الجمعة 11 سبتمبر 2026م
الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ

الرئيسية ← الفتاوى

الفتــاوى

فتاوى فضيلة الشيخ في العبادات والمعاملات المالية والنوازل المعاصرة — ولمن أراد أن يسأل، فباب الاستفتاء مفتوح.

س

هل يجوز للزوجة الامتناع عن فراش زوجها إذا شكَّت في إصابته بالإيدز؟

فتاوى المرأة ·

زوجة تقول: زوجي يغشى الحرام ولا يتورع، ثم يأتي ويطلبني للفراش، وأنا أشك أن يكون مصاباً بالإيدز، ولذلك امتنعتُ عن فراشه خوفاً على نفسي من انتقال الإيدز، ولكني غير متأكدة من إصابته، فهل أنا آثمة إن امتنعت عنه بسبب خوفي هذا لشكّي في إصابته بالإيدز؟

جواب فضيلة الشيخ

امتناع الزوجة عن فراش زوجها في هذه الحالة مشروعٌ ولا إثم عليها، بل قد يكون واجباً لحماية نفسها؛ توقياً من الضرر وتحوطاً منه، للقاعدة الفقهية الكبرى المتفق عليها: «لا ضرر ولا ضرار». فإذا ثبت أو ترجّح لدى الزوجة أن زوجها يمارس الفاحشة ويقيم العلاقات المحرَّمة، فإن خوفها من انتقال مرض الإيدز أو غيره من الأمراض الجنسية الخطيرة يُعدُّ عذراً شرعياً معتبراً يبيح لها الامتناع عن معاشرته.

ولا تدخل في الوعيد الوارد في الأحاديث النبوية لمن تبيت هاجرةً فراش زوجها، كحديث أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعاً عند أحمد وغيره: «إِذَا بَاتَتِ الْمَرْأَةُ هَاجِرَةً فِرَاشَ زَوْجِهَا، بَاتَتْ تَلْعَنُهَا الْمَلَائِكَةُ» [أحمد في المسند برقم 7471، والطبراني في الأوسط برقم 8072 واللفظ لأحمد]؛ لأنه إنما يتعلق بالمرأة التي تمتنع عن زوجها بلا عذر شرعي، أما بسبب احتمال خطر حقيقي على صحتها وحياتها، فهو عذر شرعي قويّ.

والشك يجب أن يكون مبنياً على قرائن (مثل اعترافه، أو ثبوت خيانته، أو ظهور أعراض مرضية عليه، أو تأكّدها من خبر متيقَّن، ونحو ذلك)، فيحقّ لها التوقف تماماً عن معاشرته حتى يثبت خلوّه من الأمراض.

ومن الخير أن تطالب زوجها بإجراء الفحص الطبي لمرض الإيدز والأمراض المُعدية الأخرى، وهذا من حق الزوجة شرعاً؛ فتمتنع عن تمكينه من نفسها حتى يقدّم تقريراً طبياً موثوقاً يثبت سلامته.

وإذا استمر الزوج في غيّه ولم يتب، أو رفض إجراء الفحوصات الطبية، فللزوجة في هذه الحالة أن تطلب الطلاق أو الخُلع حتى لا تبقى مع زوجٍ يمارس المحرَّمات ويُعرِّض حياة زوجته للخطر.

ولها أن تبقى إن اختارت البقاء لأي سببٍ تقدّره (مثل وجود أطفال وعدم وجود عائل لهم)، فيجوز لها أن تستمر في حياتها الزوجية مع الامتناع عن الفراش لحين تيقُّن السلامة أو توبة زوجها.

أ.د. عبدالله الزبير عبدالرحمن
س

هل يجوز التنازل عن جزءٍ من ربح المضاربة لضمان حدٍّ أدنى من الأرباح للمستثمرين؟

المعاملات المالية ·

استثمرتُ مالي مع شركة في إحدى دول الخليج لمجابهة المعيشة والحياة هناك بعد النزوح بسبب الحرب، وكانت الأرباح الفعلية المتوقعة وفق دراسة جدوى الشركة تتراوح غالباً بين ٥٪ إلى ٧٪ من رأس المال، ووقّعتُ معهم عقداً وكانت الأرباح تُوزَّع شهرياً. وفي الأشهر الستة الأولى كانت الأرباح ثابتة في حدود ٥٪، وعند سؤال أصحاب الشركة قالوا: إن الأرباح في هذه الفترة كانت تأتي أقل من ٥٪، والشركة لديها المقدرة أن تتنازل عن جزء من أرباحها لترفع أرباح العملاء المستثمرين معها إلى الحد الأدنى (٥٪) حسب العقد الموقَّع معهم؛ حتى تحافظ عليهم للاستمرار في الاستثمار. فهل في ثبات مبلغ الربح على هذا النحو إشكال؟

جواب فضيلة الشيخ

الحمد لله:

لو كان هذا الاستثمار مضاربةً، فيجوز أن يشترط أحد المضاربَيْن (ربّ المال، وهو أنتَ وأمثالُك، والمضارب، وهو الشركة) أنه إذا نقص الربح عن كذا فلك كذا، لأن الربح في المضاربة على الاشتراط؛ فيجوز أن يتّفق المضاربان على أن يكون ثلث الربح للمضارب والثلثان لربّ المال أو العكس، وكذلك على أن يكون ربع الربح لجهةٍ أو لمسكينٍ أو لبرنامجٍ دعويٍّ ونحو ذلك.

وهذا ما نصّ عليه فقهاء الحنفية والمالكية والحنابلة:

فجاء في المبسوط للسرخسي: «استحقاق الربح بعد صحة العقد بالشرط».

وجاء في المدونة لمالك: «أن تشترط نصف الربح لك ونصفه له، أو ثلثه لك وثلثاه له… فإن كل شيء من ذلك حلال، وهو قراض المسلمين».

وفي المغني لابن قدامة: «العامل لا يستحق إلا ما شُرط له».

وهو المروي عن عليٍّ رضي الله عنه، وقتادة، وابن سيرين، وأبي قِلابة رحمهم الله: «أن الربح على ما اصطلحا عليه».

وإن كان كذلك، فمن باب أولى أن يتنازل أحدهما للآخر. وعليه: فلا حرج من هذا التنازل، ولكن بشرط واحد: ألا يكون هذا التنازل مرتَّباً على الدوام، فيكون فيه شبهة أجرة النقود، وأجرة النقود ربا.

والله أعلم.

أ.د. عبدالله الزبير عبدالرحمن
س

هل يحقّ للزوجة طلب التطليق إذا أصيب زوجها بمرض الكبد الوبائي؟

فتاوى الأسرة ·

اتصل عليَّ مأذون عنده زوجٌ رقد في المستشفى واتضح أن عنده مرض الكبد الوبائي، وزوجته عرفت ذلك وامتنعت عن معاشرته لأنه مرض معدٍ ومن أسباب انتقاله الجماع، ولذلك امتنعت عنه، فقال لها: إن امتنعتِ عني أطلقك! فذهب إلى المأذون، فاتصل المأذون عليّ يسأل: هل يحق لها الطلاق لهذا السبب؟

جواب فضيلة الشيخ

الحمد لله:

نعم، للزوجة حقّ طلب التطليق من زوجها للمرض المستحكم إذا حدث بعد زواجهما، أو كان مصاباً به قبل العقد ولم تكن تعلم؛ خاصةً إذا كان مرضاً معدياً لا يمكن للزوجة المُقام معه إلا بضرر، لا سيما ما يمنع اللقاء بينهما حقيقةً كالمجبوب والخصي، أو لسبب خارجي كالخوف من اللقاء كمرض الإيدز أو الكبد الوبائي ونحو ذلك.

وهذا الذي ذهب إليه الحنفية كما في بدائع الصنائع للكاساني، والمالكية كما في النوادر والزيادات، وحاشية العدوي.

وعليه:

أ ـ فإن كان هذا الكبد الوبائي يمكن علاجه في خلال سنة أو أقل، يُنتظر بالزوج سنة ليتعالج، فإن شُفِي فالحمد لله استأنفا حياتهما الزوجية، وإلا طُلِّقا.

ب ـ وإن كان مما لا يمكن العلاج منه في خلال سنة، طُلِّقت منه ولا يُنتظر.

وفي هذا طبعاً يُسأل طبيبٌ مختصٌّ ثقة.

وهذا الذي ذهب إليه قانون الأحوال الشخصية لسنة 1991م، المادة (151/1) ونصّها: «يجوز للزوجة طلب التطليق من زوجها لعيب أو مرض مستحكم أصيب به قبل العقد ولم تعلم به، أو حدث بعد العقد ولم ترضَ به، عقلياً كان أو عضوياً، لا يُرجى برؤه أو يُرجى بعد مضي أكثر من سنة، ولا يمكنها المقام معه إلا بضرر».

أ.د. عبدالله الزبير عبدالرحمن
س

هل يجوز للمرأة أن تزوّج نفسها إذا امتنع الأبوان من تزويجها؟

قضايا معاصرة ·

عندنا بنت لها رغبة في الزواج وهي أرملة قتل الدعامة زوجها، وهي عندها عمارة من زوجها، لكن أمها رفضت أن تتزوج ابنتها هذه، لأنها طمعت في عمارة ابنتها، لأنها تخشى لو تزوجت البنت لن تستفيد من العمارة، فمنعتها من أن تتزوج، وللأسف ضغطت على زوجها الذي هو أب البنت وهددته أنه لو زوّج ابنته أو وافق على زواجها أنها ستتركه، والأب مسكين لا يستطيع معارضة زوجته أم البنت، والبنت تقول إنها تخاف أن تقع في الفتنة، وقد تقدّم لها من الرجال المستقيمين المحترمين يرغبون في الزواج بها، فهل يجوز أن يكون أمرها بيدها فتعقد لنفسها من غير أبيها وأهلها؟

جواب فضيلة الشيخ

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:

أولاً: نقول لهذه الأم: اتّق الله في ابنتك، وحافظي على عرضها وشرفها، فشرفها شرفك وعرضها عرضك، ولا تمنعيها من أن تُحصِّن نفسها وتحفظ عرضها.

ونقول للأب: إنّ الظلم الأبعد والجَوْر الأشدّ ظلم الوالد للولد، وإنّ من واجبك الشرعي ومسؤوليتك الأبوية أن تستر ابنتك وتُحصِّنها بالحلال، فلا يجوز لك ولا لأمّها أن تمنعوها من الزواج لغرض دنيوي ومنفعة خاصة بكم. والعقلاء يصونون الأعراض بالمال لا المال بالأعراض، فاتّقوا الله في ابنتكم هذه.

ثانياً: أرى أنْ يبذل الحكماء القريبون من الأبوين جهدهم في إقناع الأبوين وحملهما على تزويج هذه البنت.

ثالثاً: فإنْ عجزوا عن إقناعهما، وبَقِيَا على موقفهما من الرفض، فإنّ رفض الأب عضلٌ محرّم غير مقبول شرعاً ولا مجتمعاً، والله تعالى يقول: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَن يَنكِحْنَ﴾ [البقرة: ٢٣٢]. وهو مخالفٌ لأمر النبي ﷺ الصريح للآباء والأولياء: «إِذَا أَتَاكُمْ مَنْ تَرْضَوْنَ خُلُقَهُ وَدِينَهُ فَزَوِّجُوهُ، إِلَّا تَفْعَلُوا تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ عَرِيضٌ»1.

فهل يجرؤ الأب المسلم والأم المسلمة على مخالفة أمر نبيّه ﷺ هذا؟

فإن تجرّأ الأبوان ولم يتّعظا، واستمرّا في موقفهما الرافض من زواج ابنتهما من أجل عمارتها! فيجوز عندئذٍ تجاوزهما والانتقال إلى أيٍّ من أوليائها:

١ـ ابنها إن كان مميِّزاً [كما فعلت أمّ سليم رضي الله عنها فقالت لابنها أنس: يا أنس زوِّج أبا طلحة]، وإلاّ.

٢ـ فعمّها الموافق على تزويجها. وإلاّ

٣ـ فأيٌّ من أبناء أعمامها ممن لا يمانع من زواجها. وإلاّ

٤ـ فأيٌّ من عصبتها الأقارب من جهة أبيها.

٥ـ وإنْ عَدِمتْ هؤلاء؛ فلا حرج عليها إذا لجأت إلى القاضي لتزويجها، وقد أعطاها قانون الأحوال الشخصية السوداني هذا الحق في المادة (37/1) ونصها: «إذا امتنع الوليّ عن تزويج موليته؛ فيجوز لها أن تطلب من القاضي تزويجها.» والمادة (37/2) تقول: «يجوز للقاضي أن يأذن بتزويج من طلبت الزواج إذا ثبت له أن وليها ممتنع عن التزويج بلا مسوّغ شرعي»، وامتناع الأمّ والأب عن تزويج هذه البنت بسبب العمارة ليس مسوّغاً شرعياً.

وهذا من قبيل ارتكاب أخفِّ الضررين وأهون الشرَّين حتى لا تقع في المحظور. وإن شاء الله بعد زواجها سيعود الأبوان نادمَيْن آسفَيْن.

وننصحها أنْ لا تلجأ لتزويج نفسها من غير وليٍّ أبداً، وإيّاها أن تسمع لمن يقول لها: زوِّجها الحنفية، فأئمة الحنفية رحمهم الله أمثال الكاساني والسرخسي قد نصّا على أنّ تزويج المرأة نفسها رعونةٌ ووقاحة.

والله تعالى أعلم.

الحواشي

  1. ابن ماجه (١٩٦٧)، والترمذي (١٠٨٥)، ومراسيل أبي داود (٢٢٤).
أ.د. عبدالله الزبير عبدالرحمن
س

المشاركة في احتفالات عيد الميلاد ورأس السنة

قضايا معاصرة ·

عندنا كثيرٌ من الشباب والأولاد والبنات يحتفلون بعيد الميلاد وبليلة رأس السنة، وأنا سمعتُ أنّ الاحتفال بعيد الميلاد وبرأس السنة لا يجوز، فما رأيكم يا فضيلة الشيخ في الاحتفال برأس السنة وبعيد الميلاد؟

جواب فضيلة الشيخ

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:

فالمشاركة في الاحتفالات بعيد الميلاد وبأعياد رأس السنة ممّا حرّمها الشرعُ وشدّد فيها العلماءُ من لدن الصحابة رضوان الله عليهم إلى أئمة المذاهب الفقهية.

فقد نصَّ الإمام أحمد رحمه الله على ذلك فقال: «لا يجوز شهودُ أعياد اليهود والنصارى».

وهو ما كان عليه الإمام مالك رحمه الله، فقد عظّم أمرَ المشاركة في احتفالات المشركين، ورأى أنه من العون على الكفر والتعظيم للشرك. فنسمع إلى عبد الملك بن حبيب رحمه الله من أئمة المالكية يقول: «فلا يُعاونون على شيءٍ من عيدهم، لأنّ ذلك من تعظيم شركهم، وعونِهم على كفرهم، وينبغي للسلاطين أن ينهوا عن ذلك». قال رحمه الله: «وهو قولُ مالكٍ وغيره، لم أعلم أنه اختُلف فيه» — فينفي اختلاف العلماء في ذلك.

وهو ما نصَّ عليه هبةُ الله بن منصور الطبري من الشافعية رحمه الله، يقول: «ولا يجوز للمسلمين أن يحضروا أعيادهم لأنهم على منكرٍ وزور، وإذا خالط أهلُ المعروف أهلَ المنكر بغير الإنكار عليهم؛ كانوا كالراضين به المؤثِرين له، فنخشى من نزول سخط الله على جماعتهم فيعمَّ الجميع، نعوذ بالله من سخطه».

بل ذهب أبو حفص النسفي الكبير من أئمة الحنفية إلى كفر من شاركهم في أعيادهم وقدّم لهم شيئاً هديةً ونحوها، حيث قال رحمه الله: «من أهدى فيه بيضةً إلى مشركٍ تعظيماً لليوم فقد كفر بالله تعالى».

أدلّة المنع

واستدلّ العلماء على عدم جواز مشاركة المسلم في احتفالات المشركين بعيد الميلاد وأعياد رأس السنة بجملةِ أدلّةٍ، منها:

[١] قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا﴾ [الفرقان: ٧٢]. فقال سادةُ أهل التفسير — ابن عباس والربيع بن أنس ومجاهد وغيرهم —: الزور: أعياد المشركين «أعياد أهل الذمة».

[٢] قوله تعالى: ﴿وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: ٢]، فقالوا: «فيه نهيٌ عن معاونتهم على أعيادهم بإهداءٍ أو مبايعة.. وعليه: فلا يحلّ للمسلمين أن يبيعوا للنصارى شيئاً من مصلحة عيدهم، لا لحماً ولا دماً ولا ثوباً، ولا يُعارون دابةً، ولا يعاونوهم على شيءٍ من عيدهم، لأنّ ذلك من تعظيم شركهم، وعونِهم على كفرهم..» كما في مجموع الفتاوى لابن تيمية.

[٣] حديثُ ثابت بن الضحاك عند أبي داود: أنّ رجلاً على عهد رسول الله ﷺ نذر أن ينحر إبلاً بِبُوانة، فأتى النبيَّ ﷺ فقال: «إني نذرتُ أن أنحر إبلاً ببوانة»، فقال النبي ﷺ: (هل كان فيها وثنٌ من أوثان الجاهلية يُعبد؟) قال: لا. قال: (هل كان فيها عيدٌ من أعيادهم؟) قال: لا. قال رسول الله ﷺ: (أوفِ بنذرك، فإنه لا وفاء لنذرٍ في معصية الله، ولا فيما لا يملك ابنُ آدم). والشاهدُ قولُه ﷺ: (هل كان فيها عيدٌ من أعيادهم؟) أي لو كان فيها عيدٌ من أعيادهم فلا يجوز وفاءٌ بالنذر فيها. وهذا يؤكّد حرمة فعل شيءٍ في أعيادهم ولو كان نذراً.

[٤] حديثُ كُرَيب مولى ابن عباس رضي الله عنهم عند أحمد والنسائي، قال: «أرسلني ابنُ عباس وناسٌ من أصحاب النبي ﷺ إلى أم سلمة رضي الله عنها أسألها: أيُّ الأيام كان النبي ﷺ أكثرها صياماً؟ فقالت: كان يصوم السبت ويوم الأحد أكثرَ ما يصوم من الأيام، ويقول: (إنهما يوما عيدٍ للمشركين، وأنا أحبُّ أن أخالفهم)»1. فإنْ كنتَ من أتباع النبي محمد ﷺ فخالفِ المشركين كما كان رسولُك ﷺ يخالفهم، واكرهْ موافقتهم حبّاً في مخالفتهم كما كان ﷺ يحبُّ مخالفتهم.

من أقوال الصحابة

ومن الأدلة أقوالُ الصحابة رضي الله عنهم وفتاويهم ومواقفهم:

فهذا عمرُ رضي الله عنه يقول: «لا تدخلوا على المشركين في كنائسهم يوم عيدهم، فإنّ السخط ينزل عليهم». ورُوي عن أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه أيضاً أنه قال: «اجتنبوا أعداء الله في عيدهم».

وهذا عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما يقول: «من صنع نَيْروزَهم ومِهرجانَهم، وتشبّه بهم حتى يموت، حُشر معهم».

أصل هذا العيد

والعجيبُ أنّ رأس السنة عيدٌ وثنيٌّ نمروديّ، أولُ من احتفل به هو النمرود الطاغية الكافر الذي تزوّج بأمه سميراميس، وحين مات لعائنُ الله عليه ادّعت أمُّه أنه حيٌّ روحٌ ويظهر في منتصف ليلة رأس السنة.

ثم انتقل من نمرود بابل إلى فراعنة مصر، وهو يوم الزينة كما قال ابنُ عباس رضي الله عنهما في تفسير الثعلبي: أنه أوّلُ يومٍ من السنة وهو يوم النيروز..

ثم اتخذه وثنيو اليونان واليابان يحتفلون به بأنه يومُ ميلاد إله الشمس «بَعْل». فهو إذن عيدٌ نمروديٌّ وثنيٌّ فرعونيّ.

فهل يليق بالمسلم أن يقلّد ويحاكي النمرود وفرعون ووثنيي اليونان واليابان لعنة الله عليهم؟؟

والحمد لله رب العالمين، وهو الهادي للحقّ والصواب..

الحواشي

  1. أخرجه أحمد والنسائي وغيرهما، وقال ابن القيم: (صححه بعض الحفاظ). وانظر حاشيته على أبي داود، ج٧ ص ٥١ ـ ٥٢، دار الكتب العلمية، الطبعة الثانية ١٤١٥هـ / ١٩٩٥م.
أ.د. عبدالله الزبير عبدالرحمن
س

علاج المسحور ولو بالسحر

قضايا معاصرة ·

أختي مصابةٌ بسحرٍ كما أخبرونا، وتعيش حالاتٍ صعبةً جداً مع زوجها وأطفالها، وتعاني هي وأمي ونحن جميعاً بسبب ذلك معاناةً شديدة، وهي تأخذ علاجات الأطباء لسنين، فأخبرنا أحدُ الشيوخ أنه يمكن أن يعالج سحرها، وعلمنا أنه يفكّ السحر بالسحر لأنه يتعامل بالسحر، فهل يجوز لنا أن نلجأ لعلاج سحرها بالسحر؟

جواب فضيلة الشيخ

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:

فالأصلُ في علاج المسحور ولو بالسحر أنه لا يجوز، وقد منع منه عامّةُ الفقهاء لأسبابٍ:

السبب الأول: أنّ السحر محرَّمٌ بالكتاب والسنة والإجماع، وأنه من المعلوم بالاضطرار من المحرَّمات، ولا يجوز التداوي والعلاج بما هو محرَّم.

والسبب الثاني: أنّه من عمل الشيطان، وقد أمر ربُّ العزّة باجتناب ما كان من عمل الشيطان فقال: ﴿رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ﴾ [المائدة: ٩٠].

والسبب الثالث: أنّ عمل السحر ربما كان من الأعمال الكفرية، كما جاء في القرآن على لسان هاروت وماروت: ﴿وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ﴾ [البقرة: ١٠٢].

ولكن ذهب بعضُ العلماء إلى جواز فكِّ السحر ولو بالسحر، وقد سُئل الإمام أحمد رحمه الله عمّن يُطلق السحر عن المسحور؟ فقال: «لا بأس به».

ونُقل عن إمام التابعين سعيد بن المسيّب رحمه الله جوازُ حَلِّه وفكِّه عن الغير ولو بالسحر، وقال: «إنّه حينئذٍ صلاحٌ لا ضرر»، وقال: «لا بأس به، إنّما يريدون الإصلاح، فأمّا ما ينفع الناس فلم يُنْهَ عنه». وإلى الجواز مال الإمام المزنيّ رحمه الله.

وعلى هذا:

فإنّه في حالة الضرورة، والعجزِ عن علاج المسحور بسائر الطرق المعلومة الشرعية، فيجوز اللجوء إلى علاجه وحَلِّه ولو بالسحر؛ فيُبدأ أولاً بالعلاجات المشروعة من علاج الأطباء ومن الرقية الشرعية ونحو ذلك، ثم بعد ذلك يُلجأ إلى هذا العلاج.

ونسأل الله تعالى أنْ يُسلِّمها ويشفيها ويفكّ أسرها ويحفظها وأولادها وزوجها وحياتها وبيتها، فالله خيرٌ حافظاً وهو أرحم الراحمين.

والحمد لله رب العالمين.

أ.د. عبدالله الزبير عبدالرحمن
س

مفسدات الاعتكاف

فتاوى الصيام · · سأل: من كتاب «سؤالات الصائمين» — أقضية الاعتكاف

أنا حريصٌ على ان أعتكف اعتكافاً جيداً صحيحاً، وأريد أن أعرف ما يسلم به اعتكافي، وما يبطله ويفسده، فأرجو أن تفيدوني عن الأمور التي يبطل بها الاعتكاف حتى أبعد عنه وأحافظ على اعتكافي ولا أضيعه.

جواب فضيلة الشيخ

هذا من أهم ما يجب على مريد لاعتكاف معرفته ـ جزاك الله خيراً ـ. فالأمور التي يفسد بها الاعتكاف ولا يصح معها خمسة أمور هي:

الأمر الأول: أن يكون فى غير المسجد، في البيت أو النادى أو الفندق أو نحو ذلك، فالاعتكاف شرطه أن يكون في المساجد (1)، لقوله تعالى آية كريمة ، ولكنْ للفقهاء فى المراد بالمساجد من الآية الكريمة أقوال(2):

أ ـ الشافعية ومشهور المالكية والطبرى والثورى وداود أخذوا بظاهر عموم الآية، فعمموا جواز الاعتكاف فى كل مسجد من مساجد المسلمين.

ب ـ الحنفية والحنابلة فسروا ” المساجد ” بأنها مساجد الجماعة التي لها إمام ومؤذن مستدلين بحديث حذيفة رضي الله عنه أن النبى ﷺ قال: (كل مسجدٍ له إمام ومؤذن فالاعتكاف فيه يصلح )(3)، وهو المسجد الذى تصلى فيه الصلوات الخمس أو تقام فيه الجماعة. وهو قول علي بن أبي طالب وعائشة وابن عباس (4).

ج ـ المالكية مع أنهم جوزوا الاعتكاف في كل مسجد في مشهور المذهب، إلا أنهم فصلوا فقالوا: إنْ كان ممن لا تلزمه الجمعة أو كان لا يدركه يوم الجمعة باعتكافه فيجوز بلا كراهة في أي مسجد، وإنْ كان ممن تدركه الجمعة أو تلزمه الجمعة فيجوز أن يعتكف في أي مسجد ولكن يُكره له ذلك بسبب اضطراره للخروج من معتكفه لصلاة الجمعة.

د ـ والجمهور على أن المراد بالمساجد للرجل وللمرأة على السواء، ولكن الحنفية والإمام الثوري والشافعي في القديم بالنسبة للمرأة أدخلوا (مسجد بيتها) في مدلول المساجد، فجوّزوا لها الاعتكاف في مسجد بيتها وهو المكان الذي خصصته لصلاتها في البيت.

ولا شكّ أن الأفضل أن يكون الاعتكاف فى المسجد الجامع لأن الجماعة فى صلواته أكثر، ولأنه لن يضطر إلى الخروج إلى غيره لصلاة الجمعة أو الجماعة، ولأنه بالاعتكاف فى المسجد الجامع يكون قد خرج من الخلاف والخروج من الخلاف مستحب (5).

الأمر الثاني: أن يكون الاعتكاف لغير الله، وبغير نية التقرب إلى الله، كأن يعتكف للاسترواح أو الراحة أو الهروب من غريمٍ يطلبه أو من أهله وأولاده أو لواذاً من حقّ أو قضاء، أو لكتابة بحثٍ أو تقرير، أو نحو ذلك مما يقصده الناس لا سيما في هذا الزمان الذي كثرت فيه المشاغل وتزاحمت فيه الواجبات على ضيق الأوقات.

الأمر الثالث: أن يدخل معتكفه في المسجد وهو على جنابة أو حيض وهذا في الابتداء لا في الأثناء، لحديث النبى ﷺ:« لاَ أُحِلُّ الْمَسْجِدَ لِحَائِضٍ وَلاَ جُنُبٍ»(6).

ـ فإذا أجنب وهو معتكف تطهر واستمر في اعتكافه.

ـ وإذا حاضت وهى معتكفة، خرجت إلى بيتها، فإذا طهرت رجعت إلى المسجد أية ساعة طهرت، ثم تبنى على ما مضى من اعتكافها. هذا ما ذهب إليه عامة الفقهاء ونص عليه مالك في الموطأ(7) .

الأمر الرابع: أن يباشر نساءه وهو معتكف. الاعتكاف لا يتحقق ولا يصح شرعاً إلا باعتزال النساء وعدم المباشرة لصريح قوله تعالى آية كريمة. (8)

قال ابن المنذر رحمه الله: « وأجمعوا على أن المعتكف ممنوع من المباشرة»(9).

ولكن ما يفسد الاعتكاف ويبطله من المباشرة؛ الوطء والجماع باتفاق، وما دون الوطء من القُبلة واللمس والمباشرة دون الفرج لا يفسد به الاعتكاف إلا إذا أنزل عند الجمهور ـ أبي حنيفة وأحمد والشافعي في قول ـ. ويفسد به ـ إن كانت بشهوة وإنْ لم ينزل ـ عند مالك والشافعى فى الصحيح عنه. ورأيُهما هو الصحيح، لأنّ عموم النهى عن كل مباشرة فى قوله تعالىآية كريمة مخصوص بفعل عائشة إذ كانت ترجّل رأس رسول الله ﷺ وهو معتكف(10)، وكانت لا محالة تمس بدن رسول الله ﷺ بيدها ، فدل ذلك على أن المباشرة بغير شهوة غير محظورة .

الأمر الخامس: أن يخرج من المسجد لغير ضرورة ولا حاجة متعيّنة. لأنه يخل بمعنى الاعتكاف وما يحققه، إذ لا يتحقق إلا باللبث والمكوث في المسجد وحبس النفس فيه انقطاعاً لله قربة إليه. والأصل في ذلك قول عائشة : ” لاَ يَخْرُجَ لِحَاجَةٍ إِلاَّ لِمَا لاَ بُدَّ لَهُ مِنْهُ”(11). وخبرها : ” كان رسول الله ﷺ إذا اعتكف لا يدخل البيت إلاّ لحاجة الإنسان”(12).

ولكن يجوز للمعتكف الخروج للضرورة أو الحاجة، والفقهاء بين موسّع في ذلك ومضيّق، والمهم في ذلك الحرص الشديد على البقاء في المسجد وعدم الخروج إلا لضرورة يراها لا تدفع إلا بالخروج، أو حاجة ملحة. والله تعالى أعلم.

الحواشي

  1. إلا ما شذ به ابن لبابة بجواز وصحة الاعتكاف في أي مكان ولو غير المسجد، راجع: بداية المجتهد ج2 ص 203، والقوانين الفقهية ص 134 .
  2. تراجع آراء المذاهب فى : المدونة الكبرى ج1ص 341، الاستذكار ج10ص273 ، الشرح الصغير، ج1ص726 ، المقدمات الممهدات لابن رشد الجد، ج1 ص 256، بداية المجتهد ونهاية المقتصد لابن رشد الحفيد، ج2 ص 202 – 203، المغنى ج3ص127ـ 129، المجموع ج6ص472 ، حاشية ابن عابدين ج1ص 128.
  3. أخرجه الدارقطني في سننه برقم 2357 ، وقال الضحاك لم يسمع من حذيفة، وهذا يعني ان فيه انقطاعاً بين الضحاك وحذيفة. سعيد بن منصور فى سننه والدار قطنى
  4. أخرج عبد الرزاق في مصنفه برقم 8009 قول علي (لا اعتكاف إلا في مسجد جماعة) وأخرج البيهقي في السنن الكبرى برقم 8354 قول عائشة (ولا اعتكاف إلا في مسجد جماعة) وكذلك أخرج قول ابن عباس ( لا اعتكاف إلا في مسجد تقام فيه الصلاة) برقم 8835.
  5. ينظر : المهذب مع المجموع ، 6/472-473
  6. أخرجه أبو داود برقم 232، وابن خزيمة في صحيحه برقم 1327، والبيهقي في معرفة السنن برقم 1377، والحديث وإن ضعفه الألباني وقال فيه البيهقي ليس بالقوي، إلا أن الجمهور أخذوا به وعملوا به، راجع: شرح السنة للبغوي ج2 ص 45 .
  7. انظر : الموطأ 317 ، الاستذكار ج10 ص 314 ، المجموع ج6 ص 507 ، المغنى لابن قدامة ج3 ص 146.
  8. (2) البقرة 187
  9. كتاب الإجماع لابن المنذر ، ص 16 ، المسألة 133.
  10. الحديث أخرجه البخارى فى كتاب الاعتكاف بلفظ : ( كان النبى ♀ يصغي إليّ رأسه وهو مجاور في المسجد ، فأرجله وأنا حائض ) ، حديث رقم (2028) ج4ص320 مع الفتح ، وأبو داود في سننه برقم (2467) ، ج2ص332 بلفظ : ( إذا اعتكف يدني إليّ رأسه فأرجله). ج4ص320 مع الفتح ، وأبو داود في سننه برقم (2467) ، ج2ص332 بلفظ : ( إذا اعتكف يدني إليّ رأسه فأرجله).
  11. أخرجه البيهقي في السنن الكبرى برقم 8377.
  12. أخرجه مالك في الموطأ برقم 687. وانظر المدونة ج1 ص 341.
أ.د. عبدالله الزبير عبدالرحمن
س

حكـــم الاعتــــكاف

فتاوى الصيام · · سأل: من كتاب «سؤالات الصائمين» — أقضية الاعتكاف

ما حكم الاعتكاف أصلاً، هل هو واجب على الصائم أن يعتكف أم لا؟ أفيدونا جزاكم الله عنا خير الجزاء.

جواب فضيلة الشيخ

الاعتكاف في أصل اللغة من الإقبال على الخير ملازمةً ومواظبةً، وبالتاء (اعتكف) إقبالٌ على الخير، بينما بالنون (انعكف) إقبالٌ على الشرّ، فنقله الشرع إلى معنى إيماني تعبدي جميل هو أنه يعني لزوم المسجد واللبث فيه قربةً وطاعةً لله عز وجل.

وكان معروفاً كصورة من صور التدين من قبل بعثة النبي ﷺ وقبل نزول القرآن الكريم وشرائع الإسلام، وقد أمر الله تعالى إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام بتهيئة بيته الحرام للعاكفين مع الطائفين والمصلين فقال جل شأنهآية كريمة (1) وفي الصحيح خبر نذر عمر بن الخطاب رضي الله عنه الاعتكاف في الجاهلية، وسؤاله رسول الله ﷺ عن حكم ذلك، فأمره عليه الصلاة والسلام أن يفي بنذره، ففي صحيحي البخاري ومسلم عن ابن عمر رضي الله عنهما أَنَّ عُمَرَ رضي الله عنه سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ : ” كُنْتُ نَذَرْتُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ أَنْ أَعْتَكِفَ لَيْلَةً فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ” فقَالَ النبي : ( فَأَوْفِ بِنَذْرِكَ)(2).

والتزمه النبي ﷺ سنة من سنن الصيام في كل رمضان تكميلاً لمقاصد الصوم العظيمة.

فأجمع العلماء على مشروعية الاعتكاف وأنه من أعمال الخير ونوافله الجليلة(3).

فقال الحنفية: هو واجب بالنذر، وسنة مؤكدة في العشر الأواخر من رمضان، ومستحب في غير رمضان من الأزمنة(4).

وقد وافقهم على تأكيد سنيته أبو الحسن بن بطال من المالكية حيث يقول في شرحه لخبر: « كان رسول الله ﷺ يعتكف فى كل رمضان » قال رحمه الله : “فهذا يدل على أن الاعتكاف من السنن المؤكدة؛ لأنه مما واظب عليه النبى ﷺ فينبغى للمؤمنين الاقتداء فى ذلك بنبيهم”(5).

وقال المالكية: هو نافلة من نوافل الخير ، وقربةٌ مرغّب فيها للرجال والنساء لا سيما في العشر الأواخر من رمضان(6).

وقال الشافعية: ” هو مستحب في الأصل، ويتأكد استحبابه في العشر الأواخر من رمضان” (7).

وقال الحنابلة: ” هو سنة ..لا نعلم خلافاً في استحبابه” (8).

وقد استدلوا جميعاً بالكتاب والسنة.

فمن الكتاب قوله آية كريمة(9)، وقوله تعالى آية كريمة.(10)

ووجه الدلالة على مشروعيته وسنيته من الآيتين؛:

أـ أنّ الله تعالى في الآية الأولى أمر بتهيئة البيت الحرام لهؤلاء المعتكفين، وفي هذا تعظيم له وتكريم لأهله، وفيه ما فيه من اعتباره طاعة وقربة عظيمة يحبها الله تعالى.

ب ـ وأنّه تعالى في الآية الأخرى أضاف الاعتكاف إلى بيوته، فدلّ على عظمته ، ثم نهى عن الوطأ المباح لأجله، فدلّ على أنّ التلبس به أعظم رعايةً حتى يُحرّم لأجله المباح، وعلى أنه فوق المباح فلو كان مجرد مباح جائز لما حُرّم لأجله ما هو مباح مثله، فكان أرفع من المباح، وأقلّ ذلك الاستحباب.

وأما دليل السنة؛: فهو مواظبته عليه الصلاة والسلام على الاعتكاف في حياته وفي خبر عائشة قالت: «كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَعْتَكِفُ الْعَشْرَ الأَوَاخِرَ مِنْ رَمَضَانَ حَتَّى تَوَفَّاهُ اللَّهُ ثُمَّ اعْتَكَفَ أَزْوَاجُهُ مِنْ بَعْدِه) (11).

هذا حكم الاعتكاف في الأصل، غير أنه قد يجب، وذلك في حالتين:

الحالة الأولى: إذا نذر شخص الاعتكاف، فيكون قد أجب على نفسه نذراً يجب عليه الوفاء به بالاتفاق.

والحالة الثانية: إذا نوى الاعتكاف مدة ودخل فيه، فيجب عليه ويلزمه، فإن قطعه فعليه قضاؤه، وهذا ما ذهب إليه المالكية رحمهم الله تعالى، مستدلين بحديث قضاء النبي ﷺ لاعتكافه، في الموطأ وغيره (12).

فَعَنْ عَمْرَةَ بنت عبد الرحمن عَنْ عَائِشَةَ رضى الله عنها قَالَتْ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَعْتَكِفَ صَلَّى الْفَجْرَ ثُمَّ دَخَلَ مُعْتَكَفَهُ وَإِنَّهُ أَمَرَ بِخِبَائِهِ فَضُرِبَ أَرَادَ الاِعْتِكَافَ فِى الْعَشْرِ الأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ فَأَمَرَتْ زَيْنَبُ بِخِبَائِهَا فَضُرِبَ وَأَمَرَ غَيْرُهَا مِنْ أَزْوَاجِ النَّبِىِّ ﷺ بِخِبَائِهِ فَضُرِبَ فَلَمَّا صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْفَجْرَ نَظَرَ فَإِذَا الأَخْبِيَةُ فَقَالَ « آلْبِرَّ تُرِدْنَ ». فَأَمَرَ بِخِبَائِهِ فَقُوِّضَ وَتَرَكَ الاِعْتِكَافَ فِى شَهْرِ رَمَضَانَ حَتَّى اعْتَكَفَ فِى الْعَشْرِ الأَوَّلِ مِنْ شَوَّالٍ»(13).

قال الحافظ ابن عبد البر رحمه الله: « وفي هذا الحديث من الفقه: أنّ الاعتكاف يلزم مع النية بالدخول فيه، فإذا دخل الإنسان ثم قطعه لزمه قضاؤه» اهـ (14).

وقد يكون الاعتكاف مكروهاً، وذلك في حالة واحدة هي الدخول فيه لمن يُخاف عليه العجز عن الوفاء بحقه وشرطه، وهو مرويٌ عن الإمام مالك رحمه الله(15). وقد قال رحمه الله في المدونة: « لا أرى للذي لا يقوى أن يعتكف». وقد استدل بأن أبا بكر وعمر وعثمان من الصحابة لم يبلغه أنهم اعتكفوا، ولا أحداً من التابعين لا ابن المسيب ولا غيره، ولا أحداً ممن أدركه ممن يُقتدَى به إلا أبو بكر ابن عبد الرحمن. فلما سئل: لِمَ تُراهم تركوه؟ قال: أراه لشدة الاعتكاف عليهم، لأنّ ليلهُ ونهارهُ سواء، وجعل رحمه الله الاعتكاف من باب الوصال الذي كان يفعله النبي وينهى عنه(16).

وعلى هذا: فالاعتكاف تعتريه أحكام شرعية ثلاثة:

1ـ الوجوب في حالة النذر باتفاق، وفي حالة دخول المعتكف فيه بنية عند المالكية.

2ـ الندب والاستحباب، وهو الحكم الأصل.

3ـ الكراهة لمن لا يقوى على الاعتكاف ويُخشَى عليه أن لا يوفي بحقه وشرطه.

والله تعالى أعلم..

الحواشي

  1. (1) سورة البقرة 125.
  2. صحيح البخاري برقم 2032، وبرقم 2042، ومسلم في صحيحه برقم 4382
  3. راجع: الإفصاح عن معاني الصحاح لابن هبيرة، ج1 ص 219 وقال: ” واتفقوا على أن الاعتكاف مشروع وأنه قربة، وانظر: الإجماع لابن المنذر، ص 16 مسألة رقم 130، وابن رشد في بداية المجتهد ج2 ص 201 وقال: ” والاعتكاف مندوب إليه بالشرع واجب بالنذر ولا خلاف في ذلك”.
  4. حاشية ابن عابدين، ج2 ص 129.
  5. شرح ابن بطال لصحيح البخاري، ج7 ص 211، وراجع: فتح الباري لابن حجر ج4 ص 285، وعمدة القاري للعيني ج11 ص 140.
  6. الشرح الصغير ج1 ص 725، القوانين الفقهية لابن جزي ص 134 .
  7. المهذب للشيرازي بشرح المجموع للنووي ، ج6 ص 468 ـ 469 . وشرح النووي لصحيح مسلم ج8 ص 307 .
  8. كشاف القناع عن متن الإقناع، للبهوتي، ج2 ص 348، وانظر: المغني ومعه الشرح الكبير لموفق الدين وشمس الدين ابني قدامة ج3 ص 122، والإنصاف للمرداوي ج3 ص 358.
  9. (3) البقرة 125.
  10. (4) البقرة 187
  11. أخرجه البخاري في صحيحه برقم 2026، ومسلم في صحيحه برقم 2841.
  12. راجع: الاستذكار، ج10 ص 305، المقدمات الممهدات، لابن رشد الجد، ج1 ص 259 – 260.
  13. أخرجه مالك في الموطأ برقم 661، انظره مع الاستذكار ج10 ص 299، والبخاري برقم 2033، ومسلم برقم 2842.
  14. الاستذكار ج10 ص 305 .
  15. راجع بداية المجتهد لابن رشد ج2 ص 201.
  16. انظر: المدونة الكبرى لمالك، ج1 ص 342.
أ.د. عبدالله الزبير عبدالرحمن
س

صـلاة التـراويح بيـن التطويل والتخفيـف

فتاوى الصيام · · سأل: من كتاب «سؤالات الصائمين» — أقضية صلاة التراويح

في الريف أصلي بالناس التراويح إماماً، وكلّما أريد أن أقرأ في التراويح طويلاً يضجر المصلون ويشكون من طول القراءة، فأرجو أن ترشدوني هل أقلل من القراءة إرضاءً للمصلين، أو الصحيح أن لا أسمع لهم وأُكثر من القراءة وأطيل في القيام والركوع والسجود؟ أفيدوني جزاكم الله خيراً.

جواب فضيلة الشيخ

أصحّ الأحوال دائماً التأسّي بحال صاحب الرسالة ﷺ، والتزام منهاج النبوة في الدين والدعوة، ومن خلقه العظيم عليه الصلاة والسلام شفقته بأمته ورحمته بالعباد أجمعين، وقد قال الله تعالى فيهآية كريمة (1) فإنه يعزّ عليه عنت أفراد الأمّة، لأنه بهم رءوف رحيم، فواجب الدعاة وأئمة الصلاة التأسي به في هذه الأحوال، فيحيوا سنته ويقيموا شريعته.

ولقد وجّه ﷺ أئمة الصلاة أن يخففوا على المصلين إنْ أمّوا الناس فقال في الصحيح: ( إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ لِلنَّاسِ فَلْيُخَفِّفْ فَإِنَّ مِنْهُمُ الضَّعِيفَ وَالسَّقِيمَ وَالْكَبِيرَ، وَإِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ لِنَفْسِهِ فَلْيُطَوِّلْ مَا شَاءَ )(2)، وقال أبو مسعود الأنصاري رضي الله عنه: “قَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللهِ! لاَ أَكَادُ أُدْرِكُ الصَّلاَةَ مِمَّا يُطَوِّلُ بِنَا فُلاَنٌ. فَمَا رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺفِي مَوْعِظَةٍ أَشَدَّ غَضَبًا مِنْ يَوْمِئِذٍ، فَقَالَ: (أَيُّهَا النَّاسُ! إِنَّكُمْ مُنَفِّرُونَ فَمَنْ صَلَّى بِالنَّاسِ فَلْيُخَفِّفْ فَإِنَّ فِيهِمُ الْمَرِيضَ وَالضَّعِيفَ وَذَا الْحَاجَةِ)(3). وقال لسيدنا معاذ بن جبل رضي الله عنه يعاتبه لما شكى المأمومون عن طول صلاته، يقول له: ( يَا مُعَاذُ! أَفَتَّانٌ أَنْتَ؟ – ثَلاَثًا – اقْرَأْآية كريمة ، و وَنَحْوَهَا(4).

إنْ كان هذا في المكتوبات فمن باب أولى في النوافل والتطوعات.

فالعبرة إذنْ برضا المصلين وسخطهم في التطوعات والنوافل الجماعية، فإنْ رضوا بالطول فالأولى الإطالة في التراويح، وإنْ شكوا من الطول فالأولى التخفيف في القراءة والركوع والسجود، ومعلوم أنّ صلاة التراويح سنّة وليست فرضاً، والجماعة فيها مستحبة، وطول القيام والقراءة فيها مستحبٌ، والقاعدة في المستحبات: أنّه يُستحب ترك المستحب تأليفاً للقلوب، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في مثل هذا: “ولذلك استحب الأئمة أحمد وغيره أن يدع الإمام ما هو عنده أفضل إذا كان فيه تأليف المأمومين”(5).

فألِّف ـ قدر المستطاع وفقك الله ـ قلوب المؤمنين المصلين بالتخفيف إنْ شكوا من الإطالة بهم، فتأليفهم أحبّ في الشرع من كرههم لصلاة طويلة.

قال الكاساني رحمه الله: ” في زماننا الأفضل أن يقرأ الإمام على حسب حال القوم من الرغبة والكسل، فيقرأ قدر ما لا يوجب تنفير القوم عن الجماعة، لأن تكثير الجماعة أفضل من تطويل القراءة”(6).

قلت: هذا في زمانه، ففي زماننا أكثر.

وقال الإمام أحمد رحمه الله: ” يقرأ بالقوم في شهر رمضان ما يخف على الناس ولا يشق عليهم،.. والأمر على ما يحتمله الناس”(7).

غير أنّ بعض المصلين لا يعجبهم ولا يرضيهم من التخفيف إلاّ ما تضمّن الإسراع في القراءة والركوع والسجود مما يُخرج الصلاة عن حدّ الخشوع الواجب فلا يتم ركوعاً ولا سجوداً أو بعض الأركان، فتكون صلاتهم نقراً كنقر الغراب، وقراءتهم هذرمة تأكل الحروف، فيُعرِّضون الصلاة إلى البطلان والفساد بالسرعة التي تضيع الفرائض والأركان، فهذا لا يُقبل منهم، ويجب أن لا ينحدر الأئمة طلباً لتأليف أمثال هؤلاء فيبطلوا صلواتهم وصلاة من يؤمونهم. والله الموفق للخير والصواب.

الحواشي

  1. التوبة 128
  2. البخاري في الصحيح برقم 703، ومسلم برقم 1075.
  3. أخرحه البخاري في صحيحه برقم 90، وابن ماجة في السنن برقم 984.
  4. أخرجه البخاري برقم 6106، ومسلم برقم 1068، وأبو داود برقم 790، وغيرهم.
  5. مجموع فتاوى ابن تيمية ، ج24 ص 195 .
  6. بدائع الصنائع للكاساني ج1 ص 289.
  7. المغني لابن قدامة، ج1 ص 836.
أ.د. عبدالله الزبير عبدالرحمن
س

دفع زكاة الفطر لمسكين واحد

فتاوى الصيام · · سأل: من كتاب «سؤالات الصائمين» — أقضية زكاة الفطر

في الحي الذي نسكن فيه أكثر من مسكين، ولكنّ واحداً منهم تربطني به قرابة ورحم، فهل يجوز لي أن أخصه بزكاة الفطر فأعطيها كلها له وحده؟

جواب فضيلة الشيخ

أولاً: ذهب جمهور الفقهاء إلى أن مصارف زكاة الفطر خاصة بالفقير والمسكين ، فالفقير والمسكين المسلمان الحران هما المستحقان لزكاة الفطر، وهذا مذهب الحنفية والمالكية وأحمد في أصح روايتيه (1).

وذهب الشافعي وابن الحاجب من المالكية إلى أن مصارف زكاة الفطر هي مصارف زكاة المال ( الثمانية ) نفسها ، بحجة أنها صدقة من الصدقات وقد جعل الله مصارف الصدقات ثمانية في قوله آية كريمة(2).

والراجح :

هو ما ذهب إليه الجمهور ، فيجوز أن يخرج المسلم زكاة الفطر ويعطيها لمسكين واحد ، وذلك :

[1] لأن زكاة الفطر صدقة لغير معين ، فجاز صرفها لواحد . بينما زكاة المال صدقة لمعينين .

[2] ولحديث ابن عباس رضي الله عنهما قال : “فرض رسول الله ﷺ زكاة الفطر طهرة للصائم من اللغو والرفث، وطعمة للمساكين..”3)).

إذنْ: إنما فُرضت زكاة الفطر طعمة للمساكين ، فلو طُعم واحد منهم صح ولو طُعم أكثر من واحد صحّ فجاز تخصيصه بمسكين واحد لاسيما إذا كان ذا قرابة أو رحم ، .وفي الحديث: ( الصدقة على المسكين صدقة وهي على ذي الرحم اثنتان: صدقة وصلة )(4).

الحواشي

  1. انظر : حاشية ابن عابدين ج2 ص 78 ، تبيين المسالك ، ج2 ص 135 ، المغني ، ج2 ص 712- 713 . زاد المعاد ج2 ص 22 .
  2. الآية 61 من سورة التوبة، وانظر : مغني المحتاج ، ج1 ص 408، مواهب الجليل ، ج2 ص 376
  3. ابن ماجة في كتاب الزكاة باب صدقة الفطر برقم 1823 ج1 ص 395 .
  4. أخرجه الترمذي في باب ما جاء في الصدقة على ذي القرابة ، برقم 658 . وحسنه الترمذي.
أ.د. عبدالله الزبير عبدالرحمن

لديك مسألةٌ تُشكل عليك؟ استفتِ الشيخ

اكتب سؤالك وسيصل مباشرةً إلى مكتب فضيلة الشيخ، ويصلك الجواب على بريدك.

الردّ خلال ٣–٧ أيام بياناتك محفوظة ولا تُنشر ١١٩ فتوى منشورة
استفتِ الشيخ
فتوى مختارة

كبر الهلال وصغره في أول الشهر

كثيراً ما يختلف الناس في أول يوم من رمضان عند الإفطار وفي مآنسهم حين يشاهدون الهلال فيرونه كبيراً، فيذهب بعضهم إلى تخطئة علماء المجمع، وبعضهم إلى تصويبهم، وغالبيتهم يحكّمون الهلال بمقدار كبره وصغره، فيظن بعضهم أنهم قد أفطروا يوماً من رمضان، فيشكون في صحة الشهر، وهكذا.. نرجو توضيح هذه المسألة، وهل كبر الهلال وصغره له تأثير على ثبوت الشهر وصحة…

اقرأ الجواب