الإثنين 24 أغسطس 2026م
الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ

الرئيسية ← الفتاوى ← فتاوى الصيام

الفتــاوى

فتاوى فضيلة الشيخ في العبادات والمعاملات المالية والنوازل المعاصرة — ولمن أراد أن يسأل، فباب الاستفتاء مفتوح.

س

مفسدات الاعتكاف

فتاوى الصيام · · سأل: من كتاب «سؤالات الصائمين» — أقضية الاعتكاف

أنا حريصٌ على ان أعتكف اعتكافاً جيداً صحيحاً، وأريد أن أعرف ما يسلم به اعتكافي، وما يبطله ويفسده، فأرجو أن تفيدوني عن الأمور التي يبطل بها الاعتكاف حتى أبعد عنه وأحافظ على اعتكافي ولا أضيعه.

جواب فضيلة الشيخ

هذا من أهم ما يجب على مريد لاعتكاف معرفته ـ جزاك الله خيراً ـ. فالأمور التي يفسد بها الاعتكاف ولا يصح معها خمسة أمور هي:

الأمر الأول: أن يكون فى غير المسجد، في البيت أو النادى أو الفندق أو نحو ذلك، فالاعتكاف شرطه أن يكون في المساجد (1)، لقوله تعالى آية كريمة ، ولكنْ للفقهاء فى المراد بالمساجد من الآية الكريمة أقوال(2):

أ ـ الشافعية ومشهور المالكية والطبرى والثورى وداود أخذوا بظاهر عموم الآية، فعمموا جواز الاعتكاف فى كل مسجد من مساجد المسلمين.

ب ـ الحنفية والحنابلة فسروا ” المساجد ” بأنها مساجد الجماعة التي لها إمام ومؤذن مستدلين بحديث حذيفة رضي الله عنه أن النبى ﷺ قال: (كل مسجدٍ له إمام ومؤذن فالاعتكاف فيه يصلح )(3)، وهو المسجد الذى تصلى فيه الصلوات الخمس أو تقام فيه الجماعة. وهو قول علي بن أبي طالب وعائشة وابن عباس (4).

ج ـ المالكية مع أنهم جوزوا الاعتكاف في كل مسجد في مشهور المذهب، إلا أنهم فصلوا فقالوا: إنْ كان ممن لا تلزمه الجمعة أو كان لا يدركه يوم الجمعة باعتكافه فيجوز بلا كراهة في أي مسجد، وإنْ كان ممن تدركه الجمعة أو تلزمه الجمعة فيجوز أن يعتكف في أي مسجد ولكن يُكره له ذلك بسبب اضطراره للخروج من معتكفه لصلاة الجمعة.

د ـ والجمهور على أن المراد بالمساجد للرجل وللمرأة على السواء، ولكن الحنفية والإمام الثوري والشافعي في القديم بالنسبة للمرأة أدخلوا (مسجد بيتها) في مدلول المساجد، فجوّزوا لها الاعتكاف في مسجد بيتها وهو المكان الذي خصصته لصلاتها في البيت.

ولا شكّ أن الأفضل أن يكون الاعتكاف فى المسجد الجامع لأن الجماعة فى صلواته أكثر، ولأنه لن يضطر إلى الخروج إلى غيره لصلاة الجمعة أو الجماعة، ولأنه بالاعتكاف فى المسجد الجامع يكون قد خرج من الخلاف والخروج من الخلاف مستحب (5).

الأمر الثاني: أن يكون الاعتكاف لغير الله، وبغير نية التقرب إلى الله، كأن يعتكف للاسترواح أو الراحة أو الهروب من غريمٍ يطلبه أو من أهله وأولاده أو لواذاً من حقّ أو قضاء، أو لكتابة بحثٍ أو تقرير، أو نحو ذلك مما يقصده الناس لا سيما في هذا الزمان الذي كثرت فيه المشاغل وتزاحمت فيه الواجبات على ضيق الأوقات.

الأمر الثالث: أن يدخل معتكفه في المسجد وهو على جنابة أو حيض وهذا في الابتداء لا في الأثناء، لحديث النبى ﷺ:« لاَ أُحِلُّ الْمَسْجِدَ لِحَائِضٍ وَلاَ جُنُبٍ»(6).

ـ فإذا أجنب وهو معتكف تطهر واستمر في اعتكافه.

ـ وإذا حاضت وهى معتكفة، خرجت إلى بيتها، فإذا طهرت رجعت إلى المسجد أية ساعة طهرت، ثم تبنى على ما مضى من اعتكافها. هذا ما ذهب إليه عامة الفقهاء ونص عليه مالك في الموطأ(7) .

الأمر الرابع: أن يباشر نساءه وهو معتكف. الاعتكاف لا يتحقق ولا يصح شرعاً إلا باعتزال النساء وعدم المباشرة لصريح قوله تعالى آية كريمة. (8)

قال ابن المنذر رحمه الله: « وأجمعوا على أن المعتكف ممنوع من المباشرة»(9).

ولكن ما يفسد الاعتكاف ويبطله من المباشرة؛ الوطء والجماع باتفاق، وما دون الوطء من القُبلة واللمس والمباشرة دون الفرج لا يفسد به الاعتكاف إلا إذا أنزل عند الجمهور ـ أبي حنيفة وأحمد والشافعي في قول ـ. ويفسد به ـ إن كانت بشهوة وإنْ لم ينزل ـ عند مالك والشافعى فى الصحيح عنه. ورأيُهما هو الصحيح، لأنّ عموم النهى عن كل مباشرة فى قوله تعالىآية كريمة مخصوص بفعل عائشة إذ كانت ترجّل رأس رسول الله ﷺ وهو معتكف(10)، وكانت لا محالة تمس بدن رسول الله ﷺ بيدها ، فدل ذلك على أن المباشرة بغير شهوة غير محظورة .

الأمر الخامس: أن يخرج من المسجد لغير ضرورة ولا حاجة متعيّنة. لأنه يخل بمعنى الاعتكاف وما يحققه، إذ لا يتحقق إلا باللبث والمكوث في المسجد وحبس النفس فيه انقطاعاً لله قربة إليه. والأصل في ذلك قول عائشة : ” لاَ يَخْرُجَ لِحَاجَةٍ إِلاَّ لِمَا لاَ بُدَّ لَهُ مِنْهُ”(11). وخبرها : ” كان رسول الله ﷺ إذا اعتكف لا يدخل البيت إلاّ لحاجة الإنسان”(12).

ولكن يجوز للمعتكف الخروج للضرورة أو الحاجة، والفقهاء بين موسّع في ذلك ومضيّق، والمهم في ذلك الحرص الشديد على البقاء في المسجد وعدم الخروج إلا لضرورة يراها لا تدفع إلا بالخروج، أو حاجة ملحة. والله تعالى أعلم.

الحواشي

  1. إلا ما شذ به ابن لبابة بجواز وصحة الاعتكاف في أي مكان ولو غير المسجد، راجع: بداية المجتهد ج2 ص 203، والقوانين الفقهية ص 134 .
  2. تراجع آراء المذاهب فى : المدونة الكبرى ج1ص 341، الاستذكار ج10ص273 ، الشرح الصغير، ج1ص726 ، المقدمات الممهدات لابن رشد الجد، ج1 ص 256، بداية المجتهد ونهاية المقتصد لابن رشد الحفيد، ج2 ص 202 – 203، المغنى ج3ص127ـ 129، المجموع ج6ص472 ، حاشية ابن عابدين ج1ص 128.
  3. أخرجه الدارقطني في سننه برقم 2357 ، وقال الضحاك لم يسمع من حذيفة، وهذا يعني ان فيه انقطاعاً بين الضحاك وحذيفة. سعيد بن منصور فى سننه والدار قطنى
  4. أخرج عبد الرزاق في مصنفه برقم 8009 قول علي (لا اعتكاف إلا في مسجد جماعة) وأخرج البيهقي في السنن الكبرى برقم 8354 قول عائشة (ولا اعتكاف إلا في مسجد جماعة) وكذلك أخرج قول ابن عباس ( لا اعتكاف إلا في مسجد تقام فيه الصلاة) برقم 8835.
  5. ينظر : المهذب مع المجموع ، 6/472-473
  6. أخرجه أبو داود برقم 232، وابن خزيمة في صحيحه برقم 1327، والبيهقي في معرفة السنن برقم 1377، والحديث وإن ضعفه الألباني وقال فيه البيهقي ليس بالقوي، إلا أن الجمهور أخذوا به وعملوا به، راجع: شرح السنة للبغوي ج2 ص 45 .
  7. انظر : الموطأ 317 ، الاستذكار ج10 ص 314 ، المجموع ج6 ص 507 ، المغنى لابن قدامة ج3 ص 146.
  8. (2) البقرة 187
  9. كتاب الإجماع لابن المنذر ، ص 16 ، المسألة 133.
  10. الحديث أخرجه البخارى فى كتاب الاعتكاف بلفظ : ( كان النبى ♀ يصغي إليّ رأسه وهو مجاور في المسجد ، فأرجله وأنا حائض ) ، حديث رقم (2028) ج4ص320 مع الفتح ، وأبو داود في سننه برقم (2467) ، ج2ص332 بلفظ : ( إذا اعتكف يدني إليّ رأسه فأرجله). ج4ص320 مع الفتح ، وأبو داود في سننه برقم (2467) ، ج2ص332 بلفظ : ( إذا اعتكف يدني إليّ رأسه فأرجله).
  11. أخرجه البيهقي في السنن الكبرى برقم 8377.
  12. أخرجه مالك في الموطأ برقم 687. وانظر المدونة ج1 ص 341.
أ.د. عبدالله الزبير عبدالرحمن
س

طرق إثبات شهر رمضان

فتاوى الصيام · · سأل: من كتاب «سؤالات الصائمين» — مسائل الأركان

في كل عام حين يقرب مجيء شهر رمضان المعظّم يطلب مجمع الفقه الإسلامي من الناس التحري ورؤية هلال شهر رمضان، فأحياناً يعلنون أنهم رأوا الهلال، ومرات يعلنون أنهم سيكملون شهر شعبان، أرجو أن تبينوا لنا طرق إثبات دخول شهر رمضان حتى نكون على علم ومعرفة، جزاكم الله خيراً.

جواب فضيلة الشيخ

جاء في كتاب الله تعالى وفي سنة رسول الله ﷺ طريقان لإثبات الشهر المعظّم، هما: طريق الرؤية، وطريق التقدير.

الطريق الأول: طريق الرؤيــة:

فالرؤية هي الأصل المتفق عليه بين الناس في إثبات هلال رمضان وشوال، وقد جاء الأمر بالرؤية صريحاً في السنة الشريفة وواضحاً في القرآن الكريم، ففي القرآن الكريم قوله تعالى: آية كريمة. و﴿شَهِدَ﴾ فيه معنى الشهود أي الحضور، وفيه معنى الشهادة والمشاهدة وهي الرؤية، فالرؤية سواءٌ أكانت بالمشاهدة أو بسماع الشهادة بالرؤية يصحّ إثبات الشهر بها.

ـ وفي السنة المطهرة على صاحبها أفضل الصلاة وأتم التسليم أحاديث، منها:

1ـ قوله ﷺ:( لا تصوموا حتى تروا الهلال، ولا تفطروا حتى تروه)(1)..

2 ـ وقوله ﷺ:( صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته)(2).

3ـ وقوله ﷺ: ( إذا رأيتم الهلال فصوموا، وإذا رأيتموه فأفطروا..)(3).

أما الرؤية في الأحاديث الشريفة فهي الرؤية البصرية غالباً، لأنها كانت المتاحة على عهد رسول الله ﷺ وهي الأصل المتفق عليه بين الأمة.

والطريق الثاني: التقدير: وفي مراده ومعناه اختلف العلماء إلى أربعة أقوال:

القول الأول: إنّ التقدير من القدر وهو العدّ، فيكون بإكمال عدة شعبان ثلاثين، والمعنى: قدّروا عدد الشهر حتى تكملوه ثلاثين يوماً. وهذا القول هو مذهب الجمهور “الحنفية والمالكية والشافعية” جمعاً بين الحديثين السابقين: حديث (فإن غم عليكم فاقدروا له) وحديث: (فإن غُبِّيَ عليكم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين).

فقالوا: الحديث الأول مجملٌ، فجاء الحديث الثاني مفسراً له، فأراد بالتقدير في الحديث الأول إكمال عدة شعبان ثلاثين كما نصّ الحديث الثاني.

والقول الثاني: وهو مذهب الحنابلة وطاووس اليماني رحمهم الله ، فذهبوا إلى أنّ التقدير هو التضييق (4)، ومنه قوله تعالى آية كريمة (5) أي ضيّق عليه رزقه. وقوله تعالىآية كريمة (6)والمعنى : من ضيّق عليه رزقه. وقوله تعالى آية كريمة (7)أي يضيق.

هذا المعنى هو ما قالت به عائشة وأسماء ابنتا أبي بكر الصديق ، وابن عمر رضي الله عنهما كما روى عنه نافع رحمه الله أنه رضي الله عنه إذا مضى من شعبان تسعة وعشرون يوماً بعث من يتحرّى، فإذا لم يُر الهلال، وكانت السماء صحواً، أفطر، وإلاّ أصبح صائماً (8).

ومعنى التضييق أن يضيّق الشهر بسبب الغيم فيجعل شهر شعبان تسعة وعشرين يوماً إذا كانت السماء غيماً، لاحتمال أن يكون عدم الرؤية بسبب غياب الهلال وراء الغيوم وأن معنى (فاقدروا له) أي فقدروه تحت السحاب، وعلى أنّ الأصل في الشهر القمري أنه تسعة وعشرون يوماً، ولعلهم أخذوا بحديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال : قال رسول الله ﷺ: ( الشهر تسع وعشرون ليلة، لا تصوموا حتى تروه، ولا تفطروا حتى تروه، إلاّ‍ أنْ يغمّ عليكم، فإن غمّ عليكم فاقدروا له)(9)، وحديث ابن عمر أيضاً عن النبي ﷺ قال: (الشهر هكذا وهكذا وهكذا، عشراً وعشراً وتسعاً)(10).

والقول الثالث: إنّ التقدير هو النظر والتدبّر، من قدّرت الأمر إذا نظرت فيه ودبرته، ويكون هنا بالنظر في الشهور السابقة لشعبان، فإن كان توالى منها ثلاثة أشهر كاملة عمل على أن شعبان ناقص، أي تسعة وعشرون يوماً، فيصبح الناس صياماً، وإذا كان توالى ثلاثة أشهر قبل شعبان ناقصة أي تسعة وعشرون يوماً، اعتبر شعبان ثلاثين يوماً فيصبح الناس مفطرين، لأنه لا تتوالى أربعة شهور ناقصة ولا كاملة إلاّ في النادر، وإن لم تتوالَ الشهور السابقة لشعبان كملت عدة شعبان ثلاثين، لأنه اليقين.

هذا في الصيام، أما في الفطر ؛ فلا يؤخذ بالتقدير الذي يُظنّ فيه أن رمضان ناقص(11).

القول الرابع: إنّ المراد بالتقدير في الحديث حساب المنازل، فمعنى: (فاقدروا له) أي قدِّروه بمنازل القمر.

وهؤلاء جمعوا بين القرآن والسنة، وقالوا: السنة مفسرة للقرآن وموضحة له كما أن القرآن موضح للسنة، ولا تعارض بينهما، فقول النبي ﷺ: (فاقدروا له) أي للهلال، موافق لقول الله تعالى في شأن القمرآية كريمة (12). وتقدير المنازل كما نصّ القرآن موصل للعلم، فيكون التقدير بالحساب.

وهذا مذهب : مطرِّف بن عبد الله بن الشخير من جلّة التابعين، وابن قتيبة من المحدثين، ومن الفقهاء: ـ ابن سريج وابن دقيق العيد والسبكي من الشافعية، وحكي عن الإمام الشافعي، وبه قال بعض الحنفية كما جاء في الفتاوى الهندية،كما ذكره ابن عابدين في رسالته ” تنبيه الغافل والوسنان في أحكام هلال رمضان “وفي حاشيته على الدر المختار، وهو قول بعض المالكية البغداديين. وهو قول القاضي عبد الجبار ومحمد بن مقاتل الرازي وغيرهم .

ومن المعاصرين : المحدث العلامة أحمد محمد شاكر، ومحمد رشيد رضا، وطنطاوي جوهري، ومصطفى أحمد الزرقا. ومن شيوخ الأزهر: الشيخ المراغي، والمطيعي مفتي الديار المصرية في زمانه، وجاد الحق علي جاد الحق، وهو رأي الشيخ علي الطنطاوي، ومحمد سلامة جبر، والشيخ يوسف القرضاوي وغيرهم(13). والله تعالى أعلم.

الحواشي

  1. أخرجه البخاري كتاب الصوم باب قول النبي ♀ : ( إذا رأيتم الهلال فصوموا) برقم 1906 ، ومسلم كتاب الصيام باب وجوب صوم رمضان لرؤية الهلال، برقم 2495ـ3/1 ، ج7 ص 188 بشرح النووي، والنسائي كتاب الصوم باب ذكر الاختلاف على الزهري برقم 2120 . واللفظ لمسلم
  2. أخرجه البخاري الكتاب والباب السابق ، برقم 1909 ، ومسلم نفس الكتاب والباب السابق، برقم 2512ـ 19/18 ، ج7 ص 193 بشرح النووي.
  3. أخرجه مسلم كتاب الصيام ، باب وجوب صوم رمضان لرؤية الهلال، برقم 2510 ، ج7 ص 193 بشرح النووي، والنسائي كتاب الصيام باب ذكر الاختلاف على الزهري برقم 2118 ، وابن ماجة في الصيام باب إكمال شعبان ثلاثين.. برقم 2116، 2117 .
  4. راجع: شرح النووي لصحيح مسلم ، ج7 ص 189 .
  5. سورة الفجر 16 .
  6. سورة الطلاق، 7 .
  7. سورة الرعد، 26 .
  8. انظر: التمهيد لابن عبد البر ، ج14 ص 348 ، ومصنف عبد الرزاق ، ج4 ص 161، والسنن الكبرى للبيهقي ، ج4 ص 209 .
  9. مسلم كتاب الصيام باب وجوب صوم رمضان لرؤية الهلال، حديث رقم 2502ـ9/8 ، ج7 ص 190 بشرح النووي.
  10. مسلم كتاب الصيام باب وجوب صوم رمضان، برقم 2505ـ 12/11، ج7 ص 191 بشرح النووي.
  11. يراجع: العذب الزلال ، للمراكشي ، ج1 ص 294.
  12. سورة يونس ، 5 .
  13. راجع الأقوال كلها في : حاشيه ابن عابدين (رد المختار على الدر المختار)ج2ص91-93-96-97، والمبسوط للسرخسي ج4 ص 61، والبحر الرائق لابن نجيم ج6 ص 160، وحاشية الطحطحاوي على مراقي الفلاح ج1 ص 435، ودرر الحكام شرح غرر الأحكام لمنلا خسرو ج2 ص 452،وشرح النووى لصحيح مسلم ج7ص188-189 وفتح البارى ج4ص146-147 والاستذكار لابن عبدالبر ج10ص18-19، والتمهيد لابن عبد البر ج14ص350 وروضة المستبين في شرح كتاب التلقين، لابن بزيزة السنوسي ج1 ص 515، وإحكام الأحكام لابن دقيق العيد، ج2 ص 8 حديث رقم 179، ونهاية المحتاج للرملي، ج3 ص 148، وأوائل الشهور العربية هل يجوز شرعاً إثباته بالحساب الفلكي، للمحدث أحمد محمد شاكر، وفقه الصيام، د. يوسف القرضاوى ص89 ومابعدها والفتاوى الشرعية محمد سلامة جبر ص56-58 مكتبة عالم ثقافة الطفل الكويت الطبعة الاولى 1409هـ 1989م وفتاوى على الطنطاوى، دار المناره جدة السعودية ص221، تعيين أوائل الشهور القمرية بين الرؤيةوالحساب، أ.د. محمد الهواري، ص24 وما بعدها.
أ.د. عبدالله الزبير عبدالرحمن
س

الحيض في آخر نهار رمضان

فتاوى الصيام · · سأل: من كتاب «سؤالات الصائمين» — الصيام وأقضية النساء

نويت الصيام من الليل ، وأمسكت طول يومي حتى إذا بقي على الإفطار ساعة واحدة فاجأني الحيض ، فأحزنني ذلك لأنه لم يكن يبقى من الفطر إلاّ ساعة واحدة فهممت أن أكمل يومي ، هل يصحّ ذلك ؟.

جواب فضيلة الشيخ

من كمال الإيمان: الرضا بقضاء الله وقدره خيره وشرّه، ومن كمال المعرفة بالله عز وجل: الرضا بأفعاله ، وفعل الله كله خير لا شرّ فيه، وما يفعله الله بعبده المؤمن خير كله ، ومنعة كله ، ومصلحة كله ، وعدل كله ، وحكمة كله، ولهذا قال نبينا الحبي ﷺ: ( لبيك وسعديك، والخير كله بيديك ، والشرّ ليس إليك …) الحديث (1).

وهذا سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه لما قدم إلى مكة وقد كُفَّ بصره جعل الناس يُهرعون إليه ليدعو لهم – وكان مستجاب الدعوة- فجعل يدعو لهم ، قال عبد الله بن السائب : ” فأتيته وأنا غلام فتعرفت إليه فعرفني، فقلت: يا عم! أنت تدعو للناس فيشفون، فلو دعوت لنفسك لردّ الله عليك بصرك ” فتبسّم سعدٌ ثم قال : ” يا بنيَّ ! قضاء الله أحبّ إليَّ من بصري”(2).

فسعدٌ رضي الله عنه أحبّ أن يبقى كل حياته كفيفاً لا يبصر ولا يرى طالما أن الله هو الذي فعل فيه ذلك وقضى له ، والمرأة تضجر إذا أصابها المحيض لأيام من رمضان خشية القضاء ، وإنّ كان ذلك هو طبيعة الإنسان يضجر لكل ما يظهر له أنه شرّ بالنسبة إليه ، وقد حاضت عائشة وهي تريد الحجّ مع رسول الله ﷺ فدخل عليها النبي ﷺ وهي تبكي فقال لها : ( ما يبكيك ؟ ) قالت : ” والله لوددت أني لم أكن خرجت هذا العام .” قال: (مالك ! لعلك نفست ؟) قالت: نعم. قال: ( هذا شيء كتبه الله على بنات آدم…) الحديث (3).

ولو علمت المرأة ما يصيبها من أذى بحيضتها لما ترددت في الفطر، ولاستهانت بأيام القضاء مهما استطالت وامتدت وكثرت .

فقد وصل أهل العلم بوظائف الأعضاء إلى مدى تأثيرات الحيض على المرأة فعددوها فقالوا :

[1] تصاب المرأة بآلام وأوجاع في أسفل الظهر وأسفل البطن .

[2] تصاب بحالة من الكآبة والضيق ، وتكون المرأة عادة متقلبة المزاج، سريعة الاهتياج ، قليلة الاحتمال .

[3] تكون حالتها الفكرية والعقلية في أدنى مستوىً لها.

[4] يصاب بعضهن بالصداع النصفي ” الشقيقة ” قرب بداية الحيض، وتكون الآلام مبرحة ، وتصحبها زغللة في الرؤية .

[5] تصاب بفقر الدم ” الأنيميا ” الذي ينتج عن النَّزيف الشهري الدموي، لأنها تفقد ما بين [60 ـ 240 مل] .

[6] انخفاض درجة حرارتها أثناء الحيض بدرجة مئوية كاملة لأن العمليات الحيوية تكون في أدنى مستوياتها ، فيقلّ إنتاج الطاقة وعمليات التمثيل الغذائي.

[7] تصاب الغدد الصمّاء بالتغيّر فتقلّ إفرازاتها الحيوية الهامّة للجسم إلى أدنى مستوىً لها أثناء الحيض .

[8] تقلّ درجة حرارة الجسم ويبطؤ النبض، وينخفض ضغط الدم، وتصاب كثير من النساء بالشعور بالدوخة والكسل والفتور (4).

ولو أصيب رجلٌ بعشر ما تصاب المرأة الحائض وفقد ربع ما تفقده من دمه لولول وطلب إجازة من عمله وسعى إلى الرخص من الصيام والصلاة والتكاليف الشرعية. وصدق الله العظيم الذي قال:آية كريمة (5).

وعليه: فلتحمد المرأة ربها الرؤوف الرحيم أن رفع عنها الصوم مع الحيض

فمهما كان وقت حيضتها ـ صباحاً أو عصراً ـ فلتفطر ، لأن ذلك هو الأليق بحالها صحياً ونفسياً وروحياً وجسدياً ودينياً ، ولو بقي من الإفطار دقائق معدودة ، وهذا ما أجمع عليه أهل العلم (6)، فمتى ما وُجد الحيض في أي جزء من النهار فسد صوم ذلك اليوم ، وإنْ أتمّت يومها صائمة لا يجزيها ويجب عليها القضاء بلا مراء.

وهذا هو حكم النفساء أيضاً إذا نفست آخر النهار. والله تعالى أعلم..

الحواشي

  1. أخرجه مسلم في كتاب المسافرين 6/300ـ 301 ، والنسائي في كتاب الافتتاح 2/130 ـ 131 .
  2. مدارج السالكين 2/227 ، إحياء علوم الدين 4/368 .
  3. أخرجه مسلم في كتاب الحج برقم 2911 ، والبخاري في كتاب الحيض برقم 305 .
  4. يراجع : المرأة وحقوقها السياسية ، الشيخ عبد المجيد الزنداني ، ص 8- 9 (مخطوط ) نقلاً بتصرف عن: أساسيات علم وظائف الأعضاء ، د. عبد المجيد الشاعر وآخرون ، ص 374 – 385 ، وعمل المرأة في الميزان ، د. محمد علي البار ، ص 91 – 93 .
  5. سورة البقرة ، 222 .
  6. انظر : المغني 3/83 .
أ.د. عبدالله الزبير عبدالرحمن
س

ما على الحامل والمرضع إذا أفطرتا؟

فتاوى الصيام · · سأل: من كتاب «سؤالات الصائمين» — الصيام وأقضية النساء

إذا كان الشرع رخّص للحامل والمرضع في الفطر، فأخذت إحداهن بهذه الرخصة فأفطرت، ربما تتكاثر عليها شهور رمضان بسبب فطرها بين أن تكون حاملاً وبين أن تكون مرضعاً؟ فماذا عليها لو أفطرت رمضان؟ هل عليها القضاء ولو كثرت أيام قضائها؟ أم عليها الإطعام؟ .

جواب فضيلة الشيخ

إذا أفطرت الحامل بسبب حملها، والمرضع بسبب إرضاعها لوليدها هل تقضيان ما أفطرتا ؟ أم تفديان (فدية طعام مسكين) ؟ أم الاثنين معاً (القضاء والإطعام) ؟:

للعلماء في هذه المسألة سبعةُ أقوال :

القول الأول: أنهما تقضيان وتطعمان وجوباً، إنْ خافتا على ولديهما، وإنْ خافتا على نفسيهما أو نفسيهما مع ولديهما تقضيان ولا تطعمان، وهذا مذهب الحنابلة ومشهور مذهب الشافعية وبه يقول سفيان ورواية عن مجاهد(1).

والقول الثاني: أنهما تقضيان فقط ولا إطعام عليهما ، وهو مذهب الأحناف، جاء في المختار للموصلي: ” والحامل والمرضع إذا خافتا على ولديهما أو نفسيهما أفطرتا وقضتا لا غير”(2). وهو قول الأوزاعي وأبي عبيد وأبي ثور(3).

والقول الثالث: التفريق بين الحامل والمرضع، فالحامل تقضي ولا تطعم، والمرضع تقضي وتطعم، وهو مشهور مذهب المالكية. ففي المدونة: ” أرأيت الحامل والمرضع إذا خافتا على ولديهما فأفطرتا؟ قال: ” تطعم المرضع وتفطر وتقضي إنْ خافت على ولدها.. قال ابن القاسم: “وقال مالك في الحامل: لا إطعام عليها ولكن إذا صحّت قويتْ قضتْ ما أفطرت. قلت: ما الفرق بين الحامل والمرضع؟ فقال: لأن الحامل هي مريضة، والمرضع ليست بمريضة”اهـ(4).

والقول الرابع: أن المرضع إذا خافت أفطرت وأطعمت، والحامل إذا خافت على نفسها أفطرت وقضت كالمريض، وهو مذهب الحسن البصري في رواية يونس بن عبيد (5).

والقول الخامس: أنهما إنْ أفطرتا فهما بالخيار، تفطران وتطعمان ولا تقضيان، وإنْ شاءتا قضتا ولا إطعام عليهما، وهو قولٌ لإسحاق(6).

والقول السادس: أنهما إنْ أفطرتا خوفاً على الجنين والرضيع؛ لا شيء عليهما، لا قضاء وإطعام، وهو مذهب ابن حزم الظاهري، قال رحمه الله في المحلى: ” إنْ خافت المرضِع على المرضَع قلّة اللبن وضيعته لذلك ولم يكن له غيرها، أو لم يقبل ثدي غيرها، أو خافت الحامل على الجنين، أو عجز الشيخ عن الصوم لكبره؛ أفطروا ولا قضاء عليهم ولا إطعام” مستدلاً على عدم وجوب القضاء والإطعام بأنّ “إيجاب القضاء عليهما شرع لم يأذن الله تعالى به ولم يوجب الله تعالى القضاء إلا على المريض والمسافر والحائض والنفساء ومتعمد القيء فقط”(7).

والقول السابع: أنّ فرضهما الإطعام، ولا قضاء عليهما ، وهو مذهب أجلاء الصحابة رضوان الله عليهم ابن عباس وابن عمر وهو قول لمالك حكاه عنه ابن وهب، كما جاء في المدونة: ” قال ابن وهب: وقد كان مالك يقول في الحامل: تفطر وتطعم، ويذكر أنّ ابن عمر رضي الله عنهما قاله(8)، ونسب هذا القول إلى الإمام الشافعي رحمهم الله في قولٍ له(9).

والراجح الصحيح هو ما اتفق عليه الصحابيان الجليلان ابن عباس وابن عمر ، ثم ووافقهما عليه جلة من أئمة الفتوى من التابعين، منهم: سعيد بن المسيب، وسعيد بن جبير، والقاسم بن محمد، وعطاء، ومجاهد، وطاووس، وعكرمة، وإبراهيم النخعي، والسدّي، وغيرهم(10).

وعليه : فالحامل والمرضع تفطران وتطعمان ولا قضاء عليهما، إنْ أفطرتا، وإنما عليهما فقط الإطعام ، تطعم كل واحدة منهما عن كل يوم مسكيناً مداً من حنطة، ويجوز القيمة مكان العين على ما رأت كثير من المجامع الفقهية وهيئات الإفتاء في هذا العصر.

ويحسن أنّ نفصل بحسب أحوال الحوامل والمرضعات:

1ـ من انقطع حملها بولد أو ولدين، يستحب لها قضاء ما أفطرته من رمضان بسبب الحمل والرضاعة. والورع يقتضيها أن تصوم ما أفطرته لأن ما عليها مما لا يشقّ عليها، مع بقاء حكمها في الإطعام.

2ـ من تتابع حملها وتوالى إرضاعها سنين عديدة، وتكاثرت عليها أيام رمضان مما أفطرتها، ثم انقطعت عن الحمل والولادة والرضاعة؛ فمن المستحب في حقها أن تكثر من نوافل الصوم وتطوعاته ما أمكن، رغبة في الطاعة وتعظيماً للشعيرة وتحصيلاً لفضل الصوم.

كل هذا مع أن فرضهما الإطعام ولا يلزمهما القضاء، بل عليهما فقط الإطعام لا القضاء..

وترجيح أنّ الذي عليهما الإطعام من غير قضاء: يظهر من عشرة وجوه شرعية ناصعة الدلالة على المطلوب:

الوجه الأول:

قوله تعالىآية كريمة (11). فجماهير العلماء على أنّ هذه الآية محكمة في الشيخ والعجوز والحامل والمرضع وغير منسوخة، وهو قول ابن عباس وابن عمر وعائشة ومجاهد وعطاء وسعيد بن جبير وعكرمة وجماعة من التابعين. وهي صريحة في أنّ حكم هؤلاء الأربعة؛ الفدية والإطعام لا القضاء، ومعنى آية كريمة يطيقونه بجهد ومشقة مضرّة، أي يشقّ عليهم ويضرّ بهم، فجُعلت عليهم الفدية (12).

قال ابن عباس رضي الله عنهما: ” هي ( أي الآية ) مثبتة للكبير والمرضع والحامل وعلى الذين يطيقون الصيام” ..

وقال سعيد بن المسيب رحمه الله عن معنى الآية: ” هو الكبير الذي كان يصوم فكبر وعجز عنه، وهي الحامل التي ليس عليها الصيام، فعلى كل واحد منهما طعام مسكين، مدّ من حنطة لكلّ يوم حتى ينقضي رمضان”.

وقال السدّيّ رحمه الله: ” أما الذين يطيقونه فالرجل كان يطيقه وقد صام قبل ذلك ثم يعرض له الوجع والعطش أو المرض الطويل، أو المرأة المرضع لا تستطيع أن تصوم، فإن أولئك عليهم مكان كلّ يوم إطعام مسكين”(13).

حتى من رأى أنها منسوخة، أثبت حكم الفدية بالإطعام دون القضاء للحامل والمرضع، مثل عكرمة وقتادة ..

ـ قال عكرمة رحمه الله: ” كان الشيخ والعجوز لهما الرخصة أن يفطرا ويطعما بقوله: آية كريمة فكانت لهم الرخصة ثم نسخت بهذه الآية:آية كريمة فنسخت الرخصة عن الشيخ والعجوز إذا كانا يطيقان الصوم، وبقيت للحامل والمرضع أن يفطرا وتطعما.

ـ وقال همام بن يحيى : “سمعت قتادة ، يقول في قوله: آية كريمة:” كان فيها رخصة للشيخ الكبير، والعجوز الكبيرة وهما يطيقان الصوم أن يطعما مكان كل يوم مسكيناً، ويفطرا، ثم نسخ ذلك بالآية التي بعدها فقال: آية كريمة إلى قوله: آية كريمة فنسختها هذه الآية فكان أهل العلم يرون ويرجون الرخصة قد ثبتت للشيخ الكبير، والعجوز الكبيرة، إذا لم يطيقا الصوم أن يفطرا ويطعما عن كل يوم مسكيناً، وللحبلى إذا خشيت على ما في بطنها، وللمرضع إذا ما خشيت على ولدها”(14).

ـ وحتى ما روي عن ابن عباس في نسخها فإنه أثبتها في الشيخ والعجوز والحامل والمرضع، قال رضي الله عنهما: ” كان الشيخ الكبير، والعجوز الكبيرة، وهما يطيقان الصوم رخص لهما أن يفطرا إن شاءا، ويطعما لكل يوم مسكيناً، ثم نسخ ذلك بعد ذلك:آية كريمة وثبت للشيخ الكبير، والعجوز الكبيرة إذا كانا لا يطيقان الصوم، وللحبلى والمرضع إذا خافتا”اهـ(15).

فعلى القول بإحكام الآية دخلت الحامل والمرضع، وعلى القول بالنسخ احتملتهما الآية، فترجّح أن حكمهما الإطعام لا القضاء.

بل إنّ مقصود كثير من السلف بالنسخ هو التخصيص كما يقول القرطبي رحمه الله في دعوى نسخ هذه الآية: “يحتمل أن يكون النسخ هناك بمعنى التخصيص، فكثيراً ما يطلق المتقدمون النسخ بمعناه” (16).

وما يزيد هذا الوجه نصاعة ونصاحة: أنّ تفسير ابن عباس لهذه الآية تفسير صحابيٍّ له تعلّقٌ بسبب النُّزول، ومعروفٌ عند أهل الحديث وأهل علوم القرآن والتفسير أن تفسير الصحابي الذي له تعلّق بسبب النّزول له حكم الرفع(17).

حتى لو عارض تفسيره تفسير صحابي آخر؛ قُدِّم تفسيره على تفسير غيره ـ كما هو مقرر عند أهل العلم ـ، قال الزركشي رحمه الله: “إن تعارضت أقوال جماعة من الصحابة، فإن أمكن الجمع فذاك، وإن تعذر؛ قُدِّم ابن عباس رضي الله عنهما، لأنّ النبي ﷺ بشّره بذلك حيث قال: (اللهم علمه التاويل)”(18).

الوجه الثاني:

أنّ حديث الحامل والمرضع يجعل حكمهما إذا أفطرتا الإطعام دون القضاء، فقد أخرج أهل السنن وغيرهم عن أنس بن مالك الكعبي رضي الله عنه أنه قال: “أغارت علينا خيل رسول الله ﷺ فأتيت رسول الله ﷺ فوجدته يتغدَّى، فقال: ( اُدْنُ فكل) فقلت: إني صائم فقال: (اُدْنُ أحدثك عن الصوم أو الصيام، إنّ الله تعالى وضع عن المسافر الصوم وشطر الصلاة وعن الحامل أو المرضع الصوم أو الصيام)(19). وفي رواية عند النسائي: ( إِنَّ اللَّهَ وَضَعَ عَنِ الْمُسَافِرِ شَطْرَ الصَّلاَةِ وَالصِّيَامَ، وَعَنِ الْحَامِلِ وَالْمُرْضِعِ )(20). وفي رواية لأحمد وابن ماجة: (إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ وَضَعَ عَنِ الْمُسَافِرِ شَطْرَ الصَّلاَةِ، وَعَنِ الْمُسَافِرِ وَالْحَامِلِ أَوِ الْمُرْضِعِ الصَّوْمَ)(21).

ووجه الدلالة من الحديث: أنّ النبي ﷺ أخبر عن الله تعالى أنّه وضع عن المسافر أمرين هما الصوم وشطر الصلاة، وأنّه وضع عن الحامل والمرضع الصوم، وعند التأمّل والتدقيق نجد أنه ﷺ عبّر بعبارة (وضع عن)، وعبارة وضع عن تعني الإسقاط بلا مطالبة بقضاء ولا إعادة:

ـ فقول الناس: وضع عنه الدين: أسقطه عنه بلا مطالبة ولا إعادة..

ـ وقول الله تعالى آية كريمة(22). أي أسقط وأبعد عنهم ذلك كله في دينه عليه الصلاة والسلام، فلا إصر ولا أغلال ولا مشقات ولا تكاليف ثقال، كلها قد رفعت وأسقطت في دينه الحنيف السمح السهل ﷺ.

ـ وقوله تعالىآية كريمة (23).أي حططنا عنك الذي سلف منك في الجاهلية على ما قال الحسن وقتادة والضحاك ومقاتل(24).

ـ وقوله ﷺ كما في صحيح مسلم: « مَنْ أَنْظَرَ مُعْسِرًا أَوْ وَضَعَ عَنْهُ أَظَلَّهُ اللَّهُ فِى ظِلِّهِ»(25). والإنظار تأجيل المطالبة، بينما الوضع عنه الإسقاط كلياً بلا مطالبة.

ـ وقوله ﷺ في حديث أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه: ( إِنَّ اللَّهَ وَضَعَ عَنْ أُمَّتِي مَا حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسَهَا، مَا لَمْ تَعْمَلْهُ، أَوْ تَكَلَّمْ بِهِ) (26). ولهذا أورد البيهقي كلام الإمام الشافعي مستفيداً من هذا الحديث في باب من عقد النكاح مطلقاً لا شرط فيه، قال: “فالنكاح ثابت وإن كانت نيتهما أو نية أحدهما التحليل، قال الشافعى رحمه الله : لأن النية حديث النفس وقد وضع عن الناس ما حدثوا به أنفسهم”(27).

ـ وكما جاء عنه ﷺ في سنن الدارمي أنه قال: (إن الله قد وضع عن الجاهلية ما عملوا فاستأنف عملك)(28). مغفرة وحطّاً..

ـ وفي صحيح البخاري أَنَّ كَعْبَ بْنَ مَالِكٍ تَقَاضَى ابْنَ أَبِي حَدْرَدٍ دَيْنًا لَهُ عَلَيْهِ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي الْمَسْجِدِ فَارْتَفَعَتْ أَصْوَاتُهُمَا حَتَّى سَمِعَهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ وَهُوَ فِي بَيْتِهِ فَخَرَجَ إِلَيْهِمَا رَسُولُ اللهِ ﷺ حَتَّى كَشَفَ سِجْفَ حُجْرَتِهِ وَنَادَى كَعْبَ بْنَ مَالِكٍ قَالَ يَا كَعْبُ قَالَ لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللهِ فَأَشَارَ بِيَدِهِ أَنْ ضَعِ الشَّطْرَ مِنْ دَيْنِكَ قَالَ كَعْبٌ قَدْ فَعَلْتُ يَا رَسُولَ اللهِ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: (قُمْ فَاقْضِهِ)(29).أي الشطر الباقي.

ـ وروي عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه :كان يذهب إلى العوالي كل يوم سبت، فإذا وجد عبداً في عمل لا يطيقه وضع عنه منه (30). دونما مطالبة له بعد ذلك.

ـ وفي خبر ابن عباس رضي الله عنهما أَنَّ عُمَرَ رضي الله عنه أُتِيَ بِمَجْنُونَةٍ قَدْ زَنَتْ، وَهِيَ حُبْلَى، فَأَرَادَ رَجْمَهَا، فَقَالَ لَهُ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ رضي الله عنه: ” أَمَا بَلَغَكَ أَنَّ الْقَلَمَ قَدْ وُضِعَ عَنْ ثَلاَثَةٍ: عَنِ الْمَجْنُونِ حَتَّى يُفِيقَ، وَعَنِ الصَّبِيِّ حَتَّى يَعْقِلَ، وَعَنِ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ”(31).

ففي كل هذا أريد بعبارة ” وضع عن” الإسقاط بلا مطالبة، فالمجنون لا يطالب بفعل واجب ولا بترك محرم، والصبي لا يؤاخذ ولا يطالب بشيء في الشرع وجوباً، إلا النائم يطالب بقضاء ما فاته بنومه، وذلك لخصوص النصّ الوارد فيه في بعض الأمور كالصلاة، وقد جاء النص فيه باستثنائه بقوله ﷺ : ( من نام عن صلاة فليصلها إذا ذكرها )(32).

إذنْ معنى ” وضع عن” في استعمال الشرع الإسقاط بلا مطالبة ولا إعادة، وفي ضوء ذلك نقرأ الحديث فنجد النبي ﷺ أخبر أن الله تعالى وضع عن المسافر الصوم وشطر الصلاة، ولكن الصوم يطالب بقضائه بعد رجوعه من سفره، والذي وضعه عنه بالإسقاط دون مطالبة: شطر الصلاة، وكأنّ ذكر الصوم كان تبعاً لما وضع عنه، لأنه لا إسقاط فيه بل فيه المطالبة بالقضاء.

وحتى لو ذُكر أصالة فالإلحاق بالمسافر بدلالة الاقتران، وهي من أضعف الدلالات على الأحكام عند أهل الفقه والأصول.

وعليه يكون المراد: إلحاق الحامل والمرضع بالمسافر في إسقاط المطالبة بقضاء ما أفطرتاه من رمضان بسبب الحمل والرضاع، كما أسقطت المطالبة بشطر الصلاة عن المسافر بسبب السفر، لأن معنى ” وضع عن” في استعمال الشرع هو الإسقاط عن المطالبة لا بقضاء ولا بإعادة إلا بدليل خاص، ولا دليل على ذلك.

الوجه الثالث:

أنّ الأصل في أحكام الصيام أنها مبنية على التيسير ، وقد قال تعالىآية كريمة (33)، وأنّ القاعدة الشرعية (المشقة تجلب التيسير) فالتيسير يجلب عند المشقة، والمشقة حاصلة للحامل والمرضع فوق مشقة الصائمين وزيادة على حالهم، والتيسير يقتضي التخفيف، والتخفيف لا يكون بإيجاب القضاء عليها ، لأن الحمل ليس أياماً معدودات، ولا الرضاعة يوم واحد أو أياماً معدودة. ولا الحمل أو الرضاعة مرة أو مرتين في حياتها الزوجية، وعليه فالقول بالقضاء قضاء بالتعسير وإفتاء بإدخال المشقة والعسر، والله يريد اليسر ولا يريد العسر.

وهذا الأصل مما بنى عليه ابن عباس وأنس بن مالك وعطاء ومجاهد وطاووس وعكرمة أنّ كلّ من لم يطق الصوم إلا بجهد ومشقة مضرّة به فله أن يفطر ويفتدي. وقد نقل عنهم ابن عبد البر أنهم قالوا:” كلّ من طاق الصوم فلا مشقة تضرّ به؛ فالصوم واجب عليه، وكلّ من لم يطق الصوم إلا بجهد ومشقة مضرة به؛ فله أن يفطر ويفتدي لقول الله آية كريمة (34) قالوا: وذلك في الشيخ الكبير، والعجوز، والحامل، والمرضع، الذين لا يطيقون الصيام، إلا بجهد ومشقة خوفاً على الولد. ذهب إلى هذا جماعة من العلماء منهم: أنس بن مالك، وابن عباس في رواية، وعطاء، ومجاهد، وطاووس، وعكرمة”(35).

الوجه الرابع:

أنّ المرأة إذا تزوجت وصارت تحمل وترضع، فالغالب فيها أنها لا تنقطع أبداً في حياتها عن أحد الحالين، فهي في كل أيام السنة إما مرضع وإما حامل، فمتى تقضي؟!!..

ـ فإنّها إذا دخل عليها شهر رمضان وكانت حاملاً، يرخّص لها أن تفطر رمضان هذا العام، فإذا دخل رمضان من العام المقبل كانت مرضعاً، فتفطر للرضاع، فيأتي رمضان الثالث وهي لا تزال مرضعاً فتفطر للرضاع، فإذا جاء رمضان من العام الرابع غالباً تكون حاملاً فتفطر للحمل، فإذا أتى رمضان الخامس والسادس كانت مرضعاً في الغالب فتفطر للرضاع، فإذا دخل رمضان من العام السابع كانت حاملاً فتفطر للحمل، فيأتي عليها رمضان من العام الثامن والتاسع وهي مرضع فتفطر فيهما للرضاع، وهكذا يدخل عليها رمضان ويقبل عليها الآخر وهي إما حامل وإما مرضعٌ فتفطر، فلو كان القضاء واجباً عليها؛ لزمها أن يكون عليها صيام سنة أو أقل أو أكثر، لأنها في الغالب تحمل وترضع عشر سنين، أو اثني عشر عاماً، أو خمسة عشر عاماً، وهذا في النساء الحوامل المراضع كثير، فهل يتصوّر أن تكون شريعتنا السمحة السهلة متشوفة إلى إلزامها بقضاء أربعمائة يوم أو ثلاثمائة يوم أو أكثر أو أقل بقليل؟!!. لأنها تحمل تسعة أشهر وترضع عامين غالباً هذا بعيد في الشريعة بلا ريب.

وهذا هو الواقع، فكثير من الأمهات يسألننا يقلن: كيف نقضي ما علينا من صيام، حيث أفطرنا سنين عديدة وما تمكنّا من القضاء بسبب أننا أفطرنا على التوالي والتتابع إما بالحمل وإما بالرضاعة، فصار علينا صوم عشرة أشهر أو أثنا عشر شهراً أو خمسة عشر شهراً..

فمن يرى وجوب القضاء عليها فلا سبيل له إلا أن يأمرها بالقضاء، وهذا حمل الناس على ما لا يطيقون، والتكليف بما لا يطاق محال في الشرع، كما اتفق أهل الأصول والفقه عليه. فلا يجوز حمل الناس ما لا يطيقون.

فلا سبيل إلا أن نفتيها بالفدية طعامِ مسكينٍ عن كل يوم، تصحيحاً لحالها.

الوجه الخامس:

كثيرٌ من النساء يسألننا عن حكم ما أفطرنه من صيام رمضان بسبب الحمل أو الرضاعة، وقد تكاثرت عليهن أيام القضاء..

ـ فتقول إحداهن: توالى عليَّ الحمل والرضاعة فلم أصم عشر سنوات، فكان عليها ثلاثمائة يوم..

ـ وتقول الأخرى: أفطرت بسبب الحمل والرضاعة المتتالية اثني عشر عاماً. فكان عليها ثلاثمائة وستون يوماً..

ـ وتقول الثالثة: أفطرت حين علمت أن الفطر مرخص لي بسبب الحمل والرضاعة، ولم تنقطع ولادتي وحملي وإرضاعي خمسة عشر عاماً أفطرت فيها جميعاً وأريد أن أعرف حكم حالي.فكان عليها أربعمائة وخمسون يوماً..

ـ وأعرف امرأة تزوجت وعمرها أحد عشر عاماً فبدأت الولادة في عمر الثانية عشرة ولم تتوقف عن الولادة والإرضاع حتى بلغت الخامسة والأربعين، فيكون عليها ثلاثة وعشرون شهراً بمجموع ستمائة وتسعين يوماً قد يقلّ أياماً لاحتمال كون الشهر تسعة وعشرين!!؛؛..

هذه وتلك لو ألزمناهن بالقضاء؛ فلا شك أننا نكون قد كلفناهن بما لا تستطيعه أية واحدة منهن، وبالتالي يترتب على إلزامهن بالقضاء مع العلم بعدم قدرتهن واستطاعتهن على امتثاله وفعله كثيرٌ من المفاسد والمضار التي يدرءُ الشرع ما هو أقل منها، من تلك المفاسد:

1ـ أنها لن تلتزم بالقضاء، نعم ربما تقضي بعضها، ولكن ستتوقف عن الاستمرار لا محالة، ولا يجوز لأحد أن يأمر بما لا يستطاع فعله ولا أن ينهي أحداً عما لا يستطاع تركه، وفي القرآنآية كريمة.. وأجاب تعالى طلب أخيار الأمة آية كريمة (36) .. فقال تعالى ( قد فعلت ) (37).

فإنْ كان الله ربنا رحم عباده أنْ لا يحمّلهم ما لا طاقة لهم به؛ فهل يحق لنا أن نحمّلهم نحن؟!!..

2ـ الكثير منهن سيجدن شعوراً في أنفسهن بقساوة الشرع، وهو السمح الحنيف، وهذا أخطر بكثير من ذنب الترك وأكبر كبيرة، وهو تنفير في الدين وإساءة إلى الشرع، ولا شك أنه أعظم من عدم الصوم..

3ـ أنّ غيرهن حين يسمعن أن عليها إذا أفطرت بسبب الحمل والرضاعة ستلجأ إلى حيلة عدم الحمل أو إيقافه بعد حمل أو حملين، وهذا من المفاسد العظيمة، وقد حثّ الشرع على طلب الولد والسعي إليه والتكاثر فيه لإكثار الأمة والله تعالى يقول في آيات الصيام آية كريمة (38). والرسول ﷺ يدعو إلى التوالد والتكاثر في الأمة حاثاً لنا عليه الصلاة والسلام يقول: « تزوجوا الودود الولود فإنى مكاثر بكم الأمم»(39).

4ـ أنها ستخاف من عدم القضاء فتلجأ إلى الامتناع عن إرضاع وليدها الذي يحتاج إلى لبنها ولا حيلة له في الاغتذاء إلا من ثديها الرضاعة الكاملة بل ربما حتى الرضاعة الضرورية، فتخاف على صيامها بدل أن تخاف على ولدها، فانعكس مقصود الشرع وانقلب، فإنما شرع الله الرخصة لها لحق الجنين والرضيع، وخوفاً على تضرره وضياعه بسبب الصوم، فرفع وجوب الصوم عن الحامل من أجل جنينها وعن المرضع من أجل رضيعها، وهؤلاء يجعلون المرأة تهدر حق الجنين والرضيع لأجل الصوم، فانعكس المقصود وانقلب المطلوب، فدخلت المضرة في الدين والأنفس.

5ـ أن المرأة الحامل أو المرضع ستجد الحرج الشديد في الفطر وإنْ خافت على ولدها أو نفسها، فتشعر بالتأثمّ، وتكره الرخصة لما يترتب عليها من مشقة القضاء، فنكون قد قضينا وأفتينا بما يناقض محبوب الله، ومحبوبه جلّ وعلا أنْ تؤتى رخصه كما تؤتي عزائمه(40)، كذلك نكون قد أدخلنا الحرج في الدين، والحرج منفي عنه والله تعالى يقولآية كريمة (41).

كلّ هذه المفاسد ربما كانت أعظم ضرراً وأخطر شراً من معصية الفطر، مع وجود قولٍ للإطعام دون القضاء له من الشرع ما يدلّ على صحته بل وقوته، فكان الأولى والأرجح الأخذ به.

الوجه السادس:

أنّ المنطق الفقهي لا يستقيم مع إيجاب القضاء عليها مع قيام سبب الرخصة، فهل يستقيم فقهاً أنْ يكون صيام شهر رمضان ليس واجباً على الحامل بسبب كونها حاملاً، وعلى المرضع بسبب كونها مرضعاً ثم يجب على الحامل القضاء وعلى المرضع القضاء؟ والسبب الذي من أجله رُخِّص لها في الأداء قائم عند إلزامها بالقضاء؟ فهذا لا يستقيم فقهاً بحال، كيف نأمر الحامل أو المرضع بالقضاء وهي حامل أو مرضع، لأننا مهما أمرناها بالقضاء فسيكون سبب الرخصة قائماً فيها ما دامت حاملاً أو مرضعاً.

الوجه السابع:

أنّ بعض أئمة الفقه جعلوا الحامل والمرضع من المرضى، وأعطوهما حكم المريض إذا أفطر، وهو القضاء..

فهذا الإمام مالك رحمه الله بعد أن نقل ما بلغه عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما في الحامل وأنه قال: ” تفطر وتطعم مكان كل يوم مسكيناً..” قال: ” وأهل العلم يرون عليها القضاء كما قال الله :آية كريمة ويرون ذلك مرضاً من الأمراض مع الخوف على ولدها”(42).

وفي المدونة لما سأله ابن القاسم: ما الفرق بين الحامل والمرضع؟ فقال: لأن الحامل هي مريضة، والمرضع ليست بمريضة”اهـ(43).

فهو يرى أن الحمل مرضٌ.

ولما سئل الإمام الأوزاعي رحمه الله عنهما قال: ” الحمل والرضاع عندنا مرضٌ من الأمراض، تقضيان ولا إطعام عليهما”(44).

وقال الشيرازي في المهذب: ” فإن خافت الحامل والمرضع على أنفسهما أفطرتا وعليهما القضاء دون الكفارة، لأنهما أفطرتا للخوف على أنفسهما فوجب عليهما القضاء دون الكفارة كالمريض” (45).

فهؤلاء وغيرهم يرون أن الحمل والرضاع مرضٌ من الأمراض..

وجعل الحمل والرضاع مرضاً غير صحيح، بل هو مناقض للحقيقة والواقع، فإنّ الحمل والرضاع حالة صحة يتمناها كثير من الأزواج، والصحيح المطابق للحقيقة والواقع أنّ عدم الحمل هو المرض وعدم الرضاع هو المرض، وليس الحمل والرضاع، فكم ممن لم تحمل نساؤهم يطلبون العلاج يترددون على الأطباء يهاجرون في طلب الحمل وعلاج عدم الحمل من بلد إلى بلد، من الخرطوم إلى القاهرة إلى عَمَّان إلى برلين إلى لندن إلى نيويورك، ينفقون في سبيل حصوله الغالي والنفيس، ولو بطريق الأنبوب أو اللقاح الاصطناعي أو غير ذلك!! فكيف يطلب الحمل بكل هذه الطرق ويكون مرضاً ؟!. فهل عاقل في الأرض يطلب المرض بماله وجهده وهمّه وبما هو غالٍ ونفيس؟؟!!.

فثبت أن الحمل عافية وصحة وليس مرضاً.

كذلك جفاف اللبن وعدم تمكن الأم من إرضاع وليدها نوع من المرض وليس الإرضاع وامتلاء الضرع باللبن واغتذاء الوليد من لبن أمه هو المرض!!.

وعليه: فجعل الحمل والرضاع مرضاً مناقضٌ للحقيقة والواقع، فلا يجوز أن يُجعل حكم المريض هو حكم الحامل والمرضع.

وهذا أقوى حجة لموجبي القضاء على الحامل والمرضع وقد بان وهنه وضعفه.

ويظهر أنّ من حَكَمَ على الحمل والرضاع أنه مرضٌ؛ لأنّ الحامل تظهر عليها بعض الأعراض الشبيهة بأعراض المرض، ولكن ظهور بعض أعراض المرض لا يجعل الشخص مريضاً، لأن عرض المرض ليس هو المرض، ومعروف عند الأطباء وأهل المعرفة بالأمراض أنّ الصداع مثلاً عرض وليس مرضاً، فيبحثون عن سببه، وكذلك الغثيان ، فحين نبحث عن سبب العرض فربما نجده المرض وربما نجده الحمل وربما نجده الكبر والشيخوخة، وعليه: فالحمل والشيخوخة ليسا من الأمراض، وإنما هما قسيم المرض في إظهار الأعراض، فدلّ أنّ الحمل والشيخوخة ليسا مرضاً في الحقيقة، وما جانف حقيقة الشيء لا يعطى حكمه.

الوجه الثامن:

أنّ الله تعالى وصف الحمل بصفتين، هما: كونه وهناً على وهن، كما قال تعالى آية كريمة (46).. وكونه كرهاً كما قال تعالىآية كريمة (47)، ولو بحثنا عن هذين الوصفين أين يكثران ويغلبان، هل يغلبان في المريض الذي فرضه القضاء، أم يغلبان على الكبير والعجوز الَّذَيْنِ فرضهما الفدية؟. نجد أنهما وصفان يغلبان على الكبير والعجوز، وبيان ذلك على ما يلي:

أولاً: وصف الحمل بقوله تعالى آية كريمةكما في قول سيدنا زكريا عليه السلام آية كريمة (48).. وهو في معنى قولهآية كريمة (49). فالوهن وصف لأحوال الكبر العتيّ الذي يكون عليه الشيخ الفاني والمرأة العجوز، وهو الضعف والخور والجهد والمشقة وقلة الطاقة على تحمل شيءٍ، وهذه الأحوال هي التي تعتري حمل المرأة، “إذ يقارنه التعب من ثقل الجنين في البطن، والضعف من انعكاس دمها إلى تغذية الجنين، ولا يزال ذلك الضعف يتزايد بامتداد زمن الحمل فلا جرم أنه وهن على وهن” (50).

والعجيب!! أنّ أحد الشيوخ من فقهاء بلدنا لما عرضت عليه هذا الوجه زادني يقيناً من صحة إلحاق الحامل بالكبير والعجوز، بأنّ العلاقة بين وهن العظم من الكبير ووهن الحامل من الحمل، أنّ الحمل يسبب لأكثر الحوامل هشاشة العظام، كما أن الكبر يسبب لمن بلغ الشيخوخة هشاشة العظام.

وفيما قاله قتادة في معنى وهن العظم من سيدنا زكريا عليه السلام أنه سقوط أضراسه(51)، ومعروف مشاهدٌ أن أكثر الحوامل يفقدن أسنانهنّ وأضراسهنّ بكل حمل.

فتأكّد الشبّه بينهما وتوافقا في مدلول الوهن وحقيقته.

هذا؛ وقد رجعت إلى قول أربعين من أئمة التفسير لمعنى الوهن في هاتين الآيتين، فوجدتهم قد جعلوا معنى الوهن: الضعف والمشقة والخور والرقة ونقصان القوة وقلّة الطاقة، ولم يذكر أحدهم بأن الوهن هو المرض، ومن هؤلاء: ابن عباس، وسعيد بن جبير، ومجاهد، ومقاتل، وقتادة، وعطاء، والطبري، والقرطبي، وابن كثير، والبغوي، والطبراني، والشوكاني، والقاسمي، والرازي، وأبو حيان، وابن عاشور، والبيضاوي، والسمعاني، والزمخشري، وابن عادل، والماوردي، والنسفي، والآلوسي، وابن الجوزي، والنحّاس، والشنقيطي، والجزائري، والخطيب، والزحيلي، وابن عطية، وابن جزي الكلبي، والسمين الحلبي، وابن كيسان، والثعالبي، والخازن، والمراغي، والواحدي النيسابوري، والشعراوي، والجلال المحلي، والجلال السيوطي في الجلالين..!!!. فهؤلاء أربعون مفسراً لم يذكر واحد منهم بأن الوهن هو المرض.

إذَنْ: فوصف الحمل بأنه وهنٌ على وهنٍ يجعل حال الحامل أقرب إلى الشيخ والعجوز، وحكم الشيخ والعجوز إذا أفطرا في رمضان الفدية والإطعام لا القضاء.

وليست الشيخوخة مرضاً، ولقد رأيت من شيوخنا الأخيار المحبين للطاعة ممن وهب وقته وعلمه وماله في خدمة الدعوة والدين مَنْ يفطر في رمضان وهو ممارس عمله الدعوي والعلمي، لا يغيب عن مجلس علم ولا هيئة فتوى، ولا يتأخر عن التكليفات العلمية والعلاقات الاجتماعية، مع كل ذلك رأيتهم يفطرون في رمضان بأنهم بلغوا من العمر عتياً، ولا يشكون مرضاً فيما علمنا، نسأل الله لنا ولهم حسن العاقبة والخاتمة.

فترجّح أن حقّ الحامل والمرضع أن يلحقا بالشيخ الكبير والمرأة العجوز لما في الكلّ من الوهْن.

ثانياً: وصف الحمل بالكُره في قوله تعالى آية كريمة:

والكُره وصف يتوافق ويتطابق مع الوهن، على ما جاء عن المفسرين، والمعنى عندهم: أن الكُره بالضمّ هو المشقة التي تحتملها الحامل من غير أن تكلفها، فتمضي عليها بمعاناة المشاق ومقاساة الشدائد لأجل الولد مما يوجب للأم مزيد العناية وأكيد الرعاية. وقد وقفت على تفسير هذه الآية مما يربو على عشرين تفسيراً، لم أجد واحداً منهم ذكر أن الكُره الذي وصف به الحمل والوضع هو المرض، وهم: مقاتل، والحسن، وقتادة، والطبري، ومجاهد، وابن زمنين، والقرطبي، والشوكاني، والقاسمي، وابن عاشور، وابن جزي، والبيضاوي، وابن عادل في اللباب، والماوردي في النكت، والآلوسي في روح المعاني، والشنقيطي في أضواء البيان، وأبو السعود، والرازي، والمراغي، والزحيلي، وابن كثير، والسيوطي، والمحلي في الجلالين.

فاتفق هؤلاء الأئمة الأربعة والعشرون وغيرهم على أنّ الكُره يعني المشقة والتعب وما يترتب عليها من المعاناة والمقاساة.

وحقيقة الكُره في الحمل والولادة يصوّرها ابن عمر رضي الله عنهما كما ورد في الأدب المفرد من خبر أبي بردة أنه شهد ابن عمر رجلاً يمانياً يطوف بالبيت حمل أمه وراء ظهره يقول:

إني لها بعيرها المذلل إن أذعرت ركابها لم أذعر

ثم قال: يا ابن عمر! أتراني جزيتها؟ قال: “لا ولا بزفرة واحدة” (52).

كما يصوّر حالة الكُره في الحمل والوضع الأستاذ سيد قطب رحمه الله قائلاً: “يصور القرآن هنا تلك التضحية النبيلة الكريمة الواهبة التي تتقدم بها الأمومة، والتي لا يجزيها أبداً إحسانٌ من الأولاد مهما أحسنوا القيام بوصية اللّه في الوالدين :آية كريمة.. وتركيب الألفاظ وجرسها يكاد يجسم العناء والجهد والضنى والكلال:آية كريمة.. لكأنها آهة مجهد مكروب ينوء بعبء ويتنفس بجهد، ويلهث بالأنفاس! إنها صورة الحمل وبخاصة في أواخر أيامه، وصورة الوضع وطلقه وآلامه! ويتقدم علم الأجنة فإذا به يكشف لنا في عملية الحمل عن جسامة التضحية ونبلها في صورة حسية مؤثرة ..

إن البويضة بمجرد تلقيحها بالخلية المنوية تسعى للالتصاق بجدار الرحم. وهي مزودة بخاصية أكالة. تمزق جدار الرحم الذي تلتصق به وتأكله فيتوارد دم الأم إلى موضعها ، حيث تسبح هذه البويضة الملقحة دائما في بركة من دم الأم الغني بكل ما في جسمها من خلاصات وتمتصه لتحيا به وتنمو. وهي دائمة الأكلان لجدار الرحم. دائمة الامتصاص لمادة الحياة. والأم المسكينة تأكل وتشرب وتهضم وتمتص، لتصب هذا كله دماً نقياً غنياً لهذه البويضة الشرهة النهمة الأكول! وفي فترة تكوين عظام الجنين يشتد امتصاصه للجير من دم الأم فتفتقر إلى الجير. ذلك أنها تعطي محلول عظامها في الدم ليقوم به هيكل هذا الصغير! وهذا كله قليل من كثير! ثم الوضع ، وهو عملية شاقة، ممزقة، ولكن آلامها الهائلة كلها لا تقف في وجه الفطرة ولا تنسي الأم حلاوة الثمرة. ثمرة التلبية للفطرة، ومنح الحياة نبتة جديدة تعيش، وتمتد.. بينما هي تذوي وتموت! ثم الرضاع والرعاية. حيث تعطي الأم عصارة لحمها وعظمها في اللبن، وعصارة قلبها وأعصابها في الرعاية”اهـ (53).

فهذا إذنْ: يشبه كثيراً ما يلاقيه من بلغ الشيخوخة من المشقة والتعب وما يعانيه من الجهد والضعف لكبره، فكان الأليق إلحاقهما بالكبير والعجوز.

وبما أنّ سبب الخلاف بين من فرض عليها القضاء ومن جعل حكمها الفدية والإطعام كما يقول القاضي ابن رشد الحفيد رحمه الله: ” تردد شبههما بين الذي يجهده الصوم وبين المريض، فمن شبههما بالمريض قال عليهما القضاء فقط، ومن شبههما بالذي يجهده الصوم قال عليهما الإطعام فقط بدليل قراءة من قرأآية كريمةالآيةآية كريمة “(54). فقد وجدناهما أشبه بمن يجهده الصوم بدليل وصف الله تعالى العليم الخبير بحال الحامل بأن الحمل وهنٌ على وهن؛ فثبت المطلوب والحمد لله.

الوجه التاسع:

أنّ القول بالإطعام وعدم لزوم القضاء للحامل والمرضع إذا أفطرتا في رمضان، هو قول أئمة الفتوى من التابعين رحمهم الله تعالى. فهو قول: سعيد بن المسيب، وسعيد بن جبير، وقتادة، والقاسم بن محمد، وطاووس، وعكرمة، وعطاء، ومجاهد، وإبراهيم النخعي، والسدّي، وإسحاق بن راهويه رحمة الله تعالى عليهم..

ـ أما سعيد بن المسيب رحمه الله فقد قال في معنى الآية آية كريمة: ” هو الكبير الذي كان يصوم فكبر وعجز عنه، وهي الحامل التي ليس عليها الصيام، فعلى كل واحد منهما طعام مسكين، مدّ من حنطة لكلّ يوم حتى ينقضي رمضان”(55).

ـ وأما السدّيّ رحمه الله فقد قال في معنى الآية: ” أما الذين يطيقونه فالرجل كان يطيقه وقد صام قبل ذلك ثم يعرض له الوجع والعطش أو المرض الطويل، أو المرأة المرضع لا تستطيع أن تصوم، فإن أولئك عليهم مكان كلّ يوم إطعام مسكين” (56).

ـ وأما عكرمة رحمه الله فقد قال في الآية آية كريمة:”نزلت هذه الآية في الحبلى والمرضع والشيخ والعجوز”(57).. وأخرج الطبري في تفسيره عنه أنه قال:”كان الشيخ والعجوز لهما الرخصة أن يفطرا ويطعما بقوله: آية كريمة فكانت لهم الرخصة ثم نسخت بهذه الآية:آية كريمة فنسخت الرخصة عن الشيخ والعجوز إذا كانا يطيقان الصوم، وبقيت للحامل والمرضع أن يفطرا وتطعما”اهـ(58).

ـ وأما سعيد بن جبير رحمه الله فقد قال: ” تفطر الحامل التي في شهرها والمرضع التي تخاف على ولدها، تفطران وتطعمان كل واحدة منهما كل يوم مسكيناً ولا قضاء عليهما”(59).

ـ وأما القاسم بن محمد رحمه الله فقد جاء في مصنف عبد الرزاق أنه قال: ” إنْ لم تستطيعا الصيام فلتطعما”(60).

ـ وأما قتادة رحمه الله فقد قال: ” تفطر الحامل التي تخاف على ولدها وتفطر المرضع التي تخاف على ولدها، وتطعم كل واحدة منهما كل يوم مسكيناً ، ولا قضاء عليهما”(61).

ـ وأما إبراهيم النخعي فقد جاء في مصنف عبد الرزاق رحمهما الله تعالى أنه قال في الحامل: ” تفطر وتطعم نصف صاع”(62).

ـ وأما إسحاق بن راهويه رحمه الله فقد قال: ” والذي أذهب إليه في الحامل والمرضع أنْ يفطرا ويطعما، ولا قضاء عليهما، اتباعاً لابن عباس وابن عمر”(63).

ـ وأما طاووس، وعطاء، ومجاهد، رحمهم الله، فقد قال الحافظ ابن عبد البر في الاستذكار: ” كلّ من طاق الصوم فلا مشقة تضرّ به؛ فالصوم واجب عليه، وكلّ من لم يطق الصوم إلا بجهد ومشقة مضرة به؛ فله أن يفطر ويفتدي لقول الله آية كريمة(64) قالوا: وذلك في الشيخ الكبير، والعجوز، والحامل، والمرضع، الذين لا يطيقون الصيام إلا بجهد ومشقة خوفاً على الولد. ذهب إلى هذا جماعة من العلماء منهم: أنس بن مالك، وابن عباس في رواية، وعطاء، ومجاهد، وطاووس، وعكرمة”اهـ(65).

فهؤلاء أحد عشر كوكباً يهتدي بنور علمهم وفقههم العالمَون، وهم أئمة الفتوى في التابعين، أيّدوا جميعاً مذهب الإطعام دون القضاء للحامل والمرضع، فإلى قول مَنْ نذهب بعدهم وهم هم؟!! رحمة الله تعالى عليهم.

الوجه العاشر:

أنه قول ابن عباس وابن عمر في الصحابة، وقد اشتهر عنهما، وكان الصحابة حينئذٍ كُثراً فلم يرد عن واحد منهم إنكاره عليهما، أو مخالفته لهما، فكان قول صحابيين لا مخالف لهما، وقد قال ابن قدامة بعد أن ذكر قولهما: ” ولا مخالف لهما من الصحابة”(66). فينَزَّل منزلة الإجماع منهم، وما كان بهذه الدرجة والمنْزلة من قول الصحابة؛ لاشك أنه أرجح وأقوى.

أما ابن عباس رضي الله عنهما، فقد ثبت عنه ذلك، وأكثر الرواية عنه صحيحة:

ـ ففي سنن الدارقطني، عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه كانت له أمة ترضع فأجهضت فأمرها ابن عباس أن تفطر يعني وتطعم ولا تقضي”(67)..

ـ وفي المطالب العالية عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: “الحامل والمرضع إذا خافتا أفطرتا، وأطعمتا، ولا قضاء عليهما”(68).

ـ وفي سنن أبي داود عن سعيد بن جبير عن ابن عباس آية كريمة قال كانت رخصة للشيخ الكبير والمرأة الكبيرة وهما يطيقان الصيام أن يفطرا ويطعما مكان كل يوم مسكيناً والحبلى والمرضع إذا خافتا – قال أبو داود يعنى على أولادهما – أفطرتا وأطعمتا”(69)..

ـ وفي مسند البزار عَن عزرة، عَن سَعِيد بن جُبَير، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍآية كريمة قال : كانت رخصة للشيخ الكبير والمرأة الكبيرة وهما يطيقان الصيام أن يفطرا ويطعما مكان كل يوم مسكينًا ، ثُمَّ نسخت وأثبت أنهما إذا لم يطيقا الصيام أن يفطرا ويطعما مكان كل يوم مسكينًا والحبلى والمرضع إذا خافتا، وَكان ابن عباس يقول لأم ولد له حبلى: أنت بمنزلة التي لا تطيقه فعليك الفداء، ولاَ قضاء عليك”(70)..

ـ وأخرج الطبري بسنده في تفسيره أنه قال:”إذا خافت الحامل على نفسها، والمرضع على ولدها في رمضان، قال: يفطران ويطعمان مكان كل يوم مسكيناً ولا يقضيان صوماً”(71)..

ـ وفيه: أنه رأى أم ولد له حاملاً أو مرضعاً، فقال: “أنت بمنزلة الذي لا يطيقه، عليك أن تطعمي مكان كل يوم مسكيناً، ولا قضاء عليك” (72)..

ـ وفيه: عن قتادة، قال: ذكر لنا أن ابن عباس، قال لأم ولد له حبلى أو مرضع أنت بمنزلة الذين لا يطيقونه، عليك الفداء، ولا صوم عليك”. هذا إذا خافت على نفسها (73)..

ـ وفيه أيضاً: عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس ، في قوله :آية كريمة يقول من لم يطق الصوم إلا على جهد فله أن يفطر ، ويطعم كل يوم مسكيناً ، والحامل، والمرضع، والشيخ الكبير والذي به سقم دائم”(74)..

ـ وفيه كذلك: عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: الحامل، والمرضع، والشيخ الكبير الذي لا يستطيع الصوم يفطرون في رمضان، ويطعمون عن كل يوم مسكيناً. ثم قرأ: (75)..

ـ وفيه أيضاً أنه قال: “هي مثبتة للكبير، والمرضع، والحامل، وعلى الذين يطيقون الصيام”(76).

ـ ومما قاله ابن عباس رضي الله عنهما: ” خمسةٌ لهم الفطر في شهر رمضان: المريض، والمسافر، والحامل، والمرضع، والكبير. فثلاثةٌ عليهم الفدية ولا قضاء عليهم: الحامل، والمرضع، والكبير”(77).

فها هو حبر الأمة وترجمان القرآن فقيه الصحابة ابن عباس رضي الله عنهما ينصّ صراحة وفي أكثر من موضع ومرة ورواية أنّ الحامل والمرضع عليهما الإطعام وأنهما لا قضاء عليهما.

وابن عمر رضي الله عنهما أيضاً ثبت عنه ذلك، وأكثر الرواية عنه صحيحة:

ـ ففي موطأ برواية يحيى بن يحيى، أنه بلغه أن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: سئل عن المرأة الحامل إذا خافت على ولدها واشتدّ عليها الصيام، قال: ” تفطر وتطعم مكان كل يوم مسكيناً مداً من حنطة بمد النبي ﷺ”(78).

ـ وفي معرفة السنن والآثار عن نافع : أن ابن عمر رضي الله عنهما، سئل عن المرأة الحامل، إذا خافت على ولدها، فقال : ” تفطر، وتطعم مكان كل يوم مسكيناً مداً من حنطة “(79)..

ـ وفي مسند الشافعي أنه سئل عن المرأة الحامل إذا خافت على ولدها قال: “تفطر وتطعم مكان كل يوم مسكيناً مداً من حنطة”(80)..

ـ وفي سنن الدارقطني أن امرأة ابن عمر سألته وهي حبلى فقال: أفطري وأطعمي عن كل يوم مسكيناً ولا تقضي”(81)..

ـ وكانت ابنة ابن عمر تحت رجل من قريش وكانت حاملاً فأصابها العطش في رمضان فأمرها ابن عمر أن تفطر وتطعم عن كل يوم مسكيناً”(82)..

ـ وعند الدارقطني أيضاً أنه قال: ” الحامل والمرضع تفطر ولا تقضي”قال الدارقطني : وهذا صحيح(83)..

ـ وفي مصنف عبد الرزاق عن محمد بن عبد الرحمن بن لبيبة قال: أرسلني عبد الله بن عمرو بن عثمان إلى ابن عمر أسأله عن امرأة أتى عليها رمضان وهي حامل، قال: تفطر وتطعم كل يوم مسكيناً”(84)..

ـ وفيه أنه قال: ” الحامل إذا خشيت على نفسها في رمضان تفطر وتطعم، ولا قضاء عليها”(85).

ولا يصحّ غير هذا عن ابن عمر رضي الله عنهما، فثبت أن قوله وقول ابن عباس بأنّ الحامل والمرضع لا قضاء عليهما وعليهما الإطعام.

وعليه فالصحيح الموافق لحالها والموافق لنصّ الشرع ومقصوده في التيسير أن تفطر وتطعم ولا تقضي .

هذا وبعد هذه الوجوه الناصعة القوية التي ختمناها باتفاق الصحابيين الجليلين ابن عباس وابن عمر رضي الله عنهما في هذه المسألة، فإلى من نفارقهما، وقول من نقدّمه على قولهما من بَعْدِهِما رضوان الله تعالى عليهم أجمعين؟.

والله الموفّق والمحقق لكل خير ونفع وصلاح..والحمد لله رب العالمين.

الحواشي

  1. انظر: كتاب الأم للإمام الشافعي ج2 ص 103-104 ، المغني لابن قدامة ج3 ص 80-81.
  2. المختار بشرح الاختيار لتعليل المختار، لعبد الله بن محمود الموصلي ج1 ص 174.
  3. بداية المجتهد ج2 ص 176، الاستذكار ج10 ص 222.
  4. المدونة الكبرى برواية سحنون، ج1 ص 310. وانظر: الشرح الصغير للدردير ج1 ص 722، تبيين المسالك ج2 ص 177-178، شرح زروق على الرسالة، ج1 ص 316ـ317. وسيأتي التعليق على جعل الحمل مرضاً في الوجه السابع من وجوه الترجيح، فراجعه هناك.
  5. سنن البيهقي الكبرى ج4 ص 230، برقم 8335.
  6. نقله الترمذي في سننه ج2 ص 171. وفي الاستذكار (ج10 ص 222 الفقرة 14647) قال اسحاق بن راهويه: ” والذي أذهب إليه في الحامل والمرضع أنْ يفطرا ويطعما، ولا قضاء عليهما اتباعاً لابن عباس وابن عمر”.
  7. المحلى بالآثار لابن حزم، ج4 ص 410 فقرة 770.
  8. المدونة الكبرى، ج1 ص 310، باب صيام الحامل والمرضع، والصحيح المروي عن ابن عمر رضي الله عنهما أن الحامل والمرضع تفطران وتطعمان ولا تقضيان.
  9. راجع: تفسير التحرير والتنوير لابن عاشور ج2 ص 164.
  10. الاستذكار ، 10/218، و10/221 وما بعدها .
  11. سورة البقرة ، 184 .
  12. انظر: الاستذكار ج10 ص 219.
  13. هذه النقول من تفسير الطبري تحقيق التركي، ج3 ص 169 وما بعدها.
  14. النقلان من تفسير الطبري ، ج3 ص 168.
  15. تفسير الطبري ج3 ص 167، وأخرجه أبو داود برقم 2318، والبيهقي في السنن ج4 ص 230، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ج1 ص 177 إلى عبد بن حميد وابن المنذر.
  16. تفسير القرطبي لهذه الآية، ج3 ص 147.
  17. راجع : الاتقان في علوم القرآن، للسيوطي، ج2 ص 467، 483، الشذا الفياح من علوم ابن الصلاح، للبرهان الأبناسي، ج1 ص 144، البرهان في علوم القرآن، للزركشي، ج2 ص 173، مناهل العرفان في علوم القرآن، للزرقاني، ج2 ص 11، الباعث الحثيث في شرح اختصار علوم الحديث، ج1 ص 150، المقنع في علوم الحديث لشراج الدين الأنصاري، ج1 ص 127، المنهل الراوي في مختصر علم الحديث النبوي، لابن جماعة، ص 41، النكت على ابن الصلاح لابن حجر، ج2 ص 530، توضيح الأفكار لابن الأمير الصنعاني ج1 ص 281، مقدمة ابن الصلاح، ص 50.
  18. البرهان في علوم القرآن، للزركشي، ج2 ص 172.
  19. أخرجه الترمذي برقم715 واللفظ له، وقال:حديث حسن، والنسائي برقم 2274، وحسنه الألباني، وابن خزيمة برقم 2042، والبيهقي في السنن الكبرى برقم5695 وغيرهم.
  20. السنن الكبرى للنسائي، برقم 2596.
  21. أحمد برقم 19069، 20341، وابن ماجة برقم 1667.
  22. سورة الأعراف، 157.
  23. سورة الشرح، 2.
  24. راجع: تفسير فتح القدير للشوكاني، ج5 ص 563.
  25. أخرجه مسلم في صحيحه برقم 7704.
  26. أخرجه الطبراني في المعجم الكبير برقم 73 ج19 ص 28.
  27. السنن الكبرى للبيهقي، ج7 ص 209.
  28. الدارمي في سننه برقم 2 ج1 ص 4 وقال محققه حسين سليم أسد : إسناده رجاله ثقات غير أنه مرسل وقد تفرد بروايته الدارمي .
  29. البخاري برقم 471، وأحمد برقم 15766، وابن أبي شيبة برقم 493.
  30. أخرجه مالك في الموطأ، برقم 1770 ج2 ص 980.
  31. مسند ابن الجعد، برقم 741.
  32. مسند البزار برقم 6320، ابن خزيمة ج13 ص 21، مسند أبي يعلى برقم 3086وصحح إسناده محققه حسين سليم أسد.
  33. سورة البقرة، 185.
  34. سورة البقرة، 185.
  35. الاستذكار لابن عبد البر، ج10 ص 217 – 218.
  36. سورة البقرة، 286.
  37. الترمذي في السنن برقم 2992 وصححه الألباني، وأصله في صحيح مسلم برقم 345.
  38. سورة البقرة، 187.
  39. أخرجه أبو داود برقم 2052، والنسائي برقم 3227، وصححه الألباني.
  40. وفي الحديث : ( إن الله يحب أن تؤتى رخصه كما يكره أن تؤتى معصيته ) أخرجه الإمام أحمد في مسنده برقم 5866، وصحح إسناده الأرناؤوط، وفي صحيح ابن حبان وغيره بلفظ ( إن الله يحب أن تؤتى رخصه كما يحب أن تؤتى عزائمه) برقم 3568، 354.
  41. سورة الحج، 78 .
  42. موطأ مالك، ج2 ص 407، برقم 685.
  43. المدونة الكبرى برواية سحنون، ج1 ص 310. وانظر: الشرح الصغير للدردير ج1 ص 722، تبيين المسالك ج2 ص 177-178، شرح زروق على الرسالة، ج1 ص 316ـ317.
  44. الاستذكار لابن عبد البر ج10 ص 222 فقرة رقم 14650.
  45. المهذب للشيرازي مع شرح المجموع ج6 ص 267.
  46. سورة لقمان، 14.
  47. سورة الأحقاف، 15.
  48. سورة مريم، 4 .
  49. سورة مريم، 8 .
  50. راجع تفسير التحرير والتنوير، لابن عاشور، ج21 ص 103 .
  51. تفسير البغوي ج5 ص 218، قال قتادة: اشتكى سقوط الأضراس.
  52. البخاري في الأدب المفرد ، ج1 ص 18، وصححه الشيخ الألباني رحمه الله.
  53. في ظلال القرآن، سيد قطب، ج6 ص 3262
  54. بداية المجتهد لابن رشد، ج2 ص 176.
  55. انظر: تفسير الطبري تحقيق التركي، ج3 ص 169 ، المحلى لابن حزم، ج4 ص 413.
  56. تفسير الطبري تحقيق التركي، ج3 ص 169 وما بعدها.
  57. المحلى بالآثار ، ج4 ص 412.
  58. تفسير الطبري ج3 ص 168، وذكره ابن الجوزي في ناسخه ص 176.
  59. مصنف عبد الرزاق ج4 ص 216 برقم 7555نفسه .
  60. مصنف عبد الرزاق ج4 ص 216 برقم 7555، والمحلى لابن حزم، ج4 ص 411، والاستذكار لابن عبد البر ج10 ص 221 فقرة 14646.
  61. مصنف عبد الرزاق ج4 ص 216 برقم 7556.
  62. مصنف عبد الرزاق، ج4 ص 218 برقم 7562.
  63. الاستذكار لابن عبد البر، ج10 ص 222 فقرة رقم 14647.
  64. سورة البقرة، 185.
  65. الاستذكار لابن عبد البر، ج10 ص 217 – 218.
  66. المغني لابن قدامة، ج3 ص 81.
  67. الدراقطني في سننه ج2 ص 207 وصححه قال: هذا صحيح.
  68. المطالب العالية لابن حجر، ج6 ص 103 برقم 1047، وقال: إسناده حسن.
  69. سنن أبي داود حديث رقم 2320،
  70. مسند البزار حديث رقم 4996، وقال:وهذا الحديث لاَ نعلمُهُ يُرْوَى بهذا اللفظ بإسناد أحسن من هذا الإسناد.
  71. تفسير الطبري ج3 ص 170.
  72. تفسير الطبري نفسه.
  73. تفسير الطبري ج3 ص 171.
  74. تفسير الطبري ج3 ص 176.
  75. الطبري نفسه.
  76. نفسه.
  77. الاستذكار لابن عبد البر ، ج10 ص 222، فقرة رقم 14649، وراجع: المصنف لعبد الرزاق ج4 ص 237، وأحكام القرآن للجصاص ج1 ص 176-178
  78. مالك في الموطأ، 678، ج1 ص 308. وفي السنن الصغرى للبيهقي 1364.
  79. معرفة السنن والآثار للبيهقي حديث رقم 2618. والسنن الكبرى للبيهقي برقم 7868.
  80. مسند الإمام الشافعي برقم 732.
  81. سنن الدارقطني برقم 14 ج2 ص 207 .
  82. الدارقطني في سننه برقم 15 ج2 ص 207.
  83. السنن ج2 ص 207 برقم 11 .
  84. مصنف عبد الرزاق ج4 ص217 برقم 7558.
  85. المصنف ج2 ص 218 حديث رقم 7561.
أ.د. عبدالله الزبير عبدالرحمن
س

الأكل والشرب ناسياً

فتاوى الصيام · · سأل: من كتاب «سؤالات الصائمين» — الصيام وأقضية العوائد

صائمٌ مرَّ على مسافر يأكل الغداء ، فدعاه ، فأكل معه وشرب، ثم تذكر أنه كان صائماً ، وأنه أكل وشرب ناسياً. فما حكمه ؟

جواب فضيلة الشيخ

للعلماء فيه قولان :

القول الأول : للمالكية : قالوا : إذا أكل أو شرب بنسيان فسد صومه ووجب عليه القضاء.

وقال بقول مالك: الليث بن سعد وربيعة بن أبي عبد الرحمن وابن علية، مستدلين بجملة أدلة، منها (1):

1ـ الاستدلال بالحقيقة: وهو أن الإمساك ركن الصوم، ومن أكل أو شرب لم يكن ممسكاً، لأن صورة الصوم قد عدمت، وحقيقته بالأكل قد ذهبت، والشيء لا بقاء له مع ذهاب حقيقته، كالحدث يبطلُ الطهارة سهواً جاء أو عمداً.

2ـ الاستدلال بالقياس: وهو ثلاثة أقيسة:

الأول: قياس مساوٍ: وهو أنه بترك الإمساك وتناول المفطر ناسياً؛ أشبه ناسي الركعة من الصلاة ـ وهي ركن فيها ـ فإنه يأتي بها، فيقاس عليه من أكل أو شرب ناسياً، فإنه يكون قد أفطر فيأتي بهذا اليوم قضاء.

والقياس الثاني: قياس أولوي: وهو أن القضاء يجب على المريض بقوله تعالى ( فمن كان مريضاً أو على سفر فعدة من أيام أخر)، فإذا وجب القضاء على المريض مع كونه أعذر من الناسي؛ وجب على الناسي بطريق الأولى.

القياس الثالث: القياس على الخطأ وهو ما رواه بشر بن قيس أنهم كانوا عند أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه فأتي بسويق قال: فأصبنا منه، وحسبنا أنّ الشمس قد غابت، فقال المؤذن: قد طلعت الشمس،فقال عمر: “فاقضوا يوماً مكانه”(2). والمخطئ والناسي في القياس واحد.

ولكن ابن رشد الحفيد ـ وهو من أئمة المالكيةـ قال : “إيجاب القضاء بالقياس فيه ضعف، إنما القضاء عند الأكثر واجب بأمر متجدد” أ.هـ(3) .

القول الثاني: للجمهور: أبي حنيفة والشافعي وأحمد وأصحابهم، وقال به الحسن بن حي والثوي وابن أبي ذئب والأوزاعي وأبو ثور وأهل الظاهر، أن من أكل أو شرب ناسياً في رمضان أنّ صومه صحيح لم يفسد، فلا شيء عليه لا قضاء ولا كفارة. وهو قول عليّ وابن عمر وأبي هريرة من الصحابة ، وبه قال عطاء وطاووس وإبراهيم والحسن من التابعين رحمهم الله تعالى(4).

وقد استدلوا :

1ـ بحديث أبي هريرة عن رسول الله ﷺ: (من نسي وهو صائم فأكل أو شرب فليتم صومه ، فإنما أطعمه الله وسقاه)(5) .

2ـ وبحديث أبي هريرة رضي الله عنه أيضاً مرفوعاً: (من أفطر في شهر رمضان ناسياً فلا قضاء عليه ولا كفارة )(6).

3 ـ وبحديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه مرفوعاً: (من أكل في شهر رمضان ناسياً فلا قضاء عليه)(7).

4ـ ما أخرجه الإمام أحمد عن مولاة لبعض الصحابيات أنها كانت عند النبي ﷺ فأتي بقصعة من ثريد فأكلت منها ثم تذكرت أنها كانت صائمة، فقال لها ذو اليدين: ” الآن بعد ما شبعت!” فقال لها النبي ﷺ: ( أتمي صومك، فإنما هو رزق ساقه الله إليك)(8).

5 ـ كما استدلوا بقوله تعالى: آية كريمة(9)، قال : قد فعلت ، وبقوله ﷺ: (وضع عن أمتي الخطأ والنسيان).

وقد أجاب المالكية عن الحديث الأول: بأنه جاء لرفع الحرج عن المفطر نسياناً، ونفي الإثم عنه، وسقوط مؤاخذته، وهو أمر بإتمام صوم ذلك اليوم ، وهو أمر بإمساك بقية اليوم ، لا بعدم القضاء، فلا يعارض إيجاب القضاء عليه(10).

وقد سأل الوليد بن مسلم رحمه الله مالكاً عن ذلك، قال: سألت مالك بن أنس رحمه الله عن حديث النبي ﷺ: (من أكل وهو صائم وهو ناسٍ فليتم صومه، فإنما هو رزق ساقه الله إليه). فقال مالك رحمه الله: «الحديث صحيح، ولكن عنى به النبي ﷺ النافلة لا الفريضة، أَمَا سمعت إلى قول النبي ﷺ: ( بني الإسلام على خمس شهادة أن لا إله إلا الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وحج البيت وصوم رمضان). فكلّ من ترك شيئاً من هذا ناسياً فعليه القضاء، وإنما الحديث في التطوع لا في الفريضة»(11).

وعن الأحاديث الأخرى بجوابين(12):

الجواب الأول: أنّ الحديث محمول على صوم التطوع، أما صوم الفريضة فلا، لأنه بأكله أو شربه ولو ناسياً قد أتى بضدّ ركنه “الإمساك”، ولا يبقى إمساك مع عدم الإمساك في الصوم أبداً.

الجواب الثاني: بما أنّ هذه هي القاعدة لا تبطل بخبر الواحد، والأصل عندهم أنّ خبر الواحد إذا جاء بخلاف القواعد لم يُعمل به.

ومع أنّ استدلال المالكية قويّ وما احتجوا به صحيحٌ؛ إلاّ أن مذهب الجمهور أقوى وأرجح لوجهين، هما:

الوجه الأول: أنّ المعتبر في الأمور الشرعية اعتبار الشرع لا حقيقة الأمر في نفسه، وطالما جاءت النصوص فاعتبرت الأكل أو الشرب نسياناً لا يفسد الصوم؛ فهذا عليه المعتمد.

ثانياً: النصّ الصريح الذي حكم على الآكل والشارب نسياناً أنه لا قضاء عليهما، وهي:

1ـ حديث أبي هريرة وفيه: ( فلا قضاء عليه ولا كفارة ).

2ـ حديث أبي سعيد الخدري وفيه: ( فلا قضاء عليه ).

3ـ حديث ابن سيرين وفيه : ( أتم صومك ولا شيء عليك) وهو الخبر الذي رواه ابن عبد البر بسنده عن رجل قال: يا رسول الله! إني أكلت وشربت ناسياً في رمضان؟ فقال رسول الله ﷺ: ( الله أطعمك وسقاك أتمّ صومك ولا شيء عليك)(13).

وكلها نصٌّ في محل النزاع ، وتصريح بصحة صوم من أكل أو شرب ناسياً، وأنه لا قضاء عليه، تصريحاً لا يقدم عليه قياس ولا تأويل .

وقد رجّح من أئمة المالكية مذهب الجمهور الإمام ابن رشد الحفيد، بما أشعر من تضعيف إيجاب القضاء بالقياس، والإمام القرطبي المفسّر في أحكامه الذي قال بعد ذكر احتجاج المالكية: ” هذا ما احتج به علماؤنا وهو صحيح، لولا ما صحّ عن الشارع ما ذكرناه، وقد جاء بالنصّ الصريح…. ثم قال: فزال الاحتمال، وارتفع الإشكال، والحمد لله ذي الجلال والكمال”(14).

الحواشي

  1. راجع: المدونة برواية سحنون، ج1 ص 289-291، الاستذكار لابن عبد البر ج10 ص 186 وما بعدها، المسالك في شرح موطأ مالك، لابن العربي، ج4 ص 223، عارضة الأحوذي لابن العربي، ج3 ص 247، بداية المجتهد ج2 ص 182، تبيين المسالك ج2 ص 162-163، الفقه المالكي وأدلته الحبيب بن طاهرن ج2 ص 90، مدونة الفقه المالكي وأدلته للغرياني، ج1 ص 648.
  2. راجع الخبر في : المدونة، برواية سحنون، ج1 ص 290ـ 291، ومثله عن ابن وهب وغيره في مصنف ابن أبي شيبة ج3 ص 23-25.
  3. بداية المجتهد 2/182 .
  4. راجع الاستذكار، لابن عبد البر، ج10 ص 186 وما بعدها.
  5. أخرجه الشيخان: البخاري في الصيام برقم 1933، ومسلم في الصيام برقم 2709.
  6. أخرجه ابن خزيمة وابن حبان والحاكم والدار قطني وصححه ابن حجر في بلوغ المرام بشرح سبل السلام 2/660 ، وحسنه الألباني وشعيب الأرناؤوط.
  7. حسنه ابن حجر في الفتح 4/186 وقال : “يصلح للاحتجاج” .
  8. أخرجه أحمد في المسند برم 27114، وعبد بن حميد في مسنده برقم 1590، وقد ضعفه شعيب الأرناؤوط في مسند أحمد ج6 ص 367، ولم يذكر الحافظ ابن حجر في فتح الباري ج4 ص 157، له تصحيحاً ولا تضعيفاً.
  9. (1) البقرة : 286.
  10. راجع: المسالك في شرح موطأ مالك لابن العربي، ج4 ص 223، عارضة الأحوذي لابن العربي، ج3ص 247، الفقه المالكي وأدلته ج2 ص 90، مدونة الفقه المالكي وأدلته ج2 ص 648.
  11. مختصر تاريخ دمشق، لابن منظور الأفريقي، ج1 ص 416.
  12. الجامع لأحكام القرآن للقرطبي، ج3 ص 200-201، المسالك لابن العربي، ج4 ص 223، عارضة الأحوذي، ج3 ص 247، الفقه المالكي وأدلته ج2 ص 91.
  13. الاستذكار برقم 14496، ج10 ص188.
  14. تفسير القرطبي، الجامع لأحكام القرآن، ج3 ص 201. وبداية المجتهد الموضع السابق.
أ.د. عبدالله الزبير عبدالرحمن
س

الأعمال الشاقة في رمضان

فتاوى الصيام · · سأل: من كتاب «سؤالات الصائمين» — الصيام وأقضية العوائد

رجل يعول أسرة ويعمل في الزراعة ، وحان وقت الحصاد في رمضان، والحصاد يأخذ من الوقت ما يقارب الشهر ، ويشقّ عليه الجمع بين الصيام وبين الحصاد ، فماذا يفعل ؟ وهل يجوز له أن يفطر بسبب الحصاد؟.

جواب فضيلة الشيخ

نصّ كثير من علمائنا المعاصرين على أن الأعمال الشاقة من الأعذار المبيحة للفطر، وألحق بعضهم أصحابها بالشيخ الكبير والمرأة العجوز والمريض المزمن الذي لا يرجى برؤه . (1)

وأصحاب الأعمال الشاقة بالنسبة لصيام رمضان على مراتب:

منهم من يشقّ عليه الصوم مشقة شديدة مع عمله ، وإذا ترك العمل وتوقّف عنه من أجل الصيام لا يجد ما يعينه على الحياة الكريمة، فهذا حالته تصل إلى درجة الضرورة الشرعية التي تباح لأجلها المحظورات. فيفطر . فإن كان عمله مستمراً كل أيام السنة؛ يُلحق بمن يطيقونه (الشيخ الكبير والمرأة العجوز، يفطر ويطعم عن كل يوم مسكيناً، ولا قضاء عليه، كالبنّاء الذي لا ينقطع عمله، والخبّاز الذي يواجه حرارة النار في فرنه ومخبزه، وعمال المناجم، والمحكوم عليهم بالأعمال الشاقة المؤبدة ونحوهم.

ومنهم من يشقّ عليه الصوم مشقة شديدة ويعمل عملاً شاقّاً لا يقدر معه على الصوم، وإذا ترك هذا العمل أيام رمضان تضرر في ماله فيضيع،كالمزارع الذي حان وقت الحصاد في شهر رمضان، فإذا ترك حصاد زرعه من أجل الصيام ضاع ماله، وتلف زرعه، وأكلته الطيور. فهذه الحالة أيضاً من حالات الضرورة، فيباح له الفطر على أن يقضي الأيام التي أفطر فيها من أجل الحصاد، لأن الحصاد لا يستمر كل أيام السنة .

ومنهم من يشقّ عليه الصيام مع العمل ، فلا يقدر على الصوم مع العمل ولا يقدر على العمل مع الصوم ، وهو إذا صام وترك عمله لا يضيع ماله كله ، ولا يعجز عن الحياة الكريمة له ولأبنائه وأهله، ولكن يلحقه العنت والحرج في حياته وحياة أسرته ، فهذا حالته لا تصل إلى درجة الضرورة بل هي داخلة في الحاجيات، والحاجيات المعتبرة جعلها الشارع الحكيم سبباً للرخصة عن صيام رمضان، فيجوز له الفطر ، خاصة وأن مشقة الأعمال الشاقة مع الصوم مشقة محققة ، فهي أولى بالرخصة من السفر والمرض ، لأن مشقتهما ليست مشقات محققة ، إذ ليس كل سفر يشق على المسافر مع الصيام ، وليس كل مرض يشق على المريض مع الصيام، فكان من باب أولى الترخيص لأصحاب الأعمال الشاقة ليفطروا إذا شقّ عليهم الصوم مع تلك الأعمال .

وبالفعل يدخل أصحاب الأعمال الشاقة ممن يعجز عن الصيام معها أو يشقّ عليه الصوم مشقة شديدة في معنى قوله تعالى آية كريمة.

ووجه الترخيص لهم بالفطر وترك الصيام بسبب الأعمال الشاقة؛ هو: أنّ صاحب العمل الشاق يتنازعه واجبان : واجب إعالة أسرته من الأبناء والزوجة والنفقة عليهم لقوله تعالى آية كريمة (2). وواجب الصيام . ولكن واجب الصيام واجب قاصر عليه وحده ، وواجب النفقة واجب متعدٍّ يتجاوزه إلى غيره من الأبناء والأهل . ومن ناحية أخرى : واجب النفقة تتعلق به حقوق الآخرين ، وحقّ الآدمي مقدّم في الأداء على حق الله تعالى ، والواجب المتعدّي أولى بالتقديم من الواجب القاصر ، ومعروف عند الفقهاء أن الواجب لا يترك إلاّ لواجب ، فترك صاحب العمل الشاق واجب الصيام لواجب الإنفاق .

وشرط جواز الفطر لصاحب الأعمال الشاقة مراعاة الترتيب التالي:

أولاً: أنْ يترك هذا العمل الشاق في شهر رمضان حتى ينقضي الشهر.

ثانياً: إنْ كان تركه لهذا العمل الشاق يضرّه وأهله وعياله؛ ولا يجد بديلاً له؛ يخفف منه بقدر ما يكفيه مؤونته وأهله.

ثالثاً: إنْ لم يتمكن من ذلك؛ لا ينوي الفطر ابتداءً ، بل عليه أنْ ينوي الصوم من الليل عزيمة، ويصبح صائماً حتى إذا باشر عمله الشاق فشقّ عليه الصوم، أفطر، لأنه ليس ممن رُخِّص لهم أصالةً كالمريض الذي أصبح على مرضه، والمسافر الذي أصبح على سفره، والشيخ الكبير والمرأة العجوز ومن كان منهم، فهؤلاء مرخّص لهم أن يصبحوا مفطرين، أما غيرهم فالواجب عليهم أن يصبحوا صائمين، فإنْ شقّ عليه عمله، ولا يستطيع تركه من أجل الصوم، لتعلّق رزقه وعياله عليه؛ أفطر عندئذ، والله تعالى أعلم..

الحواشي

  1. ينظر : فقه السنة للسيد سابق، 1/439- 440فقه الصيام للقرضاوي ص 70 ، الفتاوى الشرعية محمد سلامة جبر، ص 86 ، وفتاوى الأزهر فتوى جاد الحق (1/131) وفتاوى اللجنة الدائمة برقم 12592، مجموع فتاوى ابن باز ج5 ص 245، فتاوى المسير محمد أحمد المسيّر ج1 ص 106، فتاوى عطية صقر 1/745.
  2. سورة البقرة الآية 233 .
أ.د. عبدالله الزبير عبدالرحمن
س

إنزال النـَّاسي بالنَّظـر

فتاوى الصيام · · سأل: من كتاب «سؤالات الصائمين» — مسائل القضاء والكفارة

مرت بي امرأة جميلة فأعجبني جمالها فجعلت أنظر إليها وقد نسيت أني صائم وأنه نهار رمضان حتى أنزلت . فهل عليّ قضاء؟

جواب فضيلة الشيخ

أولاً: نظر الرجل إلى المرأة الأجنبية وكذلك نظر المرأة إلى الرجل الأجنبي بشهوة محرمٌ محظورٌ في كل زمان باتفاق العلماء، حتى في غير رمضان، فقد قال تعالى آمراً الرجال والنساء بغضِّ الأبصار والكف عن النظر آية كريمة (1). ومن الثابت في الصحيح أن النظر زنا العينين (2) ، ولذلك فالنظر محرم في رمضان وفي غير رمضان، وعليه فلا شكّ أنّ ما كان محرّماً في غير رمضان فهو في رمضان أشدّ تحريماً وأكثر تجريماً، فإنّ الشرع حرّم في نهار رمضان حتى المباحات وأمر بالإمساك عما أباحه للناس ، فإنْ كان فعل المباح من الأكل والشرب والجماع انتهاكاً لحرمة رمضان فكيف يكون يا ترىَ ارتكاب المحظورات وفعل المحرمات مثل النظر إلى الأجنبية بشهوة؟؟!!.. لاشكّ أنّه إثمٌ عظيم وتعدٍّ جسيم. عافانا الله جميعاً برحمته.

ثانياً: فالسائل ارتكب أمرين:

الأمر الأول: استدامة النظر إلى الأجنبية بشهوة .

والأمر الثاني: الإنزال في نهار رمضان من غير ضرورة ولا إكراه .

ففي مثل حاله لعلماء المذاهب المتبوعة قولان بعد اتفاقهم أنه ارتكب محرماً(3):

القول الأول: أنه أفسد صومه بالإنزال بتكرار النظر وعليه القضاء، وهو قول أبي حنيفة والشافعي وأحمد في رواية عنه.

القول الثاني: أنه أفسد صومه وانتهك حرمة رمضان في نهاره فعليه القضاء والكفارة، وهو قول مالك، وأبي ثور، وأحمد في الرواية الأخرى وأبي خلف الطبري من الشافعية، وهو القول المحكي عن جماعة من السلف كعطاء والحسن البصري وعبد الله ابن المبارك وإسحاق بن راهويه وغيرهم.

والراجـح :

[1] أن عليه القضاء دون الكفارة، على قول الجمهور، وذلك لسببين:

السبب الأول: أن الحكم عليه بالقضاء هو القول المتفق عليه في المذاهب الأربعة، فكلهم اتفقوا على أنه أفسد صومه وأنّ عليه القضاء، وزاد المالكية ومن وافقهم الكفارة.

السبب الثاني: أنه وإن أشبه الجماع في المعنى ـ إذ فيه الاستمتاع بالنظر والإنزال ـ؛ إلاّ أنه أقلّ بلا شك من الجماع، فلو كان الجماع سبباً للكفارة فما دون الجماع لا يعطى مثل حكمه ، فكان القضاء أنسب بحاله لأنه أقلّ من الجماع كما قررنا.

[2] لا اعتبار لنسيانه أنه كان صائماً، وعليه فلا يصح القياس على من أكل أو شرب أو جامع ناسياً ، لأنّ من أكل أو شرب أو جامع ناسياً فإنما فعل مباحاً في الأصل، ولم يقصد إفساد صومه، ومن استدام النظر وكرره حتى أنزل عصى الله بذلك وأفسد صومه بمحرم ومعصية في الأصل، فكيف يقاس من فعل محرماً في الأصل على من فعل مباحاً؟ لا يستويان مثلاً.

لذلك لزم مع القضاء الاستغفارُ والعزمُ على التوبة والإقلاع عن هذه المعصية.

والله تعالى أعلم وهو الموفق إلى الخيرات من يسارع إليها.

الحواشي

  1. سورة النور ، الآيات 30-31 .
  2. أخرج مسلم في صحيحه عن أبي هريرة أن النبي ♀ قال : ( إن الله كتب على ابن آدم نصيبه من الزنا، أدرك ذلك لا محالة ، فالعينان تزنيان وزناهما النظر …) الحديث في كتاب القدر باب قدر على ابن آدم حظه من الزنا برقم 2657 .
  3. انظر الأقوال والمذاهب في: بدائع الصنائع ، ج2 ص 100 ، المجموع شرح المهذب ، ج6 ص354-355 ، المغني لابن قدامة ، ج3 ص 58-61 ، كشاف القناع للبهوتي ، ج2 ص 318-321، تبيين المسالك ج2 ص 167.
أ.د. عبدالله الزبير عبدالرحمن
س

دفع زكاة الفطر لمسكين واحد

فتاوى الصيام · · سأل: من كتاب «سؤالات الصائمين» — أقضية زكاة الفطر

في الحي الذي نسكن فيه أكثر من مسكين، ولكنّ واحداً منهم تربطني به قرابة ورحم، فهل يجوز لي أن أخصه بزكاة الفطر فأعطيها كلها له وحده؟

جواب فضيلة الشيخ

أولاً: ذهب جمهور الفقهاء إلى أن مصارف زكاة الفطر خاصة بالفقير والمسكين ، فالفقير والمسكين المسلمان الحران هما المستحقان لزكاة الفطر، وهذا مذهب الحنفية والمالكية وأحمد في أصح روايتيه (1).

وذهب الشافعي وابن الحاجب من المالكية إلى أن مصارف زكاة الفطر هي مصارف زكاة المال ( الثمانية ) نفسها ، بحجة أنها صدقة من الصدقات وقد جعل الله مصارف الصدقات ثمانية في قوله آية كريمة(2).

والراجح :

هو ما ذهب إليه الجمهور ، فيجوز أن يخرج المسلم زكاة الفطر ويعطيها لمسكين واحد ، وذلك :

[1] لأن زكاة الفطر صدقة لغير معين ، فجاز صرفها لواحد . بينما زكاة المال صدقة لمعينين .

[2] ولحديث ابن عباس رضي الله عنهما قال : “فرض رسول الله ﷺ زكاة الفطر طهرة للصائم من اللغو والرفث، وطعمة للمساكين..”3)).

إذنْ: إنما فُرضت زكاة الفطر طعمة للمساكين ، فلو طُعم واحد منهم صح ولو طُعم أكثر من واحد صحّ فجاز تخصيصه بمسكين واحد لاسيما إذا كان ذا قرابة أو رحم ، .وفي الحديث: ( الصدقة على المسكين صدقة وهي على ذي الرحم اثنتان: صدقة وصلة )(4).

الحواشي

  1. انظر : حاشية ابن عابدين ج2 ص 78 ، تبيين المسالك ، ج2 ص 135 ، المغني ، ج2 ص 712- 713 . زاد المعاد ج2 ص 22 .
  2. الآية 61 من سورة التوبة، وانظر : مغني المحتاج ، ج1 ص 408، مواهب الجليل ، ج2 ص 376
  3. ابن ماجة في كتاب الزكاة باب صدقة الفطر برقم 1823 ج1 ص 395 .
  4. أخرجه الترمذي في باب ما جاء في الصدقة على ذي القرابة ، برقم 658 . وحسنه الترمذي.
أ.د. عبدالله الزبير عبدالرحمن
س

صـلاة التـراويح بيـن التطويل والتخفيـف

فتاوى الصيام · · سأل: من كتاب «سؤالات الصائمين» — أقضية صلاة التراويح

في الريف أصلي بالناس التراويح إماماً، وكلّما أريد أن أقرأ في التراويح طويلاً يضجر المصلون ويشكون من طول القراءة، فأرجو أن ترشدوني هل أقلل من القراءة إرضاءً للمصلين، أو الصحيح أن لا أسمع لهم وأُكثر من القراءة وأطيل في القيام والركوع والسجود؟ أفيدوني جزاكم الله خيراً.

جواب فضيلة الشيخ

أصحّ الأحوال دائماً التأسّي بحال صاحب الرسالة ﷺ، والتزام منهاج النبوة في الدين والدعوة، ومن خلقه العظيم عليه الصلاة والسلام شفقته بأمته ورحمته بالعباد أجمعين، وقد قال الله تعالى فيهآية كريمة (1) فإنه يعزّ عليه عنت أفراد الأمّة، لأنه بهم رءوف رحيم، فواجب الدعاة وأئمة الصلاة التأسي به في هذه الأحوال، فيحيوا سنته ويقيموا شريعته.

ولقد وجّه ﷺ أئمة الصلاة أن يخففوا على المصلين إنْ أمّوا الناس فقال في الصحيح: ( إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ لِلنَّاسِ فَلْيُخَفِّفْ فَإِنَّ مِنْهُمُ الضَّعِيفَ وَالسَّقِيمَ وَالْكَبِيرَ، وَإِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ لِنَفْسِهِ فَلْيُطَوِّلْ مَا شَاءَ )(2)، وقال أبو مسعود الأنصاري رضي الله عنه: “قَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللهِ! لاَ أَكَادُ أُدْرِكُ الصَّلاَةَ مِمَّا يُطَوِّلُ بِنَا فُلاَنٌ. فَمَا رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺفِي مَوْعِظَةٍ أَشَدَّ غَضَبًا مِنْ يَوْمِئِذٍ، فَقَالَ: (أَيُّهَا النَّاسُ! إِنَّكُمْ مُنَفِّرُونَ فَمَنْ صَلَّى بِالنَّاسِ فَلْيُخَفِّفْ فَإِنَّ فِيهِمُ الْمَرِيضَ وَالضَّعِيفَ وَذَا الْحَاجَةِ)(3). وقال لسيدنا معاذ بن جبل رضي الله عنه يعاتبه لما شكى المأمومون عن طول صلاته، يقول له: ( يَا مُعَاذُ! أَفَتَّانٌ أَنْتَ؟ – ثَلاَثًا – اقْرَأْآية كريمة ، و وَنَحْوَهَا(4).

إنْ كان هذا في المكتوبات فمن باب أولى في النوافل والتطوعات.

فالعبرة إذنْ برضا المصلين وسخطهم في التطوعات والنوافل الجماعية، فإنْ رضوا بالطول فالأولى الإطالة في التراويح، وإنْ شكوا من الطول فالأولى التخفيف في القراءة والركوع والسجود، ومعلوم أنّ صلاة التراويح سنّة وليست فرضاً، والجماعة فيها مستحبة، وطول القيام والقراءة فيها مستحبٌ، والقاعدة في المستحبات: أنّه يُستحب ترك المستحب تأليفاً للقلوب، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في مثل هذا: “ولذلك استحب الأئمة أحمد وغيره أن يدع الإمام ما هو عنده أفضل إذا كان فيه تأليف المأمومين”(5).

فألِّف ـ قدر المستطاع وفقك الله ـ قلوب المؤمنين المصلين بالتخفيف إنْ شكوا من الإطالة بهم، فتأليفهم أحبّ في الشرع من كرههم لصلاة طويلة.

قال الكاساني رحمه الله: ” في زماننا الأفضل أن يقرأ الإمام على حسب حال القوم من الرغبة والكسل، فيقرأ قدر ما لا يوجب تنفير القوم عن الجماعة، لأن تكثير الجماعة أفضل من تطويل القراءة”(6).

قلت: هذا في زمانه، ففي زماننا أكثر.

وقال الإمام أحمد رحمه الله: ” يقرأ بالقوم في شهر رمضان ما يخف على الناس ولا يشق عليهم،.. والأمر على ما يحتمله الناس”(7).

غير أنّ بعض المصلين لا يعجبهم ولا يرضيهم من التخفيف إلاّ ما تضمّن الإسراع في القراءة والركوع والسجود مما يُخرج الصلاة عن حدّ الخشوع الواجب فلا يتم ركوعاً ولا سجوداً أو بعض الأركان، فتكون صلاتهم نقراً كنقر الغراب، وقراءتهم هذرمة تأكل الحروف، فيُعرِّضون الصلاة إلى البطلان والفساد بالسرعة التي تضيع الفرائض والأركان، فهذا لا يُقبل منهم، ويجب أن لا ينحدر الأئمة طلباً لتأليف أمثال هؤلاء فيبطلوا صلواتهم وصلاة من يؤمونهم. والله الموفق للخير والصواب.

الحواشي

  1. التوبة 128
  2. البخاري في الصحيح برقم 703، ومسلم برقم 1075.
  3. أخرحه البخاري في صحيحه برقم 90، وابن ماجة في السنن برقم 984.
  4. أخرجه البخاري برقم 6106، ومسلم برقم 1068، وأبو داود برقم 790، وغيرهم.
  5. مجموع فتاوى ابن تيمية ، ج24 ص 195 .
  6. بدائع الصنائع للكاساني ج1 ص 289.
  7. المغني لابن قدامة، ج1 ص 836.
أ.د. عبدالله الزبير عبدالرحمن
س

حكـــم الاعتــــكاف

فتاوى الصيام · · سأل: من كتاب «سؤالات الصائمين» — أقضية الاعتكاف

ما حكم الاعتكاف أصلاً، هل هو واجب على الصائم أن يعتكف أم لا؟ أفيدونا جزاكم الله عنا خير الجزاء.

جواب فضيلة الشيخ

الاعتكاف في أصل اللغة من الإقبال على الخير ملازمةً ومواظبةً، وبالتاء (اعتكف) إقبالٌ على الخير، بينما بالنون (انعكف) إقبالٌ على الشرّ، فنقله الشرع إلى معنى إيماني تعبدي جميل هو أنه يعني لزوم المسجد واللبث فيه قربةً وطاعةً لله عز وجل.

وكان معروفاً كصورة من صور التدين من قبل بعثة النبي ﷺ وقبل نزول القرآن الكريم وشرائع الإسلام، وقد أمر الله تعالى إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام بتهيئة بيته الحرام للعاكفين مع الطائفين والمصلين فقال جل شأنهآية كريمة (1) وفي الصحيح خبر نذر عمر بن الخطاب رضي الله عنه الاعتكاف في الجاهلية، وسؤاله رسول الله ﷺ عن حكم ذلك، فأمره عليه الصلاة والسلام أن يفي بنذره، ففي صحيحي البخاري ومسلم عن ابن عمر رضي الله عنهما أَنَّ عُمَرَ رضي الله عنه سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ : ” كُنْتُ نَذَرْتُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ أَنْ أَعْتَكِفَ لَيْلَةً فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ” فقَالَ النبي : ( فَأَوْفِ بِنَذْرِكَ)(2).

والتزمه النبي ﷺ سنة من سنن الصيام في كل رمضان تكميلاً لمقاصد الصوم العظيمة.

فأجمع العلماء على مشروعية الاعتكاف وأنه من أعمال الخير ونوافله الجليلة(3).

فقال الحنفية: هو واجب بالنذر، وسنة مؤكدة في العشر الأواخر من رمضان، ومستحب في غير رمضان من الأزمنة(4).

وقد وافقهم على تأكيد سنيته أبو الحسن بن بطال من المالكية حيث يقول في شرحه لخبر: « كان رسول الله ﷺ يعتكف فى كل رمضان » قال رحمه الله : “فهذا يدل على أن الاعتكاف من السنن المؤكدة؛ لأنه مما واظب عليه النبى ﷺ فينبغى للمؤمنين الاقتداء فى ذلك بنبيهم”(5).

وقال المالكية: هو نافلة من نوافل الخير ، وقربةٌ مرغّب فيها للرجال والنساء لا سيما في العشر الأواخر من رمضان(6).

وقال الشافعية: ” هو مستحب في الأصل، ويتأكد استحبابه في العشر الأواخر من رمضان” (7).

وقال الحنابلة: ” هو سنة ..لا نعلم خلافاً في استحبابه” (8).

وقد استدلوا جميعاً بالكتاب والسنة.

فمن الكتاب قوله آية كريمة(9)، وقوله تعالى آية كريمة.(10)

ووجه الدلالة على مشروعيته وسنيته من الآيتين؛:

أـ أنّ الله تعالى في الآية الأولى أمر بتهيئة البيت الحرام لهؤلاء المعتكفين، وفي هذا تعظيم له وتكريم لأهله، وفيه ما فيه من اعتباره طاعة وقربة عظيمة يحبها الله تعالى.

ب ـ وأنّه تعالى في الآية الأخرى أضاف الاعتكاف إلى بيوته، فدلّ على عظمته ، ثم نهى عن الوطأ المباح لأجله، فدلّ على أنّ التلبس به أعظم رعايةً حتى يُحرّم لأجله المباح، وعلى أنه فوق المباح فلو كان مجرد مباح جائز لما حُرّم لأجله ما هو مباح مثله، فكان أرفع من المباح، وأقلّ ذلك الاستحباب.

وأما دليل السنة؛: فهو مواظبته عليه الصلاة والسلام على الاعتكاف في حياته وفي خبر عائشة قالت: «كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَعْتَكِفُ الْعَشْرَ الأَوَاخِرَ مِنْ رَمَضَانَ حَتَّى تَوَفَّاهُ اللَّهُ ثُمَّ اعْتَكَفَ أَزْوَاجُهُ مِنْ بَعْدِه) (11).

هذا حكم الاعتكاف في الأصل، غير أنه قد يجب، وذلك في حالتين:

الحالة الأولى: إذا نذر شخص الاعتكاف، فيكون قد أجب على نفسه نذراً يجب عليه الوفاء به بالاتفاق.

والحالة الثانية: إذا نوى الاعتكاف مدة ودخل فيه، فيجب عليه ويلزمه، فإن قطعه فعليه قضاؤه، وهذا ما ذهب إليه المالكية رحمهم الله تعالى، مستدلين بحديث قضاء النبي ﷺ لاعتكافه، في الموطأ وغيره (12).

فَعَنْ عَمْرَةَ بنت عبد الرحمن عَنْ عَائِشَةَ رضى الله عنها قَالَتْ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَعْتَكِفَ صَلَّى الْفَجْرَ ثُمَّ دَخَلَ مُعْتَكَفَهُ وَإِنَّهُ أَمَرَ بِخِبَائِهِ فَضُرِبَ أَرَادَ الاِعْتِكَافَ فِى الْعَشْرِ الأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ فَأَمَرَتْ زَيْنَبُ بِخِبَائِهَا فَضُرِبَ وَأَمَرَ غَيْرُهَا مِنْ أَزْوَاجِ النَّبِىِّ ﷺ بِخِبَائِهِ فَضُرِبَ فَلَمَّا صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْفَجْرَ نَظَرَ فَإِذَا الأَخْبِيَةُ فَقَالَ « آلْبِرَّ تُرِدْنَ ». فَأَمَرَ بِخِبَائِهِ فَقُوِّضَ وَتَرَكَ الاِعْتِكَافَ فِى شَهْرِ رَمَضَانَ حَتَّى اعْتَكَفَ فِى الْعَشْرِ الأَوَّلِ مِنْ شَوَّالٍ»(13).

قال الحافظ ابن عبد البر رحمه الله: « وفي هذا الحديث من الفقه: أنّ الاعتكاف يلزم مع النية بالدخول فيه، فإذا دخل الإنسان ثم قطعه لزمه قضاؤه» اهـ (14).

وقد يكون الاعتكاف مكروهاً، وذلك في حالة واحدة هي الدخول فيه لمن يُخاف عليه العجز عن الوفاء بحقه وشرطه، وهو مرويٌ عن الإمام مالك رحمه الله(15). وقد قال رحمه الله في المدونة: « لا أرى للذي لا يقوى أن يعتكف». وقد استدل بأن أبا بكر وعمر وعثمان من الصحابة لم يبلغه أنهم اعتكفوا، ولا أحداً من التابعين لا ابن المسيب ولا غيره، ولا أحداً ممن أدركه ممن يُقتدَى به إلا أبو بكر ابن عبد الرحمن. فلما سئل: لِمَ تُراهم تركوه؟ قال: أراه لشدة الاعتكاف عليهم، لأنّ ليلهُ ونهارهُ سواء، وجعل رحمه الله الاعتكاف من باب الوصال الذي كان يفعله النبي وينهى عنه(16).

وعلى هذا: فالاعتكاف تعتريه أحكام شرعية ثلاثة:

1ـ الوجوب في حالة النذر باتفاق، وفي حالة دخول المعتكف فيه بنية عند المالكية.

2ـ الندب والاستحباب، وهو الحكم الأصل.

3ـ الكراهة لمن لا يقوى على الاعتكاف ويُخشَى عليه أن لا يوفي بحقه وشرطه.

والله تعالى أعلم..

الحواشي

  1. (1) سورة البقرة 125.
  2. صحيح البخاري برقم 2032، وبرقم 2042، ومسلم في صحيحه برقم 4382
  3. راجع: الإفصاح عن معاني الصحاح لابن هبيرة، ج1 ص 219 وقال: ” واتفقوا على أن الاعتكاف مشروع وأنه قربة، وانظر: الإجماع لابن المنذر، ص 16 مسألة رقم 130، وابن رشد في بداية المجتهد ج2 ص 201 وقال: ” والاعتكاف مندوب إليه بالشرع واجب بالنذر ولا خلاف في ذلك”.
  4. حاشية ابن عابدين، ج2 ص 129.
  5. شرح ابن بطال لصحيح البخاري، ج7 ص 211، وراجع: فتح الباري لابن حجر ج4 ص 285، وعمدة القاري للعيني ج11 ص 140.
  6. الشرح الصغير ج1 ص 725، القوانين الفقهية لابن جزي ص 134 .
  7. المهذب للشيرازي بشرح المجموع للنووي ، ج6 ص 468 ـ 469 . وشرح النووي لصحيح مسلم ج8 ص 307 .
  8. كشاف القناع عن متن الإقناع، للبهوتي، ج2 ص 348، وانظر: المغني ومعه الشرح الكبير لموفق الدين وشمس الدين ابني قدامة ج3 ص 122، والإنصاف للمرداوي ج3 ص 358.
  9. (3) البقرة 125.
  10. (4) البقرة 187
  11. أخرجه البخاري في صحيحه برقم 2026، ومسلم في صحيحه برقم 2841.
  12. راجع: الاستذكار، ج10 ص 305، المقدمات الممهدات، لابن رشد الجد، ج1 ص 259 – 260.
  13. أخرجه مالك في الموطأ برقم 661، انظره مع الاستذكار ج10 ص 299، والبخاري برقم 2033، ومسلم برقم 2842.
  14. الاستذكار ج10 ص 305 .
  15. راجع بداية المجتهد لابن رشد ج2 ص 201.
  16. انظر: المدونة الكبرى لمالك، ج1 ص 342.
أ.د. عبدالله الزبير عبدالرحمن
س

الصوم أفضل للمسافر أم الفطر؟

فتاوى الصيام · · سأل: من كتاب «سؤالات الصائمين» — الصيام وأقضية السفر

كثيراً ما يختلف الناس ويتنازعون في للمسافر : هل الأفضل في حقه الصوم أم الأفضل الفطر خاصة إذا كان لا يجد مشقة ظاهرة في سفره؟.

جواب فضيلة الشيخ

[1] من تصوّر من العلماء مشقة القضاء وكونه معلّقاً على الظروف بعد أيام رمضان ، والمسافر لا يشق عليه الصوم مع السفر ، فيمكنه أن يصوم بلا مشقة تحتاج إلى الرخصة ، قرّر أن الأفضل لمثل هذا المسافر الصوم لا الفطر، وهو مذهب الحنفية والمالكية والشافعية واستدلوا بقوله آية كريمة من كتاب سؤالات الصائمين ، وبقوله ﷺ: ( إنّ أفطرت فهو رخصة، وإنْ صمت فهو أفضل )(1).

[2] ومن نظر إلى مقصود الشارع في التخفيف والتيسير في أحكام الصيام، ووجود الحكمة البالغة ـ بلا شك ـ في تعليق الرخصة بالسفر دون تقييد بمشقة أو عدمها، قرّر أن الأفضل للمسافر الفطر لا الصوم، وهو مذهب الحنابلة وابن الماجشون من المالكية واختاره ابن تيمية، ومحكي عن ابن عباس رضي الله عنهما .

[3] ومن نظر إلى خفاء الحكمة وظهور الرخصة ، قرّر أن الأفضل هو الأيسر والأسهل عليه ، فإن كان الفطر أسهل عليه مع القضاء ، كان الفطر له أفضل ، وإنْ كان الصوم أسهل عنده من القضاء كان أفضل، وقد جعلوا ـ والله أعلم ـ ذكر إرادة التيسير عقب الترخيص للمريض والمسافر سبباً للرخصة وعلة لها ، فما وافق التيسير كان أولى ، وهو قول مجاهد وعمر بن عبد العزيز ورجّحه ابن المنذر ونسبه القرطبي إلى جلّ مذهب مالك.(2).

وهو الراجح :

أولاً: لأن الشارع قصد إلى التيسير على الصائمين فرخّص لهم في الفطر بسبب السفر، كما رخّص لهم بسبب المرض ، وقد يكون على كثيرين القضاء بعد رمضان أشق عليه من الفطر في السفر ، خاصة سفر بطائرة أو باخرة ، أو بص مكيّف مريح ، وهذا هو المقصود بالرخصة (مراعاة التيسير ) فما كان أيسر كان أفضل ، ومن تلا الآية بتدبّر انشرح صدره لهذا الرأي وقد قال تعالى آية كريمة من كتاب سؤالات الصائمين (3)وهو تعقيب يدلّ على المراد بوضوح.

ثانياً : كانت السنة الجارية في أسفار النبي ﷺ وصحابته الكرام رضي الله عنه أنهم كانوا لا ينكرون على من صام فيها ولا على من أفطر فيها ، فدلّ أن المقياس شخصيٌّ ، ولا يكون إلاّ تقدير الأيسر له والأسهل عليه .

قال ابن عباس رضي الله عنهما : ” صام رسول الله ﷺ وأفطر ـ أي في أسفار رمضان ـ من شاء صام ومن شاء أفطر ” .

وقال أبو سعيد الخدري رضي الله عنه: ” غزونا مع رسول الله ﷺ لست عشرة مضت من رمضان ، فمنّا من صام ، ومنّا من أفطر ، فلم يعب الصائم على المفطر ، ولا المفطر على الصائم “.. وفي رواية: كنا نسافر مع رسول الله ﷺ في رمضان ، فما يعاب على الصائم صومه، ولا على المفطر إفطاره ” .. وفي رواية: ” يرون أنّ من وجد قوة فصام، فإن ذلك حسن، ويرون أنّ من وجد ضعفاً فأفطر ، فإن ذلك حسنٌ “.

وقال أنس رضي الله عنه، وقد سئل عن صوم رمضان في السفر فقال: “سافرنا مع رسول الله ﷺ في رمضان ، فلم يعب الصائم على المفطر ، ولا المفطر على الصائم ” .

وقال جابر بن عبد الله رضي الله عنه : ” سافرنا مع رسول الله ﷺ، فيصوم الصائم ويفطر المفطر ، فلا يعيب بعضهم على بعض ” (4).

ثالثاً : أن النبي ﷺ خيّر المسافر بين الصوم والفطر ، والتخيير يجعل المقياس في المخيّر شخصياً ، ويكون هو الأيسر، ويستبعد أن يختار شخصٌ غير الأيسر وقد خُيِّر بين أمرين ، وكان رسولنا الحبيب ﷺ إذا خيِّر بين أمرين اختار أيسرهما إنْ لم يكن إثماً ، كما صحّ عنه ﷺ. وكذلك كل عاقل يفعل . وفي الصحيح عن عائشة قالت : ” سأل حمزة ابن عمرو الأسلمي رسول الله ﷺ عن الصيام في السفر فقال : ( إنْ شئت فصم، وإنْ شئت فأفطر)(5).

هذا وقد شذّ الظاهرية فأوجبوا الأخذ بالرخصة وذهبوا إلى تحريم الصوم في السفر(6) أخذاً بظاهر حديث (ليس البر أن تصوموا في السفر) وحديث (أولئك العصاة)(7). ولا يصلح أحدهما في تحريم الصوم في السفر، لأنهما خاصّان بحالة من شقّ عليه الصوم ، وكره الرخصة . أما حديث (ليس البر أن تصوموا في السفر) قاله ﷺ حينما رأى رجلاً قد اجتمع الناس عليه وقد ظلل عليه ، فقال : ( ماله ؟) قالوا : رجل صائم . فقال: ( ليس البر أن تصوموا في السفر ) .. وأما حديث ( أولئك العصاة ) إنما قاله ﷺ حينما شقّ الصوم على الناس وقيل له : إنّ الناس قد شقّ عليهم الصيام ، وإنما ينظرون فيما فعلت ، فدعا بقدح من ماء فرفعه حتى نظر الناس إليه ثم شرب ، فقيل له : إن بعض الناس قد صام . فقال ( أولئك العصاة أولئك العصاة ) كما في صحيح مسلم . وواضح جداً أن هؤلاء العصاة رفضوا رخصة رسول الله ﷺ وكرهوا فعله وأصروا على الصوم مع ما يشقّ عليهم، فكانوا فعلاً عصاة .

لذلك الراجح : التخيير للمسافر إنْ شاء أفطر وإنْ شاء أمسك وصام، بما يراه هو أيسر عليه وأسهل له . والله تعالى أعلم ..

الحواشي

  1. أخرجه البيهقي في الصيام 4/245 وقال حديث منكر ، وأن الصحيح أنه موقوف على أنس ◙ .
  2. يراجع الأقوال والمذاهب في : المجموع شرح المهذب 6/266-267 ، تفسير القرطبي، 2/261-262، بداية المجتهد 2/167-168 ، مجموع الفتاوى 25/213-214 .
  3. البقرة : 185.
  4. كلها في أخرجها مسلم في صحيحه كتاب الصيام باب جواز الصوم والفطر في رمضان للمسافر في غير معصية ، ج7/229 ـ 236 بشرح النووي .
  5. صحيح مسلم كتاب الصيام برقم 2620، 2621، 2622، ج7 ص 237 بشرح النووي.
  6. المحلى لابن حزم ، 4/395 وما بعدها .
  7. حديث ( ليس من البر ) أخرجه مسلم في الصيام برقم 2607 والبخاري في الصوم برقم 1946 ، وأبو داود في الصوم برقم 2407 . وحديث ( أولئك العصاة ) أخرجه أيضاً مسلم في الصيام برقم 2605، والترمذي في الصوم برقم 710 ، والنسائي في الصوم باب ذكر اسم الرجل برقم 2262 .
أ.د. عبدالله الزبير عبدالرحمن
س

قضــاء التــراويــح

فتاوى الصيام · · سأل: من كتاب «سؤالات الصائمين» — أقضية صلاة التراويح

كنت مرهقاً يوماً في نهار رمضان، فصليت العشاء وعدت للبيت بنية أن أصلي التراويح بالليل بعد أن آخذ قسطاً من الراحة، فلم أشعر بنفسي إلا والمؤذن ينادي لصلاة الفجر، فهل يجوز لي أن أقضي التراويح بالنهار؟.

جواب فضيلة الشيخ

الفقهاء في قضاء التراويح على ثلاثة أقوال(1):

القول الأول: أنه يستحب قضاؤها، وهو الصحيح من مذهب الشافعية، وبه قال المزني وأحمد في رواية عنه.

والقول الثاني: أنه يكره قضاؤها، وبه قال أبو حنيفة ومالك في الأشهر عنه والشافعي في القديم.

والقول الثالث: أنه يجوز قضاؤها منفرداً ما لم يدخل وقت تراويح أخرى، وقيل ما لم يمض الشهر، وهذا قول بعض الحنفية.

والراجح فيما يظهر، القول بجواز القضاء من خمسة وجوه:

الوجه الأول: أنها سنة في رتبة الوتر وركعتي الفجر، وقد أرشد النبي ﷺ بقضائهما، ففي حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النّبي ﷺ قال: ( من لم يصلّ ركعتي الفجر حتى تطلع الشمس فليصلهما)(2). وحديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أنّ النّبي ﷺ قال: ( من نام عن وتره أو نسيه فليصلّه إذا ذكره)(3). وعند الترمذي وابن ماجة والبيهقي والحاكم وغيرهم: ( من نام عن وتره فليصل إذا أصبح )(4). وكان ابن عمر يقضيهما من الضحى(5).

الوجه الثاني: أنّ النبي ﷺقضى ركعتين بعد العصر حين انشغل عنهما من بعد الظهر مع وفد عبد القيس، فقال ﷺ لما سألته أم سلمة عنهما: ( إنّه أتاني ناسٌ من عبد القيس بالإسلام من قومهم، فشغلوني عن الركعتين اللتين بعد الظهر فهما هاتان)(6). وهي سنة من السنن الراتبة، والتراويح كذلك، فاستويا في الحكم.

الوجه الثالث: حديث عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدٍ الْقَارِىِّ قَالَ: سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رضي الله عنه يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: « مَنْ نَامَ عَنْ حِزْبِهِ أَوْ عَنْ شَىْءٍ مِنْهُ فَقَرَأَهُ فِيمَا بَيْنَ صَلاَةِ الْفَجْرِ وَصَلاَةِ الظُّهْرِ كُتِبَ لَهُ كَأَنَّمَا قَرَأَهُ مِنَ اللَّيْلِ»(7).

والدلالة واضحة على المطلوب ، وهي دعوة النبي ﷺ الناس أنْ يقضوا نوافلهم التي فاتتهم بسبب ما .

الوجه الرابع: قوله آية كريمة من كتاب سؤالات الصائمين (8) قال عمر بن الخطاب وابن عباس والحسن: “معناه من فاته شيء من الخير بالليل أدركه بالنهار، ومن فاته بالنهار أدركه بالليل”(9).

الوجه الخامس: أنّ الصحابة رضوان الله عليهم كانوا يقضون ما فاتهم بالليل أثناء النهار:

ـ اسْتَأْذَنَ رجلٌ عَلَى عُمَرَ رضي الله عنه بِالْهَاجِرَةِ، فَحَجَبَهُ طَوِيلاً، ثُمَّ أَذِنَ لَهُ، فَقَالَ:”إنِّي كُنْتُ نِمْتُ عَنْ حِزْبِي، فَكُنْت أَقْضِيهِ”.

ـ وقَالَ عَلِيٌّ رضي الله عنه: “مَنْ فَاتَهُ شَيْءٌ مِنْ حِزْبِهِ، فَصَلاَّهُ ارْتِفَاعَ النَّهَارِ، فَكَأَنَّمَا صَلاَّهُ بِاللَّيْلِ”.

ـ وعَنِ الْقَاسِمِ رحمه الله، قَالَ: “كُنَّا نَأْتِي عَائِشَةَ قَبْلَ صَلاَةِ الْفَجْرِ، فَأَتَيْنَاهَا ذَاتَ يَوْمٍ فَإِذَا هِيَ تُصَلِّي، فَقَالَتْ : “نِمْت عَنْ حِزْبِي فِي هَذِهِ اللَّيْلَةِ فَلَمْ أَكُنْ لأَدَعَهُ”.

وقال أَبِو سَلَمَةَ رضي الله عنه: “مَنْ فَاتَهُ جُزْؤُهُ مِنَ اللَّيْلِ فَقَضَاهُ قَبْلَ أَنْ تَزُولَ الشَّمْسُ، فَقَدْ أَدْرَكَ”(10). فدلّ كل ذلك على أنّ القضاء هو الأولى.

والله تعالى أعلم..

الحواشي

  1. راجع المسألة في : المجموع شرح المهذب ج4 ص 43، المغني لابن قدامة ، ج1 ص 793-795، حاشية ابن عابدين، ج1 ص 775، والبحر الرائق ج2 ص 316..
  2. أخرجه الترمذي برقم 423، والحاكم في المستدرك ج1ص 274 وصححه على شرط الشيخين ووافقه الذهبي، وقال النووي في المجموع (4/45) رواه البيهقي بإسناد جيد.
  3. أخرجه أبو داود برقم 3143، وحسن النووي إسناده في المجموع (4/45).
  4. أخرجه الترمذي برقم 466، وابن ماجة برقم 1188، والدارقطني برقم 1637، والبيهقي في السنن الكبرى برقم 4711، والحاكم في المستدرك برقم 1127، وصحح الحاكم إسناده على شرط الشيخين ووافقه الذهبي (1/443).
  5. المغني ، ج1 ص 794.
  6. أخرجه الشيخان في صحيحيهما، البخاري برقم 1233، ومسلم برقم 1970.
  7. أخرجه مسلم برقم 1779، وأبو داود برقم 1315.
  8. سورة الفرقان الآية 62.
  9. تفسير القرطبي ، للآية ، ج13 ص 66 ، مؤسسة مناهل العرفان بيروت، توزيع مكتبة الغزالي.
  10. مصنف ابن أبي شيبة، ج2 ص 71، بالأرقام: من 4817 ـ 4820.
أ.د. عبدالله الزبير عبدالرحمن

لديك مسألةٌ تُشكل عليك؟ استفتِ الشيخ

اكتب سؤالك وسيصل مباشرةً إلى مكتب فضيلة الشيخ، ويصلك الجواب على بريدك.

الردّ خلال ٣–٧ أيام بياناتك محفوظة ولا تُنشر ١١٦ فتوى منشورة
استفتِ الشيخ
فتوى مختارة

منع الحيض بالعقار لإكمال صيام رمضان

امرأة تخشى قضاء رمضان ، فاستعملت حبوباً تمنع الحيض أو تؤخّره حتى تتمكّن من صيام الشهر كله باطمئنان، هل يجوز لها ذلك، وهل يصحّ صومها إذا لم تحض بسبب الحبوب ؟.

اقرأ الجواب