خطبة: إذا أحببته (ﷺ) فأطعه

مقدمة الخطبة: حمد الله والشهادة للرسول ﷺ

إِنَّ الْحَمْدَ لِلَّهِ نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ وَنَسْتَهْدِيهُ وَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له.

وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وحبيبه وصفيه وخليله، خيرته من خلقه وأمينه على وحيه، وسفيره بينه وبين عباده. أكرم الخلق على الله وأحب الخلق إلى الله، أعظمهم عنده جاهًا وأسمع الخلق لديه شفاعة. أحبهم إليه وأكرمهم إليه صلى الله عليه وسلم. أرسله ربه للإيمان مناديا، وإلى الجنة داعيا، وإلى صراطه المستقيم هاديا. وبكل معروف آمراً، وعن كل منكر ناهيا. رفع له ذكره، وشرح له صدره، وجعل الذلة والصغار على من خالف أمره، والشفاعة والسعادة لمن تابع سيره. يا خير مبعوث وأفضل مرسل، وشفيع قوم أذنبوا وأساؤوا. أنوارك العظمى إذا ما أشرقت يوم القيامة فالورى سعداء.

اللهم فصلِّ وسلِّم وبارِك عليه وعلى آله الطيبين الطاهرين، وأصحابه الغرِّ الميامين الذين شادوا الدين ومن اتبعوهم بإحسانٍ إلى يوم الدين. من مثله في الكون لا لم يوجد، قد جاء والدنيا كليلٍ مظلمٍ فارتجَّت الدنيا بنور محمد صلى الله عليه وسلم. فالنور نور محمدٍ يا سعدنا ذاك النبي فمثله لم يُولدِ عليه الصلاة والسلام. نور أطلَّ على الحياة رحيمًا، وبكفِّه فاضَ السلام عظيمًا. لم تعرف الدنيا عظيمًا مثله، صلوا عليه وسلموا تسليمًا صلى الله عليه وسلم. يا من بحثت عن العطور جميلها ليكون عطرك في الأنام نسيمًا، هلَّ لي بأن أهديك عطرًا فاخرًا وهو الدواء إذا غدوتَ سقيمًا؟ هو قول رب الخلق في قرآنه: صلوا عليه وسلموا تسليمًا. اللهم فصلِّ وسلم وبارِك عليه وعلى آله الطيبين وأصحابه الغر الميامين ومن اتبعوهم بإحسانٍ إلى يوم الدين.

المحبة الصادقة للرسول ﷺ: الطاعة والاتباع

ثم أما بعد، لن نخوضَ كحالنا في كل عامٍ عند ذكرى الربيع، ذكرى مولد الرسول صلى الله عليه وسلم، وهو قطعًا قد وُلِدَ في شهر الربيع، وعلى قول الجمهور وأكثر العلماء أنه وُلِدَ في ليلة الثاني عشر من ربيعٍ الأول صلى الله عليه وسلم. لن نخوضَ في حكم الاحتفال بمولده ولا نقف عند ذلك، وإنما نرجو أن نبلغ إن لم ندرك في الأعوام الماضية في هذا العام فنبلغ درجة المحبين لرسول الله صلى الله عليه وسلم. فليست المحبة مجرد أن نفرح بذكرى مولده أو أن نرقص أو نطرب لذلك، وإنما المحبة أفعال وأحوال. للمحبة علامات نبهنا إلى بعضها من قبل ونستكمله ونزيد. غير أن من أهم علامات المحبة، وأعني المحبة الصادقة، ليست المحبة المدعاة: الطاعة. فالطاعة من أظهر علامات المحبة لرسول الله صلى الله عليه وسلم. ولا يمكن أن يكون المحب صادقًا بأي حال ما لم يمتثل أوامر رسول الله صلى الله عليه وسلم. لا يمكن أن يكون المحب صادقًا لم يمتثل أوامر محبوبه. وكاذبٌ جداً من ادعى محبته وهو لا ينقاد لأمره راضياً راجياً رضاه. نعم، مدعي محبة رسول الله صلى الله عليه وسلم من تجهم لأمره.

من تأخر عن طاعته. من احتال على مخالفته. أما الصادق في حب رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو ذاك المنقاد المتبع المطيع. وكما قيل:

“تعصي الإله وأنت تزعم حبه، هذا لعمري في القياس بديع.

لو كان حبك صادقاً لأطعته، إن المحب لمن يحب مطيع.”

يا مدعي حب طه لا تخالفه، الخلف يحرم في دنيا المحبين. أراك تأخذ شيئاً من شريعته وتترك البعض تهويناً وتدويناً. تهويناً: لاستهانة أو أن أمره هيّن لا إشكال أن تخالفه. لا إشكال أن لا تطيعه. وتَدَيُّنٌ أنك تقدم قول غيره عليه، أمر غيره عليه، شريعة غيره عليه. أي تجعل شريعة محمد دون الشرائع، وقانون محمد دون القوانين، ونظام محمد دون الأنظمة. فذاك والله ليس بالمحبة في شيء. لا علاقة له بالمحبة. بل هو دليل عدم المحبة لرسول الله صلى الله عليه وسلم. ولهذا قال سفيان الثوري رحمه الله: “المحبة اتباع رسول الله صلى الله عليه وسلم”. اختصار، إجمال، جمع معاني المحبة في الاتباع. نعم. إن لم تكن متبعاً لرسول الله فأنت مدعي كاذب. فلينتبه كل مؤمن مدعي محبة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

قال بعضهم: “المحبة موافقة الحبيب في المشهد والمغيب”. توافقه لا تخالفه. وقال آخر: “المحبة معانقة الطاعة ومباينة المخالفة”. أنت من مخالفته بعد المشرقين، وأنت من طاعته معانق للطاعة قريب منه. فإذاً أنت محب صادق. وفي القرآن: ﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾. وإذا أحب الله عبداً حببه لرسول الله. ومن أحب الله أحب رسوله. وإلا فالتلازم قائم بين المحبة والاتباع. كما أن التلازم قائم بين الاتباع والطاعة. فلا يكون اتباع بلا طاعة كما قاله هارون لقومه: ﴿فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي﴾. فالإتباع لا يتحقق إلا بالطاعة. فاتباع النبي صلى الله عليه وسلم لا يكون إلا بطاعته عليه الصلاة والسلام. وكما قال موسى لهارون: ﴿أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي﴾؟ أي أن عدم الاتباع عصيان لأمره. فإن لم تكن متبعاً لرسول الله صلى الله عليه وسلم فلا يكون من معنى إلا أنك عاص لأمره صلى الله عليه وسلم. ولا يمكن أن يقبل مؤمن صادق أن يكون عاصياً لرسول الله صلى الله عليه وسلم. إذاً المحبة الطاعة، للمحبوب عنوان المحبة. فليكن شعارك أيها المحب الصادق لرسول الله صلى الله عليه وسلم، شعارك قولاً وفعلاً وحالاً وسلوكاً: الطاعة لرسول الله صلى الله عليه وسلم.

الصحابة: أمثلة للطاعة الفورية

وهكذا كان أصحابه المحبون لرسول الله صلى الله عليه وسلم. وكل أصحاب رسول الله محبون لرسول الله صلى الله عليه وسلم. كانوا متبعين له، طائعين لأمره عليه الصلاة والسلام.

في غزوة خيبر كان المسلمون رضوان الله تعالى عليهم يأكلون الحمر الأهلية كما تعرفون. ولكن نادى منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم خيبر وهم قد اصطادوا الحمر الأهلية وذبحوها وقطعوها وأوقدوا لقدورهم النيران لطبخها. فنادى منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إن الله ورسوله ينهيانكم عن لحوم الحمر الأهلية”. هل تفكروا؟ قالوا: “ولكننا جوعى”. لا طعام عندنا. لا شيء نأكله. هل ترددوا؟ هل تفكروا؟ هل أدخلوا: “لكن لماذا؟ ما العلة؟ ما السبب؟” لا. لما نادى منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إن الله ورسوله ينهيانكم عن لحوم الحمر الأهلية”، أكفئت القدور وإنها لتفور باللحم. رضي الله تعالى عنهم أجمعين.

رحم الله نساء المهاجرين والأنصار. لما نزل قول الله عز وجل: ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾، أخذن أُزُرهن ومروطهن فشققنها فاختمرن بها. ما في تردد، ما في تلكؤ، ما في تأخر عن الطاعة، ما في تباطؤ عن الطاعة. سمعاً وطاعة، امتثال فوري. أول ما يأتيك أمر رسول الله أو أمر الله، لا تلكؤ أو لا تباطؤ أو لا تأخر، وإنما الامتثال الفوري. رحم الله الرجال والنساء من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم.

جاء ابن مسعود إلى المسجد يوم الجمعة والرسول صلى الله عليه وسلم يخطب. فلما بلغ الباب قبل أن يدخل، سمع النبي صلى الله عليه وسلم وهو على المنبر يقول لرجل كان يتخطى الرقاب: “اجلس”. فجلس ابن مسعود في الخارج ولم يدخل الباب، لم يدخل المسجد. جلس امتثالاً لأمر النبي صلى الله عليه وسلم: “اجلس”. فجلس. ما نظر ولا بحث الأمر لمن. وإنما سمع النبي صلى الله عليه وسلم صاحب الشريعة يأمر فامتثل لأمره. فقال فرآه النبي صلى الله عليه وسلم فقال: “يا ابن مسعود ادخل”. فدخل رضوان الله تعالى عليهم.

الطاعة دليل المحبة: قصة طلحة بن البراء

بل المحب الصادق أيها المؤمن، المحب لرسول الله صلى الله عليه وسلم، المحب الصادق أحياناً ليثبت لنفسه أنه محب صادق، يرجو أن يأمره النبي صلى الله عليه وسلم، يتمنى لو أمره. فانظروا إلى نفوسكم وإلى أمانيكم لو لقيتم النبي صلى الله عليه وسلم كيف كان سيكون حالك؟ أكنت ترجو أن يأمرك رسول الله صلى الله عليه وسلم لتطيعه؟ فإذاً أنت محب صادق.

طلحة ابن البراء رضي الله عنه لما جاء النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة كان غلاماً يافعاً. فجاء إلى النبي عليه الصلاة والسلام فجعل يلصق برسول الله صلى الله عليه وسلم وينكب على قدميه، يقبل قدميه الشريفتين صلى الله عليه وسلم. فتعجب النبي صلى الله عليه وسلم من أمره لكنه بادر النبي عليه الصلاة والسلام مع ذلك فقال له: “يا رسول الله، مرني بما أحببت ولا أعصي لك أمراً”. مرني بما أحببت ولا أعصي لك أمراً. مهما كان هذا الأمر سيمتثل، ومهما كان التكليف سينفذ، ومهما كان كانت العاقبة أو الأثر سيفعل. رضي الله تعالى عنه. فأراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يختبره فقال له: “إذن اذهب فاقتل أباك”. اذهب فاقتل أباك. فخرج مولياً ليفعل. ما تردد، ما تباطأ ولا تلكأ رضي الله عنه. أيها الشباب، يا شباب المسلمين، يا أتباع رسول الله صلى الله عليه وسلم، أين أنتم من هذا المثال؟ أين أنتم من هذا المثال؟ أتبعون سنة من كان قبلنا من اليهود والنصارى في المشرق والمغرب، وتتركون اتباع رسول الله صلى الله عليه وسلم في ملبسنا، في مشيتنا، في هيئتنا، في حلاقاتنا، في علاقاتنا، في حبنا وكرهنا، في عبادتنا ومعاملاتنا وأحوالنا كلها. من أحق بأن يتبع رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ لما قال له: “اذهب فاقتل أباك”، ما تردد. ما تردد. وإنما خرج مولياً ليفعل رضي الله تعالى عنه.

لكن النبي صلى الله عليه وسلم دعاه ويضحك. فقال له: “أقبل يا طلحة، فإني لم أبعث بقطيعة رحم”. صلى الله عليه وسلم. ثم كبره. كبره. طلحة وصار شاباً وتزوج. ومر في ليلة شاتية يأتيه النبي صلى الله عليه وسلم يدخل عليه يعلم أن طلحة قد حدث فيه الموت. فخرج إلى أهله وقال لهم: “لا أرى طلحة إلا قد حدث فيه الموت. فآذنوني، أي إذا احتضر آذنوني. حتى أشهده وأصلي عليه وعجلوه”. فلما خرج النبي صلى الله عليه وسلم ناداهم طلحة. وهو قد سمع قول النبي صلى الله عليه وسلم. فقال لهم: “ادفنوني والحقوني بربي عز وجل. ولا تدعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم. فإني أخاف عليه اليهود أن يصاب في سببي”. خوف على الحبيب المصطفى. شفقة على حبيبه المصطفى. يخاف أن يؤذى من اليهود. بسبب إذا دعي وهو يذهب إلى طلحة. رضوان الله تعالى عليه فمات. فدفنوه بالليل ولم يبلغوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك. فجاء النبي صلى الله عليه وسلم وقد عرف الخبر. فوقف الناس معه على قبر طلحة. يصلي عليه يرفع يديه الشريفتين اللتين الله لا يردهما وهو يقول: “اللهم ألق طلحة يضحك إليك وتضحك إليه. اللهم ألق طلحة يضحك إليك وتضحك إليه”. رضي الله تعالى عنه. هذا عاقبة الطائعين. هذا عاقبة المحبين. لرسول الله صلى الله عليه وسلم. أسأل الله أن أكون وأن تكونوا جميعاً منهم.

الخوف من المخالفة: دروس من الصحابة

الطاعة عنوان المحبة. والمخالفة عنوان عدم المحبة. ولهذا الصحابة رضوان الله تعالى عليهم كانوا في أشد الخوف من مخالفة رسول الله صلى الله عليه وسلم. والإنسان مهما كان خطّاء يقع منه الخطأ، قد يقصر ويخطئ. نخطئ في حق أنفسنا ونخطئ في حق أولادنا ونخطئ في حق أزواجنا ونخطئ في حق إخواننا ونخطئ في حق الأخيار، في حق العلماء وفي حق الصالحين، وربما نخطئ في حق الله. وقد نخطئ في حق رسول الله صلى الله عليه وسلم. ولكن كن مثل أبي حذيفة ابن عتبة ابن ربيعة رضي الله عنه.

لما كان يوم بدر أعلن النبي صلى الله عليه وسلم في أصحابه. قال لهم: “إني قد عرفت أن رجالاً من بني هاشم قد أخرجوا كرهاً. أي مستكرهين. لا حاجة لهم بقتالنا. فمن لقي منكم أحداً من بني هاشم فلا يقتله. ومن لقي أبا البختري ابن هشام ابن الحارث ابن أسد فلا يقتله. ومن لقي العباس ابن عبد المطلب عم رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا يقتله. فإنه إنما خرج مستكرهاً”. فقال أبو حذيفة وبعض الناس يسمعه فقال: “أنا أقتل آباءنا وأبناءنا وإخواننا وندرك العباس! والله لئن لقيته لألحمنه بالسيف”. فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم. رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال لعمر: “يا أبا حفص” هذا النبي صلى الله عليه وسلم يقول لعمر: “يا أبا حفص، أيُضرب وجه عم رسول الله بالسيف؟” فقال عمر رضي الله عنه: “دعني فأضرب عنقه بالسيف فوالله لقد نافق”. ولكن نهاه النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك. يقول أبو حذيفة بعد ذلك: “ما أنا بآمن من تلك الكلمة التي قلت يومئذ ولا أزال منها خائفاً إلا أن تكفرها الشهادة“. فقتل يوم اليمامة شهيداً رضي الله تعالى عنه.

وهذا ثابت بن قيس رضي الله تعالى عنه. كان جهير الصوت، صوت عالي. كصوت هذا. كان صوته جهيراً. لما نزل قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَن تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنتُمْ لَا تَشْعُرُونَ﴾، خاف أن تكون هذه الآية قد نزلت فيه. وأن يكون قول الله فيه. فالتزم بيته، جلس في بيته لا يأكل ولا يشرب. منكساً رأسه خائفاً على نفسه أن يكون ذلك الرجل الذي حبطت أعماله وهو لا يشعر. لأنه كان جهير الصوت في مجلس النبي صلى الله عليه وسلم إذا تكلم صوته ارتفع. هذا طبيعة صوته. لا ليرفع صوته على فوق صوت النبي صلى الله عليه وسلم. ولا ليجهر بالقول عند النبي عليه الصلاة والسلام. وإنما هذا طبيعة صوته. ومع ذلك خاف أن يكون ذلك الرجل.

فافتقده النبي صلى الله عليه وسلم. ومن رحمة الحبيب المصطفى القائد الملهم عليه الصلاة والسلام أنه كان يفتقد أصحابه رجلاً رجلاً. عليه الصلاة والسلام. افتقده الرسول صلى الله عليه وسلم فقال رجل من الأنصار: “يا رسول الله أنا أعلم لك علمه”. فبحث عنه حتى جاءه إلى البيت فوجده جالساً منكساً رأسه. فقال الرجل: “يا ثابت ما شأنك؟” قال: “شر. كنت أرفع صوتي فوق صوت النبي. فقد حبط عملي وهو من أهل النار“. فرجع الرجل وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: “بل اذهب اذهب إليه. فقل له: أنت لست من أهل النار. ولكن من أهل الجنة. إنك تعيش حميداً. وتقتل شهيداً. ويدخلك الله الجنة”. فعاش حميداً رضي الله عنه. وقتل يوم مسيلمة الكذاب شهيداً رضوان الله تعالى عليه.

مكانة السنة وأصحاب الرسول ﷺ في الإسلام

هكذا تكون المحبة. عنوان المحبة الطاعة لرسول الله صلى الله عليه وسلم. يا محب رسول الله عليه الصلاة والسلام. أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه. إنه الغفور الرحيم. الحمد لله رب العالمين. وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد. وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

ثم أما بعد، هكذا تكون المحبة صادقة. صدق المحبة بالطاعة. والطاعة لرسول الله صلى الله عليه وسلم. والاتباع يستلزم أن تقدم رأيه على رأيك. ورأي غيره. أن تقدم سنته على غيرها. أن تقدم شريعته على غيرها. أن تقدم قوله على غيره. من الأقوال. وإلا فاحذر المخالفة. فاحذر المخالفة. فكيف بنا ونحن علناً علناً نجيز ما يخالف رسول الله صلى الله عليه وسلم وقول رسول الله وأمر رسول الله وشريعة رسول الله صلى الله عليه وسلم في القوانين والأنظمة؟ كيف تكون حجتنا إذا سكتنا عن ذلك؟ كيف تكون حجة المسؤولين يوم يلقون رسول الله أمام الله عز وجل والرسول يسألهم والله يسألهم: بما خالفتم رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ وقد ورد في الصحيحين والسنن أنه قد رجم وأمر بالرجم، فتقولون الرجم ليس من شريعة الإسلام. وصاحب شريعة الإسلام قد فعل وأمر. ماذا ستكون حجتنا وحجتكم؟ أيها المسؤولون حين نلقى رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم القيامة فيقول لكم: “أما قلت لكم من بدل دينه فاقتلوه؟” فقلتم: “لا لا نقتل المرتد وليس قتل المرتد من شريعتك”. من أدرانا؟ ألم أقل وثبت القول عني بالرواية الصحيحة الثابتة المتصلة السند؟ فما حجتك؟ وما حجتنا؟ أهكذا يقول المسلمون المحبون لرسول الله صلى الله عليه وسلم: “لو كنا محبين له لاتبعناه وأطعناه فيما يأمر وفيما ينهى”؟

إيثار محاب الرسول ﷺ على محاب النفس

إن من أظهر علامات المحبة كذلك أيها المحب أن تكون محاب رسول الله صلى الله عليه وسلم آثر عندك من محاب نفسك. إيثار ما يحبه الرسول صلى الله عليه وسلم على ما تحبه أنت وما تحبه نفسك. إيثار محاب رسول الله على محاب النفس.

انظروا أصدق الناس بعد الأنبياء: أبا بكر الصديق رضي الله تعالى عنه. يوم الفتح والمسلمون في فرح وحبور وسرور بما فتح الله عليهم مكة، وجاءت الوفود تبايع النبي صلى الله عليه وسلم، والرجال والنساء قد خرجوا من بيوتهم يبايعون رسول الله صلى الله عليه وسلم على الإسلام، يعلنون إسلامهم. أتى أبو بكر الصديق رضي الله عنه بأبيه أبي قحافة يأخذ بيده يسوقه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. فأجلسه أمام النبي صلى الله عليه وسلم. فلما مد رسول الله عليه الصلاة والسلام يده ليبايع أبا قحافة رضي الله عنه فيسلم، بكى أبو بكر رضي الله عنه بكاء شديداً. بكى وهو ينتحب. فتعجب النبي صلى الله عليه وسلم من أمره فقاله: “يا أبا بكر، ما يبكيك؟” قال: “يا رسول الله، لأن تكون يد عمك أبي طالب مكان يده ويسلم ويقر الله عينك أحب إلي من أن يكون أبي”. لا إله إلا الله. لماذا؟ أبي يسلم. ألا يكون هذا حبيباً تقر بذلك عينيه؟ ألا أحب ذلك؟ لا، هو يحب ذلك ولكن أحب إليه ما كان أحب لرسول الله، أحبه لرسول الله، أحبه إليه رضي الله عنه. ولا شك أن رسول الله لو جاء لو كان أبو طالب أسلم على يديه وأقر له بالتوحيد وبايعه على الإسلام لكان أحب إليه من إسلام كل أحد من الأباعد لا شك في ذلك. وهذا الذي استشعر به أبو بكر، وهذا أصدق المحبة في قلوب المحبين لرسول الله أن يكون أحب ما هو أخب لرسول الله هو الأحب إليك ولو كان ما وقع هو خبيب عندي

إيثار المحبة النبوية على القرابة

عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، فاروق الأمة، لما كان أمير المؤمنين جاءه العباس عم رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال له العباس: “يا أمير المؤمنين، أرأيت لو جاءك عم موسى عليه السلام مسلماً، ما كنت صانعاً به؟” قال (عمر): “كنت والله محسناً إليه”. فقال (العباس): “فأنا عم محمد النبي صلى الله عليه وسلم”. يطلب الإحسان. فقال عمر: “وما رأيك يا أبا الفضل؟ والله لأبوك أحب إلي من أبي، لأنه جد النبي صلى الله عليه وسلم، أحب إلى النبي من الخطاب”. وهذا هو المحب الصادق. فقال العباس: “الله!” فقال عمر: “والله لأني كنت أعلم أنه أحب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من أبي، فأنا أوثر حب رسول الله على حبي”. رضي الله عنهم.

دعوة إلى المحبة الصادقة والاقتداء التام

فهلا أحببنا رسول الله صدقاً، قولاً وفعلاً؟ ولا شك أن من أحبه أحب لبسه وهيئته، ومشيه، وجلوسه، وطريقته في الكلام، وسلوكه، وحاله، وأحب كل شيء فيه. ألا نقتدي برسول الله في كل ما كان عليه؟

موضوعات ذات صلة

  • الإحسان في زماننا

    إن الحمد لله نحمدُه ونستعينُه ونستغفِرُه ونستهدِيه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا. من يهدِه الله فلا مُضِلَ له، ومن يُضلِل فلا هاديَ له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبدُه ورسولُه، وحبيبُه وصفيُّه وخليلُه. أرسله الله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره…

  • الالتجاء إلى الله تعالى

    إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وحبيبه وصفيه وخليله، أرسله الله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون.اللهم…

  • خطبة الاحياء الأموات

    إن الحمد لله نحمدُه ونستعينُه ونستغفِرُه ونستهدِيه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا. من يهدِه الله فلا مُضِلَ له، ومن يُضلِل فلا هاديَ له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبدُه ورسولُه، وحبيبُه وصفيُّه وخليلُه. أرسله الله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره…

  • الأمانة في عصرنا

    ثم أما بعد،فيا أيها الإخوة المسلمون، في مصنف عبد الرزاق الصنعاني، وفي “شُعب الإيمان” للإمام البيهقي، قرأتُ لصاحب رسول الله ﷺ عبد الله بن مسعود رضي الله عنه خبرًا أدهشني وأهمّني.فابن مسعود رضوان الله عليه يقول: “إن أول ما تفقدون من دينكم الأمانة، إن أول ما تفقدون من دينكم الأمانة.” ثم وجدته مرفوعًا إلى النبي…

  • الاهتمام لأمر المسلمين

    إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا.من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد،فيا أيها الإخوة المسلمون، المسلم…

  • أقبل رمضان فلنفرح بمقدمه

    إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا. من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادة مُقِرٍّ بربوبيته، شاهدٍ بوحدانيته، منقادٍ إليه لمحبته، مُذعنٍ له بطاعته، معترفٍ بنعمته، فارٍّ إليه من ذنبه وخطيئته، مؤمنٍ…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *