الثلاثاء 22 سبتمبر 2026م
الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ

الرئيسيةبحوث ← شبهات حول الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

شبهات حول الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

تقديم

استُحسِن الرأيُ بالتقديم بين يدي هذا الموضوع المهمّ بمبحثين تعتبر مقدّمة مهمّة تضع ما يثار من شبهات ويدار من مساع ومحاولات لإقصاء فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كما أُقصيت قبلها فرائض وأركان وعرى عظيمة؛ فريضة فريضة، وركناً ركناً، وعروة عروة، في موضعها الحقيقي لو نشاهد سريانها في خفاء خبيث إلى حياة الأمة فنسارع بجرعات التحصين الفكري رجاء الاستبقاء لما تبقى منها ، واستدعاء ما أُقصي بتوفيق المولى عز وجل.

لذلك: كانت هاتين المقدّمتين توطئة للموضوع وربطاً لأركانه ومسائله ببعضها حتى يتسنَّى عرض الشبهات التي تثار حول الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بصورة أفضل تهيؤ أجواء الفقه وتشدّ نواصي الفهم والتدبّر لها.

ولهذا فسيكون عرض هذا الموضوع من خلال ثلاثة مباحث:

المبحث الأول: عن مقام الشبهات من مقام الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر،

والمبحث الثاني: عن أثار التساهل بسبب التأثر بهذه الشبهات في القيام بوظيفة الحسبة في الأمة والمجتمع، ثم نأتي إلى:

المبحث الثالث لنتناول الشبهات المثارة حول الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

المبحث الأول: الشبهات ومقام الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

القصد من هذا المبحث إثبات أن الشبهات التي تثار حول الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مهما تعالى ضبابها وانتشر غبارها وعلا دخانها لن تصل إلى مقام الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ؛؛ ولن تبطل أثرهما أو توقف سلوكهما لدى المؤمنين الصالحين المصلحين الهادين المهتدين ؛ ذلك أنّ مقامهما أعلا من أن تدركه ألسنة غبار الشبهات مهما امتدت ، وأرفع من أن يصيبه شرر دخان المشتبهات مهما تطاير وارتفع ، وأسمق من أن يلحق به ضباب شبهة مهما تكاثف أو التف على بعضه .

النقطة الأولى

[1] فإنّ مقام الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مقام واجب مفروض رضيته الأمة والتزمت به بإجماعها.

بل إنّه مقام صالحي الأمة ومصلحيها التائبين العابدين الحامدين السائحين الراكعين الساجدين الحافظين لحدود الله !!. أما وصف الله هؤلاء أنهم آمرون بالمعروف ناهون عن المنكر ؟ في قوله تعالى ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَىٰ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ ۚ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ ۖ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ ۚ وَمَنْ أَوْفَىٰ بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ ۚ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُم بِهِ ۚ وَذَٰلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ۝ التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ ۗ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [التوبة: 111-112] (1).

بل هو مقام خيرية الأمّة، ومادة صلاحها، وشرط بقائها، على كمال إيمانها ..

فالله تعالى هو القائل مقرراً خيرية هذه الأمة بالتزامها الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [آل عمران: 110] (2). والمعنى ـ كما هو صريح ـ كنتم خير الناس للناس وكنتم أفضل الأمم للأمم وأنفعها وأصلحها جميعاً لأمركم بالمعروف ولنهيكم عن المنكر . وقد قال ذلك أئمة السلف في التفسير “ابن عباس ومجاهد وعطية العوفي وعكرمة وعطاء والربيع بن أنس وغيرهم رضوان الله عليهم ، وهو مصداق ما روي في الصحيح عن أبي هريرة رضي الله عنه في تفسير ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: 110] فقال : ” كنتم خير الناس للناس تأتون بهم في السلاسل في أعناقهم حتى يدخلوا في الإسلام ” (3).

وفي مسند أحمد وغيره عن درة بنت أبي لهب رضي الله عنها ولعن أباها قالت: ” قام رجل إلى النبي وهو على المنبر فقال : يا رسول الله ! أيّ الناس خير؟ فقال : ( خير الناس أقرؤهم وأتقاهم لله وآمرهم بالمعروف وأنهاهم عن المنكر وأوصلهم للرحم ) (4).

ومن أراد أن يدخل في هذه الأمة وينتمي إليها فلا بدّ أن يؤدي شرطها الذي هو القيام بوظيفة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كما قال فاروق الأمة عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، قال قتادة :” بلغنا أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه في حجة حجها رأى من الناس دعة ـ وفي رواية : رعة سيئة ـ فقرأ هذه الآية﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: 110] ثم قال : ” من سره أن يكون من هذه الأمة فليؤد شرط الله فيها ” (5).

بل إنه الصفة المعبّرة عن الأمّة المحمّدية المؤمنة والميزة المصدّقة للمجتمع الإسلامي بحكم الولاية الواجبة بين أفراده كما قال تعالى ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ۚ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ۚ أُولَٰئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ ۗ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة: 71] (6).

النقطة الثانية

[2] إنّ مقام الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فوق كونه مقاماً لصالحي الأمة وأخيارها مما يجعله مقاماً يضعف عنده تأثير الشبهات ؛ فإنه مقام الرحمة المهداة مقام سيد الأولين والآخرين ، إذ كان من أوصافه في التوراة والإنجيل ومن أدلة نبوته وكمال رسالته وسمو شرعه وشمول رحمته للعالمين؛ كونه يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، وقد قال تعالى ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ [الأعراف: 157] (7).

النقطة الثالثة

[3] بل إنّ مقام الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لهو مقام النبيين أجمعين قادة الأمم كافة وسادة البشر بجمعهم وأئمة المتقين كلهم أجمعين ، فأنّى تدرك الشبهات مهما انطلقت قوية دوية هذا المقام العليّ بعلو أصحابه وآله. فإنّ الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم كان من مهمتهم العظيمة القيام بوظيفة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، بل إن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو الذي ابتعث الله له النبيين أجمعين.

ـ يقول الإمام الغزالي رحمه الله تعالى : ” .. الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو القطب الأعظم في الدين وهو المهم الذي ابتعث الله له النبيين أجمعين .. ” (8).

ـ ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله :” الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو الذي أنزل الله به كتبه وأرسل به رسله من الدين ” (9).

ـ ويقول الآمدي رحمه الله تعالى : ” ما من أمة إلاّ وقد أمرت بالمعروف كأتباع أنبيائهم وشرائعهم ، ونهت عن المنكر كنهيهم عن الإلحاد وتكذيب أنبيائهم” (10).

ـ ويقول القرطبي رحمه الله في تفسير قوله تعالى ﴿وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ﴾ [آل عمران: 21] (11) :” دلت هذه الآية على أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كان واجباً في الأمم المتقدمة، وهو فائدة الرسالة وخلافة النبوة ” اهـ (12).

ـ ويقول رشيد رضا رحمه الله تعالى في المنار : ” قد جرت سنة الأنبياء والمرسلين والسلف الصالحين على الدعوة إلى الخير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإن كان محفوفاً بالمكاره والمخاوف” اهـ (13).

ويقرر ذلك ويؤكده قيام الأنبياء عليهم السلام ـ كما أخبر القرآن ـ بوظائف الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بأنفسهم ممارسة و مجاهدة:

ـ فهذا نوح دعا قومه بكل أساليب الدعوة آمراً إياهم بالمعروف وناهياً عن المنكر فما زادهم غير تخسير حتى قال يشكو بثّه إلى الله: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهَارًا. فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلَّا فِرَارًا. وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا. ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَارًا. ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَارًا﴾ [نوح: 5-9] الآيات(14).

ـ وهذا إبراهيم يأمر قومه بالمعروف وينهاهم عن المنكر ﴿إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَٰذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ. قَالُوا وَجَدْنَا آبَاءَنَا لَهَا عَابِدِينَ. قَالَ لَقَدْ كُنتُمْ أَنتُمْ وَآبَاؤُكُمْ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ﴾ [الأنبياء: 52-54] الآيات 15.

ـ وهذا شعيب يأمر قومه بالمعروف وينهاهم عن المنكر فيقول لهم: ﴿أَوْفُوا الْكَيْلَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ. وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ. وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ. وَاتَّقُوا الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالْجِبِلَّةَ الْأَوَّلِينَ﴾ [الشعراء: 181-184] الآيات16.

ـ وهذا لوط يأمر قومه بالمعروف وينهاهم عن المنكر كما قال تعالى مخبراً عنه ﴿وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ وَأَنتُمْ تُبْصِرُونَ. أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِّن دُونِ النِّسَاءِ ۚ بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ [النمل: 54-55] حتى تضايق منه قومه أشد الضيق فقرروا قائلين : ﴿أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِّن قَرْيَتِكُمْ ۖ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ [النمل: 56] 17.

فهل مع هذا المقام الرفيع السامي مقام مهمة النبيين؛ قدرةٌ لشبهة مفتر أو جاهل أو متجاهل للتأثير على مقامه ومكانته ؟؟.

النقطة الرابعة

[4] وفوق ذلك كله فإن مقام الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مقام يتجاوز أشراف البشر إلى قداسة رب البشر جل وعلا ، فإنه سبحانه الرحيم الرحمن رحمة بعباده ودعوة لما يحييهم حياة طيبة يأمر بكل معروف وينهى عن كل منكر ، ثم يطلب من عباده التخلق بفعله ، فعن نفسه تعالى يقول سبحانه : ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ ۚ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل: 90] (18).

وعليه: فمهما صيغت الشبهات أو سيقت لإقصاء هذه الفريضة العظيمة ، ومهما أُطلقتْ تلك الشبهات قويّة دويّة فلن تدرك مقام الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، ولن تقلل مكانته في الأمة، أو تزيل ضرورته أو تضعف الحاجة الشديدة إليه . بل إنّ ما يثار من شبهات حول الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حالها:

ـ كإلقاء خطبة تحت المطر !! ..

ـ أو صياح مستغيث في بطن حوت في قاع البحر !!..

ـ أو نباح كلب على سحاب يمر !!..

فإنها والله لن تُسمع أو يُعار لها آذان، فالله خيرٌ حافظاً وهو أرحم الراحمين..

المبحث الثاني: التساهل في القيام بوظيفة الحسبة وأثره في الأمة والمجتمع

هذا المبحث أقصد به الذين قد يتأثرون أو يصابون بلدغات الشبهات المثارة حول الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ـ والله تعالى نسأله أن لا يكثروا ـ .

ومهما يكن! فإنّنا لو تأثرنا أدنى تأثير بما يثار من شبهات حول الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ وبسبب هذه الشبهات تساهلنا في القيام بمقتضيات فريضة الحسبة؛ فإنّ ما يترتّب على هذا التساهل من مفاسد دينية واجتماعية وأمنية وسياسية وثقافية لا تحصر ولا تحاصر، وسينتهي بالأمّة والمجتمع إلى هاويات الدرك الأسفل حياةً وأمّةً .

يقول الإمام الغزالي رحمه الله تعالى: ” الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو القطب الأعظم في الدين ، وهو المهم الذي ابتعث الله له النبيين أجمعين ، ولو طوي بساطه وأُهمل علمه وعمله ؛؛:

  • 1لتعطّلت النّبوة !!..
  • 2واضمحلت الديانة !!..
  • 3وعمت الفترة !!..
  • 4وفشت الضلالة !!..
  • 5وشاعت الجهالة !!..
  • 6واستشرى الفساد !!..
  • 7واتسع الخرق !!..
  • 8وخربت البلاد !!..
  • 9وهلك العباد !!..
  • 10ولم يشعروا بالهلاك إلاّ يوم التناد !!.. وقد كان الذي خفنا أن يكون فإنا لله وإنا إليه راجعون..!!
  • 11إذ قد اندرس من هذا القطب عمله وعلمه !!..
  • 12وانمحق بالكلية حقيقته ورسمه !!..
  • 13فاستولت على القلوب مداهنة الخلق !!..
  • 14وانمحت عنها مراقبة الخالق !!..
  • 15واسترسل الناس في اتباع الهوى والشهوات استرسال البهائم !!..
  • 16وعزّ على بساط الأرض مؤمنٌ صادقٌ لا تأخذه في الله لومة لائم!!..”19.

صدق ورب العزة الغزالي رحمه الله؛ فإنّ كل هذه المفاسد والمضار تقع بسبب اضمحلال وإهمال الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .

بل ما تقع من المفاسد والشرور بسبب التساهل بالقعود عن وظيفة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أفظع مما ذكره الغزالي، وأخطر مما عدّه، وأفتك بالأمة والمجتمع مما ساقه رحمه الله تعالى..

فإنّ التساهل بترك الاحتساب يجلب اللعنة للمجتمع كله والدولة بأهلها، قال تعالى ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَىٰ لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ۚ ذَٰلِكَ بِمَا عَصَوا وَّكَانُوا يَعْتَدُونَ. كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ ۚ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ [المائدة: 78-79] (20).

واللعن إخراج وطرد للملعون من رحمة الله وبالتالي من عنايته ونصره وحفظه ودفاعه، فيكون الناس والدولة عرضة للانهيار والدمار وتمكّن غيرهم عليهم ما داموا ضعفاء، ومن ثَمَّ التلاشي، فلا ديناً أقاموا ولا دنيا أبقوا.

إنّ التساهل في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ينزل العذاب الشديد بالناس والله تعالى يقول : ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾ [الأعراف: 165] 21 لأنهم تركون النهي عن السوء والمنكر. ويقول سبحانه: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَّا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكُمْ خَاصَّةً ۖ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [الأنفال: 25] 22.

قال ابن جزي الكلبي في هذه الآية: ” أي لا تصيب الظالمين بل تصيب معهم من لم يغيّر المنكر ولم ينه عن الظلم وإنْ كان لم يظلم “ 23.

ويقول ابن عباس في تفسيرها :” أمر الله المؤمنين أن لا يقرّوا المنكر بين أظهرهم فيعمّهم الله بالعذاب” قال ابن كثير : ” وهذا تفسير حسن جداً “24

ويقول النبي : ( والذي نفسي بيده لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر أو ليوشكن الله أن يبعث عليكم عقاباً منه ثم تدعونه فلا يستجاب لكم )25.

إنّ التساهل بترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أمارة الخذلان وغضب الرحمن وسبب الحرمان لخيره تعالى والمعاقبة بالنسيان ، ففي حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال : سمعت رسول الله يقول: ( إذارأيتم أمتي تهاب الظالم أن تقول له يا ظالم فقد تُودِّع منهم )(26).

قال الزمخشري في معنى[ تودّع منهم ] :” استوى وجودهم وعدمهم، أو تركوا وأسلموا ما استحقوه من النكير عليهم واستريح منهم وخذلوا وخلي بينهم وبين ما يرتكبون من المعاصي ليعاقبوا عليها” (27).

وقال القاضي عياض رحمه الله :” أصله من التوديع وهو الترك وحاصله أن ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أمارة الخذلان وغضب الرحمن” (28).

وقال صالح الْمُرِّي: إنّا بباب الحسن، أنا، وأيوب، ويونس، وابن عون، فذكرنا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، إذ خرج علينا الحسن فقال:” فيم أنتم؟ قلنا: ذكرنا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. فقال: نعم! مروا بالمعروف وانهوا عن المنكر وإلاّ كنتم أنتم الموعظات” 29 أي يعظ الله بكم غيركم لما يحل بكم من غضبه وسخطه ولعنته بسبب إهمال هذه الفريضة العظيمة.

إنّ التقصير في الاحتساب والتساهل في القيام بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يحلّ به عذاب الاستئصال ، فمن ذا الذي يقوى على ردّه إن حلّ أو وقع ؟؟!!. وإنّه جلّ وعلا ينبّه إلى سنته في الأمم المترفة التاركة للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، لا يكترث أفراده لمعصية ترتكب، ولا يبالَى لفجور قائم ، ولا يُنهى عن فساد واقع، ولا يُدفع فيهم ظلم ظاهر، فالحرمات تستباح، والأعراض تنتهك، والفرائض مهملة، والواجبات متروكة، فلا تناهي بينهم ولا إصلاح فيهم، فحُقَّ على سنة الله في الأمم أنْ تُهلك وتباد، وليُسمع إلى قول الله تعالى تنبيهاً للأمة وتحذيراً من عاقبة التساهل في الحسبة: ﴿فَلَوْلَا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِن قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ إِلَّا قَلِيلًا مِّمَّنْ أَنجَيْنَا مِنْهُمْ ۗ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ وَكَانُوا مُجْرِمِينَ. وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَىٰ بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ﴾ [هود: 116-117] 30.

فكان ترك الاحتساب ـ نظاماً وحالاً ـ سبب الضلال والفتن وموجب الانحلال والوهن، ومستجلب الهلاك للأمم، كما تسبب في فتن بني إسرائيل وأوجب الوهن فيهم واستجلب لهم الهلاك والدمار. وفي هذا الكفاية التامة لتحذير الأمة المؤمنة وتنبيه قادتها من الأمراء والعلماء لتمكين الناس من القيام بواجب الاحتساب.

قال ابن عطية في تفسير الآية: “هو الكفر وما اقترن به من المعاصي، وهذه الآية فيها تنبيه لأمّة محمد ﷺ وحض على تغيير المنكر والنهي عن الفساد”(31).

وقال صاحب تفسير المنار في معناها: ” والمعنى: فهلا كان – أي وجد – من أولئك الأقوام الذين أهلكناهم بظلمهم وفسادهم في الأرض، جماعة أصحاب بقية من النهي والرأي والصلاح ينهونهم عن الفساد في الأرض، وهو الظلم واتباع الهوى والشهوات التي تفسد عليهم أنفسهم ومصالحهم، فيحول نهيهم إياهم دون هلاكهم، فإن من سنتنا ألا نهلك قوما إلا إذا عم الفساد والظلم أكثرهم، إلا قليلا ممن أنجينا منهم، أي لم يكن فيهم بقية من هؤلاء العقلاء الأخيار، الناهين عن المنكر، الآمرين بالمعروف، ولكن كان هنالك قليل من الذين أنجيناهم، أو هم الذين أنجيناهم مع الرسل منهم، وكانوا منبوذين لا يقبل نهيهم وأمرهم، مهددين مع رسلهم بالطرد والإبعاد، بعد الأذى والاضطهاد” (32).

لذلك؛ فالمطلوب اللازم للجماعات الإسلامية والأفراد المسلمين أنْ يكون أمر الحسبة وواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من الثوابت التي لا تزحزح ولا تزاح من مفردات الحياة العادية والدعوية ، ومن برامج الحركات الإسلامية لا انجرافاً وراء شبهة ولا انحرافاً عن سُدّة الشرع، بل الواجب المفروض أن يطوّر الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من مجرد صبغة دعوية وقضية دينية؛ ليُجعل قيمة اجتماعية يمارسها ويستمسك بها ويدافع عنها الفقيه والداعية والعامي والمسلم والنصراني واليهودي والوثني وسائر فئات المجتمع لاسيما لدى المجتمعات المشتركة المتعايشة على اختلاف الدين. حالتئذ نكون قد وفّينا حق هذه الفريضة الفارضة (33) والركن الركين .

المبحث الثالث: الشبهات المثارة للصد عن سبيل الحسبة ودفعها

بعدما تبيّن لنا أنّ ما يثار حول الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من شبهات لن تبطل آثاره ولن تغيّر حقيقته ولن تدرك مقامه مهما استطالت وصالت وجالت ، فلنرى أظهر هذه الشبهات المثارة ، لنبيّن أنها في الحقيقة شبهٌ ضعيفة في ذاتها لا تقوى على إقصاء هذه الفريضة العظيمة التي يجب أن تبقى رغم أنف الفئات الرافضة لها والمغرضة فيها ببث الشبهات والترّهات والأباطيل.

ويظهر أنّ هذه الشبهات ليست من نوع واحد من حيث مصدرُها ومن حيث أغراضُها وأهدافُها الرامية إلى إيقاف أو إضعاف وظيفة الحسبة ، فظهر أنّ منها ما هي سياسية المنشأ والرعاية، ومنها ما هي اقتصادية المرمى والدعاية ، ومنها ما هي اجتماعية أو فكرية أو دعوية. وسنتناول بعض هذه الشبهات والجواب عنها بهذا التصنيف بتوفيق الله تعالى.

الصنف الأول: الشبهات السياسية:

أخطر فئة من فئات المجتمع لها أثرها المعتبر في انبساط القيم الدينية أو انكماشها وخفائها الساسة وممارسوا السياسة ، فإن أيديهم تطال أبواب التغيير في كل ناحية لتواكب النواحي كلها المسيرة السياسية داعمة ومقررة ومؤيدة رهباً أو رغباً أو حيلة أو مواجهة، ونلاحظ جميعاً أثر القيادة السياسية في كل بلد ودولة في توجيه المجتمع وتكوين الرأي العام كيفما أرادوا ، والمثل السائر الحقيقي غالباً [ الناس على دين ملوكهم ].

ولذلك بقدر الإرادة السياسية للبلد يكون تنزيل القيم والمبادئ ، وليس ذلك بالطبع على إطلاقة ، لا سيما مجتمعات المسلمين الملتزمة ، فالملوك هم الذين يكونون على دين الأمة لأن العلماء هم ملوك الملوك وموجهوا القادة فيها، وفي الأثر:” كما تكونوا يولّ عليكم(34). ولكنه الغالب، ولذلك لو أن أهل السياسة وقادة الدولة قُذف في قلوبهم الخوف من الاحتساب والخشية من بسط الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في البلاد؛ كان مصير الحسبة التقوقع والتراجع والانحصار بل الإقصاء والمحاربة، خاصة إذا تقاذفتهم الشبهات من كل مكان ، ووسوس لهم شياطين السياسة من بطانة السوء والمقربين بالخبال بسوء وخبال عن فريضة الحسبة وواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، فمن تلك الشبهات(35):

الشبهة الأولى:

أنّ قيام الناس بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كلٌّ يأمر وينهى سيؤدي إلى الخلل بالأمن العام وستضطرب الأمور حتى يفرط الأمن عن الانضباط، لأنّ المأمورين ليسوا جميعاً ممن يقبلون النصح أو أن يؤمروا بمعروف أو ينهوا عن منكر، كما أن الحسبة تؤدي إلى العنف والإرهاب، وبالتالي يقع الإخلال بالأمن.

وفي الجواب نقول:

أولاً: انفراط الأمن في البلاد ليس سببه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، بل سببه عدم القيام بوظيفة الحسبة على وجهها، لانعدام الآمرين بالمعروف الناهين المنكر، لأن المنكرات التي لا ينهى عنها ويراد السكوت فيها هي التي توجد المجرمين والمفسدين في الأرض مهلكي الحرث والنسل والعرض ، فهل يبقى أمنٌ مع هؤلاء وجرائمهم؟ وهل السكوت عن هذه الجرائم والمصائب يوجد الأمن أم يُربي الفساد ويزيد الإجرام ويقضّ على مضاجع الأمان ويجد أهل الإجرام العابثون بمقدرات الأمة الحماية الكافية من رعاة الأمن فيعيش المجتمع حالة من الفوضى والاضطراب وأهل الحق مريدو الحسبة مكبوتون مكممون؟ أليست نظرتهم مقلوبة؟ فمالهم كيف يحكمون؟.إذ لو كان الناس قد مارسوا الحسبة لانعدمت أو قلت هذه الجرائم وانحسر الفساد وقهر أهله، وسبح المجتمع في بحور الأمن والسلام.

ونذكّر إخوتنا رعاة الأمن من أبناء الأمة أن الأمن بحقائقه وآثاره إنما يكون بإقامة الشرع ومقتضياته ، ومن ذلك بسط فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر التي نادى بها وحثّ عليها وأوجبها الكتاب والسنة وإجماع الأمة ، وإن شاءوا فليقرؤا قول الله تعالى: ﴿فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ. الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُولَٰئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ﴾ [الأنعام: 81-82] (36). وكلّ من منع أو عرقل من قيام الناس بالاحتساب فقد ألبس إيمانه بظلم فيختل بذلك الأمن والهداية.

ثانياً: قولهم : “إنّ الحسبة تؤدي إلى العنف والإرهاب” ربما قصدوا بذلك سعي بعض الأفراد إلى التغيير باليد ومن تأخذهم الحماسة الشديدة.

فنقول: وصول بعض المحتسبين إلى التغيير باليد وربما مع شيء من الغلظة والخشونة، سببه أمران:

الأمر الأول: قعود المسؤولين وأهل الحسبة السلطانية عن أداء واجبهم ، فلو قاموا بواجب الحسبة ، وهو في حقهم واجب وظيفي ووطني وديني ، وبحكم ولايتهم في ذلك لهم التغيير باليد ؛ لما احتاج غيرهم للتغيير باليد واستعمال الغلظة والخشونة ، ولكفوا الناس مؤونة ذلك من غير المساس بفريضة الحسبة ( وما يزع الله بالسلطان أعظم مما يزع بالقرآن)372).

الأمر الثانِي: أنّ المتدين لا يمكن أن يرى المنكر يجاهر به ، ومرتكبه يتبجح بذلك، كأنه بطل سينمائي، بين ظهراني أهل سلطان الحسبة وعلى مرأى منهم ومن رعاة الأمن ثم يصبر على السكوت عنه، بل سيرى ولو لم يندفع بتلقائه دون تفكر، سيرى أنه لو تريث قد خذل شرعته وخان أمانته وهزم أمته ، وسكت عن الحق، والساكت عن الحق شيطان أخرس.

والحلّ ليس إسكات الناس عن الاحتساب ، بحجة أن بعض المحتسبين يستخدم العنف والخشونة ، فليس الحل تعطيل الحسبة بل الحل تعديل حال القائمين بالحسبة.

الشبهة الثانية:

ـ يقولون: الحسبة حق بالقانون والتشريع وإلاّ فهو افتئات من المحتسبين غير قانوني، وتجاوز للحدود ، وتعدٍّ على السلطات ، وهذا فوضى لا سراة لها، ويجب أن توقف وتزال.

والجواب :

أولاً: الاحتساب ليس حقاً ـ على المصطلح المعروف ـ بل هو واجب شرعي وفرض ديني ، تحتم الديانة على أهلها امتثال أمر الله فيه بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإلاّ فالأمة آثمة ، والمجتمع آثم ، وكل فرد مسلم آثم إن لم يقم بواجب الاحتساب. فلا بدّ من تصحيح أمر الاحتساب، فهو ليس حقاً يكتسب بقانون ينشأ أو تشريع يسنّه أهل الحكم والسلطان، بقدر ما هو واجبٌ على المسلم حقٌ للشرع يحتم على ولاة الأمر تنظيم وحمايته في قوانين ونظم . فلا يجوز للمسلم أن يرى المنكر ولا يغيّره بقدر ما يستطيع بيده إن استطاع أو بلسانه أو بقلبه وهو أضعف الإيمان. وعن جرير بن عبد الله البجلي رضي الله عنه قال: ” سمعت رسول الله يقول: ( ما من رجل يكون في قوم يعمل فيهم بالمعاصي يقدرون على أن يغيروا عليه فلا يغيروا إلاّ أصابهم الله بعذاب من قبل أن يموتوا )(38). فكيف يُسكت عن المنكر مع القدرة ؟، فكأني أستنْزل العذاب من المنتقم الجبار قبل الموت.

ثانياً : قولهم:” وهذا فوضى لا سراة لها، ويجب أن توقف وتزال” معناه أنهم يريدون أن يوقفوا ممارسة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على أنه فوضى، وهم ينتصرون لسلطانهم على حساب دينهم ، بل يقدّمون رعاية سلطانهم على العناية بدينهم، فاتخذوا سلطانهم ولياً من دون الله.

وبالله يا تُرى!! أيّ الأمرين كان أكثر فوضى ؟

أن يمكَّن أهل الاحتساب فيحارب الفساد ويقلّ المنكر وتتسلل الفاحشة هرباً ويفرّ أهل السوء إلى جحورهم وتنتفي الفحشاء وتختفي الجريمة، فيأمن الناس ويستقر المجتمع وتتعافى الشوارع والطرقات من مظاهر الخلاعة والخناعة والانحلال والتفسق والفجور والعصيان ؟؟!!

أم أن يتمكّن أهل الفجور والشرور والفسوق والعصيان ومعتادوا الجرائم ومرتادوا السجون والسكارى والحيارى ممن لا وجهة لهم ولا غاية، فيبطشون الحقوق والأملاك، وينهشون الوجوه والأعراض ، ويفشون الفساد بين العباد ؟؟!!

فهذا وربي ـ وإنْ غضوا طرفهم ـ لهو الفوضى الجانحة ، لا يوقفها إلاّ انتشار الآمرين بالمعروف الناهين عن المنكر الحافظين لحدود الله.

الشبهة الثالثة:

ـ إنّ السماح بممارسة الحسبة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يؤدي إلى خلل سياسي إداري، لأن المحتسب ربما يتطاول على الساسة والقادة والمسؤولين ويعترض عليهم إما مواقفهم العامة وإما تصرفاتهم الشخصية ، وهذا بالطبع سيؤدي إلى إضعاف هيبة الدولة والنظام، كما أنه سيؤدي إلى الإخلال بالنظم المعروفة وإلغاء بعض التراتيب الإدارية الخاصة بكبار المسؤولين كالحصانات الدبلوماسية ونحوها ولذلك لا بدّ من الحدّ من الممارسات الاحتسابية.

وفي الجواب نقول:

إنّ أكثر النظم السياسية والحكومات القائمة تقرّ بل تقيم أمرها على الحزبية والتعددية ، وتبيح بل تنص دساتيرها على حق التنظيم والتحزّب إنشاءً وممارسة ، لا لتقويم النظام ولا لدعمه ولا لسدّ خلته أو لتنبيه أهله عند الغفلات والسهوات، وإنما لإفضاح ممارسات المسؤولين وكشف عوراتهم والإشهار لعثراتهم بغرض إسقاط النظام القائم بالطرق السلمية ـ كما يقولون، ويسمونه “معارضة”!!..

فإنْ كان هذا مقرراً في الدساتير والأنظمة وهو بهذه المقاصد الفاسدة والأهداف الخسيسة، إذ هَمّ أحزاب المعارضة أن تفضح رسمياً فعلات المسؤولين وتشهر بهم في الملأ الإعلامي والجماهيري ، إنْ كان هذا مسموحاً به ومقبولاً لدى الساسة والقادة ، فكيف يُشمَأَزُّ ويُرفض ويُمنع الاحتساب والنصح ، الذي غايته ومقصده سدّ خلة المأمور ، وتنبيه المنصوح عند الغفلة؟؟!! ..

فأيّ الطريقين خير لهم؟

ـ طريق المحتسبين الحريصين على إقالة عثراتهم؟ أم طريق المعارضين المشهر لعثراتهم؟.

ـ طريق المحتسبين القاصدين تصحيحهم وإرشادهم؟ أم طريق الأحزاب الساعية لإفشالهم وإسقاطهم؟..

ـ طريق المحتسبين الساعين لنفي المؤاخذة عنهم في الدنيا والآخرة ؟ أم طريق المعارضة التي لا همّ لها إلاّ أن يعطب النظام وأهله وأن يُسحب منهم بساط الحكم والسلطة بكل سبيل ؟.

فحُقّ لنا أن نناديهم أن أقيموا الحسبة والمناصحة نظاماً بديلاً عن المعارضة ، ولا تستبدلوا الذي هو أدنى بالذي هو خير .

الشبهة الرابعة:

أن السماح بممارسة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يعني السماح للمتشددين والمتطرفين والمغيّرين باليد للمنكر وبالتالي التنظيم لذلك، مما يؤدي في نهاية الأمر إلى خروجهم عن الدولة وإعلان البغي على السلطة والتمرد عليها، وهذه مفسدة ظاهرة يجب درؤها ودفعها ، ولا سبيل إلى درئها إلاّ بمنع الحسبة .

والجواب:

إنّ شريعتنا الحنيفية السمحة الجامعة الصالحة لكل وضع وحال وزمان ومكان حكمت على أن الخروج على الدولة المسلمة والبغي على السلطان الحاكم المستحق للسمع والطاعة والتمرد عليه وعلى سلطته كبيرة من الكبائر وجريمة لا يقرها الشرع بل يحظرها .

لذلك فإن الخروج والبغي والتمرد على الدولة المسلمة منكر من المنكرات التي لو سمح للناس بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لبادروا بإنكاره ولو كان ذلك بالقتال والله تعالى يقول: ﴿فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَىٰ فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّىٰ تَفِيءَ إِلَىٰ أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الحجرات: 9] (39).

إذنْ فمن الخير سياسياً بسط الحسبة وتمكين فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

الصنف الثاني: الشبهات الدعوية الفكرية:

هناك من الشبهات ما يثيره الناس حول المحتسبين، ومنها ما يثيره المعنيون بالاحتساب على عمل الحسبة، فنعرض لهذه الشبهات مجتمعة ويجمعها تعلقها بالجوانب الفكرية والدعوية الخاصة بأمر الحسبة والاحتساب، ومنها:

الشبهة الأولى:

قد يقول بعض المحتسبين:”الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في هذا الزمان صار بلا نفع يُذكر، وأصبح الناس لا يقبلون النصح ولا المعروف ، ناهيك عن قبول الإنكار عليهم، وبالتالي سقط وجوب الاحتساب ، لأن شرطه النفع والله تعالى يقول : ﴿فَذَكِّرْ إِن نَّفَعَتِ الذِّكْرَىٰ﴾ [الأعلى: 9] (40).

وللجواب على ذلك نقول:

القاعدة صحيحة، والمعروف عند أهل الفقه والأصول أن الوسائل تسقط بسقوط المقاصد ، ومقصود الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الائتمار بالمعروف والانتهاء عن المنكر ، والأصل من إنكار المنكر إزالته وإجابة من يُنكر عليه(41)، ولكن تطبيق هذه القاعدة وتنْزيلها غير صحيح.

أولاًَ: أنّ سقوط الوجوب ليس حكماً عاماً يطالب به عامة الناس أو يصدر به الحاكم أمراً سلطانياً بسقوط وجوب الاحتساب ، وإنما هو تقدير شخصي للمحتسب إذا جزم بعدم الفائدة بإنكار منكر معين في حالة معينة أو فئة معينة أو وقت معيّن؛ سقط وجوب الإنكار عنه، أما غيره من عامة المحتسبين فقد لا يرى غيره عدم الفائدة من الحسبة فيبقى في حقه وجوب الإنكار ولا يلزم من سقوط الوجوب عن محتسب سقوطه عن الجميع، فليس هذا سبباً لإضعاف أمر الحسبة ولا مسوغاً لمنع الاحتساب أو التوقف عنه.

ثانياً: سقوط الوجوب لا يعني المنع والحظر والإيقاف ، بل إنّ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إذا علم الآمر أو الناهي عدم الفائدة من أمره أو نهيه يصبح الاحتساب في حقه مندوباً مستحباً ، والمندوب مطلوب الامتثال والفعل ولكن من غير جزم أو ترتب إثم ، ولا يعني بأي حال ما يريده المغرضون من منع الاحتساب، فليس من لوازم الندب الامتناع ، بل إنّ من لوازم الندب عدم المنع ورجحان الفعل.

ثالثاً: إنّ تقدير عدم نفع الاحتساب في زمان أو مكان ما يجب أن يكون يقينياً أو ظناً غالباً ـ على أقل تقدير ـ وإلاّ فلا يجوز التوقف عن الاحتساب لمجرد الظن بأنه لا نفع فيه ، وإلاّ أثم لأنه ترك واجباً بمجرد الظن، فكيف بالذي يتوقف عن الاحتساب بالتوهم أن المجتمع لا يقبل الاحتساب عليه ولا تنفعه حسبة ولا نصح ولا ذكرى؟.(42).

والقرآن الكريم حسم هذه الشبهة حين ذكّرنا بأصحاب القرية التي كانت حاضرة البحر ، حين تنادى بعض المحتسبين أن يتركوهم ومنكرهم مدخلين على أنفسهم ذات الشبهةقائلين:﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا ۖ قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَىٰ رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ. فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾ [الأعراف: 164-165] (43).

رابعاً: إنّ الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم كانوا لا يتوقفون عن الاحتساب على قومهم إلاّ بوقوع العقاب أو الاستيئاس التام المتقَّن المبنيّ على الأدلة القطعية أو العجز وانتفاء القدرة:

ـ فهذا إبراهيم لم يتوقف عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حتى قذفوه في النار ، فلم يبق بينه وبينهم تواصل عندئذ قرر السكوت والاعتزال يقول ﴿وَاعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَىٰ أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا﴾ [مريم: 48] (44).

ـ وهذا لوط مارس عليهم الاحتساب ومضى فيهم يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر فلا يزيدهم إلاّ ضلالاً حتى قرروا في شأنه : ﴿أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِّن قَرْيَتِكُمْ ۖ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ [النمل: 56] (45).

ـ وهذا نوح قام في قومه محتسباً عليهم آمراً بالمعروف ناهياً عن المنكر وهم يزدادون فراراً من المعروف وشرهاً على المنكر، فواصل معهم حتى جعلوا أصابعهم في آذانهم واستغشوا ثيابهم وأصروا واستكبروا استكباراً مقررين على اتفاق وإجماع: ﴿لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا﴾ [نوح: 23] (46).

وهنا مرحلة عدم النفع وانعدام الجدوى بيّنة، ولا يمكن أن يُدَّعَى أن المجتمع الآن وأنّ المسلمين اليوم قد وصلوا إلى هذه الحالة من استغشاء الثياب، وقفل الآذان، وجعْل الأصابع مسدّة لها، ومن الإصرار على المجاهرة بالمنكرات ، والتجمع على الاستكبار والتظاهر عليه ، اللهم إلاّ قليلاً نادراً ، والنادر لا اعتبار له في إباحة شئ أو المنع منه .

الشبهة الثانية:

ـ ومن الشُبَهِ التي تثار حول الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر سوء الممارسة للحسبة من المحتسبين ، فيقولون:” هؤلاء يسيئون أكثر مما يحسنون ويفسدون أكثر مما يصلحون، بسوء سلوكهم وسوء طريقتهم ، فكثيرٌ منهم جاهلٌ لا فقه له، وكثيرٌ منهم يسئ الظن بالمسلمين فيبالغ في اتهامهم بالجاهلية وغير ذلك من سوء حالهم، مما يجعل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أمراً مستنكراً لدى العامة، فيكون منعه أولى من السماح به ، والحدّ منه خير للدعوة من أن يكون متاحاً للجميع”.

وفي الجواب على هذه الشبهة يقال:

نوافقهم أنّه من واجب المحتسبين أن يحسنوا الاحتساب لا سيما المتطوع منهم، وأنهم مطالبون أن يزينوا المعروف للمأمور حتى يأتمر به ، وأن ينفّر المحتسب عليه من المنكر لينتهي عنه، ولا يكون هذا المقصد الجامع للحسبة إلاّ بآداب الاحتساب التي نادى بها العلماء في كل عصر وجيل، خاصة الرفق واللين..

يقول الإمام الثوري رحمه الله:” آمر بالمعروف في رفق، فإن قبل منك حمدت الله عز وجل، وإلاّ أقبلت على نفسك ” .

ويقول الإمام أحمد رحمه الله : ” الناس يحتاجون إلى مداراة ورفق في الأمر بالمعروف بلا غلظة إلاّ رجلاً مبايناً معلناً بالفسق فيجب عليك نهيه وإعلانه لأنه يقال: ليس لفاسق حرمة فهذا لا حرمة له”..

وقال أيضاً: ” ما أغضبت رجلاً فقبل منك “..

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: ” الرفق سبيل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ولهذا قيل: ليكن أمرك بالمعروف معروفاً ونهيك عن المنكر غير منكر ” (47).

ولا شكّ أن إحسان التوسل للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من منجِّحات الاحتساب ومحقِّقات مقاصده وغاياته .

ولكن ليس من الشروط التي لا يصح الاحتساب إلاّ بها الرفق واللين وعدم الغلظة وغير ذلك ، فهذه آداب وليست شروطاً، بل وليس من موانع الاحتساب الخشونة والغلظة فيه أو ظهور سوء التصرف والسلوك مع المحتَسَب عليهم .

فلو كان من شروط الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أن يكون بالرفق واللين ، ومن موانعه عدم الرفق واللين من الفظاظة والغلظة والشدة وسوء سلوك المحتسب لكان مقبولاً المطالبة بمنع الاحتساب والحدّ منه، وإلاّ فلا.

الصنف الثالث: الشبهات الاجتماعية:

من أكثر الفئات التي تجد الضيق من انبساط الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: علية المجتمع وكبراؤه، لأنهم لا يتحمّلون أن يعترض عليهم بشئ لا في الدين ولا في الدنيا، وقد تعوّدوا أن يشكروا على الدوام، وأن يوافقوا على أمورهم ، وأن يمدحوا على فعلهم، وإن كان خَطئاً وأن يغضّ الطرف عن خطيئاتهم مع وصفها بالإحسان.

لذلك إذا قيل لأحدهم: اتق الله! أخذته العزة بالإثم ، وإذا سعى أفسد في الأرض،تماماً كما وصفهم الله تعالى ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَىٰ مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ. وَإِذَا تَوَلَّىٰ سَعَىٰ فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ ۗ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ. وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ ۚ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾ [البقرة: 204-206] (48).

ولهذا؛ صعب عليهم قبول الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. فيبثون بسبب هذه النفسية الطاغوتية الشبهات حول الحسبة ، ومن شبهاتهم ما سنعرض لها:

الشبهة الأولى:

يقول أحدهم:”إنّ أمر الدين أمر شخصي ، وليس أحد من المسلمين سيحاسب مع آخر ، ولا يؤاخذ برئ بذنب غيره، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يخالف هذه الحقيقة، بل الإسلام يقرر ذلك في آيات منها قوله تعالى ﴿وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا ۚ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ﴾ [الأنعام: 164]49 وقوله تعالى (﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا ۚ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ [البقرة: 286]50 وقوله سبحانه ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ [المدثر: 38] 51 .

ولجواب الشبهة يقال:

ـ صحيح أن البرئ لا يؤاخذ بذنب غيره(52) ، ولكن !!

هل الساكت عن إنكار المنكر وهو يرى وقوعه برئٌ ؟

وهل الذي يشاهد المعروف الواجب قد تُرك فلم يأمر به برئٌ؟

بل الصحيح أن من لم يأمر بالمعروف ولم ينه عن المنكر قد أذنب كمن ترك معروف واجباً في الدين أو أتى منكراً في الشرع مثله مثله، كلاهما مذنبٌ فأين البريء؟. ولذلك فهو مطالب في الدين أن يأمر بالمعروف وأن ينهى عن المنكر .

قال ابن العربي رحمه الله: ” إن الناس إذا تظاهروا بالمنكر فمن الفرض على كل من رآه أن يغيره، فإذا سكت عنه فكلهم عاص، هذا بفعله وهذا برضاه به، وقد جعل الله في حكمه وحكمته الراضي بمنْزلة العامل..” (53).

وفي حديث أنس بن مالك رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( لا تزال لا إله إلاّ الله تنفع من قالها، وتَرُدُّ عنهم العذاب والنِّقمة مالم يستخفّوا بحقها) قالوا: يا رسول الله ! وما الاستخفاف بحقها ؟ قال: ( يظهر العمل بمعاصي الله فلا يُنكر ولا يُغيَّر ) (54).

الشبهة الثانية:

ـ يقولون: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإنْ كنا لا نرفضه ولكن في هذا العصر أصبح من العسير إقراره أو الرضا به، لأنه يكون دائماً بالاعتراض على أفعال الناس وتصرفاتهم ، فهو إذنْ ضدّ الحريات ويقضي على حرمة الحياة الخاصة ومناقض للمواثيق الدولية وإعلاناتها بحقوق الإنسان، فلم يعد الاحتساب يصلح كنظام يقرّ في مجتمعات المسلمين اليوم.

والجواب عليها بالآتي:

أولاً: قولهم: إن الحسبة تكون دائماً بالاعتراض على أفعال الناس وتصرفاتهم ” فهذا ليس بهذه الصورة، فالاحتساب لا يكون في أفعال الناس إلاّ بشرطين مهمين:

الشرط الأول: أن يكون من المعروف المتفق عليه ومن المنكر المتفق عليه، فليست كل أفعال الناس عرضة للاحتساب ، حتى لو أتى الواحد بمنكر ومعصية ولكنها مختلف في اعتبارها معصية ومنكراً فلا ينهى عنه.

الشرط الثاني: أن يكون المعروف ظاهر الترك ، وأن يكون المنكر ظاهراً ، فلو ترك إنسان معروفاً ولكن خفية ، أو ارتكب منكراً خفية من غير إظهار؛ فلا إنكار عليه.

وعليه فباطل الاطلاق بأن الاحتساب اعتراض على أفعال الناس وتصرفاتهم.

ثانياً : قولهم : إنّ الاحتساب ضد الحريات وحرمة الحياة الخاصة وحقوق الإنسان ” ليس صحيحاً وذلك للآتي:

أولاً: إنّ ظهور المنكرات وتظاهر الناس بفعل معصية لا يختلف المسلمون أنها معصية لا يمكن أن يكون هذا من الحريات التي يقرها العقلاء في أي مجتمع، بل هو تعد على المجتمع وقِيمه وأمنه وأهله ودينه ، فكيف يكون ذلك حرية إنسانية وحقاً إنسانياً؟؟ ، بل إنه الحيوانية البهيمية الغابية .

ثانياً: الاحتساب رعاية لحرمة الحياة العامة ولا يمس بحال حرمة الحياة الخاصة، وبذلك جمع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أن يحافظ على حرمة الحياة العامة، وأن لا يضر بحرمة الحياة الخاصة.

أما رعايته لحرمة الحياة العامة ، فلأنه لا يمسح بالتعدي على القيم الدينية والاجتماعية المعروفة ولا يسمح بالتظاهر بارتكاب الفواحش والمنكرات. فيسلم المجتمع من مظاهر الفحشاء والمنكر .

وأما عدم مساسه بحرمة الحياة الخاصة ، فلأن الاحتساب لا يقوم على المراقبة للأفراد، ولا التفتيش في بيوتهم ، ولا ما يفعلونه في خاصة أمرهم مالم يظهروا ويجاهروا.

1ـ لأن من شرط المنكر الذي يجب تغييره أن يظاهر به أما ما أخفاه العاصي فلا دخل للمحتسب به ، وفي الحديث : ( من أصاب من هذه القاذورات شيئاً فليستتر بستر الله، فإنه من يبدي لنا صفحته نقم عليه كتاب الله ) (55).

2ـ ولأنّ الاحتساب لا يقرّ التجسس ولا اقتحام البيوت ، كما قال الجويني رحمه الله : ” ليس الأمر بالمعروف البحث والتجسس واقتحام الدور بالظنون، بل إنْ عثر على منكر غيّره”(56). بل إن التجسس ولو بغرض الاحتساب إلاّ في الحالات التي استثناها العلماء يعتبر في نفسه منكراً فمن احتسب متجسساً وجب الإنكار عليه، لقوله تعالى ﴿وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا﴾ [الحجرات: 12](57).

وعليه: فخيرٌ للحريات ولحرمة الحياة الخاصة والعامة ولكل الحياة بسط الاحتساب ودعمه وإقراره وتعظيمه وتقريره بتضمينه في النظم والقوانين والدساتير لنحيا به وبسائر تعاليم شرعة الإسلام حياة طيبة مستمعين نداء بارينا وخالقنا العليم بما يصلحنا والخبير بنا ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ [الأنفال: 24] (58).

الهوامش

  1. (? ) سورة التوبة 111112 .

    ↩︎

  2. (? ) سورة آل عمران 110 .

    ↩︎

  3. (? ) تفسير ابن كثير ، ج1 ص 392 دار الفكر بيروت 1401هـ . صحيح البخاري باب كنتم خير أمة أخرجت للناس ، برقم 4281 ، ج4 ص 1660 .

    ↩︎

  4. (?) أحمد في المسند ج6 ص 432 ، وابن أبي شيبة في المصنف ج5 ص 218 بلفظ أتقى الناس ، والطبراني بزيادة قال الهيثمي في مجمع الزوائد( 7/ 263 ) رجاله ثقات .

    ↩︎

  5. (? ) تفسير الطبري ، ج4 ص 43 دار الفكر بيروت 1405هـ ، وتفسير ابن كثير، ج1 ص 397. والرعة الشأن والأمر والأدب كما في لسان العرب ج8 ص 388.

    ↩︎

  6. (? ) سورة التوبة ، 71 .

    ↩︎

  7. (? ) سورة الأعراف ، 157 .

    ↩︎

  8. (? ) إحياء علوم الدين ، للغزالي ، ج2 ص 333 الفيصلية مكة المكرمة ودار الكتب العلمية بدون .

    ↩︎

  9. (? ) الحسبة في الإسلام ، ص 36 نقله عنه جلال الدين العمري في كتابه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، ص 18 شركة الشعاع للنشر ، الكويت. ود. فضل إلهي في كتابه الحسبة تعريفها ومشروعيتها وحكمها، ط 1410هـ. وقد بحثت عنه ولم أجده في الحسبة ولا أزال أبحث.

    ↩︎

  10. (? ) الإحكام في أصول الأحكام سيف الدين الآمدي ، ج1 ص 183 دار الكتب العلمية ط 1405هـ .

    ↩︎

  11. (? ) سورة آل عمران ، 21 .

    ↩︎

  12. (? ) تفسير القرطبي الجامع لأحكام القرآن ، م2 ج4 ص 4445 . دار الفكر ط 1415هـ .

    ↩︎

  13. (? ) تفسير المنار ج4 ص 32 ، عن جلال الدين العمري الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ص 19 .

    ↩︎

  14. (? ) سورة نوح ، 5 وما بعدها ..

    ↩︎

  15. (? ) سورة الأنبياء ، 52 وما بعدها ..

    ↩︎

  16. (? ) سورة الشعراء ، 181 184 .

    ↩︎

  17. (? ) سورة النمل ، 54 ـ 56 .

    ↩︎

  18. (? ) سورة النحل ، 90 .

    ↩︎

  19. (? ) إحياء علوم الدين ، ج2 ص 333 .

    ↩︎

  20. (? ) سورة المائدة ، 7879 .

    ↩︎

  21. (? ) سورة الأعراف ، 165 .

    ↩︎

  22. (? ) سورة الأنفال ، 25 .

    ↩︎

  23. (? ) التسهيل لعلوم التنزيل ، لابن جزي الكلبي ، ج2 ص 116 .

    ↩︎

  24. (? ) تفسير ابن كثير ، ج2 ص 286 .

    ↩︎

  25. (? ) أخرجه الترمذي في أبواب الفتن باب ما جاء في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر برقم 2169 ج4 ص 468عن حذيفة بن اليمان، وقال هذا حديث حسن .

    ↩︎

  26. (?) أخرجه أحمد في مسند المكثرين من الصحابة رقم 6495، ج 163، والطبراني في الأوسط ، 88/18 رقم 7825 والبزار في مسنده رقم 2374 وصححه أحمد شاكر والحاكم ووافقه الذهبي (التلخيص 4/56).

    ↩︎

  27. (? ) فيض القدير شرح الجامع الصغير ، عبد الرؤوف المناوي ، المكتبة التجارية الكبرى مصر ، ط 1356هـ. ج1 ص 354 .

    ↩︎

  28. (? ) المرجع السابق نفسه .

    ↩︎

  29. (? ) الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لأبي بكر أحمد بن محمد بن هارون الخلال، تحقيق عبد القادر أحمد عطا ، ص 100 101 دار الاعتصام ط1395 هـ.

    ↩︎

  30. (? ) سورة هود ، 116 117 .

    ويراجع : تفسير الرازي “التفسير الكبير “ج16 ص 80 ، وتفسير القرطبي ، م5ج9 ص 99 101 ، تفسير ابن كثير ، ج2 ص 445 446 .

    ↩︎

  31. (? ) تفسير ابن عطية المحرر الوجيز ، ج 3 ص 474.↩︎

  32. (? ) تفسير المنار محمد رشيد رضا، ج12 ص 158.↩︎

  33. (? ) الفارض يراد به كل ضخم كبير عظيم ، ومنه قوله تعالى ﴿ لَا فَارِضٌ وَلَا بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ﴾[البقرة : 68] ويراجع: القاموس المحيط ، للفيروزابادي ، ص 838 .

    ↩︎

  34. (? ) عزاه في فيض القدير ( 6/404 ) إلى ابن النجار في تاريخه عن عائشة . وعزاه أبو الطيب شمس الحق آبادي في عون المعبود ، دار الكتب العلمية ط2 سنة 1415هـ (5/ 62 ) إلى الديلمي في مسند الفردوس عن أبي بكرة .

    ↩︎

  35. (? ) لست أقصد بالضرورة ساسة بلادنا بعينهم ، بل كلامي في عمومهم ، بل الأحرى قصد غيرهم ، إذ النظام في بلادنا سنّ قانون الحسبة وهو قانون النظام العام ، ولا يزال ساري المفعول إلى اليوم وخصص قوة شرطية خاصة لتنفيذه هي شرطة أمن المجتمع ، وأنشأ إدارات متخصصة عليا للحسبة مثل هيئة الحسبة والمظالم ، ولجنة الحسبة الإدارية بالمجلس الوطني ، ونسأل ربنا تبارك وتعالى أن يزيد من توفيقهم ببسط هذه الفريضة والتمكين لها على أفضل صورة ترضي الأمة.

    ↩︎

  36. (? ) سورة الأنعام ، 81 82 .

    ↩︎

  37. (2) أخرجه الخطيب البغدادي في تاريخ بغداد برقم 1765 ، ج4 ، ص 107، من قول عمر بن الخطاب وفي تفسير ابن كثير ورد بلفظ ( إن الله ليزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن ) ج 360.↩︎

  38. (? ) أخرجه أبو داود في الملاحم برقم 4338 ج4ص12 ، وابن ماجة برقم 4009 ج2 ص 1329 ، وابن حبان في صحيحه برقم 300 ، و302 ، ج1 ص 536 537 ، والهيثمي في موارد الظمآن برقم 1839 ج1 ص 455 ، والبيهقي في سننه الكبرى ج10 ص 91 ، وسعيد بن منصور في سننه برقم 841 ج4 ص 1650 .

    ↩︎

  39. (? ) سورة الحجرات ، 9 .↩︎

  40. (? ) سورة الأعلى ، 9.

    ↩︎

  41. (? ) راجع مسألة سقوط وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في: تفسير القرطبي ، م2 ج4 ص 112، قواعد الأحكام في مصالح الأنام ، للعز بن عبد السلام ج1 ص 109 ، أضواء البيان ، ج2 ص 175 ، كتابنا : فقه المقاصد في فصل الوسائل .

    ↩︎

  42. (?) هذا وقد ذكر الإمام الطبري في تفسير الآية ( فذكر إنْ نفعت الذكرى ) أن المقصود بهم بعدم الانتفاع بالذكرى هم الذين لم يؤمنوا وهذا نصّ كلامه : ” يقول تعالى ذكره فذكر عباد الله يا محمد عظمته وعظهم وحذرهم عقوبته إن نفعت الذكرى يقول إن نفعت الذكرى الذين قد آيستك من إيمانهم فلا تنفعهم الذكرى” تفسير الطبري 30/155 .

    ↩︎

  43. (?) سورة الأعراف ، 164 165 .

    ↩︎

  44. (? ) سورة مريم ، 48 .

    ↩︎

  45. (? ) سورة النمل ، 56 .

    ↩︎

  46. (? ) سورة نوح ، 23 .

    ↩︎

  47. (? ) نقلها خالد بن عثمان السبت في كتابه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أصوله وضوابطه وآدابه ، ص 195 197عن: الجرح والتعديل ج1 ص124 ، الأمر بالمعروف للخلال أثر 33،34 ،35 ، الأمر بالمعروف لابن تيمية ص 17 .

    ↩︎

  48. (? ) سورة البقرة، 204 206 .

    ↩︎

  49. (? ) سورة الأنعام ، 164 .

    ↩︎

  50. (? ) سورة البقرة ، 286 .

    ↩︎

  51. (? ) سورة المدثر ، 38 .

    ↩︎

  52. (? ) انظر : الحسبة تعريفها ومشروعيتها وحكمها د. فضل إلهي ، 40.

    ↩︎

  53. (? ) المرجع نفسه ص 4041 عن أحكام القرآن لابن العربي ج2 ص 847، وتفسير القرطبي ج8ص393.

    ↩︎

  54. (? ) الترغيب والترهيب للمنذري كتاب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ج2 ص 212 حديث رقم 3317 وعزاه إلى الأصفهاني وسكت عنه .

    ↩︎

  55. (? ) أخرجه مالك في الحدود باب ما جاء فيمن اعترف على نفسه بالزنا ، برقم 1508 ، ج2 ص 825 .

    ↩︎

  56. (? ) شرح النووي على صحيح مسلم ، ج1 ص 26 وانظر: بحث أخينا د. يوسف حسين محمد البشير ، مراعاة حرمة الحياة الخاصة على ضوء قانون النظام العام، مجلة حوليات الشريعة، كلية الشريعة جامعة القرآن الكريم والعلوم الإسلامية العدد (1) ص 125 وما بعدها .

    ↩︎

  57. (? ) سورة الحجرات ، 12 .

    ↩︎

  58. (? ) سورة لأنفال ،24 .

    ↩︎