الأمانة في عصرنا

ثم أما بعد،
فيا أيها الإخوة المسلمون،

في مصنف عبد الرزاق الصنعاني، وفي “شُعب الإيمان” للإمام البيهقي، قرأتُ لصاحب رسول الله ﷺ عبد الله بن مسعود رضي الله عنه خبرًا أدهشني وأهمّني.
فابن مسعود رضوان الله عليه يقول:

إن أول ما تفقدون من دينكم الأمانة، إن أول ما تفقدون من دينكم الأمانة.”

ثم وجدته مرفوعًا إلى النبي ﷺ، من حديث حبيب بن شداد بن أوس رضي الله عنه، عند الإمام الطبراني في المعجم الكبير:

إن أول ما تفقدون من دينكم الأمانة.”

فقلت: متى نفقد الأمانة؟
متى تُفقد الأمانة؟
في أي زمان؟ وفي أي عصر؟

فقرأت في “صحيح البخاري”، لصاحب رسول الله ﷺ وأمين سره، حذيفة رضي الله عنه، حديثًا عجيبًا زادني هَمًّا وغَمًّا.
يقول حذيفة رضوان الله تعالى عليه:

حدثنا رسول الله ﷺ حديثين: رأيتُ أحدهما، وأنا أنتظر الآخر.
حدثنا أن الأمانة نزلت في جذر قلوب الرجال.
ثم علموا من القرآن، ثم علموا من السنة.
وحدثنا عن رفعها، أي: رفع الأمانة التي نزلت في جذر قلوب الرجال.
قال: ينام الرجل النومة، فتُقبض الأمانة من قلبه، فيظل أثرها مثل أثر الوقت.
ثم ينام النومة، فتُقبض، فيبقى أثرها مثل المَجْل، كجمرٍ دحرجته على رجلك فنَفِط، فتراه مُنتبرًا، وليس فيه شيء.”

فيها فقط الفُقاعة من أثر الجمر.
فيُصبح الناس يتبايعون، فلا يكاد أحد يؤدي الأمانة.
فيُقال: إن في بني فلان رجلاً أمينًا.”
بالعد والحساب، في بني فلان من سائر القبائل والعشائر والبيوتات، في بني فلان رجل أمين.

قال رضي الله عنه:
ولقد أتى علي زمان، وما أبالي أيكم بايعت، لئن كان مسلمًا، ردّه الإسلام.
ولئن كان نصرانيًّا، ردّه ساعيه.
فأما اليوم، فما كنت أبايع إلا فلانًا وفلانًا.”

قلّ الأمناء، وبدأ فقد الأمانة من أيام حياة حذيفة بن اليمان رضي الله عنه.

ولكن الإيمان باقٍ، مع الأمانة إن بقيت الأمانة.

وقال أنس رضي الله عنه، كما في مسند الإمام أحمد بسند حسن:

ما خطبنا نبي الله ﷺ إلا قال:
لا إيمان لمن لا أمانة له، ولا دين لمن لا عهد له.”

فالدين بالعهود والمواثيق.
والإيمان لا بقاء له إلا بالأمانة.
لا إيمان لمن لا أمانة له، ولا دين لمن لا عهد له.

كان يُكثِر ﷺ على أصحابه هذا التنبيه كلما خطبهم، كما أخبر أنس رضي الله عنه.
وهذا يدل على كثرة ما كان يذكر وينبه على هذا المعنى الإيماني الخطير:
لا إيمان لمن لا أمانة له، ولا دين لمن لا عهد له.

فيجب، أيها المؤمن، أن تُصاحب الأمانة إن كنت مؤمنًا.
إن أردت أن تبقى مؤمنًا، فلتبقَ الأمانة في قلبك.
يجب أن تُصاحب الأمانة، كل مؤمن.

كيف، وقد تعهّد الإنسان لربه وخالقه بحملها؟

كما قال سبحانه:
{إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال، فأبَيْنَ أن يحملنها، وأشفقن منها، وحملها الإنسان، إنه كان ظلومًا جهولاً.}

حملتها، أيها الإنسان.
أنا حملت الأمانة، وأنت حملت الأمانة، وكل واحد منا “إنسان”.
من كان قبلنا: إنسان.
المؤمن: إنسان.
وغير المؤمن: إنسان.
فأنت داخل في ذلك، وقد حَمَلتَ الأمانة.
تعهّدنا لرب العزة، تبارك وتعالى، حين عرض.
أبت السماوات أن يحملن الأمانة.
وأبت الأرضون أن يحملن الأمانة.
وحملتها أنت، أيها الإنسان.

فالأمانة إذًا قيمة إنسانية.
بل الأمانة: قيمة إيمانية.
وخلق إيماني، وسلوك إيماني.
عيب على المؤمن أن يتخلى عنها، وعيب على المؤمن أن يتحلى بضدها، يتحلى بالخيانة.

فـالخيانة ضد الأمانة.
لأن الخيانة من أخلاق النفاق، لا من أخلاق الإيمان.

وفي الصحيحين، يؤكد النبي ﷺ ذلك، ليُحذّر كل مؤمن من هذه الخيانة، ومن صفة الخيانة، ومن التخلّق بالخيانة، فيقول عليه الصلاة والسلام:

أربعٌ من كنَّ فيه، كان منافقًا خالصًا،
ومن كانت فيه خصلة منهن، كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها.
إذا اؤتمن خان.
وإذا حدّث كذب.
وإذا عاهد غدر.
وإذا خاصم فجر.”

وهذا كثير في زماننا وعصرنا.
فلا سبيل، أيها المؤمن، لأن تكون مؤمنًا، ولا حياة لك، ولا بقاء لك في جنان الإيمان، إلا بحفظ الأمانة، ورعايتها في كل حال، وعلى كل ظرف.

إن الذي يُميّز الإنسان المؤمن عن كل إنسان:
أمانته، مع صلاته، مع صدقته، مع صدقه، مع عفّته.

لن تتميز عن غيرك بمجرد أنك تصلي، أو تصوم، أو تتصدق، أو تصدق، أو تعف.

قال الله تعالى:
{إن الإنسان خُلِق هلوعًا، إذا مسّه الشر جزوعًا، وإذا مسّه الخير منوعًا، إلا المصلين، الذين هم على صلاتهم دائمون، والذين في أموالهم حق معلوم، للسائل والمحروم، والذين يصدّقون بيوم الدين…}
إلى أن قال:
{والذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون، والذين هم بشهاداتهم قائمون، والذين هم على صلاتهم يحافظون، أولئك في جنات مكرّمون.}

فجنة أهل الإيمان، جنة الكرامة للمؤمن، لا يمكن أن يدخلها، ولا يمكن أن يبقى فيها، إلا إذا اتصف بالإيمان، وراعى الأمانة مع الإيمان.

بل لا فلاح للمؤمن ضيّع أمانته.
ولا فلاح، أو نجاح، لمجتمع المؤمنين، كثُر فيهم الخونة، وإن كانوا مصلين، أو مزكين، أو جادّين، أو عفيفين.

والله عز وجل قال:
{قد أفلح المؤمنون.}

من هم الذين أفلحوا؟
هل كل المؤمنين؟
كل المسلمين؟
هل يتحقق الإيمان الكامل بغير هذه الصفات؟

{قد أفلح المؤمنون، الذين هم في صلاتهم خاشعون، والذين هم عن اللغو معرضون، والذين هم للزكاة فاعلون، والذين هم لفروجهم حافظون
إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم، فإنهم غير ملومين.
فمن ابتغى وراء ذلك، فأولئك هم العادون.
والذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون.
والذين هم على صلواتهم يحافظون.
أولئك هم الوارثون، الذين يرثون الفردوس، هم فيها خالدون.}

فلا إيمان إلا بأمانة.

فالأمانة، أيها المؤمن، خلق كل من يتعامل مع الله.
إن أردت أن تتعامل مع الله، فكن أمينًا.

كل من يتعامل مع الله وعباده:
– بدءًا بجبريل عليه السلام،
– ومرورًا بالأنبياء،
– وختامًا بمحمد ﷺ، الذي ورّث هذا الخُلق لأصحابه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.

جبريل، عليه السلام، في أمانة التنزيل.
أما قال رب العزة:
{وإنه لتنزيل رب العالمين، نزل به الروح الأمين، على قلبك لتكون من المنذرين.}

ورسله صلوات ربي وسلامه عليهم أجمعين، كلهم قد أعلن:
{إني لكم رسول أمين.}

ومحمد ﷺ، الذي جمّل الله به البشرية، ورفع قدرها، وأنقذها من الضلالة الكاملة،
بدعوته الشريفة، وبمجيئه صلى الله عليه وسلم، فهو الرحمة المُهداة، والنعمة المُزداه، عليه الصلاة والسلام.

حتى عُرف قبل أن يُبعث بين قومه وعشيرته من الجاهليين، بـ**”الصادق الأمين.”**


لذلك جاء النداء الإلهي الخاص للمؤمنين بالتحذير عن تضييع الأمانات، والتساهل في حفظها ورعايتها، فقال تعالى:

{يا أيها الذين آمنوا، لا تخونوا الله والرسول، وتخونوا أماناتكم، وأنتم تعلمون.}

فإذا ناداك ربك: “يا أيها الذين آمنوا”،
فعلّق همّتك كلها على سماع ندائه.
وجّه سمعك وقلبك لفهم خطابه، واستجمع عقلك كله لمعرفة المطلوب.

فما المطلوب؟
أمرٌ جاءنا من ربنا؟ أم نهي؟
بل جاء تحذير، نهي وتحذير.

لا تخونوا الله والرسول وتخونوا أماناتكم، وأنتم تعلمون.

تساهُل في تضييع الأمانة: خيانة.
تفريط في الأمانات: خيانة.
خيانة لمن؟
لنفسك، لأهلك، لأمتك، للمسلمين، لله ولرسوله ﷺ.

وفي المقابل، يوجه رب العزة الأمر الإلهي القاطع بالأداء، فيقول:
{إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها، وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل.}

والعدل من الأمانة.
أن تؤدوا الأمانات، كلها.
لا تترك أمانة.
ولا تحتقر أمانة.
ولا تستَظهر أمانة.

  • أمانة الدين
  • أمانة العرض
  • أمانة الجوارح
  • أمانة الأرواح والمُهَج
  • أمانة المعارف والعلوم
  • أمانة الولاية
  • أمانة الوصاية
  • أمانة الشهادة
  • أمانة القضاء
  • أمانة الكتابة
  • أمانة الأسرار
  • أمانة السمع والبصر وسائر الحواس

فما من أمانة، إلا وضياعها مصيبة.

أقول هذا، والحمد لله رب العالمين،

الخطبة الصانية:
وصلى الله وسلّم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلّم تسليمًا كثيرًا.

ثم أما بعد،
أسأل الله عز وجل أن يجعلني وإياكم من أمناء المسلمين، من حملة أمانة الدين والعِرض، وأمانة الحواس، وأمانة العلم والمعارف، وأمانة الولاية والوصاية.

أن يجعلنا أمناء في كل أمر، لأن ما من أمانة إلا وضياعها مصيبة.
والخيانة فيها نفاق، لا سيما أمانات المسلمين العامة.

فأخوَن الخونة من خان المسلمين إذا ائتمنوه في أعراضهم، أو في أموالهم، أو في مصالحهم، أو في ولاياتهم، أو وظائفهم، أو في أحوالهم.

أيها المسلم، المسلم أمين على أعراض المسلمين.
كن يوسفياً في أعراض المسلمين.
كن في صيانة أعراض المسلمين.
كن سيرينيًا في عفّتك.

المسلم يوسفِي في أعراض المسلمين، أعراض كل المسلمين، أعراض جيرانك، بنات المسلمين، نساء المسلمين.
المسلم موسوي في رعاية هذه الأعراض، في حماية هذه الأعراض، في صيانة هذه الأعراض.

المسلم، على أقل أحواله، مثل محمد بن سيرين في عفّته، في حفاظه على أعراض المسلمين.

هل ممكن ليوسف عليه السلام، إلا بأمانة العبد، أن يقول: {معاذ الله}!؟
حين قالت السيدة الجميلة: {هيت لك}.
قال: {معاذ الله.}
وحين قالت: {ولقد راودته عن نفسه فاستعصم}.

واختار السجن على البغاء، واختار السجن على هتك عِرضٍ معصوم.
فقال: {ربّ السجن أحبّ إليّ مما يدعونني إليه.}

وهل فاز موسى عليه السلام بقلب ابنة شعيب، ثم حاز الرسالة، إلا بأمانة العبد؟
حين سقى للابنتين، وحفظ بصره عن التي جاءت تمشي على استحياء؟
فقالت لأبيها: {يا أبتِ استأجره، إن خير من استأجرت القوي الأمين.}

قال مروّق العجلي رحمه الله:
ما رأيت أحدًا أفقه في ورعه، ولا أورع في فقهه من محمد بن سيرين.

وقال يومًا:
ما غششتُ امرأة قط، لا في نوم ولا في يقظة، حتى في المنام!
قيل: كيف ذلك؟
قال: إن رأيت امرأةً في النوم، أعلم أنها لا تحل لي، فأصرف بصري عنها.

لا إله إلا الله.
أي مرتبة من العفّة، وصيانة النفس، وتحقيق الأمانة في أعراض الناس، وصل إليها!

المسلم، أيها المسلم، أمين على أموال المسلمين.
لا يتخوّض فيها.
ولا يتساهل في التعامل معها، لا بتجنيب، ولا سَفَه، ولا باختلاس، ولا بسرقة.

وفي الصحيح:
أن رجالًا يتخوّضون في مال الله، والمال العام: مال الله، مال المسلمين.
مال كل مصلحة عامة للمسلمين، فهي لله.
كل مال المسلمين العام، مال الله، سماه النبي ﷺ: مال الله“.

فقال:
إن رجالًا يتخوضون في مال الله بغير حق، فلهم النار يوم القيامة.”

من الذي يقول؟
لا أنا، ولا أنت.
هذا رسول الله ﷺ.
النبي عليه الصلاة والسلام، هو الذي يُخبر.
أخبرنا عن الآخرة، عن الجنة، عن النار، عن من يدخل الجنة، ومن يدخل النار.

ومنهم: من يتخوّض في مال المسلمين العام.

المسلم أمين على ولايات المسلمين.
لا يأخذها إلا بحقها.
إن استطاع، بقي عليها لرعاية مصالحهم.
وإن عجز، تنحى وذهب.

النبي ﷺ حذّر منها أشد التحذير.
أبو ذر جاء إلى النبي ﷺ يطلب الإمارة.
فقال له:

يا أبا ذر، إنك ضعيف، وإنها أمانة، وإنها يوم القيامة خزيٌ وندامة، إلا من أخذها بحقها، وأدّى الذي عليه فيها.”

المسلم أمين على مصالح المسلمين.
لا يُولّى عليها إلا الأمين.
ولا يجوز أن نُولي على مصالح المسلمين، في الوظائف العامة، إلا من كان أمينًا.

فاسمعوا إلى الخبر، خبر أبي نعيم، الذي رفعه للنبي ﷺ:
من ولّى واليًا، وكان حين ولاه أمينًا، فبلغه عنه ظلمٌ لرعيته، فلم يعزله، فقد خان الله ورسوله.”

أيها المسلمون، أين نحن من هذه المعاني؟
أين نحن، إن كنا مؤمنين، من محققات الإيمان الحق؟
فلنكن أُمَناء، أينما كنا، وكيفما كنا.

اللهم أرنا الحق حقًا، وارزقنا اتباعه.
وأرنا الباطل باطلًا، وارزقنا اجتنابه.

وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
قوموا إلى صلاتكم، يرحمكم الله.

موضوعات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *