هل يجوز للمرأة أن تزوّج نفسها إذا امتنع الأبوان من تزويجها؟
قضايا معاصرة ·
عندنا بنت لها رغبة في الزواج وهي أرملة قتل الدعامة زوجها، وهي عندها عمارة من زوجها، لكن أمها رفضت أن تتزوج ابنتها هذه، لأنها طمعت في عمارة ابنتها، لأنها تخشى لو تزوجت البنت لن تستفيد من العمارة، فمنعتها من أن تتزوج، وللأسف ضغطت على زوجها الذي هو أب البنت وهددته أنه لو زوّج ابنته أو وافق على زواجها أنها ستتركه، والأب مسكين لا يستطيع معارضة زوجته أم البنت، والبنت تقول إنها تخاف أن تقع في الفتنة، وقد تقدّم لها من الرجال المستقيمين المحترمين يرغبون في الزواج بها، فهل يجوز أن يكون أمرها بيدها فتعقد لنفسها من غير أبيها وأهلها؟
جواب فضيلة الشيخ
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
أولاً: نقول لهذه الأم: اتّق الله في ابنتك، وحافظي على عرضها وشرفها، فشرفها شرفك وعرضها عرضك، ولا تمنعيها من أن تُحصِّن نفسها وتحفظ عرضها.
ونقول للأب: إنّ الظلم الأبعد والجَوْر الأشدّ ظلم الوالد للولد، وإنّ من واجبك الشرعي ومسؤوليتك الأبوية أن تستر ابنتك وتُحصِّنها بالحلال، فلا يجوز لك ولا لأمّها أن تمنعوها من الزواج لغرض دنيوي ومنفعة خاصة بكم. والعقلاء يصونون الأعراض بالمال لا المال بالأعراض، فاتّقوا الله في ابنتكم هذه.
ثانياً: أرى أنْ يبذل الحكماء القريبون من الأبوين جهدهم في إقناع الأبوين وحملهما على تزويج هذه البنت.
ثالثاً: فإنْ عجزوا عن إقناعهما، وبَقِيَا على موقفهما من الرفض، فإنّ رفض الأب عضلٌ محرّم غير مقبول شرعاً ولا مجتمعاً، والله تعالى يقول: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَن يَنكِحْنَ﴾ [البقرة: ٢٣٢]. وهو مخالفٌ لأمر النبي ﷺ الصريح للآباء والأولياء: «إِذَا أَتَاكُمْ مَنْ تَرْضَوْنَ خُلُقَهُ وَدِينَهُ فَزَوِّجُوهُ، إِلَّا تَفْعَلُوا تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ عَرِيضٌ»1.
فهل يجرؤ الأب المسلم والأم المسلمة على مخالفة أمر نبيّه ﷺ هذا؟
فإن تجرّأ الأبوان ولم يتّعظا، واستمرّا في موقفهما الرافض من زواج ابنتهما من أجل عمارتها! فيجوز عندئذٍ تجاوزهما والانتقال إلى أيٍّ من أوليائها:
١ـ ابنها إن كان مميِّزاً [كما فعلت أمّ سليم رضي الله عنها فقالت لابنها أنس: يا أنس زوِّج أبا طلحة]، وإلاّ.
٢ـ فعمّها الموافق على تزويجها. وإلاّ
٣ـ فأيٌّ من أبناء أعمامها ممن لا يمانع من زواجها. وإلاّ
٤ـ فأيٌّ من عصبتها الأقارب من جهة أبيها.
٥ـ وإنْ عَدِمتْ هؤلاء؛ فلا حرج عليها إذا لجأت إلى القاضي لتزويجها، وقد أعطاها قانون الأحوال الشخصية السوداني هذا الحق في المادة (37/1) ونصها: «إذا امتنع الوليّ عن تزويج موليته؛ فيجوز لها أن تطلب من القاضي تزويجها.» والمادة (37/2) تقول: «يجوز للقاضي أن يأذن بتزويج من طلبت الزواج إذا ثبت له أن وليها ممتنع عن التزويج بلا مسوّغ شرعي»، وامتناع الأمّ والأب عن تزويج هذه البنت بسبب العمارة ليس مسوّغاً شرعياً.
وهذا من قبيل ارتكاب أخفِّ الضررين وأهون الشرَّين حتى لا تقع في المحظور. وإن شاء الله بعد زواجها سيعود الأبوان نادمَيْن آسفَيْن.
وننصحها أنْ لا تلجأ لتزويج نفسها من غير وليٍّ أبداً، وإيّاها أن تسمع لمن يقول لها: زوِّجها الحنفية، فأئمة الحنفية رحمهم الله أمثال الكاساني والسرخسي قد نصّا على أنّ تزويج المرأة نفسها رعونةٌ ووقاحة.
والله تعالى أعلم.
الحواشي
ابن ماجه (١٩٦٧)، والترمذي (١٠٨٥)، ومراسيل أبي داود (٢٢٤).
عندنا كثيرٌ من الشباب والأولاد والبنات يحتفلون بعيد الميلاد وبليلة رأس السنة، وأنا سمعتُ أنّ الاحتفال بعيد الميلاد وبرأس السنة لا يجوز، فما رأيكم يا فضيلة الشيخ في الاحتفال برأس السنة وبعيد الميلاد؟
جواب فضيلة الشيخ
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
فالمشاركة في الاحتفالات بعيد الميلاد وبأعياد رأس السنة ممّا حرّمها الشرعُ وشدّد فيها العلماءُ من لدن الصحابة رضوان الله عليهم إلى أئمة المذاهب الفقهية.
فقد نصَّ الإمام أحمد رحمه الله على ذلك فقال: «لا يجوز شهودُ أعياد اليهود والنصارى».
وهو ما كان عليه الإمام مالك رحمه الله، فقد عظّم أمرَ المشاركة في احتفالات المشركين، ورأى أنه من العون على الكفر والتعظيم للشرك. فنسمع إلى عبد الملك بن حبيب رحمه الله من أئمة المالكية يقول: «فلا يُعاونون على شيءٍ من عيدهم، لأنّ ذلك من تعظيم شركهم، وعونِهم على كفرهم، وينبغي للسلاطين أن ينهوا عن ذلك». قال رحمه الله: «وهو قولُ مالكٍ وغيره، لم أعلم أنه اختُلف فيه» — فينفي اختلاف العلماء في ذلك.
وهو ما نصَّ عليه هبةُ الله بن منصور الطبري من الشافعية رحمه الله، يقول: «ولا يجوز للمسلمين أن يحضروا أعيادهم لأنهم على منكرٍ وزور، وإذا خالط أهلُ المعروف أهلَ المنكر بغير الإنكار عليهم؛ كانوا كالراضين به المؤثِرين له، فنخشى من نزول سخط الله على جماعتهم فيعمَّ الجميع، نعوذ بالله من سخطه».
بل ذهب أبو حفص النسفي الكبير من أئمة الحنفية إلى كفر من شاركهم في أعيادهم وقدّم لهم شيئاً هديةً ونحوها، حيث قال رحمه الله: «من أهدى فيه بيضةً إلى مشركٍ تعظيماً لليوم فقد كفر بالله تعالى».
أدلّة المنع
واستدلّ العلماء على عدم جواز مشاركة المسلم في احتفالات المشركين بعيد الميلاد وأعياد رأس السنة بجملةِ أدلّةٍ، منها:
[١] قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا﴾ [الفرقان: ٧٢]. فقال سادةُ أهل التفسير — ابن عباس والربيع بن أنس ومجاهد وغيرهم —: الزور: أعياد المشركين «أعياد أهل الذمة».
[٢] قوله تعالى: ﴿وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: ٢]، فقالوا: «فيه نهيٌ عن معاونتهم على أعيادهم بإهداءٍ أو مبايعة.. وعليه: فلا يحلّ للمسلمين أن يبيعوا للنصارى شيئاً من مصلحة عيدهم، لا لحماً ولا دماً ولا ثوباً، ولا يُعارون دابةً، ولا يعاونوهم على شيءٍ من عيدهم، لأنّ ذلك من تعظيم شركهم، وعونِهم على كفرهم..» كما في مجموع الفتاوى لابن تيمية.
[٣] حديثُ ثابت بن الضحاك عند أبي داود: أنّ رجلاً على عهد رسول الله ﷺ نذر أن ينحر إبلاً بِبُوانة، فأتى النبيَّ ﷺ فقال: «إني نذرتُ أن أنحر إبلاً ببوانة»، فقال النبي ﷺ: (هل كان فيها وثنٌ من أوثان الجاهلية يُعبد؟) قال: لا. قال: (هل كان فيها عيدٌ من أعيادهم؟) قال: لا. قال رسول الله ﷺ: (أوفِ بنذرك، فإنه لا وفاء لنذرٍ في معصية الله، ولا فيما لا يملك ابنُ آدم). والشاهدُ قولُه ﷺ: (هل كان فيها عيدٌ من أعيادهم؟) أي لو كان فيها عيدٌ من أعيادهم فلا يجوز وفاءٌ بالنذر فيها. وهذا يؤكّد حرمة فعل شيءٍ في أعيادهم ولو كان نذراً.
[٤] حديثُ كُرَيب مولى ابن عباس رضي الله عنهم عند أحمد والنسائي، قال: «أرسلني ابنُ عباس وناسٌ من أصحاب النبي ﷺ إلى أم سلمة رضي الله عنها أسألها: أيُّ الأيام كان النبي ﷺ أكثرها صياماً؟ فقالت: كان يصوم السبت ويوم الأحد أكثرَ ما يصوم من الأيام، ويقول: (إنهما يوما عيدٍ للمشركين، وأنا أحبُّ أن أخالفهم)»1. فإنْ كنتَ من أتباع النبي محمد ﷺ فخالفِ المشركين كما كان رسولُك ﷺ يخالفهم، واكرهْ موافقتهم حبّاً في مخالفتهم كما كان ﷺ يحبُّ مخالفتهم.
من أقوال الصحابة
ومن الأدلة أقوالُ الصحابة رضي الله عنهم وفتاويهم ومواقفهم:
فهذا عمرُ رضي الله عنه يقول: «لا تدخلوا على المشركين في كنائسهم يوم عيدهم، فإنّ السخط ينزل عليهم». ورُوي عن أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه أيضاً أنه قال: «اجتنبوا أعداء الله في عيدهم».
وهذا عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما يقول: «من صنع نَيْروزَهم ومِهرجانَهم، وتشبّه بهم حتى يموت، حُشر معهم».
أصل هذا العيد
والعجيبُ أنّ رأس السنة عيدٌ وثنيٌّ نمروديّ، أولُ من احتفل به هو النمرود الطاغية الكافر الذي تزوّج بأمه سميراميس، وحين مات لعائنُ الله عليه ادّعت أمُّه أنه حيٌّ روحٌ ويظهر في منتصف ليلة رأس السنة.
ثم انتقل من نمرود بابل إلى فراعنة مصر، وهو يوم الزينة كما قال ابنُ عباس رضي الله عنهما في تفسير الثعلبي: أنه أوّلُ يومٍ من السنة وهو يوم النيروز..
ثم اتخذه وثنيو اليونان واليابان يحتفلون به بأنه يومُ ميلاد إله الشمس «بَعْل». فهو إذن عيدٌ نمروديٌّ وثنيٌّ فرعونيّ.
فهل يليق بالمسلم أن يقلّد ويحاكي النمرود وفرعون ووثنيي اليونان واليابان لعنة الله عليهم؟؟
والحمد لله رب العالمين، وهو الهادي للحقّ والصواب..
الحواشي
أخرجه أحمد والنسائي وغيرهما، وقال ابن القيم: (صححه بعض الحفاظ). وانظر حاشيته على أبي داود، ج٧ ص ٥١ ـ ٥٢، دار الكتب العلمية، الطبعة الثانية ١٤١٥هـ / ١٩٩٥م.
أختي مصابةٌ بسحرٍ كما أخبرونا، وتعيش حالاتٍ صعبةً جداً مع زوجها وأطفالها، وتعاني هي وأمي ونحن جميعاً بسبب ذلك معاناةً شديدة، وهي تأخذ علاجات الأطباء لسنين، فأخبرنا أحدُ الشيوخ أنه يمكن أن يعالج سحرها، وعلمنا أنه يفكّ السحر بالسحر لأنه يتعامل بالسحر، فهل يجوز لنا أن نلجأ لعلاج سحرها بالسحر؟
جواب فضيلة الشيخ
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
فالأصلُ في علاج المسحور ولو بالسحر أنه لا يجوز، وقد منع منه عامّةُ الفقهاء لأسبابٍ:
السبب الأول: أنّ السحر محرَّمٌ بالكتاب والسنة والإجماع، وأنه من المعلوم بالاضطرار من المحرَّمات، ولا يجوز التداوي والعلاج بما هو محرَّم.
والسبب الثاني: أنّه من عمل الشيطان، وقد أمر ربُّ العزّة باجتناب ما كان من عمل الشيطان فقال: ﴿رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ﴾ [المائدة: ٩٠].
والسبب الثالث: أنّ عمل السحر ربما كان من الأعمال الكفرية، كما جاء في القرآن على لسان هاروت وماروت: ﴿وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ﴾ [البقرة: ١٠٢].
ولكن ذهب بعضُ العلماء إلى جواز فكِّ السحر ولو بالسحر، وقد سُئل الإمام أحمد رحمه الله عمّن يُطلق السحر عن المسحور؟ فقال: «لا بأس به».
ونُقل عن إمام التابعين سعيد بن المسيّب رحمه الله جوازُ حَلِّه وفكِّه عن الغير ولو بالسحر، وقال: «إنّه حينئذٍ صلاحٌ لا ضرر»، وقال: «لا بأس به، إنّما يريدون الإصلاح، فأمّا ما ينفع الناس فلم يُنْهَ عنه». وإلى الجواز مال الإمام المزنيّ رحمه الله.
وعلى هذا:
فإنّه في حالة الضرورة، والعجزِ عن علاج المسحور بسائر الطرق المعلومة الشرعية، فيجوز اللجوء إلى علاجه وحَلِّه ولو بالسحر؛ فيُبدأ أولاً بالعلاجات المشروعة من علاج الأطباء ومن الرقية الشرعية ونحو ذلك، ثم بعد ذلك يُلجأ إلى هذا العلاج.
ونسأل الله تعالى أنْ يُسلِّمها ويشفيها ويفكّ أسرها ويحفظها وأولادها وزوجها وحياتها وبيتها، فالله خيرٌ حافظاً وهو أرحم الراحمين.
فتاوى الصيام · · سأل: من كتاب «سؤالات الصائمين» — أقضية الاعتكاف
أنا حريصٌ على ان أعتكف اعتكافاً جيداً صحيحاً، وأريد أن أعرف ما يسلم به اعتكافي، وما يبطله ويفسده، فأرجو أن تفيدوني عن الأمور التي يبطل بها الاعتكاف حتى أبعد عنه وأحافظ على اعتكافي ولا أضيعه.
جواب فضيلة الشيخ
هذا من أهم ما يجب على مريد لاعتكاف معرفته ـ جزاك الله خيراً ـ. فالأمور التي يفسد بها الاعتكاف ولا يصح معها خمسة أمور هي:
الأمر الأول: أن يكون فى غير المسجد، في البيت أو النادى أو الفندق أو نحو ذلك، فالاعتكاف شرطه أن يكون في المساجد (1)، لقوله تعالى ، ولكنْ للفقهاء فى المراد بالمساجد من الآية الكريمة أقوال(2):
أ ـ الشافعية ومشهور المالكية والطبرى والثورى وداود أخذوا بظاهر عموم الآية، فعمموا جواز الاعتكاف فى كل مسجد من مساجد المسلمين.
ب ـ الحنفية والحنابلة فسروا ” المساجد ” بأنها مساجد الجماعة التي لها إمام ومؤذن مستدلين بحديث حذيفة رضي الله عنه أن النبى ﷺ قال: (كل مسجدٍ له إمام ومؤذن فالاعتكاف فيه يصلح )(3)، وهو المسجد الذى تصلى فيه الصلوات الخمس أو تقام فيه الجماعة. وهو قول علي بن أبي طالب وعائشة وابن عباس (4).
ج ـ المالكية مع أنهم جوزوا الاعتكاف في كل مسجد في مشهور المذهب، إلا أنهم فصلوا فقالوا: إنْ كان ممن لا تلزمه الجمعة أو كان لا يدركه يوم الجمعة باعتكافه فيجوز بلا كراهة في أي مسجد، وإنْ كان ممن تدركه الجمعة أو تلزمه الجمعة فيجوز أن يعتكف في أي مسجد ولكن يُكره له ذلك بسبب اضطراره للخروج من معتكفه لصلاة الجمعة.
د ـ والجمهور على أن المراد بالمساجد للرجل وللمرأة على السواء، ولكن الحنفية والإمام الثوري والشافعي في القديم بالنسبة للمرأة أدخلوا (مسجد بيتها) في مدلول المساجد، فجوّزوا لها الاعتكاف في مسجد بيتها وهو المكان الذي خصصته لصلاتها في البيت.
ولا شكّ أن الأفضل أن يكون الاعتكاف فى المسجد الجامع لأن الجماعة فى صلواته أكثر، ولأنه لن يضطر إلى الخروج إلى غيره لصلاة الجمعة أو الجماعة، ولأنه بالاعتكاف فى المسجد الجامع يكون قد خرج من الخلاف والخروج من الخلاف مستحب (5).
الأمر الثاني: أن يكون الاعتكاف لغير الله، وبغير نية التقرب إلى الله، كأن يعتكف للاسترواح أو الراحة أو الهروب من غريمٍ يطلبه أو من أهله وأولاده أو لواذاً من حقّ أو قضاء، أو لكتابة بحثٍ أو تقرير، أو نحو ذلك مما يقصده الناس لا سيما في هذا الزمان الذي كثرت فيه المشاغل وتزاحمت فيه الواجبات على ضيق الأوقات.
الأمر الثالث: أن يدخل معتكفه في المسجد وهو على جنابة أو حيض وهذا في الابتداء لا في الأثناء، لحديث النبى ﷺ:« لاَ أُحِلُّ الْمَسْجِدَ لِحَائِضٍ وَلاَ جُنُبٍ»(6).
ـ فإذا أجنب وهو معتكف تطهر واستمر في اعتكافه.
ـ وإذا حاضت وهى معتكفة، خرجت إلى بيتها، فإذا طهرت رجعت إلى المسجد أية ساعة طهرت، ثم تبنى على ما مضى من اعتكافها. هذا ما ذهب إليه عامة الفقهاء ونص عليه مالك في الموطأ(7) .
الأمر الرابع: أن يباشر نساءه وهو معتكف. الاعتكاف لا يتحقق ولا يصح شرعاً إلا باعتزال النساء وعدم المباشرة لصريح قوله تعالى . (8)
قال ابن المنذر رحمه الله: « وأجمعوا على أن المعتكف ممنوع من المباشرة»(9).
ولكن ما يفسد الاعتكاف ويبطله من المباشرة؛ الوطء والجماع باتفاق، وما دون الوطء من القُبلة واللمس والمباشرة دون الفرج لا يفسد به الاعتكاف إلا إذا أنزل عند الجمهور ـ أبي حنيفة وأحمد والشافعي في قول ـ. ويفسد به ـ إن كانت بشهوة وإنْ لم ينزل ـ عند مالك والشافعى فى الصحيح عنه. ورأيُهما هو الصحيح، لأنّ عموم النهى عن كل مباشرة فى قوله تعالى مخصوص بفعل عائشة إذ كانت ترجّل رأس رسول الله ﷺ وهو معتكف(10)، وكانت لا محالة تمس بدن رسول الله ﷺ بيدها ، فدل ذلك على أن المباشرة بغير شهوة غير محظورة .
الأمر الخامس: أن يخرج من المسجد لغير ضرورة ولا حاجة متعيّنة. لأنه يخل بمعنى الاعتكاف وما يحققه، إذ لا يتحقق إلا باللبث والمكوث في المسجد وحبس النفس فيه انقطاعاً لله قربة إليه. والأصل في ذلك قول عائشة : ” لاَ يَخْرُجَ لِحَاجَةٍ إِلاَّ لِمَا لاَ بُدَّ لَهُ مِنْهُ”(11). وخبرها : ” كان رسول الله ﷺ إذا اعتكف لا يدخل البيت إلاّ لحاجة الإنسان”(12).
ولكن يجوز للمعتكف الخروج للضرورة أو الحاجة، والفقهاء بين موسّع في ذلك ومضيّق، والمهم في ذلك الحرص الشديد على البقاء في المسجد وعدم الخروج إلا لضرورة يراها لا تدفع إلا بالخروج، أو حاجة ملحة. والله تعالى أعلم.
الحواشي
إلا ما شذ به ابن لبابة بجواز وصحة الاعتكاف في أي مكان ولو غير المسجد، راجع: بداية المجتهد ج2 ص 203، والقوانين الفقهية ص 134 .
أخرجه الدارقطني في سننه برقم 2357 ، وقال الضحاك لم يسمع من حذيفة، وهذا يعني ان فيه انقطاعاً بين الضحاك وحذيفة. سعيد بن منصور فى سننه والدار قطنى
أخرج عبد الرزاق في مصنفه برقم 8009 قول علي (لا اعتكاف إلا في مسجد جماعة) وأخرج البيهقي في السنن الكبرى برقم 8354 قول عائشة (ولا اعتكاف إلا في مسجد جماعة) وكذلك أخرج قول ابن عباس ( لا اعتكاف إلا في مسجد تقام فيه الصلاة) برقم 8835.
ينظر : المهذب مع المجموع ، 6/472-473
أخرجه أبو داود برقم 232، وابن خزيمة في صحيحه برقم 1327، والبيهقي في معرفة السنن برقم 1377، والحديث وإن ضعفه الألباني وقال فيه البيهقي ليس بالقوي، إلا أن الجمهور أخذوا به وعملوا به، راجع: شرح السنة للبغوي ج2 ص 45 .
الحديث أخرجه البخارى فى كتاب الاعتكاف بلفظ : ( كان النبى ♀ يصغي إليّ رأسه وهو مجاور في المسجد ، فأرجله وأنا حائض ) ، حديث رقم (2028) ج4ص320 مع الفتح ، وأبو داود في سننه برقم (2467) ، ج2ص332 بلفظ : ( إذا اعتكف يدني إليّ رأسه فأرجله). ج4ص320 مع الفتح ، وأبو داود في سننه برقم (2467) ، ج2ص332 بلفظ : ( إذا اعتكف يدني إليّ رأسه فأرجله).
أخرجه البيهقي في السنن الكبرى برقم 8377.
أخرجه مالك في الموطأ برقم 687. وانظر المدونة ج1 ص 341.
فتاوى الصيام · · سأل: من كتاب «سؤالات الصائمين» — أقضية الاعتكاف
ما حكم الاعتكاف أصلاً، هل هو واجب على الصائم أن يعتكف أم لا؟ أفيدونا جزاكم الله عنا خير الجزاء.
جواب فضيلة الشيخ
الاعتكاف في أصل اللغة من الإقبال على الخير ملازمةً ومواظبةً، وبالتاء (اعتكف) إقبالٌ على الخير، بينما بالنون (انعكف) إقبالٌ على الشرّ، فنقله الشرع إلى معنى إيماني تعبدي جميل هو أنه يعني لزوم المسجد واللبث فيه قربةً وطاعةً لله عز وجل.
وكان معروفاً كصورة من صور التدين من قبل بعثة النبي ﷺ وقبل نزول القرآن الكريم وشرائع الإسلام، وقد أمر الله تعالى إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام بتهيئة بيته الحرام للعاكفين مع الطائفين والمصلين فقال جل شأنه (1) وفي الصحيح خبر نذر عمر بن الخطاب رضي الله عنه الاعتكاف في الجاهلية، وسؤاله رسول الله ﷺ عن حكم ذلك، فأمره عليه الصلاة والسلام أن يفي بنذره، ففي صحيحي البخاري ومسلم عن ابن عمر رضي الله عنهما أَنَّ عُمَرَ رضي الله عنه سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ : ” كُنْتُ نَذَرْتُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ أَنْ أَعْتَكِفَ لَيْلَةً فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ” فقَالَ النبي : ( فَأَوْفِ بِنَذْرِكَ)(2).
والتزمه النبي ﷺ سنة من سنن الصيام في كل رمضان تكميلاً لمقاصد الصوم العظيمة.
فأجمع العلماء على مشروعية الاعتكاف وأنه من أعمال الخير ونوافله الجليلة(3).
فقال الحنفية: هو واجب بالنذر، وسنة مؤكدة في العشر الأواخر من رمضان، ومستحب في غير رمضان من الأزمنة(4).
وقد وافقهم على تأكيد سنيته أبو الحسن بن بطال من المالكية حيث يقول في شرحه لخبر: « كان رسول الله ﷺ يعتكف فى كل رمضان » قال رحمه الله : “فهذا يدل على أن الاعتكاف من السنن المؤكدة؛ لأنه مما واظب عليه النبى ﷺ فينبغى للمؤمنين الاقتداء فى ذلك بنبيهم”(5).
وقال المالكية: هو نافلة من نوافل الخير ، وقربةٌ مرغّب فيها للرجال والنساء لا سيما في العشر الأواخر من رمضان(6).
وقال الشافعية: ” هو مستحب في الأصل، ويتأكد استحبابه في العشر الأواخر من رمضان” (7).
وقال الحنابلة: ” هو سنة ..لا نعلم خلافاً في استحبابه” (8).
وقد استدلوا جميعاً بالكتاب والسنة.
فمن الكتاب قوله (9)، وقوله تعالى .(10)
ووجه الدلالة على مشروعيته وسنيته من الآيتين؛:
أـ أنّ الله تعالى في الآية الأولى أمر بتهيئة البيت الحرام لهؤلاء المعتكفين، وفي هذا تعظيم له وتكريم لأهله، وفيه ما فيه من اعتباره طاعة وقربة عظيمة يحبها الله تعالى.
ب ـ وأنّه تعالى في الآية الأخرى أضاف الاعتكاف إلى بيوته، فدلّ على عظمته ، ثم نهى عن الوطأ المباح لأجله، فدلّ على أنّ التلبس به أعظم رعايةً حتى يُحرّم لأجله المباح، وعلى أنه فوق المباح فلو كان مجرد مباح جائز لما حُرّم لأجله ما هو مباح مثله، فكان أرفع من المباح، وأقلّ ذلك الاستحباب.
وأما دليل السنة؛: فهو مواظبته عليه الصلاة والسلام على الاعتكاف في حياته وفي خبر عائشة قالت: «كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَعْتَكِفُ الْعَشْرَ الأَوَاخِرَ مِنْ رَمَضَانَ حَتَّى تَوَفَّاهُ اللَّهُ ثُمَّ اعْتَكَفَ أَزْوَاجُهُ مِنْ بَعْدِه) (11).
هذا حكم الاعتكاف في الأصل، غير أنه قد يجب، وذلك في حالتين:
الحالة الأولى: إذا نذر شخص الاعتكاف، فيكون قد أجب على نفسه نذراً يجب عليه الوفاء به بالاتفاق.
والحالة الثانية: إذا نوى الاعتكاف مدة ودخل فيه، فيجب عليه ويلزمه، فإن قطعه فعليه قضاؤه، وهذا ما ذهب إليه المالكية رحمهم الله تعالى، مستدلين بحديث قضاء النبي ﷺ لاعتكافه، في الموطأ وغيره (12).
قال الحافظ ابن عبد البر رحمه الله: « وفي هذا الحديث من الفقه: أنّ الاعتكاف يلزم مع النية بالدخول فيه، فإذا دخل الإنسان ثم قطعه لزمه قضاؤه» اهـ (14).
وقد يكون الاعتكاف مكروهاً، وذلك في حالة واحدة هي الدخول فيه لمن يُخاف عليه العجز عن الوفاء بحقه وشرطه، وهو مرويٌ عن الإمام مالك رحمه الله(15). وقد قال رحمه الله في المدونة: « لا أرى للذي لا يقوى أن يعتكف». وقد استدل بأن أبا بكر وعمر وعثمان من الصحابة لم يبلغه أنهم اعتكفوا، ولا أحداً من التابعين لا ابن المسيب ولا غيره، ولا أحداً ممن أدركه ممن يُقتدَى به إلا أبو بكر ابن عبد الرحمن. فلما سئل: لِمَ تُراهم تركوه؟ قال: أراه لشدة الاعتكاف عليهم، لأنّ ليلهُ ونهارهُ سواء، وجعل رحمه الله الاعتكاف من باب الوصال الذي كان يفعله النبي وينهى عنه(16).
وعلى هذا: فالاعتكاف تعتريه أحكام شرعية ثلاثة:
1ـ الوجوب في حالة النذر باتفاق، وفي حالة دخول المعتكف فيه بنية عند المالكية.
2ـ الندب والاستحباب، وهو الحكم الأصل.
3ـ الكراهة لمن لا يقوى على الاعتكاف ويُخشَى عليه أن لا يوفي بحقه وشرطه.
والله تعالى أعلم..
الحواشي
(1) سورة البقرة 125.
صحيح البخاري برقم 2032، وبرقم 2042، ومسلم في صحيحه برقم 4382
راجع: الإفصاح عن معاني الصحاح لابن هبيرة، ج1 ص 219 وقال: ” واتفقوا على أن الاعتكاف مشروع وأنه قربة، وانظر: الإجماع لابن المنذر، ص 16 مسألة رقم 130، وابن رشد في بداية المجتهد ج2 ص 201 وقال: ” والاعتكاف مندوب إليه بالشرع واجب بالنذر ولا خلاف في ذلك”.
حاشية ابن عابدين، ج2 ص 129.
شرح ابن بطال لصحيح البخاري، ج7 ص 211، وراجع: فتح الباري لابن حجر ج4 ص 285، وعمدة القاري للعيني ج11 ص 140.
الشرح الصغير ج1 ص 725، القوانين الفقهية لابن جزي ص 134 .
المهذب للشيرازي بشرح المجموع للنووي ، ج6 ص 468 ـ 469 . وشرح النووي لصحيح مسلم ج8 ص 307 .
كشاف القناع عن متن الإقناع، للبهوتي، ج2 ص 348، وانظر: المغني ومعه الشرح الكبير لموفق الدين وشمس الدين ابني قدامة ج3 ص 122، والإنصاف للمرداوي ج3 ص 358.
(3) البقرة 125.
(4) البقرة 187
أخرجه البخاري في صحيحه برقم 2026، ومسلم في صحيحه برقم 2841.
فتاوى الصيام · · سأل: من كتاب «سؤالات الصائمين» — أقضية صلاة التراويح
في الريف أصلي بالناس التراويح إماماً، وكلّما أريد أن أقرأ في التراويح طويلاً يضجر المصلون ويشكون من طول القراءة، فأرجو أن ترشدوني هل أقلل من القراءة إرضاءً للمصلين، أو الصحيح أن لا أسمع لهم وأُكثر من القراءة وأطيل في القيام والركوع والسجود؟ أفيدوني جزاكم الله خيراً.
جواب فضيلة الشيخ
أصحّ الأحوال دائماً التأسّي بحال صاحب الرسالة ﷺ، والتزام منهاج النبوة في الدين والدعوة، ومن خلقه العظيم عليه الصلاة والسلام شفقته بأمته ورحمته بالعباد أجمعين، وقد قال الله تعالى فيه (1) فإنه يعزّ عليه عنت أفراد الأمّة، لأنه بهم رءوف رحيم، فواجب الدعاة وأئمة الصلاة التأسي به في هذه الأحوال، فيحيوا سنته ويقيموا شريعته.
ولقد وجّه ﷺ أئمة الصلاة أن يخففوا على المصلين إنْ أمّوا الناس فقال في الصحيح: ( إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ لِلنَّاسِ فَلْيُخَفِّفْ فَإِنَّ مِنْهُمُ الضَّعِيفَ وَالسَّقِيمَ وَالْكَبِيرَ، وَإِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ لِنَفْسِهِ فَلْيُطَوِّلْ مَا شَاءَ )(2)، وقال أبو مسعود الأنصاري رضي الله عنه: “قَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللهِ! لاَ أَكَادُ أُدْرِكُ الصَّلاَةَ مِمَّا يُطَوِّلُ بِنَا فُلاَنٌ. فَمَا رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺفِي مَوْعِظَةٍ أَشَدَّ غَضَبًا مِنْ يَوْمِئِذٍ، فَقَالَ: (أَيُّهَا النَّاسُ! إِنَّكُمْ مُنَفِّرُونَ فَمَنْ صَلَّى بِالنَّاسِ فَلْيُخَفِّفْ فَإِنَّ فِيهِمُ الْمَرِيضَ وَالضَّعِيفَ وَذَا الْحَاجَةِ)(3). وقال لسيدنا معاذ بن جبل رضي الله عنه يعاتبه لما شكى المأمومون عن طول صلاته، يقول له: ( يَا مُعَاذُ! أَفَتَّانٌ أَنْتَ؟ – ثَلاَثًا – اقْرَأْ ، و وَنَحْوَهَا(4).
إنْ كان هذا في المكتوبات فمن باب أولى في النوافل والتطوعات.
فالعبرة إذنْ برضا المصلين وسخطهم في التطوعات والنوافل الجماعية، فإنْ رضوا بالطول فالأولى الإطالة في التراويح، وإنْ شكوا من الطول فالأولى التخفيف في القراءة والركوع والسجود، ومعلوم أنّ صلاة التراويح سنّة وليست فرضاً، والجماعة فيها مستحبة، وطول القيام والقراءة فيها مستحبٌ، والقاعدة في المستحبات: أنّه يُستحب ترك المستحب تأليفاً للقلوب، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في مثل هذا: “ولذلك استحب الأئمة أحمد وغيره أن يدع الإمام ما هو عنده أفضل إذا كان فيه تأليف المأمومين”(5).
فألِّف ـ قدر المستطاع وفقك الله ـ قلوب المؤمنين المصلين بالتخفيف إنْ شكوا من الإطالة بهم، فتأليفهم أحبّ في الشرع من كرههم لصلاة طويلة.
قال الكاساني رحمه الله: ” في زماننا الأفضل أن يقرأ الإمام على حسب حال القوم من الرغبة والكسل، فيقرأ قدر ما لا يوجب تنفير القوم عن الجماعة، لأن تكثير الجماعة أفضل من تطويل القراءة”(6).
قلت: هذا في زمانه، ففي زماننا أكثر.
وقال الإمام أحمد رحمه الله: ” يقرأ بالقوم في شهر رمضان ما يخف على الناس ولا يشق عليهم،.. والأمر على ما يحتمله الناس”(7).
غير أنّ بعض المصلين لا يعجبهم ولا يرضيهم من التخفيف إلاّ ما تضمّن الإسراع في القراءة والركوع والسجود مما يُخرج الصلاة عن حدّ الخشوع الواجب فلا يتم ركوعاً ولا سجوداً أو بعض الأركان، فتكون صلاتهم نقراً كنقر الغراب، وقراءتهم هذرمة تأكل الحروف، فيُعرِّضون الصلاة إلى البطلان والفساد بالسرعة التي تضيع الفرائض والأركان، فهذا لا يُقبل منهم، ويجب أن لا ينحدر الأئمة طلباً لتأليف أمثال هؤلاء فيبطلوا صلواتهم وصلاة من يؤمونهم. والله الموفق للخير والصواب.
الحواشي
التوبة 128
البخاري في الصحيح برقم 703، ومسلم برقم 1075.
أخرحه البخاري في صحيحه برقم 90، وابن ماجة في السنن برقم 984.
أخرجه البخاري برقم 6106، ومسلم برقم 1068، وأبو داود برقم 790، وغيرهم.
فتاوى الصيام · · سأل: من كتاب «سؤالات الصائمين» — أقضية زكاة الفطر
في الحي الذي نسكن فيه أكثر من مسكين، ولكنّ واحداً منهم تربطني به قرابة ورحم، فهل يجوز لي أن أخصه بزكاة الفطر فأعطيها كلها له وحده؟
جواب فضيلة الشيخ
أولاً: ذهب جمهور الفقهاء إلى أن مصارف زكاة الفطر خاصة بالفقير والمسكين ، فالفقير والمسكين المسلمان الحران هما المستحقان لزكاة الفطر، وهذا مذهب الحنفية والمالكية وأحمد في أصح روايتيه (1).
وذهب الشافعي وابن الحاجب من المالكية إلى أن مصارف زكاة الفطر هي مصارف زكاة المال ( الثمانية ) نفسها ، بحجة أنها صدقة من الصدقات وقد جعل الله مصارف الصدقات ثمانية في قوله (2).
والراجح :
هو ما ذهب إليه الجمهور ، فيجوز أن يخرج المسلم زكاة الفطر ويعطيها لمسكين واحد ، وذلك :
[1] لأن زكاة الفطر صدقة لغير معين ، فجاز صرفها لواحد . بينما زكاة المال صدقة لمعينين .
[2] ولحديث ابن عباس رضي الله عنهما قال : “فرض رسول الله ﷺ زكاة الفطر طهرة للصائم من اللغو والرفث، وطعمة للمساكين..”3)).
إذنْ: إنما فُرضت زكاة الفطر طعمة للمساكين ، فلو طُعم واحد منهم صح ولو طُعم أكثر من واحد صحّ فجاز تخصيصه بمسكين واحد لاسيما إذا كان ذا قرابة أو رحم ، .وفي الحديث: ( الصدقة على المسكين صدقة وهي على ذي الرحم اثنتان: صدقة وصلة )(4).
الحواشي
انظر : حاشية ابن عابدين ج2 ص 78 ، تبيين المسالك ، ج2 ص 135 ، المغني ، ج2 ص 712- 713 . زاد المعاد ج2 ص 22 .
الآية 61 من سورة التوبة، وانظر : مغني المحتاج ، ج1 ص 408، مواهب الجليل ، ج2 ص 376
ابن ماجة في كتاب الزكاة باب صدقة الفطر برقم 1823 ج1 ص 395 .
أخرجه الترمذي في باب ما جاء في الصدقة على ذي القرابة ، برقم 658 . وحسنه الترمذي.
فتاوى الصيام · · سأل: من كتاب «سؤالات الصائمين» — مسائل القضاء والكفارة
مرت بي امرأة جميلة فأعجبني جمالها فجعلت أنظر إليها وقد نسيت أني صائم وأنه نهار رمضان حتى أنزلت . فهل عليّ قضاء؟
جواب فضيلة الشيخ
أولاً: نظر الرجل إلى المرأة الأجنبية وكذلك نظر المرأة إلى الرجل الأجنبي بشهوة محرمٌ محظورٌ في كل زمان باتفاق العلماء، حتى في غير رمضان، فقد قال تعالى آمراً الرجال والنساء بغضِّ الأبصار والكف عن النظر (1). ومن الثابت في الصحيح أن النظر زنا العينين (2) ، ولذلك فالنظر محرم في رمضان وفي غير رمضان، وعليه فلا شكّ أنّ ما كان محرّماً في غير رمضان فهو في رمضان أشدّ تحريماً وأكثر تجريماً، فإنّ الشرع حرّم في نهار رمضان حتى المباحات وأمر بالإمساك عما أباحه للناس ، فإنْ كان فعل المباح من الأكل والشرب والجماع انتهاكاً لحرمة رمضان فكيف يكون يا ترىَ ارتكاب المحظورات وفعل المحرمات مثل النظر إلى الأجنبية بشهوة؟؟!!.. لاشكّ أنّه إثمٌ عظيم وتعدٍّ جسيم. عافانا الله جميعاً برحمته.
ثانياً: فالسائل ارتكب أمرين:
الأمر الأول: استدامة النظر إلى الأجنبية بشهوة .
والأمر الثاني: الإنزال في نهار رمضان من غير ضرورة ولا إكراه .
ففي مثل حاله لعلماء المذاهب المتبوعة قولان بعد اتفاقهم أنه ارتكب محرماً(3):
القول الأول: أنه أفسد صومه بالإنزال بتكرار النظر وعليه القضاء، وهو قول أبي حنيفة والشافعي وأحمد في رواية عنه.
القول الثاني: أنه أفسد صومه وانتهك حرمة رمضان في نهاره فعليه القضاء والكفارة، وهو قول مالك، وأبي ثور، وأحمد في الرواية الأخرى وأبي خلف الطبري من الشافعية، وهو القول المحكي عن جماعة من السلف كعطاء والحسن البصري وعبد الله ابن المبارك وإسحاق بن راهويه وغيرهم.
والراجـح :
[1] أن عليه القضاء دون الكفارة، على قول الجمهور، وذلك لسببين:
السبب الأول: أن الحكم عليه بالقضاء هو القول المتفق عليه في المذاهب الأربعة، فكلهم اتفقوا على أنه أفسد صومه وأنّ عليه القضاء، وزاد المالكية ومن وافقهم الكفارة.
السبب الثاني: أنه وإن أشبه الجماع في المعنى ـ إذ فيه الاستمتاع بالنظر والإنزال ـ؛ إلاّ أنه أقلّ بلا شك من الجماع، فلو كان الجماع سبباً للكفارة فما دون الجماع لا يعطى مثل حكمه ، فكان القضاء أنسب بحاله لأنه أقلّ من الجماع كما قررنا.
[2] لا اعتبار لنسيانه أنه كان صائماً، وعليه فلا يصح القياس على من أكل أو شرب أو جامع ناسياً ، لأنّ من أكل أو شرب أو جامع ناسياً فإنما فعل مباحاً في الأصل، ولم يقصد إفساد صومه، ومن استدام النظر وكرره حتى أنزل عصى الله بذلك وأفسد صومه بمحرم ومعصية في الأصل، فكيف يقاس من فعل محرماً في الأصل على من فعل مباحاً؟ لا يستويان مثلاً.
لذلك لزم مع القضاء الاستغفارُ والعزمُ على التوبة والإقلاع عن هذه المعصية.
والله تعالى أعلم وهو الموفق إلى الخيرات من يسارع إليها.
الحواشي
سورة النور ، الآيات 30-31 .
أخرج مسلم في صحيحه عن أبي هريرة أن النبي ♀ قال : ( إن الله كتب على ابن آدم نصيبه من الزنا، أدرك ذلك لا محالة ، فالعينان تزنيان وزناهما النظر …) الحديث في كتاب القدر باب قدر على ابن آدم حظه من الزنا برقم 2657 .
فتاوى الصيام · · سأل: من كتاب «سؤالات الصائمين» — الصيام وأقضية العوائد
رجل يعول أسرة ويعمل في الزراعة ، وحان وقت الحصاد في رمضان، والحصاد يأخذ من الوقت ما يقارب الشهر ، ويشقّ عليه الجمع بين الصيام وبين الحصاد ، فماذا يفعل ؟ وهل يجوز له أن يفطر بسبب الحصاد؟.
جواب فضيلة الشيخ
نصّ كثير من علمائنا المعاصرين على أن الأعمال الشاقة من الأعذار المبيحة للفطر، وألحق بعضهم أصحابها بالشيخ الكبير والمرأة العجوز والمريض المزمن الذي لا يرجى برؤه . (1)
وأصحاب الأعمال الشاقة بالنسبة لصيام رمضان على مراتب:
منهم من يشقّ عليه الصوم مشقة شديدة مع عمله ، وإذا ترك العمل وتوقّف عنه من أجل الصيام لا يجد ما يعينه على الحياة الكريمة، فهذا حالته تصل إلى درجة الضرورة الشرعية التي تباح لأجلها المحظورات. فيفطر . فإن كان عمله مستمراً كل أيام السنة؛ يُلحق بمن يطيقونه (الشيخ الكبير والمرأة العجوز، يفطر ويطعم عن كل يوم مسكيناً، ولا قضاء عليه، كالبنّاء الذي لا ينقطع عمله، والخبّاز الذي يواجه حرارة النار في فرنه ومخبزه، وعمال المناجم، والمحكوم عليهم بالأعمال الشاقة المؤبدة ونحوهم.
ومنهم من يشقّ عليه الصوم مشقة شديدة ويعمل عملاً شاقّاً لا يقدر معه على الصوم، وإذا ترك هذا العمل أيام رمضان تضرر في ماله فيضيع،كالمزارع الذي حان وقت الحصاد في شهر رمضان، فإذا ترك حصاد زرعه من أجل الصيام ضاع ماله، وتلف زرعه، وأكلته الطيور. فهذه الحالة أيضاً من حالات الضرورة، فيباح له الفطر على أن يقضي الأيام التي أفطر فيها من أجل الحصاد، لأن الحصاد لا يستمر كل أيام السنة .
ومنهم من يشقّ عليه الصيام مع العمل ، فلا يقدر على الصوم مع العمل ولا يقدر على العمل مع الصوم ، وهو إذا صام وترك عمله لا يضيع ماله كله ، ولا يعجز عن الحياة الكريمة له ولأبنائه وأهله، ولكن يلحقه العنت والحرج في حياته وحياة أسرته ، فهذا حالته لا تصل إلى درجة الضرورة بل هي داخلة في الحاجيات، والحاجيات المعتبرة جعلها الشارع الحكيم سبباً للرخصة عن صيام رمضان، فيجوز له الفطر ، خاصة وأن مشقة الأعمال الشاقة مع الصوم مشقة محققة ، فهي أولى بالرخصة من السفر والمرض ، لأن مشقتهما ليست مشقات محققة ، إذ ليس كل سفر يشق على المسافر مع الصيام ، وليس كل مرض يشق على المريض مع الصيام، فكان من باب أولى الترخيص لأصحاب الأعمال الشاقة ليفطروا إذا شقّ عليهم الصوم مع تلك الأعمال .
وبالفعل يدخل أصحاب الأعمال الشاقة ممن يعجز عن الصيام معها أو يشقّ عليه الصوم مشقة شديدة في معنى قوله تعالى .
ووجه الترخيص لهم بالفطر وترك الصيام بسبب الأعمال الشاقة؛ هو: أنّ صاحب العمل الشاق يتنازعه واجبان : واجب إعالة أسرته من الأبناء والزوجة والنفقة عليهم لقوله تعالى (2). وواجب الصيام . ولكن واجب الصيام واجب قاصر عليه وحده ، وواجب النفقة واجب متعدٍّ يتجاوزه إلى غيره من الأبناء والأهل . ومن ناحية أخرى : واجب النفقة تتعلق به حقوق الآخرين ، وحقّ الآدمي مقدّم في الأداء على حق الله تعالى ، والواجب المتعدّي أولى بالتقديم من الواجب القاصر ، ومعروف عند الفقهاء أن الواجب لا يترك إلاّ لواجب ، فترك صاحب العمل الشاق واجب الصيام لواجب الإنفاق .
وشرط جواز الفطر لصاحب الأعمال الشاقة مراعاة الترتيب التالي:
أولاً: أنْ يترك هذا العمل الشاق في شهر رمضان حتى ينقضي الشهر.
ثانياً: إنْ كان تركه لهذا العمل الشاق يضرّه وأهله وعياله؛ ولا يجد بديلاً له؛ يخفف منه بقدر ما يكفيه مؤونته وأهله.
ثالثاً: إنْ لم يتمكن من ذلك؛ لا ينوي الفطر ابتداءً ، بل عليه أنْ ينوي الصوم من الليل عزيمة، ويصبح صائماً حتى إذا باشر عمله الشاق فشقّ عليه الصوم، أفطر، لأنه ليس ممن رُخِّص لهم أصالةً كالمريض الذي أصبح على مرضه، والمسافر الذي أصبح على سفره، والشيخ الكبير والمرأة العجوز ومن كان منهم، فهؤلاء مرخّص لهم أن يصبحوا مفطرين، أما غيرهم فالواجب عليهم أن يصبحوا صائمين، فإنْ شقّ عليه عمله، ولا يستطيع تركه من أجل الصوم، لتعلّق رزقه وعياله عليه؛ أفطر عندئذ، والله تعالى أعلم..
الحواشي
ينظر : فقه السنة للسيد سابق، 1/439- 440فقه الصيام للقرضاوي ص 70 ، الفتاوى الشرعية محمد سلامة جبر، ص 86 ، وفتاوى الأزهر فتوى جاد الحق (1/131) وفتاوى اللجنة الدائمة برقم 12592، مجموع فتاوى ابن باز ج5 ص 245، فتاوى المسير محمد أحمد المسيّر ج1 ص 106، فتاوى عطية صقر 1/745.
فتاوى الصيام · · سأل: من كتاب «سؤالات الصائمين» — الصيام وأقضية العوائد
صائمٌ مرَّ على مسافر يأكل الغداء ، فدعاه ، فأكل معه وشرب، ثم تذكر أنه كان صائماً ، وأنه أكل وشرب ناسياً. فما حكمه ؟
جواب فضيلة الشيخ
للعلماء فيه قولان :
القول الأول : للمالكية : قالوا : إذا أكل أو شرب بنسيان فسد صومه ووجب عليه القضاء.
وقال بقول مالك: الليث بن سعد وربيعة بن أبي عبد الرحمن وابن علية، مستدلين بجملة أدلة، منها (1):
1ـ الاستدلال بالحقيقة: وهو أن الإمساك ركن الصوم، ومن أكل أو شرب لم يكن ممسكاً، لأن صورة الصوم قد عدمت، وحقيقته بالأكل قد ذهبت، والشيء لا بقاء له مع ذهاب حقيقته، كالحدث يبطلُ الطهارة سهواً جاء أو عمداً.
2ـ الاستدلال بالقياس: وهو ثلاثة أقيسة:
الأول: قياس مساوٍ: وهو أنه بترك الإمساك وتناول المفطر ناسياً؛ أشبه ناسي الركعة من الصلاة ـ وهي ركن فيها ـ فإنه يأتي بها، فيقاس عليه من أكل أو شرب ناسياً، فإنه يكون قد أفطر فيأتي بهذا اليوم قضاء.
والقياس الثاني: قياس أولوي: وهو أن القضاء يجب على المريض بقوله تعالى ( فمن كان مريضاً أو على سفر فعدة من أيام أخر)، فإذا وجب القضاء على المريض مع كونه أعذر من الناسي؛ وجب على الناسي بطريق الأولى.
القياس الثالث: القياس على الخطأ وهو ما رواه بشر بن قيس أنهم كانوا عند أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه فأتي بسويق قال: فأصبنا منه، وحسبنا أنّ الشمس قد غابت، فقال المؤذن: قد طلعت الشمس،فقال عمر: “فاقضوا يوماً مكانه”(2). والمخطئ والناسي في القياس واحد.
ولكن ابن رشد الحفيد ـ وهو من أئمة المالكيةـ قال : “إيجاب القضاء بالقياس فيه ضعف، إنما القضاء عند الأكثر واجب بأمر متجدد” أ.هـ(3) .
القول الثاني: للجمهور: أبي حنيفة والشافعي وأحمد وأصحابهم، وقال به الحسن بن حي والثوي وابن أبي ذئب والأوزاعي وأبو ثور وأهل الظاهر، أن من أكل أو شرب ناسياً في رمضان أنّ صومه صحيح لم يفسد، فلا شيء عليه لا قضاء ولا كفارة. وهو قول عليّ وابن عمر وأبي هريرة من الصحابة ، وبه قال عطاء وطاووس وإبراهيم والحسن من التابعين رحمهم الله تعالى(4).
وقد استدلوا :
1ـ بحديث أبي هريرة عن رسول الله ﷺ: (من نسي وهو صائم فأكل أو شرب فليتم صومه ، فإنما أطعمه الله وسقاه)(5) .
2ـ وبحديث أبي هريرة رضي الله عنه أيضاً مرفوعاً: (من أفطر في شهر رمضان ناسياً فلا قضاء عليه ولا كفارة )(6).
3 ـ وبحديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه مرفوعاً: (من أكل في شهر رمضان ناسياً فلا قضاء عليه)(7).
4ـ ما أخرجه الإمام أحمد عن مولاة لبعض الصحابيات أنها كانت عند النبي ﷺ فأتي بقصعة من ثريد فأكلت منها ثم تذكرت أنها كانت صائمة، فقال لها ذو اليدين: ” الآن بعد ما شبعت!” فقال لها النبي ﷺ: ( أتمي صومك، فإنما هو رزق ساقه الله إليك)(8).
5 ـ كما استدلوا بقوله تعالى: (9)، قال : قد فعلت ، وبقوله ﷺ: (وضع عن أمتي الخطأ والنسيان).
وقد أجاب المالكية عن الحديث الأول: بأنه جاء لرفع الحرج عن المفطر نسياناً، ونفي الإثم عنه، وسقوط مؤاخذته، وهو أمر بإتمام صوم ذلك اليوم ، وهو أمر بإمساك بقية اليوم ، لا بعدم القضاء، فلا يعارض إيجاب القضاء عليه(10).
وقد سأل الوليد بن مسلم رحمه الله مالكاً عن ذلك، قال: سألت مالك بن أنس رحمه الله عن حديث النبي ﷺ: (من أكل وهو صائم وهو ناسٍ فليتم صومه، فإنما هو رزق ساقه الله إليه). فقال مالك رحمه الله: «الحديث صحيح، ولكن عنى به النبي ﷺ النافلة لا الفريضة، أَمَا سمعت إلى قول النبي ﷺ: ( بني الإسلام على خمس شهادة أن لا إله إلا الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وحج البيت وصوم رمضان). فكلّ من ترك شيئاً من هذا ناسياً فعليه القضاء، وإنما الحديث في التطوع لا في الفريضة»(11).
وعن الأحاديث الأخرى بجوابين(12):
الجواب الأول: أنّ الحديث محمول على صوم التطوع، أما صوم الفريضة فلا، لأنه بأكله أو شربه ولو ناسياً قد أتى بضدّ ركنه “الإمساك”، ولا يبقى إمساك مع عدم الإمساك في الصوم أبداً.
الجواب الثاني: بما أنّ هذه هي القاعدة لا تبطل بخبر الواحد، والأصل عندهم أنّ خبر الواحد إذا جاء بخلاف القواعد لم يُعمل به.
ومع أنّ استدلال المالكية قويّ وما احتجوا به صحيحٌ؛ إلاّ أن مذهب الجمهور أقوى وأرجح لوجهين، هما:
الوجه الأول: أنّ المعتبر في الأمور الشرعية اعتبار الشرع لا حقيقة الأمر في نفسه، وطالما جاءت النصوص فاعتبرت الأكل أو الشرب نسياناً لا يفسد الصوم؛ فهذا عليه المعتمد.
ثانياً: النصّ الصريح الذي حكم على الآكل والشارب نسياناً أنه لا قضاء عليهما، وهي:
1ـ حديث أبي هريرة وفيه: ( فلا قضاء عليه ولا كفارة ).
2ـ حديث أبي سعيد الخدري وفيه: ( فلا قضاء عليه ).
3ـ حديث ابن سيرين وفيه : ( أتم صومك ولا شيء عليك) وهو الخبر الذي رواه ابن عبد البر بسنده عن رجل قال: يا رسول الله! إني أكلت وشربت ناسياً في رمضان؟ فقال رسول الله ﷺ: ( الله أطعمك وسقاك أتمّ صومك ولا شيء عليك)(13).
وكلها نصٌّ في محل النزاع ، وتصريح بصحة صوم من أكل أو شرب ناسياً، وأنه لا قضاء عليه، تصريحاً لا يقدم عليه قياس ولا تأويل .
وقد رجّح من أئمة المالكية مذهب الجمهور الإمام ابن رشد الحفيد، بما أشعر من تضعيف إيجاب القضاء بالقياس، والإمام القرطبي المفسّر في أحكامه الذي قال بعد ذكر احتجاج المالكية: ” هذا ما احتج به علماؤنا وهو صحيح، لولا ما صحّ عن الشارع ما ذكرناه، وقد جاء بالنصّ الصريح…. ثم قال: فزال الاحتمال، وارتفع الإشكال، والحمد لله ذي الجلال والكمال”(14).
الحواشي
راجع: المدونة برواية سحنون، ج1 ص 289-291، الاستذكار لابن عبد البر ج10 ص 186 وما بعدها، المسالك في شرح موطأ مالك، لابن العربي، ج4 ص 223، عارضة الأحوذي لابن العربي، ج3 ص 247، بداية المجتهد ج2 ص 182، تبيين المسالك ج2 ص 162-163، الفقه المالكي وأدلته الحبيب بن طاهرن ج2 ص 90، مدونة الفقه المالكي وأدلته للغرياني، ج1 ص 648.
راجع الخبر في : المدونة، برواية سحنون، ج1 ص 290ـ 291، ومثله عن ابن وهب وغيره في مصنف ابن أبي شيبة ج3 ص 23-25.
بداية المجتهد 2/182 .
راجع الاستذكار، لابن عبد البر، ج10 ص 186 وما بعدها.
أخرجه الشيخان: البخاري في الصيام برقم 1933، ومسلم في الصيام برقم 2709.
أخرجه ابن خزيمة وابن حبان والحاكم والدار قطني وصححه ابن حجر في بلوغ المرام بشرح سبل السلام 2/660 ، وحسنه الألباني وشعيب الأرناؤوط.
حسنه ابن حجر في الفتح 4/186 وقال : “يصلح للاحتجاج” .
أخرجه أحمد في المسند برم 27114، وعبد بن حميد في مسنده برقم 1590، وقد ضعفه شعيب الأرناؤوط في مسند أحمد ج6 ص 367، ولم يذكر الحافظ ابن حجر في فتح الباري ج4 ص 157، له تصحيحاً ولا تضعيفاً.
(1) البقرة : 286.
راجع: المسالك في شرح موطأ مالك لابن العربي، ج4 ص 223، عارضة الأحوذي لابن العربي، ج3ص 247، الفقه المالكي وأدلته ج2 ص 90، مدونة الفقه المالكي وأدلته ج2 ص 648.
مختصر تاريخ دمشق، لابن منظور الأفريقي، ج1 ص 416.
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي، ج3 ص 200-201، المسالك لابن العربي، ج4 ص 223، عارضة الأحوذي، ج3 ص 247، الفقه المالكي وأدلته ج2 ص 91.
الاستذكار برقم 14496، ج10 ص188.
تفسير القرطبي، الجامع لأحكام القرآن، ج3 ص 201. وبداية المجتهد الموضع السابق.