الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
أولاً: نقول لهذه الأم: اتّق الله في ابنتك، وحافظي على عرضها وشرفها، فشرفها شرفك وعرضها عرضك، ولا تمنعيها من أن تُحصِّن نفسها وتحفظ عرضها.
ونقول للأب: إنّ الظلم الأبعد والجَوْر الأشدّ ظلم الوالد للولد، وإنّ من واجبك الشرعي ومسؤوليتك الأبوية أن تستر ابنتك وتُحصِّنها بالحلال، فلا يجوز لك ولا لأمّها أن تمنعوها من الزواج لغرض دنيوي ومنفعة خاصة بكم. والعقلاء يصونون الأعراض بالمال لا المال بالأعراض، فاتّقوا الله في ابنتكم هذه.
ثانياً: أرى أنْ يبذل الحكماء القريبون من الأبوين جهدهم في إقناع الأبوين وحملهما على تزويج هذه البنت.
ثالثاً: فإنْ عجزوا عن إقناعهما، وبَقِيَا على موقفهما من الرفض، فإنّ رفض الأب عضلٌ محرّم غير مقبول شرعاً ولا مجتمعاً، والله تعالى يقول: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَن يَنكِحْنَ﴾ [البقرة: ٢٣٢]. وهو مخالفٌ لأمر النبي ﷺ الصريح للآباء والأولياء: «إِذَا أَتَاكُمْ مَنْ تَرْضَوْنَ خُلُقَهُ وَدِينَهُ فَزَوِّجُوهُ، إِلَّا تَفْعَلُوا تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ عَرِيضٌ»1.
فهل يجرؤ الأب المسلم والأم المسلمة على مخالفة أمر نبيّه ﷺ هذا؟
فإن تجرّأ الأبوان ولم يتّعظا، واستمرّا في موقفهما الرافض من زواج ابنتهما من أجل عمارتها! فيجوز عندئذٍ تجاوزهما والانتقال إلى أيٍّ من أوليائها:
١ـ ابنها إن كان مميِّزاً [كما فعلت أمّ سليم رضي الله عنها فقالت لابنها أنس: يا أنس زوِّج أبا طلحة]، وإلاّ.
٢ـ فعمّها الموافق على تزويجها. وإلاّ
٣ـ فأيٌّ من أبناء أعمامها ممن لا يمانع من زواجها. وإلاّ
٤ـ فأيٌّ من عصبتها الأقارب من جهة أبيها.
٥ـ وإنْ عَدِمتْ هؤلاء؛ فلا حرج عليها إذا لجأت إلى القاضي لتزويجها، وقد أعطاها قانون الأحوال الشخصية السوداني هذا الحق في المادة (37/1) ونصها: «إذا امتنع الوليّ عن تزويج موليته؛ فيجوز لها أن تطلب من القاضي تزويجها.» والمادة (37/2) تقول: «يجوز للقاضي أن يأذن بتزويج من طلبت الزواج إذا ثبت له أن وليها ممتنع عن التزويج بلا مسوّغ شرعي»، وامتناع الأمّ والأب عن تزويج هذه البنت بسبب العمارة ليس مسوّغاً شرعياً.
وهذا من قبيل ارتكاب أخفِّ الضررين وأهون الشرَّين حتى لا تقع في المحظور. وإن شاء الله بعد زواجها سيعود الأبوان نادمَيْن آسفَيْن.
وننصحها أنْ لا تلجأ لتزويج نفسها من غير وليٍّ أبداً، وإيّاها أن تسمع لمن يقول لها: زوِّجها الحنفية، فأئمة الحنفية رحمهم الله أمثال الكاساني والسرخسي قد نصّا على أنّ تزويج المرأة نفسها رعونةٌ ووقاحة.
والله تعالى أعلم.
- ابن ماجه (١٩٦٧)، والترمذي (١٠٨٥)، ومراسيل أبي داود (٢٢٤).