٍ وأزمات اقتصادية وسياسية وعصبيات قبلية وتشرذمات عرقية ومواجهات عشيرية ونحن نلهو ونلعب؟!!!.
بربك قل لي كيف تلهو وتلعبُ؟ وجُرح حمانا غائر ليس ينضبُ
أتهنُأ حقًا والحصون تهدّمتْ وصار غرابُ الخزي فوقك ينعبُ
وساغ لك الأكل الشهيّ وأسُّنا يُهـــــزُّ بزلزال العدو ويُقلبُ
تبيت هنيء البال غير مروّع وتغدو فسيح النفس تشدو وتطربُ؟؟!!.
وشاهدوا قنواتنا وإذاعاتنا جلها أغاني في أغاني؛ طربٌ ولهوٌ ولعب.
نماذج من التاريخ: الجدية والإعداد:
رحم الله نور الدين الزنكي عم صلاح الدين الأيوبي رحمة الله تعالى عليه. مرة وجده بعض العلماء الزاهدين الآمرين بالمعروف الناهين عن المنكر؛ وجده يلعب بالكرة. نور الدين الزنكي يلعب بالكرة، بلعبة البولو، ولعلها لعبة تكون بالخيل والفرسان والحَصِين، لأنه كان يلعب بالكرة من فوق الحصان ومعه جماعة. فجاءه هذا الشيخ وأنكر عليه قال: “كيف تلعب؟ كيف وأنت الأمير وأنت القائد والقدس تحت أيدي الصليبيين؟” فقال: “والله…” .
أرجوكم اسمعوا من هذا الأمير الذي استحقّ أن يُكرمه الله تعالى بالنصر والمؤازرة.
يا ليت حكامنا كانوا كذلك.
يا ليت أمراءنا كانوا كذلك.
يا ليت ملوكنا كانوا كذلك. لَكُنَّا أمّةَ الإسلام حقاً. ولرجعنا خير أمة أُخرجت للناس.
اسمعوا إلى ما يقوله هذا البطل المسلم نور الدين الزنكي رحمه الله في لَعِـبِه بالكرة قال: «والله ما حملني على اللعب بالكرة اللهو والبطر. ما قصدي أن ألعب وأن ألهو. ما قصدي البطر. ما قصدي اللهو. لا مش اللهو الذي نقوله اللهو المباح لا بل اللهو الموجّه المقصود. قال: « والله ما حملني على اللعب بالكرة اللهو والبطر، وإنما نحن في ثغر والعدو قريبٌ منا. ولو تركنا الخيل على مرابطها؛ صارت جمامًا». يعني كسلت، تكاسلت. لو وقفت صارت لا قدرة لها على إتمام سير إذا وقع الطلب.
هذا والله هو الذي بعثه على اللعب بالكرة.
فمن جهادٍ إذَنْ إلى إعداد. من إعداد إلى جهادٍ هو قاعدة الكبار الأخيار ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانصَبْ * وَإِلَىٰ رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾. إذنْ ما كان يلعب ليلهو، وما كان يلعب ليبطر، ما كان يلعب ليضيع وقته، وما كان يلعب ويلهو ليملأ فراغه. لا. كيف وهو الذي قال: “كيف أضحك؟” وما كان يضحك. فقيل له: “لماذا لا تضحك؟” قال: «كيف أضحك وبيت المقدس في أيدي النصارى والصليبيين؟» هذا يُتصور أن يكون لهوه للعب أو لعبه للهو؟!!.
ورَّث صلاح الدين ابن أخيه هذه المقالة وهذه الحالة رضي الله عنهم. لذلك وجدنا صلاح الدين منع نفسه من أن يضحك أبداً حتى يحرِّر القدس. وما ضحك صلاح الدين إلا يوم تحرير القدس. ولما قيل له: “لماذا لا تضحك؟” قال: “كيف أضحك والقدس أسير؟”..
وسبق هؤلاء الأخيار الأبرار من قادة الأمّة رجلٌ زاهدٌ عالم من أخيار الأُمّة رحمة الله تعالى عليه هو عبيدة الخواص رحمه الله. كان يقول: “كيف أضحك وفي أيدي المشركين أحدٌ من المسلمين؟”.
+ + +
