السبت 22 أغسطس 2026م
الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ

الرئيسية ← الفتاوى

الفتــاوى

فتاوى فضيلة الشيخ في العبادات والمعاملات المالية والنوازل المعاصرة — ولمن أراد أن يسأل، فباب الاستفتاء مفتوح.

س

ما على الحامل والمرضع إذا أفطرتا؟

فتاوى الصيام · · سأل: من كتاب «سؤالات الصائمين» — الصيام وأقضية النساء

إذا كان الشرع رخّص للحامل والمرضع في الفطر، فأخذت إحداهن بهذه الرخصة فأفطرت، ربما تتكاثر عليها شهور رمضان بسبب فطرها بين أن تكون حاملاً وبين أن تكون مرضعاً؟ فماذا عليها لو أفطرت رمضان؟ هل عليها القضاء ولو كثرت أيام قضائها؟ أم عليها الإطعام؟ .

جواب فضيلة الشيخ

إذا أفطرت الحامل بسبب حملها، والمرضع بسبب إرضاعها لوليدها هل تقضيان ما أفطرتا ؟ أم تفديان (فدية طعام مسكين) ؟ أم الاثنين معاً (القضاء والإطعام) ؟:

للعلماء في هذه المسألة سبعةُ أقوال :

القول الأول: أنهما تقضيان وتطعمان وجوباً، إنْ خافتا على ولديهما، وإنْ خافتا على نفسيهما أو نفسيهما مع ولديهما تقضيان ولا تطعمان، وهذا مذهب الحنابلة ومشهور مذهب الشافعية وبه يقول سفيان ورواية عن مجاهد(1).

والقول الثاني: أنهما تقضيان فقط ولا إطعام عليهما ، وهو مذهب الأحناف، جاء في المختار للموصلي: ” والحامل والمرضع إذا خافتا على ولديهما أو نفسيهما أفطرتا وقضتا لا غير”(2). وهو قول الأوزاعي وأبي عبيد وأبي ثور(3).

والقول الثالث: التفريق بين الحامل والمرضع، فالحامل تقضي ولا تطعم، والمرضع تقضي وتطعم، وهو مشهور مذهب المالكية. ففي المدونة: ” أرأيت الحامل والمرضع إذا خافتا على ولديهما فأفطرتا؟ قال: ” تطعم المرضع وتفطر وتقضي إنْ خافت على ولدها.. قال ابن القاسم: “وقال مالك في الحامل: لا إطعام عليها ولكن إذا صحّت قويتْ قضتْ ما أفطرت. قلت: ما الفرق بين الحامل والمرضع؟ فقال: لأن الحامل هي مريضة، والمرضع ليست بمريضة”اهـ(4).

والقول الرابع: أن المرضع إذا خافت أفطرت وأطعمت، والحامل إذا خافت على نفسها أفطرت وقضت كالمريض، وهو مذهب الحسن البصري في رواية يونس بن عبيد (5).

والقول الخامس: أنهما إنْ أفطرتا فهما بالخيار، تفطران وتطعمان ولا تقضيان، وإنْ شاءتا قضتا ولا إطعام عليهما، وهو قولٌ لإسحاق(6).

والقول السادس: أنهما إنْ أفطرتا خوفاً على الجنين والرضيع؛ لا شيء عليهما، لا قضاء وإطعام، وهو مذهب ابن حزم الظاهري، قال رحمه الله في المحلى: ” إنْ خافت المرضِع على المرضَع قلّة اللبن وضيعته لذلك ولم يكن له غيرها، أو لم يقبل ثدي غيرها، أو خافت الحامل على الجنين، أو عجز الشيخ عن الصوم لكبره؛ أفطروا ولا قضاء عليهم ولا إطعام” مستدلاً على عدم وجوب القضاء والإطعام بأنّ “إيجاب القضاء عليهما شرع لم يأذن الله تعالى به ولم يوجب الله تعالى القضاء إلا على المريض والمسافر والحائض والنفساء ومتعمد القيء فقط”(7).

والقول السابع: أنّ فرضهما الإطعام، ولا قضاء عليهما ، وهو مذهب أجلاء الصحابة رضوان الله عليهم ابن عباس وابن عمر وهو قول لمالك حكاه عنه ابن وهب، كما جاء في المدونة: ” قال ابن وهب: وقد كان مالك يقول في الحامل: تفطر وتطعم، ويذكر أنّ ابن عمر رضي الله عنهما قاله(8)، ونسب هذا القول إلى الإمام الشافعي رحمهم الله في قولٍ له(9).

والراجح الصحيح هو ما اتفق عليه الصحابيان الجليلان ابن عباس وابن عمر ، ثم ووافقهما عليه جلة من أئمة الفتوى من التابعين، منهم: سعيد بن المسيب، وسعيد بن جبير، والقاسم بن محمد، وعطاء، ومجاهد، وطاووس، وعكرمة، وإبراهيم النخعي، والسدّي، وغيرهم(10).

وعليه : فالحامل والمرضع تفطران وتطعمان ولا قضاء عليهما، إنْ أفطرتا، وإنما عليهما فقط الإطعام ، تطعم كل واحدة منهما عن كل يوم مسكيناً مداً من حنطة، ويجوز القيمة مكان العين على ما رأت كثير من المجامع الفقهية وهيئات الإفتاء في هذا العصر.

ويحسن أنّ نفصل بحسب أحوال الحوامل والمرضعات:

1ـ من انقطع حملها بولد أو ولدين، يستحب لها قضاء ما أفطرته من رمضان بسبب الحمل والرضاعة. والورع يقتضيها أن تصوم ما أفطرته لأن ما عليها مما لا يشقّ عليها، مع بقاء حكمها في الإطعام.

2ـ من تتابع حملها وتوالى إرضاعها سنين عديدة، وتكاثرت عليها أيام رمضان مما أفطرتها، ثم انقطعت عن الحمل والولادة والرضاعة؛ فمن المستحب في حقها أن تكثر من نوافل الصوم وتطوعاته ما أمكن، رغبة في الطاعة وتعظيماً للشعيرة وتحصيلاً لفضل الصوم.

كل هذا مع أن فرضهما الإطعام ولا يلزمهما القضاء، بل عليهما فقط الإطعام لا القضاء..

وترجيح أنّ الذي عليهما الإطعام من غير قضاء: يظهر من عشرة وجوه شرعية ناصعة الدلالة على المطلوب:

الوجه الأول:

قوله تعالىآية كريمة (11). فجماهير العلماء على أنّ هذه الآية محكمة في الشيخ والعجوز والحامل والمرضع وغير منسوخة، وهو قول ابن عباس وابن عمر وعائشة ومجاهد وعطاء وسعيد بن جبير وعكرمة وجماعة من التابعين. وهي صريحة في أنّ حكم هؤلاء الأربعة؛ الفدية والإطعام لا القضاء، ومعنى آية كريمة يطيقونه بجهد ومشقة مضرّة، أي يشقّ عليهم ويضرّ بهم، فجُعلت عليهم الفدية (12).

قال ابن عباس رضي الله عنهما: ” هي ( أي الآية ) مثبتة للكبير والمرضع والحامل وعلى الذين يطيقون الصيام” ..

وقال سعيد بن المسيب رحمه الله عن معنى الآية: ” هو الكبير الذي كان يصوم فكبر وعجز عنه، وهي الحامل التي ليس عليها الصيام، فعلى كل واحد منهما طعام مسكين، مدّ من حنطة لكلّ يوم حتى ينقضي رمضان”.

وقال السدّيّ رحمه الله: ” أما الذين يطيقونه فالرجل كان يطيقه وقد صام قبل ذلك ثم يعرض له الوجع والعطش أو المرض الطويل، أو المرأة المرضع لا تستطيع أن تصوم، فإن أولئك عليهم مكان كلّ يوم إطعام مسكين”(13).

حتى من رأى أنها منسوخة، أثبت حكم الفدية بالإطعام دون القضاء للحامل والمرضع، مثل عكرمة وقتادة ..

ـ قال عكرمة رحمه الله: ” كان الشيخ والعجوز لهما الرخصة أن يفطرا ويطعما بقوله: آية كريمة فكانت لهم الرخصة ثم نسخت بهذه الآية:آية كريمة فنسخت الرخصة عن الشيخ والعجوز إذا كانا يطيقان الصوم، وبقيت للحامل والمرضع أن يفطرا وتطعما.

ـ وقال همام بن يحيى : “سمعت قتادة ، يقول في قوله: آية كريمة:” كان فيها رخصة للشيخ الكبير، والعجوز الكبيرة وهما يطيقان الصوم أن يطعما مكان كل يوم مسكيناً، ويفطرا، ثم نسخ ذلك بالآية التي بعدها فقال: آية كريمة إلى قوله: آية كريمة فنسختها هذه الآية فكان أهل العلم يرون ويرجون الرخصة قد ثبتت للشيخ الكبير، والعجوز الكبيرة، إذا لم يطيقا الصوم أن يفطرا ويطعما عن كل يوم مسكيناً، وللحبلى إذا خشيت على ما في بطنها، وللمرضع إذا ما خشيت على ولدها”(14).

ـ وحتى ما روي عن ابن عباس في نسخها فإنه أثبتها في الشيخ والعجوز والحامل والمرضع، قال رضي الله عنهما: ” كان الشيخ الكبير، والعجوز الكبيرة، وهما يطيقان الصوم رخص لهما أن يفطرا إن شاءا، ويطعما لكل يوم مسكيناً، ثم نسخ ذلك بعد ذلك:آية كريمة وثبت للشيخ الكبير، والعجوز الكبيرة إذا كانا لا يطيقان الصوم، وللحبلى والمرضع إذا خافتا”اهـ(15).

فعلى القول بإحكام الآية دخلت الحامل والمرضع، وعلى القول بالنسخ احتملتهما الآية، فترجّح أن حكمهما الإطعام لا القضاء.

بل إنّ مقصود كثير من السلف بالنسخ هو التخصيص كما يقول القرطبي رحمه الله في دعوى نسخ هذه الآية: “يحتمل أن يكون النسخ هناك بمعنى التخصيص، فكثيراً ما يطلق المتقدمون النسخ بمعناه” (16).

وما يزيد هذا الوجه نصاعة ونصاحة: أنّ تفسير ابن عباس لهذه الآية تفسير صحابيٍّ له تعلّقٌ بسبب النُّزول، ومعروفٌ عند أهل الحديث وأهل علوم القرآن والتفسير أن تفسير الصحابي الذي له تعلّق بسبب النّزول له حكم الرفع(17).

حتى لو عارض تفسيره تفسير صحابي آخر؛ قُدِّم تفسيره على تفسير غيره ـ كما هو مقرر عند أهل العلم ـ، قال الزركشي رحمه الله: “إن تعارضت أقوال جماعة من الصحابة، فإن أمكن الجمع فذاك، وإن تعذر؛ قُدِّم ابن عباس رضي الله عنهما، لأنّ النبي ﷺ بشّره بذلك حيث قال: (اللهم علمه التاويل)”(18).

الوجه الثاني:

أنّ حديث الحامل والمرضع يجعل حكمهما إذا أفطرتا الإطعام دون القضاء، فقد أخرج أهل السنن وغيرهم عن أنس بن مالك الكعبي رضي الله عنه أنه قال: “أغارت علينا خيل رسول الله ﷺ فأتيت رسول الله ﷺ فوجدته يتغدَّى، فقال: ( اُدْنُ فكل) فقلت: إني صائم فقال: (اُدْنُ أحدثك عن الصوم أو الصيام، إنّ الله تعالى وضع عن المسافر الصوم وشطر الصلاة وعن الحامل أو المرضع الصوم أو الصيام)(19). وفي رواية عند النسائي: ( إِنَّ اللَّهَ وَضَعَ عَنِ الْمُسَافِرِ شَطْرَ الصَّلاَةِ وَالصِّيَامَ، وَعَنِ الْحَامِلِ وَالْمُرْضِعِ )(20). وفي رواية لأحمد وابن ماجة: (إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ وَضَعَ عَنِ الْمُسَافِرِ شَطْرَ الصَّلاَةِ، وَعَنِ الْمُسَافِرِ وَالْحَامِلِ أَوِ الْمُرْضِعِ الصَّوْمَ)(21).

ووجه الدلالة من الحديث: أنّ النبي ﷺ أخبر عن الله تعالى أنّه وضع عن المسافر أمرين هما الصوم وشطر الصلاة، وأنّه وضع عن الحامل والمرضع الصوم، وعند التأمّل والتدقيق نجد أنه ﷺ عبّر بعبارة (وضع عن)، وعبارة وضع عن تعني الإسقاط بلا مطالبة بقضاء ولا إعادة:

ـ فقول الناس: وضع عنه الدين: أسقطه عنه بلا مطالبة ولا إعادة..

ـ وقول الله تعالى آية كريمة(22). أي أسقط وأبعد عنهم ذلك كله في دينه عليه الصلاة والسلام، فلا إصر ولا أغلال ولا مشقات ولا تكاليف ثقال، كلها قد رفعت وأسقطت في دينه الحنيف السمح السهل ﷺ.

ـ وقوله تعالىآية كريمة (23).أي حططنا عنك الذي سلف منك في الجاهلية على ما قال الحسن وقتادة والضحاك ومقاتل(24).

ـ وقوله ﷺ كما في صحيح مسلم: « مَنْ أَنْظَرَ مُعْسِرًا أَوْ وَضَعَ عَنْهُ أَظَلَّهُ اللَّهُ فِى ظِلِّهِ»(25). والإنظار تأجيل المطالبة، بينما الوضع عنه الإسقاط كلياً بلا مطالبة.

ـ وقوله ﷺ في حديث أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه: ( إِنَّ اللَّهَ وَضَعَ عَنْ أُمَّتِي مَا حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسَهَا، مَا لَمْ تَعْمَلْهُ، أَوْ تَكَلَّمْ بِهِ) (26). ولهذا أورد البيهقي كلام الإمام الشافعي مستفيداً من هذا الحديث في باب من عقد النكاح مطلقاً لا شرط فيه، قال: “فالنكاح ثابت وإن كانت نيتهما أو نية أحدهما التحليل، قال الشافعى رحمه الله : لأن النية حديث النفس وقد وضع عن الناس ما حدثوا به أنفسهم”(27).

ـ وكما جاء عنه ﷺ في سنن الدارمي أنه قال: (إن الله قد وضع عن الجاهلية ما عملوا فاستأنف عملك)(28). مغفرة وحطّاً..

ـ وفي صحيح البخاري أَنَّ كَعْبَ بْنَ مَالِكٍ تَقَاضَى ابْنَ أَبِي حَدْرَدٍ دَيْنًا لَهُ عَلَيْهِ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي الْمَسْجِدِ فَارْتَفَعَتْ أَصْوَاتُهُمَا حَتَّى سَمِعَهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ وَهُوَ فِي بَيْتِهِ فَخَرَجَ إِلَيْهِمَا رَسُولُ اللهِ ﷺ حَتَّى كَشَفَ سِجْفَ حُجْرَتِهِ وَنَادَى كَعْبَ بْنَ مَالِكٍ قَالَ يَا كَعْبُ قَالَ لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللهِ فَأَشَارَ بِيَدِهِ أَنْ ضَعِ الشَّطْرَ مِنْ دَيْنِكَ قَالَ كَعْبٌ قَدْ فَعَلْتُ يَا رَسُولَ اللهِ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: (قُمْ فَاقْضِهِ)(29).أي الشطر الباقي.

ـ وروي عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه :كان يذهب إلى العوالي كل يوم سبت، فإذا وجد عبداً في عمل لا يطيقه وضع عنه منه (30). دونما مطالبة له بعد ذلك.

ـ وفي خبر ابن عباس رضي الله عنهما أَنَّ عُمَرَ رضي الله عنه أُتِيَ بِمَجْنُونَةٍ قَدْ زَنَتْ، وَهِيَ حُبْلَى، فَأَرَادَ رَجْمَهَا، فَقَالَ لَهُ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ رضي الله عنه: ” أَمَا بَلَغَكَ أَنَّ الْقَلَمَ قَدْ وُضِعَ عَنْ ثَلاَثَةٍ: عَنِ الْمَجْنُونِ حَتَّى يُفِيقَ، وَعَنِ الصَّبِيِّ حَتَّى يَعْقِلَ، وَعَنِ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ”(31).

ففي كل هذا أريد بعبارة ” وضع عن” الإسقاط بلا مطالبة، فالمجنون لا يطالب بفعل واجب ولا بترك محرم، والصبي لا يؤاخذ ولا يطالب بشيء في الشرع وجوباً، إلا النائم يطالب بقضاء ما فاته بنومه، وذلك لخصوص النصّ الوارد فيه في بعض الأمور كالصلاة، وقد جاء النص فيه باستثنائه بقوله ﷺ : ( من نام عن صلاة فليصلها إذا ذكرها )(32).

إذنْ معنى ” وضع عن” في استعمال الشرع الإسقاط بلا مطالبة ولا إعادة، وفي ضوء ذلك نقرأ الحديث فنجد النبي ﷺ أخبر أن الله تعالى وضع عن المسافر الصوم وشطر الصلاة، ولكن الصوم يطالب بقضائه بعد رجوعه من سفره، والذي وضعه عنه بالإسقاط دون مطالبة: شطر الصلاة، وكأنّ ذكر الصوم كان تبعاً لما وضع عنه، لأنه لا إسقاط فيه بل فيه المطالبة بالقضاء.

وحتى لو ذُكر أصالة فالإلحاق بالمسافر بدلالة الاقتران، وهي من أضعف الدلالات على الأحكام عند أهل الفقه والأصول.

وعليه يكون المراد: إلحاق الحامل والمرضع بالمسافر في إسقاط المطالبة بقضاء ما أفطرتاه من رمضان بسبب الحمل والرضاع، كما أسقطت المطالبة بشطر الصلاة عن المسافر بسبب السفر، لأن معنى ” وضع عن” في استعمال الشرع هو الإسقاط عن المطالبة لا بقضاء ولا بإعادة إلا بدليل خاص، ولا دليل على ذلك.

الوجه الثالث:

أنّ الأصل في أحكام الصيام أنها مبنية على التيسير ، وقد قال تعالىآية كريمة (33)، وأنّ القاعدة الشرعية (المشقة تجلب التيسير) فالتيسير يجلب عند المشقة، والمشقة حاصلة للحامل والمرضع فوق مشقة الصائمين وزيادة على حالهم، والتيسير يقتضي التخفيف، والتخفيف لا يكون بإيجاب القضاء عليها ، لأن الحمل ليس أياماً معدودات، ولا الرضاعة يوم واحد أو أياماً معدودة. ولا الحمل أو الرضاعة مرة أو مرتين في حياتها الزوجية، وعليه فالقول بالقضاء قضاء بالتعسير وإفتاء بإدخال المشقة والعسر، والله يريد اليسر ولا يريد العسر.

وهذا الأصل مما بنى عليه ابن عباس وأنس بن مالك وعطاء ومجاهد وطاووس وعكرمة أنّ كلّ من لم يطق الصوم إلا بجهد ومشقة مضرّة به فله أن يفطر ويفتدي. وقد نقل عنهم ابن عبد البر أنهم قالوا:” كلّ من طاق الصوم فلا مشقة تضرّ به؛ فالصوم واجب عليه، وكلّ من لم يطق الصوم إلا بجهد ومشقة مضرة به؛ فله أن يفطر ويفتدي لقول الله آية كريمة (34) قالوا: وذلك في الشيخ الكبير، والعجوز، والحامل، والمرضع، الذين لا يطيقون الصيام، إلا بجهد ومشقة خوفاً على الولد. ذهب إلى هذا جماعة من العلماء منهم: أنس بن مالك، وابن عباس في رواية، وعطاء، ومجاهد، وطاووس، وعكرمة”(35).

الوجه الرابع:

أنّ المرأة إذا تزوجت وصارت تحمل وترضع، فالغالب فيها أنها لا تنقطع أبداً في حياتها عن أحد الحالين، فهي في كل أيام السنة إما مرضع وإما حامل، فمتى تقضي؟!!..

ـ فإنّها إذا دخل عليها شهر رمضان وكانت حاملاً، يرخّص لها أن تفطر رمضان هذا العام، فإذا دخل رمضان من العام المقبل كانت مرضعاً، فتفطر للرضاع، فيأتي رمضان الثالث وهي لا تزال مرضعاً فتفطر للرضاع، فإذا جاء رمضان من العام الرابع غالباً تكون حاملاً فتفطر للحمل، فإذا أتى رمضان الخامس والسادس كانت مرضعاً في الغالب فتفطر للرضاع، فإذا دخل رمضان من العام السابع كانت حاملاً فتفطر للحمل، فيأتي عليها رمضان من العام الثامن والتاسع وهي مرضع فتفطر فيهما للرضاع، وهكذا يدخل عليها رمضان ويقبل عليها الآخر وهي إما حامل وإما مرضعٌ فتفطر، فلو كان القضاء واجباً عليها؛ لزمها أن يكون عليها صيام سنة أو أقل أو أكثر، لأنها في الغالب تحمل وترضع عشر سنين، أو اثني عشر عاماً، أو خمسة عشر عاماً، وهذا في النساء الحوامل المراضع كثير، فهل يتصوّر أن تكون شريعتنا السمحة السهلة متشوفة إلى إلزامها بقضاء أربعمائة يوم أو ثلاثمائة يوم أو أكثر أو أقل بقليل؟!!. لأنها تحمل تسعة أشهر وترضع عامين غالباً هذا بعيد في الشريعة بلا ريب.

وهذا هو الواقع، فكثير من الأمهات يسألننا يقلن: كيف نقضي ما علينا من صيام، حيث أفطرنا سنين عديدة وما تمكنّا من القضاء بسبب أننا أفطرنا على التوالي والتتابع إما بالحمل وإما بالرضاعة، فصار علينا صوم عشرة أشهر أو أثنا عشر شهراً أو خمسة عشر شهراً..

فمن يرى وجوب القضاء عليها فلا سبيل له إلا أن يأمرها بالقضاء، وهذا حمل الناس على ما لا يطيقون، والتكليف بما لا يطاق محال في الشرع، كما اتفق أهل الأصول والفقه عليه. فلا يجوز حمل الناس ما لا يطيقون.

فلا سبيل إلا أن نفتيها بالفدية طعامِ مسكينٍ عن كل يوم، تصحيحاً لحالها.

الوجه الخامس:

كثيرٌ من النساء يسألننا عن حكم ما أفطرنه من صيام رمضان بسبب الحمل أو الرضاعة، وقد تكاثرت عليهن أيام القضاء..

ـ فتقول إحداهن: توالى عليَّ الحمل والرضاعة فلم أصم عشر سنوات، فكان عليها ثلاثمائة يوم..

ـ وتقول الأخرى: أفطرت بسبب الحمل والرضاعة المتتالية اثني عشر عاماً. فكان عليها ثلاثمائة وستون يوماً..

ـ وتقول الثالثة: أفطرت حين علمت أن الفطر مرخص لي بسبب الحمل والرضاعة، ولم تنقطع ولادتي وحملي وإرضاعي خمسة عشر عاماً أفطرت فيها جميعاً وأريد أن أعرف حكم حالي.فكان عليها أربعمائة وخمسون يوماً..

ـ وأعرف امرأة تزوجت وعمرها أحد عشر عاماً فبدأت الولادة في عمر الثانية عشرة ولم تتوقف عن الولادة والإرضاع حتى بلغت الخامسة والأربعين، فيكون عليها ثلاثة وعشرون شهراً بمجموع ستمائة وتسعين يوماً قد يقلّ أياماً لاحتمال كون الشهر تسعة وعشرين!!؛؛..

هذه وتلك لو ألزمناهن بالقضاء؛ فلا شك أننا نكون قد كلفناهن بما لا تستطيعه أية واحدة منهن، وبالتالي يترتب على إلزامهن بالقضاء مع العلم بعدم قدرتهن واستطاعتهن على امتثاله وفعله كثيرٌ من المفاسد والمضار التي يدرءُ الشرع ما هو أقل منها، من تلك المفاسد:

1ـ أنها لن تلتزم بالقضاء، نعم ربما تقضي بعضها، ولكن ستتوقف عن الاستمرار لا محالة، ولا يجوز لأحد أن يأمر بما لا يستطاع فعله ولا أن ينهي أحداً عما لا يستطاع تركه، وفي القرآنآية كريمة.. وأجاب تعالى طلب أخيار الأمة آية كريمة (36) .. فقال تعالى ( قد فعلت ) (37).

فإنْ كان الله ربنا رحم عباده أنْ لا يحمّلهم ما لا طاقة لهم به؛ فهل يحق لنا أن نحمّلهم نحن؟!!..

2ـ الكثير منهن سيجدن شعوراً في أنفسهن بقساوة الشرع، وهو السمح الحنيف، وهذا أخطر بكثير من ذنب الترك وأكبر كبيرة، وهو تنفير في الدين وإساءة إلى الشرع، ولا شك أنه أعظم من عدم الصوم..

3ـ أنّ غيرهن حين يسمعن أن عليها إذا أفطرت بسبب الحمل والرضاعة ستلجأ إلى حيلة عدم الحمل أو إيقافه بعد حمل أو حملين، وهذا من المفاسد العظيمة، وقد حثّ الشرع على طلب الولد والسعي إليه والتكاثر فيه لإكثار الأمة والله تعالى يقول في آيات الصيام آية كريمة (38). والرسول ﷺ يدعو إلى التوالد والتكاثر في الأمة حاثاً لنا عليه الصلاة والسلام يقول: « تزوجوا الودود الولود فإنى مكاثر بكم الأمم»(39).

4ـ أنها ستخاف من عدم القضاء فتلجأ إلى الامتناع عن إرضاع وليدها الذي يحتاج إلى لبنها ولا حيلة له في الاغتذاء إلا من ثديها الرضاعة الكاملة بل ربما حتى الرضاعة الضرورية، فتخاف على صيامها بدل أن تخاف على ولدها، فانعكس مقصود الشرع وانقلب، فإنما شرع الله الرخصة لها لحق الجنين والرضيع، وخوفاً على تضرره وضياعه بسبب الصوم، فرفع وجوب الصوم عن الحامل من أجل جنينها وعن المرضع من أجل رضيعها، وهؤلاء يجعلون المرأة تهدر حق الجنين والرضيع لأجل الصوم، فانعكس المقصود وانقلب المطلوب، فدخلت المضرة في الدين والأنفس.

5ـ أن المرأة الحامل أو المرضع ستجد الحرج الشديد في الفطر وإنْ خافت على ولدها أو نفسها، فتشعر بالتأثمّ، وتكره الرخصة لما يترتب عليها من مشقة القضاء، فنكون قد قضينا وأفتينا بما يناقض محبوب الله، ومحبوبه جلّ وعلا أنْ تؤتى رخصه كما تؤتي عزائمه(40)، كذلك نكون قد أدخلنا الحرج في الدين، والحرج منفي عنه والله تعالى يقولآية كريمة (41).

كلّ هذه المفاسد ربما كانت أعظم ضرراً وأخطر شراً من معصية الفطر، مع وجود قولٍ للإطعام دون القضاء له من الشرع ما يدلّ على صحته بل وقوته، فكان الأولى والأرجح الأخذ به.

الوجه السادس:

أنّ المنطق الفقهي لا يستقيم مع إيجاب القضاء عليها مع قيام سبب الرخصة، فهل يستقيم فقهاً أنْ يكون صيام شهر رمضان ليس واجباً على الحامل بسبب كونها حاملاً، وعلى المرضع بسبب كونها مرضعاً ثم يجب على الحامل القضاء وعلى المرضع القضاء؟ والسبب الذي من أجله رُخِّص لها في الأداء قائم عند إلزامها بالقضاء؟ فهذا لا يستقيم فقهاً بحال، كيف نأمر الحامل أو المرضع بالقضاء وهي حامل أو مرضع، لأننا مهما أمرناها بالقضاء فسيكون سبب الرخصة قائماً فيها ما دامت حاملاً أو مرضعاً.

الوجه السابع:

أنّ بعض أئمة الفقه جعلوا الحامل والمرضع من المرضى، وأعطوهما حكم المريض إذا أفطر، وهو القضاء..

فهذا الإمام مالك رحمه الله بعد أن نقل ما بلغه عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما في الحامل وأنه قال: ” تفطر وتطعم مكان كل يوم مسكيناً..” قال: ” وأهل العلم يرون عليها القضاء كما قال الله :آية كريمة ويرون ذلك مرضاً من الأمراض مع الخوف على ولدها”(42).

وفي المدونة لما سأله ابن القاسم: ما الفرق بين الحامل والمرضع؟ فقال: لأن الحامل هي مريضة، والمرضع ليست بمريضة”اهـ(43).

فهو يرى أن الحمل مرضٌ.

ولما سئل الإمام الأوزاعي رحمه الله عنهما قال: ” الحمل والرضاع عندنا مرضٌ من الأمراض، تقضيان ولا إطعام عليهما”(44).

وقال الشيرازي في المهذب: ” فإن خافت الحامل والمرضع على أنفسهما أفطرتا وعليهما القضاء دون الكفارة، لأنهما أفطرتا للخوف على أنفسهما فوجب عليهما القضاء دون الكفارة كالمريض” (45).

فهؤلاء وغيرهم يرون أن الحمل والرضاع مرضٌ من الأمراض..

وجعل الحمل والرضاع مرضاً غير صحيح، بل هو مناقض للحقيقة والواقع، فإنّ الحمل والرضاع حالة صحة يتمناها كثير من الأزواج، والصحيح المطابق للحقيقة والواقع أنّ عدم الحمل هو المرض وعدم الرضاع هو المرض، وليس الحمل والرضاع، فكم ممن لم تحمل نساؤهم يطلبون العلاج يترددون على الأطباء يهاجرون في طلب الحمل وعلاج عدم الحمل من بلد إلى بلد، من الخرطوم إلى القاهرة إلى عَمَّان إلى برلين إلى لندن إلى نيويورك، ينفقون في سبيل حصوله الغالي والنفيس، ولو بطريق الأنبوب أو اللقاح الاصطناعي أو غير ذلك!! فكيف يطلب الحمل بكل هذه الطرق ويكون مرضاً ؟!. فهل عاقل في الأرض يطلب المرض بماله وجهده وهمّه وبما هو غالٍ ونفيس؟؟!!.

فثبت أن الحمل عافية وصحة وليس مرضاً.

كذلك جفاف اللبن وعدم تمكن الأم من إرضاع وليدها نوع من المرض وليس الإرضاع وامتلاء الضرع باللبن واغتذاء الوليد من لبن أمه هو المرض!!.

وعليه: فجعل الحمل والرضاع مرضاً مناقضٌ للحقيقة والواقع، فلا يجوز أن يُجعل حكم المريض هو حكم الحامل والمرضع.

وهذا أقوى حجة لموجبي القضاء على الحامل والمرضع وقد بان وهنه وضعفه.

ويظهر أنّ من حَكَمَ على الحمل والرضاع أنه مرضٌ؛ لأنّ الحامل تظهر عليها بعض الأعراض الشبيهة بأعراض المرض، ولكن ظهور بعض أعراض المرض لا يجعل الشخص مريضاً، لأن عرض المرض ليس هو المرض، ومعروف عند الأطباء وأهل المعرفة بالأمراض أنّ الصداع مثلاً عرض وليس مرضاً، فيبحثون عن سببه، وكذلك الغثيان ، فحين نبحث عن سبب العرض فربما نجده المرض وربما نجده الحمل وربما نجده الكبر والشيخوخة، وعليه: فالحمل والشيخوخة ليسا من الأمراض، وإنما هما قسيم المرض في إظهار الأعراض، فدلّ أنّ الحمل والشيخوخة ليسا مرضاً في الحقيقة، وما جانف حقيقة الشيء لا يعطى حكمه.

الوجه الثامن:

أنّ الله تعالى وصف الحمل بصفتين، هما: كونه وهناً على وهن، كما قال تعالى آية كريمة (46).. وكونه كرهاً كما قال تعالىآية كريمة (47)، ولو بحثنا عن هذين الوصفين أين يكثران ويغلبان، هل يغلبان في المريض الذي فرضه القضاء، أم يغلبان على الكبير والعجوز الَّذَيْنِ فرضهما الفدية؟. نجد أنهما وصفان يغلبان على الكبير والعجوز، وبيان ذلك على ما يلي:

أولاً: وصف الحمل بقوله تعالى آية كريمةكما في قول سيدنا زكريا عليه السلام آية كريمة (48).. وهو في معنى قولهآية كريمة (49). فالوهن وصف لأحوال الكبر العتيّ الذي يكون عليه الشيخ الفاني والمرأة العجوز، وهو الضعف والخور والجهد والمشقة وقلة الطاقة على تحمل شيءٍ، وهذه الأحوال هي التي تعتري حمل المرأة، “إذ يقارنه التعب من ثقل الجنين في البطن، والضعف من انعكاس دمها إلى تغذية الجنين، ولا يزال ذلك الضعف يتزايد بامتداد زمن الحمل فلا جرم أنه وهن على وهن” (50).

والعجيب!! أنّ أحد الشيوخ من فقهاء بلدنا لما عرضت عليه هذا الوجه زادني يقيناً من صحة إلحاق الحامل بالكبير والعجوز، بأنّ العلاقة بين وهن العظم من الكبير ووهن الحامل من الحمل، أنّ الحمل يسبب لأكثر الحوامل هشاشة العظام، كما أن الكبر يسبب لمن بلغ الشيخوخة هشاشة العظام.

وفيما قاله قتادة في معنى وهن العظم من سيدنا زكريا عليه السلام أنه سقوط أضراسه(51)، ومعروف مشاهدٌ أن أكثر الحوامل يفقدن أسنانهنّ وأضراسهنّ بكل حمل.

فتأكّد الشبّه بينهما وتوافقا في مدلول الوهن وحقيقته.

هذا؛ وقد رجعت إلى قول أربعين من أئمة التفسير لمعنى الوهن في هاتين الآيتين، فوجدتهم قد جعلوا معنى الوهن: الضعف والمشقة والخور والرقة ونقصان القوة وقلّة الطاقة، ولم يذكر أحدهم بأن الوهن هو المرض، ومن هؤلاء: ابن عباس، وسعيد بن جبير، ومجاهد، ومقاتل، وقتادة، وعطاء، والطبري، والقرطبي، وابن كثير، والبغوي، والطبراني، والشوكاني، والقاسمي، والرازي، وأبو حيان، وابن عاشور، والبيضاوي، والسمعاني، والزمخشري، وابن عادل، والماوردي، والنسفي، والآلوسي، وابن الجوزي، والنحّاس، والشنقيطي، والجزائري، والخطيب، والزحيلي، وابن عطية، وابن جزي الكلبي، والسمين الحلبي، وابن كيسان، والثعالبي، والخازن، والمراغي، والواحدي النيسابوري، والشعراوي، والجلال المحلي، والجلال السيوطي في الجلالين..!!!. فهؤلاء أربعون مفسراً لم يذكر واحد منهم بأن الوهن هو المرض.

إذَنْ: فوصف الحمل بأنه وهنٌ على وهنٍ يجعل حال الحامل أقرب إلى الشيخ والعجوز، وحكم الشيخ والعجوز إذا أفطرا في رمضان الفدية والإطعام لا القضاء.

وليست الشيخوخة مرضاً، ولقد رأيت من شيوخنا الأخيار المحبين للطاعة ممن وهب وقته وعلمه وماله في خدمة الدعوة والدين مَنْ يفطر في رمضان وهو ممارس عمله الدعوي والعلمي، لا يغيب عن مجلس علم ولا هيئة فتوى، ولا يتأخر عن التكليفات العلمية والعلاقات الاجتماعية، مع كل ذلك رأيتهم يفطرون في رمضان بأنهم بلغوا من العمر عتياً، ولا يشكون مرضاً فيما علمنا، نسأل الله لنا ولهم حسن العاقبة والخاتمة.

فترجّح أن حقّ الحامل والمرضع أن يلحقا بالشيخ الكبير والمرأة العجوز لما في الكلّ من الوهْن.

ثانياً: وصف الحمل بالكُره في قوله تعالى آية كريمة:

والكُره وصف يتوافق ويتطابق مع الوهن، على ما جاء عن المفسرين، والمعنى عندهم: أن الكُره بالضمّ هو المشقة التي تحتملها الحامل من غير أن تكلفها، فتمضي عليها بمعاناة المشاق ومقاساة الشدائد لأجل الولد مما يوجب للأم مزيد العناية وأكيد الرعاية. وقد وقفت على تفسير هذه الآية مما يربو على عشرين تفسيراً، لم أجد واحداً منهم ذكر أن الكُره الذي وصف به الحمل والوضع هو المرض، وهم: مقاتل، والحسن، وقتادة، والطبري، ومجاهد، وابن زمنين، والقرطبي، والشوكاني، والقاسمي، وابن عاشور، وابن جزي، والبيضاوي، وابن عادل في اللباب، والماوردي في النكت، والآلوسي في روح المعاني، والشنقيطي في أضواء البيان، وأبو السعود، والرازي، والمراغي، والزحيلي، وابن كثير، والسيوطي، والمحلي في الجلالين.

فاتفق هؤلاء الأئمة الأربعة والعشرون وغيرهم على أنّ الكُره يعني المشقة والتعب وما يترتب عليها من المعاناة والمقاساة.

وحقيقة الكُره في الحمل والولادة يصوّرها ابن عمر رضي الله عنهما كما ورد في الأدب المفرد من خبر أبي بردة أنه شهد ابن عمر رجلاً يمانياً يطوف بالبيت حمل أمه وراء ظهره يقول:

إني لها بعيرها المذلل إن أذعرت ركابها لم أذعر

ثم قال: يا ابن عمر! أتراني جزيتها؟ قال: “لا ولا بزفرة واحدة” (52).

كما يصوّر حالة الكُره في الحمل والوضع الأستاذ سيد قطب رحمه الله قائلاً: “يصور القرآن هنا تلك التضحية النبيلة الكريمة الواهبة التي تتقدم بها الأمومة، والتي لا يجزيها أبداً إحسانٌ من الأولاد مهما أحسنوا القيام بوصية اللّه في الوالدين :آية كريمة.. وتركيب الألفاظ وجرسها يكاد يجسم العناء والجهد والضنى والكلال:آية كريمة.. لكأنها آهة مجهد مكروب ينوء بعبء ويتنفس بجهد، ويلهث بالأنفاس! إنها صورة الحمل وبخاصة في أواخر أيامه، وصورة الوضع وطلقه وآلامه! ويتقدم علم الأجنة فإذا به يكشف لنا في عملية الحمل عن جسامة التضحية ونبلها في صورة حسية مؤثرة ..

إن البويضة بمجرد تلقيحها بالخلية المنوية تسعى للالتصاق بجدار الرحم. وهي مزودة بخاصية أكالة. تمزق جدار الرحم الذي تلتصق به وتأكله فيتوارد دم الأم إلى موضعها ، حيث تسبح هذه البويضة الملقحة دائما في بركة من دم الأم الغني بكل ما في جسمها من خلاصات وتمتصه لتحيا به وتنمو. وهي دائمة الأكلان لجدار الرحم. دائمة الامتصاص لمادة الحياة. والأم المسكينة تأكل وتشرب وتهضم وتمتص، لتصب هذا كله دماً نقياً غنياً لهذه البويضة الشرهة النهمة الأكول! وفي فترة تكوين عظام الجنين يشتد امتصاصه للجير من دم الأم فتفتقر إلى الجير. ذلك أنها تعطي محلول عظامها في الدم ليقوم به هيكل هذا الصغير! وهذا كله قليل من كثير! ثم الوضع ، وهو عملية شاقة، ممزقة، ولكن آلامها الهائلة كلها لا تقف في وجه الفطرة ولا تنسي الأم حلاوة الثمرة. ثمرة التلبية للفطرة، ومنح الحياة نبتة جديدة تعيش، وتمتد.. بينما هي تذوي وتموت! ثم الرضاع والرعاية. حيث تعطي الأم عصارة لحمها وعظمها في اللبن، وعصارة قلبها وأعصابها في الرعاية”اهـ (53).

فهذا إذنْ: يشبه كثيراً ما يلاقيه من بلغ الشيخوخة من المشقة والتعب وما يعانيه من الجهد والضعف لكبره، فكان الأليق إلحاقهما بالكبير والعجوز.

وبما أنّ سبب الخلاف بين من فرض عليها القضاء ومن جعل حكمها الفدية والإطعام كما يقول القاضي ابن رشد الحفيد رحمه الله: ” تردد شبههما بين الذي يجهده الصوم وبين المريض، فمن شبههما بالمريض قال عليهما القضاء فقط، ومن شبههما بالذي يجهده الصوم قال عليهما الإطعام فقط بدليل قراءة من قرأآية كريمةالآيةآية كريمة “(54). فقد وجدناهما أشبه بمن يجهده الصوم بدليل وصف الله تعالى العليم الخبير بحال الحامل بأن الحمل وهنٌ على وهن؛ فثبت المطلوب والحمد لله.

الوجه التاسع:

أنّ القول بالإطعام وعدم لزوم القضاء للحامل والمرضع إذا أفطرتا في رمضان، هو قول أئمة الفتوى من التابعين رحمهم الله تعالى. فهو قول: سعيد بن المسيب، وسعيد بن جبير، وقتادة، والقاسم بن محمد، وطاووس، وعكرمة، وعطاء، ومجاهد، وإبراهيم النخعي، والسدّي، وإسحاق بن راهويه رحمة الله تعالى عليهم..

ـ أما سعيد بن المسيب رحمه الله فقد قال في معنى الآية آية كريمة: ” هو الكبير الذي كان يصوم فكبر وعجز عنه، وهي الحامل التي ليس عليها الصيام، فعلى كل واحد منهما طعام مسكين، مدّ من حنطة لكلّ يوم حتى ينقضي رمضان”(55).

ـ وأما السدّيّ رحمه الله فقد قال في معنى الآية: ” أما الذين يطيقونه فالرجل كان يطيقه وقد صام قبل ذلك ثم يعرض له الوجع والعطش أو المرض الطويل، أو المرأة المرضع لا تستطيع أن تصوم، فإن أولئك عليهم مكان كلّ يوم إطعام مسكين” (56).

ـ وأما عكرمة رحمه الله فقد قال في الآية آية كريمة:”نزلت هذه الآية في الحبلى والمرضع والشيخ والعجوز”(57).. وأخرج الطبري في تفسيره عنه أنه قال:”كان الشيخ والعجوز لهما الرخصة أن يفطرا ويطعما بقوله: آية كريمة فكانت لهم الرخصة ثم نسخت بهذه الآية:آية كريمة فنسخت الرخصة عن الشيخ والعجوز إذا كانا يطيقان الصوم، وبقيت للحامل والمرضع أن يفطرا وتطعما”اهـ(58).

ـ وأما سعيد بن جبير رحمه الله فقد قال: ” تفطر الحامل التي في شهرها والمرضع التي تخاف على ولدها، تفطران وتطعمان كل واحدة منهما كل يوم مسكيناً ولا قضاء عليهما”(59).

ـ وأما القاسم بن محمد رحمه الله فقد جاء في مصنف عبد الرزاق أنه قال: ” إنْ لم تستطيعا الصيام فلتطعما”(60).

ـ وأما قتادة رحمه الله فقد قال: ” تفطر الحامل التي تخاف على ولدها وتفطر المرضع التي تخاف على ولدها، وتطعم كل واحدة منهما كل يوم مسكيناً ، ولا قضاء عليهما”(61).

ـ وأما إبراهيم النخعي فقد جاء في مصنف عبد الرزاق رحمهما الله تعالى أنه قال في الحامل: ” تفطر وتطعم نصف صاع”(62).

ـ وأما إسحاق بن راهويه رحمه الله فقد قال: ” والذي أذهب إليه في الحامل والمرضع أنْ يفطرا ويطعما، ولا قضاء عليهما، اتباعاً لابن عباس وابن عمر”(63).

ـ وأما طاووس، وعطاء، ومجاهد، رحمهم الله، فقد قال الحافظ ابن عبد البر في الاستذكار: ” كلّ من طاق الصوم فلا مشقة تضرّ به؛ فالصوم واجب عليه، وكلّ من لم يطق الصوم إلا بجهد ومشقة مضرة به؛ فله أن يفطر ويفتدي لقول الله آية كريمة(64) قالوا: وذلك في الشيخ الكبير، والعجوز، والحامل، والمرضع، الذين لا يطيقون الصيام إلا بجهد ومشقة خوفاً على الولد. ذهب إلى هذا جماعة من العلماء منهم: أنس بن مالك، وابن عباس في رواية، وعطاء، ومجاهد، وطاووس، وعكرمة”اهـ(65).

فهؤلاء أحد عشر كوكباً يهتدي بنور علمهم وفقههم العالمَون، وهم أئمة الفتوى في التابعين، أيّدوا جميعاً مذهب الإطعام دون القضاء للحامل والمرضع، فإلى قول مَنْ نذهب بعدهم وهم هم؟!! رحمة الله تعالى عليهم.

الوجه العاشر:

أنه قول ابن عباس وابن عمر في الصحابة، وقد اشتهر عنهما، وكان الصحابة حينئذٍ كُثراً فلم يرد عن واحد منهم إنكاره عليهما، أو مخالفته لهما، فكان قول صحابيين لا مخالف لهما، وقد قال ابن قدامة بعد أن ذكر قولهما: ” ولا مخالف لهما من الصحابة”(66). فينَزَّل منزلة الإجماع منهم، وما كان بهذه الدرجة والمنْزلة من قول الصحابة؛ لاشك أنه أرجح وأقوى.

أما ابن عباس رضي الله عنهما، فقد ثبت عنه ذلك، وأكثر الرواية عنه صحيحة:

ـ ففي سنن الدارقطني، عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه كانت له أمة ترضع فأجهضت فأمرها ابن عباس أن تفطر يعني وتطعم ولا تقضي”(67)..

ـ وفي المطالب العالية عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: “الحامل والمرضع إذا خافتا أفطرتا، وأطعمتا، ولا قضاء عليهما”(68).

ـ وفي سنن أبي داود عن سعيد بن جبير عن ابن عباس آية كريمة قال كانت رخصة للشيخ الكبير والمرأة الكبيرة وهما يطيقان الصيام أن يفطرا ويطعما مكان كل يوم مسكيناً والحبلى والمرضع إذا خافتا – قال أبو داود يعنى على أولادهما – أفطرتا وأطعمتا”(69)..

ـ وفي مسند البزار عَن عزرة، عَن سَعِيد بن جُبَير، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍآية كريمة قال : كانت رخصة للشيخ الكبير والمرأة الكبيرة وهما يطيقان الصيام أن يفطرا ويطعما مكان كل يوم مسكينًا ، ثُمَّ نسخت وأثبت أنهما إذا لم يطيقا الصيام أن يفطرا ويطعما مكان كل يوم مسكينًا والحبلى والمرضع إذا خافتا، وَكان ابن عباس يقول لأم ولد له حبلى: أنت بمنزلة التي لا تطيقه فعليك الفداء، ولاَ قضاء عليك”(70)..

ـ وأخرج الطبري بسنده في تفسيره أنه قال:”إذا خافت الحامل على نفسها، والمرضع على ولدها في رمضان، قال: يفطران ويطعمان مكان كل يوم مسكيناً ولا يقضيان صوماً”(71)..

ـ وفيه: أنه رأى أم ولد له حاملاً أو مرضعاً، فقال: “أنت بمنزلة الذي لا يطيقه، عليك أن تطعمي مكان كل يوم مسكيناً، ولا قضاء عليك” (72)..

ـ وفيه: عن قتادة، قال: ذكر لنا أن ابن عباس، قال لأم ولد له حبلى أو مرضع أنت بمنزلة الذين لا يطيقونه، عليك الفداء، ولا صوم عليك”. هذا إذا خافت على نفسها (73)..

ـ وفيه أيضاً: عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس ، في قوله :آية كريمة يقول من لم يطق الصوم إلا على جهد فله أن يفطر ، ويطعم كل يوم مسكيناً ، والحامل، والمرضع، والشيخ الكبير والذي به سقم دائم”(74)..

ـ وفيه كذلك: عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: الحامل، والمرضع، والشيخ الكبير الذي لا يستطيع الصوم يفطرون في رمضان، ويطعمون عن كل يوم مسكيناً. ثم قرأ: (75)..

ـ وفيه أيضاً أنه قال: “هي مثبتة للكبير، والمرضع، والحامل، وعلى الذين يطيقون الصيام”(76).

ـ ومما قاله ابن عباس رضي الله عنهما: ” خمسةٌ لهم الفطر في شهر رمضان: المريض، والمسافر، والحامل، والمرضع، والكبير. فثلاثةٌ عليهم الفدية ولا قضاء عليهم: الحامل، والمرضع، والكبير”(77).

فها هو حبر الأمة وترجمان القرآن فقيه الصحابة ابن عباس رضي الله عنهما ينصّ صراحة وفي أكثر من موضع ومرة ورواية أنّ الحامل والمرضع عليهما الإطعام وأنهما لا قضاء عليهما.

وابن عمر رضي الله عنهما أيضاً ثبت عنه ذلك، وأكثر الرواية عنه صحيحة:

ـ ففي موطأ برواية يحيى بن يحيى، أنه بلغه أن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: سئل عن المرأة الحامل إذا خافت على ولدها واشتدّ عليها الصيام، قال: ” تفطر وتطعم مكان كل يوم مسكيناً مداً من حنطة بمد النبي ﷺ”(78).

ـ وفي معرفة السنن والآثار عن نافع : أن ابن عمر رضي الله عنهما، سئل عن المرأة الحامل، إذا خافت على ولدها، فقال : ” تفطر، وتطعم مكان كل يوم مسكيناً مداً من حنطة “(79)..

ـ وفي مسند الشافعي أنه سئل عن المرأة الحامل إذا خافت على ولدها قال: “تفطر وتطعم مكان كل يوم مسكيناً مداً من حنطة”(80)..

ـ وفي سنن الدارقطني أن امرأة ابن عمر سألته وهي حبلى فقال: أفطري وأطعمي عن كل يوم مسكيناً ولا تقضي”(81)..

ـ وكانت ابنة ابن عمر تحت رجل من قريش وكانت حاملاً فأصابها العطش في رمضان فأمرها ابن عمر أن تفطر وتطعم عن كل يوم مسكيناً”(82)..

ـ وعند الدارقطني أيضاً أنه قال: ” الحامل والمرضع تفطر ولا تقضي”قال الدارقطني : وهذا صحيح(83)..

ـ وفي مصنف عبد الرزاق عن محمد بن عبد الرحمن بن لبيبة قال: أرسلني عبد الله بن عمرو بن عثمان إلى ابن عمر أسأله عن امرأة أتى عليها رمضان وهي حامل، قال: تفطر وتطعم كل يوم مسكيناً”(84)..

ـ وفيه أنه قال: ” الحامل إذا خشيت على نفسها في رمضان تفطر وتطعم، ولا قضاء عليها”(85).

ولا يصحّ غير هذا عن ابن عمر رضي الله عنهما، فثبت أن قوله وقول ابن عباس بأنّ الحامل والمرضع لا قضاء عليهما وعليهما الإطعام.

وعليه فالصحيح الموافق لحالها والموافق لنصّ الشرع ومقصوده في التيسير أن تفطر وتطعم ولا تقضي .

هذا وبعد هذه الوجوه الناصعة القوية التي ختمناها باتفاق الصحابيين الجليلين ابن عباس وابن عمر رضي الله عنهما في هذه المسألة، فإلى من نفارقهما، وقول من نقدّمه على قولهما من بَعْدِهِما رضوان الله تعالى عليهم أجمعين؟.

والله الموفّق والمحقق لكل خير ونفع وصلاح..والحمد لله رب العالمين.

الحواشي

  1. انظر: كتاب الأم للإمام الشافعي ج2 ص 103-104 ، المغني لابن قدامة ج3 ص 80-81.
  2. المختار بشرح الاختيار لتعليل المختار، لعبد الله بن محمود الموصلي ج1 ص 174.
  3. بداية المجتهد ج2 ص 176، الاستذكار ج10 ص 222.
  4. المدونة الكبرى برواية سحنون، ج1 ص 310. وانظر: الشرح الصغير للدردير ج1 ص 722، تبيين المسالك ج2 ص 177-178، شرح زروق على الرسالة، ج1 ص 316ـ317. وسيأتي التعليق على جعل الحمل مرضاً في الوجه السابع من وجوه الترجيح، فراجعه هناك.
  5. سنن البيهقي الكبرى ج4 ص 230، برقم 8335.
  6. نقله الترمذي في سننه ج2 ص 171. وفي الاستذكار (ج10 ص 222 الفقرة 14647) قال اسحاق بن راهويه: ” والذي أذهب إليه في الحامل والمرضع أنْ يفطرا ويطعما، ولا قضاء عليهما اتباعاً لابن عباس وابن عمر”.
  7. المحلى بالآثار لابن حزم، ج4 ص 410 فقرة 770.
  8. المدونة الكبرى، ج1 ص 310، باب صيام الحامل والمرضع، والصحيح المروي عن ابن عمر رضي الله عنهما أن الحامل والمرضع تفطران وتطعمان ولا تقضيان.
  9. راجع: تفسير التحرير والتنوير لابن عاشور ج2 ص 164.
  10. الاستذكار ، 10/218، و10/221 وما بعدها .
  11. سورة البقرة ، 184 .
  12. انظر: الاستذكار ج10 ص 219.
  13. هذه النقول من تفسير الطبري تحقيق التركي، ج3 ص 169 وما بعدها.
  14. النقلان من تفسير الطبري ، ج3 ص 168.
  15. تفسير الطبري ج3 ص 167، وأخرجه أبو داود برقم 2318، والبيهقي في السنن ج4 ص 230، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ج1 ص 177 إلى عبد بن حميد وابن المنذر.
  16. تفسير القرطبي لهذه الآية، ج3 ص 147.
  17. راجع : الاتقان في علوم القرآن، للسيوطي، ج2 ص 467، 483، الشذا الفياح من علوم ابن الصلاح، للبرهان الأبناسي، ج1 ص 144، البرهان في علوم القرآن، للزركشي، ج2 ص 173، مناهل العرفان في علوم القرآن، للزرقاني، ج2 ص 11، الباعث الحثيث في شرح اختصار علوم الحديث، ج1 ص 150، المقنع في علوم الحديث لشراج الدين الأنصاري، ج1 ص 127، المنهل الراوي في مختصر علم الحديث النبوي، لابن جماعة، ص 41، النكت على ابن الصلاح لابن حجر، ج2 ص 530، توضيح الأفكار لابن الأمير الصنعاني ج1 ص 281، مقدمة ابن الصلاح، ص 50.
  18. البرهان في علوم القرآن، للزركشي، ج2 ص 172.
  19. أخرجه الترمذي برقم715 واللفظ له، وقال:حديث حسن، والنسائي برقم 2274، وحسنه الألباني، وابن خزيمة برقم 2042، والبيهقي في السنن الكبرى برقم5695 وغيرهم.
  20. السنن الكبرى للنسائي، برقم 2596.
  21. أحمد برقم 19069، 20341، وابن ماجة برقم 1667.
  22. سورة الأعراف، 157.
  23. سورة الشرح، 2.
  24. راجع: تفسير فتح القدير للشوكاني، ج5 ص 563.
  25. أخرجه مسلم في صحيحه برقم 7704.
  26. أخرجه الطبراني في المعجم الكبير برقم 73 ج19 ص 28.
  27. السنن الكبرى للبيهقي، ج7 ص 209.
  28. الدارمي في سننه برقم 2 ج1 ص 4 وقال محققه حسين سليم أسد : إسناده رجاله ثقات غير أنه مرسل وقد تفرد بروايته الدارمي .
  29. البخاري برقم 471، وأحمد برقم 15766، وابن أبي شيبة برقم 493.
  30. أخرجه مالك في الموطأ، برقم 1770 ج2 ص 980.
  31. مسند ابن الجعد، برقم 741.
  32. مسند البزار برقم 6320، ابن خزيمة ج13 ص 21، مسند أبي يعلى برقم 3086وصحح إسناده محققه حسين سليم أسد.
  33. سورة البقرة، 185.
  34. سورة البقرة، 185.
  35. الاستذكار لابن عبد البر، ج10 ص 217 – 218.
  36. سورة البقرة، 286.
  37. الترمذي في السنن برقم 2992 وصححه الألباني، وأصله في صحيح مسلم برقم 345.
  38. سورة البقرة، 187.
  39. أخرجه أبو داود برقم 2052، والنسائي برقم 3227، وصححه الألباني.
  40. وفي الحديث : ( إن الله يحب أن تؤتى رخصه كما يكره أن تؤتى معصيته ) أخرجه الإمام أحمد في مسنده برقم 5866، وصحح إسناده الأرناؤوط، وفي صحيح ابن حبان وغيره بلفظ ( إن الله يحب أن تؤتى رخصه كما يحب أن تؤتى عزائمه) برقم 3568، 354.
  41. سورة الحج، 78 .
  42. موطأ مالك، ج2 ص 407، برقم 685.
  43. المدونة الكبرى برواية سحنون، ج1 ص 310. وانظر: الشرح الصغير للدردير ج1 ص 722، تبيين المسالك ج2 ص 177-178، شرح زروق على الرسالة، ج1 ص 316ـ317.
  44. الاستذكار لابن عبد البر ج10 ص 222 فقرة رقم 14650.
  45. المهذب للشيرازي مع شرح المجموع ج6 ص 267.
  46. سورة لقمان، 14.
  47. سورة الأحقاف، 15.
  48. سورة مريم، 4 .
  49. سورة مريم، 8 .
  50. راجع تفسير التحرير والتنوير، لابن عاشور، ج21 ص 103 .
  51. تفسير البغوي ج5 ص 218، قال قتادة: اشتكى سقوط الأضراس.
  52. البخاري في الأدب المفرد ، ج1 ص 18، وصححه الشيخ الألباني رحمه الله.
  53. في ظلال القرآن، سيد قطب، ج6 ص 3262
  54. بداية المجتهد لابن رشد، ج2 ص 176.
  55. انظر: تفسير الطبري تحقيق التركي، ج3 ص 169 ، المحلى لابن حزم، ج4 ص 413.
  56. تفسير الطبري تحقيق التركي، ج3 ص 169 وما بعدها.
  57. المحلى بالآثار ، ج4 ص 412.
  58. تفسير الطبري ج3 ص 168، وذكره ابن الجوزي في ناسخه ص 176.
  59. مصنف عبد الرزاق ج4 ص 216 برقم 7555نفسه .
  60. مصنف عبد الرزاق ج4 ص 216 برقم 7555، والمحلى لابن حزم، ج4 ص 411، والاستذكار لابن عبد البر ج10 ص 221 فقرة 14646.
  61. مصنف عبد الرزاق ج4 ص 216 برقم 7556.
  62. مصنف عبد الرزاق، ج4 ص 218 برقم 7562.
  63. الاستذكار لابن عبد البر، ج10 ص 222 فقرة رقم 14647.
  64. سورة البقرة، 185.
  65. الاستذكار لابن عبد البر، ج10 ص 217 – 218.
  66. المغني لابن قدامة، ج3 ص 81.
  67. الدراقطني في سننه ج2 ص 207 وصححه قال: هذا صحيح.
  68. المطالب العالية لابن حجر، ج6 ص 103 برقم 1047، وقال: إسناده حسن.
  69. سنن أبي داود حديث رقم 2320،
  70. مسند البزار حديث رقم 4996، وقال:وهذا الحديث لاَ نعلمُهُ يُرْوَى بهذا اللفظ بإسناد أحسن من هذا الإسناد.
  71. تفسير الطبري ج3 ص 170.
  72. تفسير الطبري نفسه.
  73. تفسير الطبري ج3 ص 171.
  74. تفسير الطبري ج3 ص 176.
  75. الطبري نفسه.
  76. نفسه.
  77. الاستذكار لابن عبد البر ، ج10 ص 222، فقرة رقم 14649، وراجع: المصنف لعبد الرزاق ج4 ص 237، وأحكام القرآن للجصاص ج1 ص 176-178
  78. مالك في الموطأ، 678، ج1 ص 308. وفي السنن الصغرى للبيهقي 1364.
  79. معرفة السنن والآثار للبيهقي حديث رقم 2618. والسنن الكبرى للبيهقي برقم 7868.
  80. مسند الإمام الشافعي برقم 732.
  81. سنن الدارقطني برقم 14 ج2 ص 207 .
  82. الدارقطني في سننه برقم 15 ج2 ص 207.
  83. السنن ج2 ص 207 برقم 11 .
  84. مصنف عبد الرزاق ج4 ص217 برقم 7558.
  85. المصنف ج2 ص 218 حديث رقم 7561.
أ.د. عبدالله الزبير عبدالرحمن
س

الحيض في آخر نهار رمضان

فتاوى الصيام · · سأل: من كتاب «سؤالات الصائمين» — الصيام وأقضية النساء

نويت الصيام من الليل ، وأمسكت طول يومي حتى إذا بقي على الإفطار ساعة واحدة فاجأني الحيض ، فأحزنني ذلك لأنه لم يكن يبقى من الفطر إلاّ ساعة واحدة فهممت أن أكمل يومي ، هل يصحّ ذلك ؟.

جواب فضيلة الشيخ

من كمال الإيمان: الرضا بقضاء الله وقدره خيره وشرّه، ومن كمال المعرفة بالله عز وجل: الرضا بأفعاله ، وفعل الله كله خير لا شرّ فيه، وما يفعله الله بعبده المؤمن خير كله ، ومنعة كله ، ومصلحة كله ، وعدل كله ، وحكمة كله، ولهذا قال نبينا الحبي ﷺ: ( لبيك وسعديك، والخير كله بيديك ، والشرّ ليس إليك …) الحديث (1).

وهذا سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه لما قدم إلى مكة وقد كُفَّ بصره جعل الناس يُهرعون إليه ليدعو لهم – وكان مستجاب الدعوة- فجعل يدعو لهم ، قال عبد الله بن السائب : ” فأتيته وأنا غلام فتعرفت إليه فعرفني، فقلت: يا عم! أنت تدعو للناس فيشفون، فلو دعوت لنفسك لردّ الله عليك بصرك ” فتبسّم سعدٌ ثم قال : ” يا بنيَّ ! قضاء الله أحبّ إليَّ من بصري”(2).

فسعدٌ رضي الله عنه أحبّ أن يبقى كل حياته كفيفاً لا يبصر ولا يرى طالما أن الله هو الذي فعل فيه ذلك وقضى له ، والمرأة تضجر إذا أصابها المحيض لأيام من رمضان خشية القضاء ، وإنّ كان ذلك هو طبيعة الإنسان يضجر لكل ما يظهر له أنه شرّ بالنسبة إليه ، وقد حاضت عائشة وهي تريد الحجّ مع رسول الله ﷺ فدخل عليها النبي ﷺ وهي تبكي فقال لها : ( ما يبكيك ؟ ) قالت : ” والله لوددت أني لم أكن خرجت هذا العام .” قال: (مالك ! لعلك نفست ؟) قالت: نعم. قال: ( هذا شيء كتبه الله على بنات آدم…) الحديث (3).

ولو علمت المرأة ما يصيبها من أذى بحيضتها لما ترددت في الفطر، ولاستهانت بأيام القضاء مهما استطالت وامتدت وكثرت .

فقد وصل أهل العلم بوظائف الأعضاء إلى مدى تأثيرات الحيض على المرأة فعددوها فقالوا :

[1] تصاب المرأة بآلام وأوجاع في أسفل الظهر وأسفل البطن .

[2] تصاب بحالة من الكآبة والضيق ، وتكون المرأة عادة متقلبة المزاج، سريعة الاهتياج ، قليلة الاحتمال .

[3] تكون حالتها الفكرية والعقلية في أدنى مستوىً لها.

[4] يصاب بعضهن بالصداع النصفي ” الشقيقة ” قرب بداية الحيض، وتكون الآلام مبرحة ، وتصحبها زغللة في الرؤية .

[5] تصاب بفقر الدم ” الأنيميا ” الذي ينتج عن النَّزيف الشهري الدموي، لأنها تفقد ما بين [60 ـ 240 مل] .

[6] انخفاض درجة حرارتها أثناء الحيض بدرجة مئوية كاملة لأن العمليات الحيوية تكون في أدنى مستوياتها ، فيقلّ إنتاج الطاقة وعمليات التمثيل الغذائي.

[7] تصاب الغدد الصمّاء بالتغيّر فتقلّ إفرازاتها الحيوية الهامّة للجسم إلى أدنى مستوىً لها أثناء الحيض .

[8] تقلّ درجة حرارة الجسم ويبطؤ النبض، وينخفض ضغط الدم، وتصاب كثير من النساء بالشعور بالدوخة والكسل والفتور (4).

ولو أصيب رجلٌ بعشر ما تصاب المرأة الحائض وفقد ربع ما تفقده من دمه لولول وطلب إجازة من عمله وسعى إلى الرخص من الصيام والصلاة والتكاليف الشرعية. وصدق الله العظيم الذي قال:آية كريمة (5).

وعليه: فلتحمد المرأة ربها الرؤوف الرحيم أن رفع عنها الصوم مع الحيض

فمهما كان وقت حيضتها ـ صباحاً أو عصراً ـ فلتفطر ، لأن ذلك هو الأليق بحالها صحياً ونفسياً وروحياً وجسدياً ودينياً ، ولو بقي من الإفطار دقائق معدودة ، وهذا ما أجمع عليه أهل العلم (6)، فمتى ما وُجد الحيض في أي جزء من النهار فسد صوم ذلك اليوم ، وإنْ أتمّت يومها صائمة لا يجزيها ويجب عليها القضاء بلا مراء.

وهذا هو حكم النفساء أيضاً إذا نفست آخر النهار. والله تعالى أعلم..

الحواشي

  1. أخرجه مسلم في كتاب المسافرين 6/300ـ 301 ، والنسائي في كتاب الافتتاح 2/130 ـ 131 .
  2. مدارج السالكين 2/227 ، إحياء علوم الدين 4/368 .
  3. أخرجه مسلم في كتاب الحج برقم 2911 ، والبخاري في كتاب الحيض برقم 305 .
  4. يراجع : المرأة وحقوقها السياسية ، الشيخ عبد المجيد الزنداني ، ص 8- 9 (مخطوط ) نقلاً بتصرف عن: أساسيات علم وظائف الأعضاء ، د. عبد المجيد الشاعر وآخرون ، ص 374 – 385 ، وعمل المرأة في الميزان ، د. محمد علي البار ، ص 91 – 93 .
  5. سورة البقرة ، 222 .
  6. انظر : المغني 3/83 .
أ.د. عبدالله الزبير عبدالرحمن
س

طرق إثبات شهر رمضان

فتاوى الصيام · · سأل: من كتاب «سؤالات الصائمين» — مسائل الأركان

في كل عام حين يقرب مجيء شهر رمضان المعظّم يطلب مجمع الفقه الإسلامي من الناس التحري ورؤية هلال شهر رمضان، فأحياناً يعلنون أنهم رأوا الهلال، ومرات يعلنون أنهم سيكملون شهر شعبان، أرجو أن تبينوا لنا طرق إثبات دخول شهر رمضان حتى نكون على علم ومعرفة، جزاكم الله خيراً.

جواب فضيلة الشيخ

جاء في كتاب الله تعالى وفي سنة رسول الله ﷺ طريقان لإثبات الشهر المعظّم، هما: طريق الرؤية، وطريق التقدير.

الطريق الأول: طريق الرؤيــة:

فالرؤية هي الأصل المتفق عليه بين الناس في إثبات هلال رمضان وشوال، وقد جاء الأمر بالرؤية صريحاً في السنة الشريفة وواضحاً في القرآن الكريم، ففي القرآن الكريم قوله تعالى: آية كريمة. و﴿شَهِدَ﴾ فيه معنى الشهود أي الحضور، وفيه معنى الشهادة والمشاهدة وهي الرؤية، فالرؤية سواءٌ أكانت بالمشاهدة أو بسماع الشهادة بالرؤية يصحّ إثبات الشهر بها.

ـ وفي السنة المطهرة على صاحبها أفضل الصلاة وأتم التسليم أحاديث، منها:

1ـ قوله ﷺ:( لا تصوموا حتى تروا الهلال، ولا تفطروا حتى تروه)(1)..

2 ـ وقوله ﷺ:( صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته)(2).

3ـ وقوله ﷺ: ( إذا رأيتم الهلال فصوموا، وإذا رأيتموه فأفطروا..)(3).

أما الرؤية في الأحاديث الشريفة فهي الرؤية البصرية غالباً، لأنها كانت المتاحة على عهد رسول الله ﷺ وهي الأصل المتفق عليه بين الأمة.

والطريق الثاني: التقدير: وفي مراده ومعناه اختلف العلماء إلى أربعة أقوال:

القول الأول: إنّ التقدير من القدر وهو العدّ، فيكون بإكمال عدة شعبان ثلاثين، والمعنى: قدّروا عدد الشهر حتى تكملوه ثلاثين يوماً. وهذا القول هو مذهب الجمهور “الحنفية والمالكية والشافعية” جمعاً بين الحديثين السابقين: حديث (فإن غم عليكم فاقدروا له) وحديث: (فإن غُبِّيَ عليكم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين).

فقالوا: الحديث الأول مجملٌ، فجاء الحديث الثاني مفسراً له، فأراد بالتقدير في الحديث الأول إكمال عدة شعبان ثلاثين كما نصّ الحديث الثاني.

والقول الثاني: وهو مذهب الحنابلة وطاووس اليماني رحمهم الله ، فذهبوا إلى أنّ التقدير هو التضييق (4)، ومنه قوله تعالى آية كريمة (5) أي ضيّق عليه رزقه. وقوله تعالىآية كريمة (6)والمعنى : من ضيّق عليه رزقه. وقوله تعالى آية كريمة (7)أي يضيق.

هذا المعنى هو ما قالت به عائشة وأسماء ابنتا أبي بكر الصديق ، وابن عمر رضي الله عنهما كما روى عنه نافع رحمه الله أنه رضي الله عنه إذا مضى من شعبان تسعة وعشرون يوماً بعث من يتحرّى، فإذا لم يُر الهلال، وكانت السماء صحواً، أفطر، وإلاّ أصبح صائماً (8).

ومعنى التضييق أن يضيّق الشهر بسبب الغيم فيجعل شهر شعبان تسعة وعشرين يوماً إذا كانت السماء غيماً، لاحتمال أن يكون عدم الرؤية بسبب غياب الهلال وراء الغيوم وأن معنى (فاقدروا له) أي فقدروه تحت السحاب، وعلى أنّ الأصل في الشهر القمري أنه تسعة وعشرون يوماً، ولعلهم أخذوا بحديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال : قال رسول الله ﷺ: ( الشهر تسع وعشرون ليلة، لا تصوموا حتى تروه، ولا تفطروا حتى تروه، إلاّ‍ أنْ يغمّ عليكم، فإن غمّ عليكم فاقدروا له)(9)، وحديث ابن عمر أيضاً عن النبي ﷺ قال: (الشهر هكذا وهكذا وهكذا، عشراً وعشراً وتسعاً)(10).

والقول الثالث: إنّ التقدير هو النظر والتدبّر، من قدّرت الأمر إذا نظرت فيه ودبرته، ويكون هنا بالنظر في الشهور السابقة لشعبان، فإن كان توالى منها ثلاثة أشهر كاملة عمل على أن شعبان ناقص، أي تسعة وعشرون يوماً، فيصبح الناس صياماً، وإذا كان توالى ثلاثة أشهر قبل شعبان ناقصة أي تسعة وعشرون يوماً، اعتبر شعبان ثلاثين يوماً فيصبح الناس مفطرين، لأنه لا تتوالى أربعة شهور ناقصة ولا كاملة إلاّ في النادر، وإن لم تتوالَ الشهور السابقة لشعبان كملت عدة شعبان ثلاثين، لأنه اليقين.

هذا في الصيام، أما في الفطر ؛ فلا يؤخذ بالتقدير الذي يُظنّ فيه أن رمضان ناقص(11).

القول الرابع: إنّ المراد بالتقدير في الحديث حساب المنازل، فمعنى: (فاقدروا له) أي قدِّروه بمنازل القمر.

وهؤلاء جمعوا بين القرآن والسنة، وقالوا: السنة مفسرة للقرآن وموضحة له كما أن القرآن موضح للسنة، ولا تعارض بينهما، فقول النبي ﷺ: (فاقدروا له) أي للهلال، موافق لقول الله تعالى في شأن القمرآية كريمة (12). وتقدير المنازل كما نصّ القرآن موصل للعلم، فيكون التقدير بالحساب.

وهذا مذهب : مطرِّف بن عبد الله بن الشخير من جلّة التابعين، وابن قتيبة من المحدثين، ومن الفقهاء: ـ ابن سريج وابن دقيق العيد والسبكي من الشافعية، وحكي عن الإمام الشافعي، وبه قال بعض الحنفية كما جاء في الفتاوى الهندية،كما ذكره ابن عابدين في رسالته ” تنبيه الغافل والوسنان في أحكام هلال رمضان “وفي حاشيته على الدر المختار، وهو قول بعض المالكية البغداديين. وهو قول القاضي عبد الجبار ومحمد بن مقاتل الرازي وغيرهم .

ومن المعاصرين : المحدث العلامة أحمد محمد شاكر، ومحمد رشيد رضا، وطنطاوي جوهري، ومصطفى أحمد الزرقا. ومن شيوخ الأزهر: الشيخ المراغي، والمطيعي مفتي الديار المصرية في زمانه، وجاد الحق علي جاد الحق، وهو رأي الشيخ علي الطنطاوي، ومحمد سلامة جبر، والشيخ يوسف القرضاوي وغيرهم(13). والله تعالى أعلم.

الحواشي

  1. أخرجه البخاري كتاب الصوم باب قول النبي ♀ : ( إذا رأيتم الهلال فصوموا) برقم 1906 ، ومسلم كتاب الصيام باب وجوب صوم رمضان لرؤية الهلال، برقم 2495ـ3/1 ، ج7 ص 188 بشرح النووي، والنسائي كتاب الصوم باب ذكر الاختلاف على الزهري برقم 2120 . واللفظ لمسلم
  2. أخرجه البخاري الكتاب والباب السابق ، برقم 1909 ، ومسلم نفس الكتاب والباب السابق، برقم 2512ـ 19/18 ، ج7 ص 193 بشرح النووي.
  3. أخرجه مسلم كتاب الصيام ، باب وجوب صوم رمضان لرؤية الهلال، برقم 2510 ، ج7 ص 193 بشرح النووي، والنسائي كتاب الصيام باب ذكر الاختلاف على الزهري برقم 2118 ، وابن ماجة في الصيام باب إكمال شعبان ثلاثين.. برقم 2116، 2117 .
  4. راجع: شرح النووي لصحيح مسلم ، ج7 ص 189 .
  5. سورة الفجر 16 .
  6. سورة الطلاق، 7 .
  7. سورة الرعد، 26 .
  8. انظر: التمهيد لابن عبد البر ، ج14 ص 348 ، ومصنف عبد الرزاق ، ج4 ص 161، والسنن الكبرى للبيهقي ، ج4 ص 209 .
  9. مسلم كتاب الصيام باب وجوب صوم رمضان لرؤية الهلال، حديث رقم 2502ـ9/8 ، ج7 ص 190 بشرح النووي.
  10. مسلم كتاب الصيام باب وجوب صوم رمضان، برقم 2505ـ 12/11، ج7 ص 191 بشرح النووي.
  11. يراجع: العذب الزلال ، للمراكشي ، ج1 ص 294.
  12. سورة يونس ، 5 .
  13. راجع الأقوال كلها في : حاشيه ابن عابدين (رد المختار على الدر المختار)ج2ص91-93-96-97، والمبسوط للسرخسي ج4 ص 61، والبحر الرائق لابن نجيم ج6 ص 160، وحاشية الطحطحاوي على مراقي الفلاح ج1 ص 435، ودرر الحكام شرح غرر الأحكام لمنلا خسرو ج2 ص 452،وشرح النووى لصحيح مسلم ج7ص188-189 وفتح البارى ج4ص146-147 والاستذكار لابن عبدالبر ج10ص18-19، والتمهيد لابن عبد البر ج14ص350 وروضة المستبين في شرح كتاب التلقين، لابن بزيزة السنوسي ج1 ص 515، وإحكام الأحكام لابن دقيق العيد، ج2 ص 8 حديث رقم 179، ونهاية المحتاج للرملي، ج3 ص 148، وأوائل الشهور العربية هل يجوز شرعاً إثباته بالحساب الفلكي، للمحدث أحمد محمد شاكر، وفقه الصيام، د. يوسف القرضاوى ص89 ومابعدها والفتاوى الشرعية محمد سلامة جبر ص56-58 مكتبة عالم ثقافة الطفل الكويت الطبعة الاولى 1409هـ 1989م وفتاوى على الطنطاوى، دار المناره جدة السعودية ص221، تعيين أوائل الشهور القمرية بين الرؤيةوالحساب، أ.د. محمد الهواري، ص24 وما بعدها.
أ.د. عبدالله الزبير عبدالرحمن
س

وقت دخول المعتكف المسجد للاعتكاف

فتاوى الصيام · · سأل: من كتاب «سؤالات الصائمين» — أقضية الاعتكاف

أريد أن أعتكف العشر الأواخر من رمضان كاملة، لأني علمت أن رسول الله ﷺ كان يفعل ذلك، فأرجو أن تبينوا لي متى أدخل المسجد لأبدأ الاعتكاف؟. جزاكم الله عنا خير الجزاء.

جواب فضيلة الشيخ

أولاً: لقد أحسنت في اقتدائك برسول الله ﷺ واقتفائك لأثره، حين أردت اعتكاف العشر الأواخر من رمضان كما كان يفعل رسول الله ﷺ، فنسأل الله لنا ولك الثبات في الأمر والعزيمة على الرشد.

ثانياً: في وقت دخول المعتكف المسجد الذي يريد أن يعتكف فيه، لأهل الفقه مواقف ومذاهب(1)، فمنهم من أطلق الحكم على سائر أنواع الاعتكاف، ومنهم من فرق بين الاعتكاف الواجب والاعتكاف المندوب، ومنهم من نظر إلى مدة الاعتكاف وظرفه من اليوم والليلة وغير ذلك، وعلى ذلك نفصّل الجواب على النحو الآتي:

من أوجب على نفسه اعتكاف شهر، يدخل مسجده الذي سيعتكف فيه قبل غروب الشمس من ليلة اليوم الذي نوى بدء الاعتكاف فيه، وهذا قول الجمهور: أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد وأصحابهم وبه قال أبو ثور.

وجعل مالك وأبو حنيفة هذا الوقت لدخول كل من أراد أن يعتكف يوماً أو أكثر، لأنّ ليل يوم الاعتكاف داخل فيه عندهم.

من أوجب على نفسه اعتكاف يوم؛ يدخل قبل طلوع الفجر ويخرج بعد غروب شمس ذلك اليوم، وهو قول الشافعي، مفرّقاً بين من اعتكاف شهر واعتكاف يوم.

ودخول المعتكِف قبل طلوع الفجر هو قول أبي يوسف وزفر من الحنفية والقاضي عبد الوهاب من المالكية ورواية عن الإمام أحمد وأحد قولي الليث بن سعد رحمهم الله تعالى في كل اعتكاف واجبٍ أو مندوبٍ، وحجتهم أن النبي ﷺ كان إذا أراد أن يعتكف صلّى الصبح ثم دخل معتكفه(2). وهذا يعني أنه دخل المسجد فصلى الصبح ثم دخل معتكفه، فدلّ أن دخول المسجد يكون قبل طلوع الفجر.

ذهب الأوزاعي، والثوري، والليث في أحد قوليه، وابن المنذر وطائفة من التابعين رحمة الله تعالى عليهم، إلى أن مريد الاعتكاف يدخل عقب صلاة الفجر في كل اعتكف فرضٍ أو تطوعٍ، مستندين لحديث أم المؤمنين عائشة قالت: ” كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَعْتَكِفَ صَلَّى الْفَجْرَ ثُمَّ دَخَلَ مُعْتَكَفَهُ” (3).. وفي رواية البخاري قَالَتْ : “كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَعْتَكِفُ فِي الْعَشْرِ الأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ فَكُنْتُ أَضْرِبُ لَهُ خِبَاءً فَيُصَلِّي الصُّبْحَ ثُمَّ يَدْخُلُهُ” (4).

ولكن المراد بدخوله معتكفه دخوله الخباء المضروب له لانفراده وخلوته، لا أنه كان وقت ابتداء اعتكافه ودخوله مسجده، كما يبيّن ذلك قول عائشة في رواية البخاري رحمه الله.

وعلى هذا: فمن أراد أن يعتكف العشر الأواخر من رمضان دخل المسجد الذي سيعتكف فيه قبل غروب شمس يوم العشرين من رمضان ليكون قد اعتكف ليلة الحادي والعشرين، وذلك للآتي:

أـ أنّ اعتكاف الأيام كصيام الأيام، فكما يبدأ اليوم الأول من رمضان من ليلته؛ يبدأ اعتكاف العشر الأواخر من ليلة الحادي والعشرين أول أيام العشر.

ب ـ أنّ ليالي العشر الأواخر داخلة مقصودة بالاعتكاف كأيامها، وقد سميت بالعشر الأواخر، والعشر بغير التاء المربوطة [ ة ] عدد الليالي، لأنها عدد المؤنث، قال تعالى آية كريمة من كتاب سؤالات الصائمين (5) وأول الليالي العشر هي ليلة إحدى وعشرين.

ج ـ ما ثبت في الصحيحين من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أنّ النبي ﷺ اعتكف العشر الأواسط من رمضان حتى إذا كان ليلة إحدى وعشرين، وهي الليلة التي يخرج في صبيحتها من اعتكافه قال: « إِنِّى اعْتَكَفْتُ الْعَشْرَ الأَوَّلَ أَلْتَمِسُ هَذِهِ اللَّيْلَةَ ثُمَّ اعْتَكَفْتُ الْعَشْرَ الأَوْسَطَ ثُمَّ أُتِيتُ فَقِيلَ لِى إِنَّهَا فِى الْعَشْرِ الأَوَاخِرِ فَمَنْ أَحَبَّ مِنْكُمْ أَنْ يَعْتَكِفَ فَلْيَعْتَكِفْ ». هذا لفظ مسلم ، وعند البخاري: أنه ﷺ «كَانَ يَعْتَكِفُ فِي الْعَشْرِ الأَوْسَطِ مِنْ رَمَضَانَ فَاعْتَكَفَ عَامًا حَتَّى إِذَا كَانَ لَيْلَةَ إِحْدَى وَعِشْرِينَ وَهِيَ اللَّيْلَةُ الَّتِي يَخْرُجُ مِنْ صَبِيحَتِهَا مِنِ اعْتِكَافِهِ قَالَ مَنْ كَانَ اعْتَكَفَ مَعِي فَلْيَعْتَكِفِ الْعَشْرَ الأَوَاخِرَ»(6). فدلّ أن اعتكاف العشر الأواخر إنما يبدأ من أول ليلة إحدى وعشرين، وهذا يلزم أن يدخل مسجد اعتكافه قبل غروب شمس يوم عشرين حتى يكون بدأ اعتكافه من ليلة إحدى وعشرين.

د ـ إنّ من أعظم مقاصد الاعتكاف في العشر الأواخر؛ التماس ليلة القدر ـ كما سبق وقررنا ـ وليلة إحدى وعشرين من ليالي الوتر في العشر الأواخر التي يتأكّد تحري ليلة القدر فيهن، فكان اعتكافها مطلوباً بلا ريب.

والله تعالى أعلم.

الحواشي

  1. راجع وقت دخول المعتكف في: المغني لابن قدامة ج3 ص 155- 157، بداية المجتهد، ج2 ص 206 – 207، المجموع شرح المهذب ج6 ص 481، الاستذكار لابن عبد البر ج10 ص 309، الجامع لأحكام القرآن للقرطبي ، ج2 ص 220.
  2. أخرجه الشيخان، البخاري برقم 2041، ومسلم برقم 1173.
  3. أخرجه مسلم في صحيحه برقم 2842، وأبو داود برقم 2466، والترمذي برقم 791.
  4. البخاري في الصحيح برقم 2033 .
  5. سورة الفجر: 2
  6. أخرجه البخاري ومسلم ، البخاري برقم 2027، ومسلم برقم 2828.
أ.د. عبدالله الزبير عبدالرحمن
س

خروج المعتكف لصلاة الجمعة

فتاوى الصيام · · سأل: من كتاب «سؤالات الصائمين» — أقضية الاعتكاف

كنا جماعة معتكفين في مسجد حيّنا الذي تقام فيه الصلوات الخمس ولكن لا تُصلَّى فيه الجمعة، فوجدنا أنفسنا أننا لا بدّ أن نخرج لصلاة الجمعة حيث تقام في مسجد واحد في القرية على بعد كيلو مترين من الحيّ، فقال بعض المعتكفين لو خرجنا بطل اعتكافنا، فهل هذا صحيح؟.

جواب فضيلة الشيخ

من كان معتكفاً في مسجد لا تصلّى فيها الجمعة، فواجب عليه الخروج لصلاة الجمعة بلا خلاف يُعلم بين أهل الفقه، ولكن هل خروجه للجمعة مع لزومه يبطل به اعتكافه؟ في بطلان اعتكافه اختلف الفقهاء على قولين:

القول الأول: ما ذهب إليه الجمهور، وهو أنّ خروجه للجمعة واجب ولا شيء عليه فيه، واعتكافه باقٍ صحيحاً لا يبطل بذلك.

وهذا قول الجمهور، أبي حنيفة وأحمد ومالك في رواية ابن الجهم عنه، وبه قال ابن المنذر، والحسن البصري، والثوري، وابن المبارك، والحسن بن حي، وسعيد بن جبير، وعمرو بن حريث، والشعبي، وأبو سلمة وغيرهم، وهو اختيار ابن العربي وابن الماجشون من أئمة المالكية وصححه القرطبي في تفسيره (1).

القول الثاني: ما ذهب إليه المالكية في المشهور أنّه إنْ اعتكف في غير المسجد الذي يجمَّع فيه لزمه الخروج لصلاة الجمعة فيخرج ويبطل اعتكافه بخروجه(2).

ووافقهم الشافعية في الصحيح من مذهبهم في حالتين:

أ ـ إذا كان الاعتكاف تطوعاً.

ب ـ إذا كان نذراً متتابعاً (3).

وحجتهم: أنه كان يمكنه الاحتراز من الخروج للجمعة بالاعتكاف في المسجد الذي تصلى فيه الجمعة، فقصّر(4).

والراجح: ما ذهب إليه الجمهور، وهو الذي اختاره وصححه كثير من أئمة المالكية، وذلك:

أـ لقول عليّ رضي الله عنه: ” من اعتكف فلا يرفث في الحديث ولا يساب، ويشهد الجمعة والجنازة وليوصل أهله إذا كانت له حاجة وهو قائم لا يجلس عندهم” (5).

ب ـ لأنّ الاعتكاف مأذون في عموم المساجد لقوله تعالى آية كريمة من كتاب سؤالات الصائمين والألف واللام للاستغراق والعموم، فلزم من ذلك أن يخرج إلى مسجد الجمعة.

ج ـ أن من عليه الجمعة كان الخروج مما لا بد له منه، لأنه لا يتم له حضور صلاة الجمعة إلا بالخروج من معتكفه، فكان خروجاً للضرورة.

الحواشي

  1. راجع: تفسير القرطبي ج2 ص 219، المغني لابن قدامة ج3 ص 131- 132، بدائع الصنائع ج2 ص 114. الاستذكار لابن عبد البر ج10 ص 281 – 283. وسنن الترمذي ج3 ص 168 الحديث رقم 805، المصنف لابن أبي شيبة ج3 ص 88.
  2. تفسير القرطبي ج2 ص 219، تبيين المسالك ج2 ص191.
  3. المجموع شرح المهذب ج6 ص 501، تبيين المسالك ج2 ص 191.
  4. المصادر السابقة.
  5. أخرجه عبد الرزاق في مصنفه برقم 8049، وابن أبي شيبة برقم 9724. وانظر فقه الاعتكاف د. خالد المشيقح، ص 118، وص 152 – 154.
أ.د. عبدالله الزبير عبدالرحمن
س

عـــلاقة الاعتكاف برمضـــــان

فتاوى الصيام · · سأل: من كتاب «سؤالات الصائمين» — أقضية الاعتكاف

هل من شروط صحة الاعتكاف أن يكون في رمضان؟ وإلا فماذا يحرص المسلمون على الاعتكاف في رمضان وفي العشر الأواخر منه دائماً؟.

جواب فضيلة الشيخ

ليس من شروط صحة الاعتكاف أن يكون في رمضان، ويصح الاعتكاف في غير رمضان، وقد ثبت أنّ النبي ﷺ كما اعتكف غالباً في رمضان اعتكف في غير رمضان، ففي الصحيحين وغيرهما أنّ النبي ﷺ اعتكف مرة في العشر الأول من شوال (1). فدلّ أنه يجوز الاعتكاف في غير رمضان.

ولكن سبب حرص المسلمين في الاعتكاف في رمضان؛ اتفاق الأئمة وصالحي الأمة على أنّ أفضل الشهور للاعتكاف شهر رمضان، وأفضل أيامه العشر الأواخر منه. وفوق ذلك هناك علاقة حميمة بين رمضان والاعتكاف.

فالاعتكاف سنة من سنن الصوم يكتمل به مقصود الصيام، وتتوثق آثاره التي منها: تصفية مرآة العقل في المسلم الصائم، والتشبه بالملائكة الكرام في وقته، الذين لا يأكلون ولا يشربون ولا يقولون إلا خيراً ومعروفاً كما قال الله في وصفهم: آية كريمة من كتاب سؤالات الصائمين(2). فأتبع الشارع الحكيم تشريع استحباب الاعتكاف في آخر أيام الصيام الواجب في العشر الأواخر من رمضان ليكون الشبه تاماً بملائكة الرحمن في استغراق الأوقات بالعبادات، وحبس النفس عن الشهوات، وكف اللسان عما لا ينبغي، فكان الأليق بهذا الحال؛؛ لزوم أحبّ الأماكن إلى اللهآية كريمة من كتاب سؤالات الصائمين والإقامة على أحب الأعمال إلى الله من العبادات والطاعات والأذكار، وحبس النفس عن كل ما لا يحبه الله من المحرمات والمكروهات.

بل إن الاعتكاف لِيَكْتَمِلَ به مقصودُ الصيام من تحصيل التقوى والتحقق بها؛ منع الشارعُ فيه ما كان مباحاً في غيره من نحو الخروج من المسجد بعد قضاء الصلوات انتشاراً في الأرض، ونحو كل ما لا حاجة إليه من دواعي الخروج، ومن نحو معاشرة الأزواج مما كان مباحاً في غير الاعتكاف، وذلك ليتحقق الحبس والملازمة على أكمل وجهٍ وأجمله.

ولذلك كان النبي ﷺ يعتكف في رمضان، وما مرّ رمضان برسول الله ﷺ إلا واعتكف فيه، بل إنه اعتكف رمضان كله متنقلاً بين العشر الأوائل إلى العشر الأواسط ثم صار اعتكاف العشر الأواخر من سننه المؤكدّة عليه الصلاة والسلام، ففي الصحيحين من حديث أَبي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رضي الله عنه قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ اعْتَكَفَ الْعَشْرَ الأَوَّلَ مِنْ رَمَضَانَ ثُمَّ اعْتَكَفَ الْعَشْرَ الأَوْسَطَ في قُبَّةٍ تُرْكِيَّةٍ عَلَى سُدَّتِهَا حَصِيرٌ – قَالَ – فَأَخَذَ الْحَصِيرَ بِيَدِهِ فَنَحَّاهَا فِى نَاحِيَةِ الْقُبَّةِ ثُمَّ أَطْلَعَ رَأْسَهُ فَكَلَّمَ النَّاسَ فَدَنَوْا مِنْهُ فَقَالَ « إِنِّى اعْتَكَفْتُ الْعَشْرَ الأَوَّلَ أَلْتَمِسُ هَذِهِ اللَّيْلَةَ ثُمَّ اعْتَكَفْتُ الْعَشْرَ الأَوْسَطَ ثُمَّ أُتِيتُ فَقِيلَ لي إِنَّهَا في الْعَشْرِ الأَوَاخِرِ فَمَنْ أَحَبَّ مِنْكُمْ أَنْ يَعْتَكِفَ فَلْيَعْتَكِفْ »(3).

ولأنّ من مقاصد الاعتكاف الترصّد والتحرّي لالتماس ليلة القدر التي هي خير من ألف شهر بخبر الله تعالى للنبي ﷺ وأمته، ولهذا نادى رسول الله ﷺ في العاكفين معه العشر الأوسط أن يواصلوا معه في اعتكاف العشر الأواخر لالتماس ليلة القدر فيها، فعَنْ أَبِي سَلَمَةَ، قَالَ: انْطَلَقْتُ إِلَى أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رضي الله عنه فَقُلْتُ: أَلاَ تَخْرُجُ بِنَا إِلَى النَّخْلِ نَتَحَدَّثْ! فَخَرَجَ، فَقُلْتُ: حَدِّثْنِي مَا سَمِعْتَ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ. قَالَ: « اعْتَكَفَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَشْرَ الأُوَلِ مِنْ رَمَضَانَ وَاعْتَكَفْنَا مَعَهُ، فَأَتَاهُ جِبْرِيلُ فَقَالَ: إِنَّ الَّذِي تَطْلُبُ أَمَامَكَ. فَاعْتَكَفَ الْعَشْرَ الأَوْسَطَ فَاعْتَكَفْنَا مَعَهُ، فَأَتَاهُ جِبْرِيلُ فَقَالَ : إِنَّ الَّذِي تَطْلُبُ أَمَامَكَ. فَقَامَ النَّبِيُّ ﷺ خَطِيبًا صَبِيحَةَ عِشْرِينَ مِنْ رَمَضَانَ فَقَالَ : ( مَنْ كَانَ اعْتَكَفَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فَلْيَرْجِعْ، فَإِنِّي أُرِيتُ لَيْلَةَ الْقَدْرِ وَإِنِّي نُسِّيتُهَا، وَإِنَّهَا فِي الْعَشْرِ الأَوَاخِرِ فِي وِتْرٍ، وَإِنِّي رَأَيْتُ كَأَنِّي أَسْجُدُ فِي طِينٍ وَمَاءٍ)، وَكَانَ سَقْفُ الْمَسْجِدِ جَرِيدَ النَّخْلِ، وَمَا نَرَى فِي السَّمَاءِ شَيْئًا، فَجَاءَتْ قَزْعَةٌ فَأُمْطِرْنَا، فَصَلَّى بِنَا النَّبِيُّ ﷺ حَتَّى رَأَيْتُ أَثَرَ الطِّينِ وَالْمَاءِ عَلَى جَبْهَةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَأَرْنَبَتِهِ تَصْدِيقَ رُؤْيَاهُ» (4).

ولهذا يحرص المسلمون على الاعتكاف في رمضان وفي العشر الأواخر منه في كل عام، تقبل الله منا جميعاً صالح أعمالنا.

الحواشي

  1. صحيح البخاري برقم 2033، صحيح مسلم برقم 2842، وسنن أبي داود برقم 2465، وموطأ مالك برقم 690.
  2. التحريم الآية 6.
  3. أخرجه البخاري برقم 813، ومسلم برقم 2828.
  4. أخرجه البخاري برقم 813 وبرقم 2018وبرقم 2027، ومسلم برقم 2828، وبرقم 2829، ومالك في الموطأ برقم 692 .
أ.د. عبدالله الزبير عبدالرحمن
س

اعتــكاف المـــرأة فـي البيــت

فتاوى الصيام · · سأل: من كتاب «سؤالات الصائمين» — أقضية الاعتكاف

أنا فتاة لم أتزوج بعد، وتربيت على ألا أخرج إلا في الأمور الضرورية والمهمة، وكذلك لا أحب أن أخالط البنات ولا مجتمع النساء كثيراً، وأرغب بشدة في الاعتكاف، ولكني أرى أني لو اعتكفت في المسجد مع مجموعة البنات والنساء سيكثر الأنس والتحادث وسيضيع كثير من الوقت ولن أتمكن من الاختلاء بربي، وكذلك أخشى أن يظهر مني شيء وغير ذلك من الأسباب، وسمعت أنه يجوز الاعتكاف في البيت، فهل يمكنني أن أعتكف في البيت؟.

جواب فضيلة الشيخ

في جواز اعتكاف المرأة في البيت خلاف بين الفقهاء(1).

ذهب الجمهور من المالكية والشافعية والحنابلة إلى أنه لا يصحّ الاعتكاف إلا في المسجد، فلا يجوز في البيت، لا للرجل ولا للمرأة.

واستدلوا لذلك بالكتاب والسنة.

فمن الكتاب قوله تعالىآية كريمة من كتاب سؤالات الصائمين. فنصّ على مكان الاعتكاف، ومن لطيف ما يستدل به من الآية أن الله تعالى نهاهن عن المباشرة والجماع في حال الاعتكاف في المسجد، مع أنه لا يتصور أن يباشر أحدهم أو أن يجامع في المسجد، فدلّ ذلك أن الاعتكاف قربة خصت بالمساجد.

ومن السنة أنّ النبي ﷺ لم يثبت في صحيح ولا حسن ولا غيره أنه اعتكف في غير المسجد، وأنّ نساءه كن يعتكفن معه، فلم يأذن لإحداهن أن تعتكف في غير المسجد، فإنّ أزواج النبي ﷺ استأذنه في الاعتكاف في المسجد(2).

وقد نقل بعض أئمة العلم الإجماع على ذلك فقال الإمام القرطبي رحمه الله في تفسيره : ” أجمع العلماء على أن الاعتكاف لا يكون إلا في المسجد لقوله تعالى آية كريمة من كتاب سؤالات الصائمين (3).

وقال الحافظ الإمام ابن عبد البر في الاستذكار: ” وأجمعوا أن الاعتكاف لا يكون إلا في المسجد لقوله تعالى تعالى آية كريمة من كتاب سؤالات الصائمين (4).

وهذا الإجماع باعتبار أن المذهب الثاني ـ آتي الذكر ـ لا يخرج عن مدلول المساجد، فهو صحيح بهذا الاعتبار. وقد شذّ ابن لبابة رحمه الله فقال بجواز وصحة الاعتكاف في غير المسجد(5).

وذهب الحنفية وسفيان الثوري والشافعي في القديم كما حكاه الخراسانيون وبعض العراقيين من الشافعية(6): إلى أنّ المرأة يجوز لها أن تعتكف في أي مسجد ويجوز لها أن تعتكف في بيتها في المكان المخصص لصلاتها فيه ويصح اعتكافها، بل لها ذلك أفضل، وقد روى الحسن عن أبي حنيفة رحمه الله أنه قال: ” للمرأة أن تعتكف في مسجد الجماعة، وإنْ شاءت اعتكفت في مسجد بيتها، ومسجد بيتها أفضل لها من مسجد حيّها، ومسجد حيّها أفضل لها من المسجد الأعظم” (7).

ودليلهم على صحة اعتكاف المرأة في مسجد بيتها:

1ـ أنّ قوله تعالى آية كريمة من كتاب سؤالات الصائمين عام في كل المساجد، فيعمّ مسجد الجماعة والمسجد الجامع والمساجد الثلاثة وكذلك مسجد البيت، لأنه في معنى المسجد، إذ المسجد هو مكان الصلاة وموضعها، فالموضع التي تخصصه المرأة في بيتها لصلواتها يكون مسجداً.

2ـ أن الشرع أعطى مسجد بيتها حكم المسجد في حقها في حق الاعتكاف، لأن له حكم المسجد في حقها في حق الصلاة، حتى كانت صلاتها في بيتها أفضل من صلاتها في مسجد حيّها،(8) وقد قال ﷺ: «صَلاَةُ الْمَرْأَةِ فِى بَيْتِهَا أَفْضَلُ مِنْ صَلاَتِهَا فِى حُجْرَتِهَا وَصَلاَتُهَا فِى مَخْدَعِهَا أَفْضَلُ مِنْ صَلاَتِهَا فِى بَيْتِهَا »(9).

والراجح فيما نرى: أنّ كل قول من القولين له وجْهٌ شرعي يقبل الأخذ به، وعليه؛ نرى أنّ اعتكافها في المسجد أو في مصلاها في بيتها يكون بحسب الحال.

ـ ففي حالة أن يكون معها زوجها؛ فالاعتكاف لا يكون إلا في المسجد.

ـ وفي حالة أن يكون في المسجد موضعٌ مخصص كمصلى للنساء منفصل بجدار أو بستار ومعها جماعة نساء؛ فالأفضل أن تعتكف في المسجد كذلك.

ـ وفي حالة أن لا يوجد مصلَّى خاص بالنساء، ولا فاصل يفصل الرجال عنهن، ولا يكون معها نساء أخريات؛ فالأفضل أن تعتكف في مصلّى بيتها.

ـ وفي الحالة التي ذكرتْ الأخت الكريمة أنها تخشى إفساد اعتكافها بالمخالطة وكثرة المؤانسة وتقليل فرص التعبد والذكر والتلاوة، مع اجتهادها في اجتنابهن وعدم المخالطة بهن، يكون الأفضل في حقها وفي حق مثلها أن تعتكف في مصلَّى بيتها.

ـ وفي حالة أن لا يأذن لها زوجها بالخروج إلى المسجد والاعتكاف فيه؛ ويَسمح لها بالاعتكاف في مصلَّى بيتها، خيرٌ لها أن تعتكف فيه بدل أن لا تعتكف بتاتاً. والله تعالى أعلم.

الحواشي

  1. راجع: بداية المجتهد لابن رشد ج2 ص 203، المغني لابن قدامة ، ج3 ص 130، المجموع شرح المهذب ج6 ص 471 – 473 .
  2. سبق تخريج أخبار استئذان أمهات المؤمنين رضي الله عنهن رسول الله ♀ في الاعتكاف.
  3. تفسير القرطبي، ج2 ص 216 .
  4. الاستذكار لابن عبد البر ج10 ص 273 ، الفقرة 14816.
  5. راجع: بداية المجتهد لابن رشد الحفيد، ج2 ص 203 ، المقدمات الممهدات لابن رشد الجد، ج1 ص 256. والقوانين الفقهية لابن جزي الكلبي، ص 134.
  6. راجع: بدائع الصنائع ج2 ص 113، بداية المجتهد ج2 ص 203 ، المجموع شرح المهذب ج6 ص 472 . شرح مشكل الآثار، لأبي جعفر الطحاوي، ج12 ص 138 – 142 .
  7. بدائع الصنائع، ج2 ص 113 .
  8. راجع، بدائع الصنائع ج2 ص 113 .
  9. أخرجه أبو داود برقم 570 ، وابن خزيمة في صحيحه برقم 1688 وصححه الألباني، ومسند البزار برقم 2060.
أ.د. عبدالله الزبير عبدالرحمن
س

حكم اعتكاف المرأة

فتاوى الصيام · · سأل: من كتاب «سؤالات الصائمين» — أقضية الاعتكاف

زوجتي مُحبَّةٌ لفعل الخيرات وتكثر من النوافل، وتريد الاعتكاف في رمضان، وأنا غير مطمئن لصحة اعتكافها وظني أنه لا اعتكاف على النساء، وأن صيامها ومكوثها في بيتها خير لها لحديث: (صلاة المرأة في بيتها خير من صلاتها في حجرتها، وصلاتها في مخدعها أفضل من صلاتها في بيتها). فأرجو إفادتي بارك الله فيكم.

جواب فضيلة الشيخ

المرأة في الاعتكاف حكمها حكم الرجل في الاستحباب والسنية، وأنه يسن لها الاعتكاف كما يسنّ للرجل، وليس صحيحاً ما ظننت في حقها أنه لا اعتكاف للنساء، ولا عبرة بالظن البين خطؤه كما يقول الفقهاء في قواعدهم.

ودليل جواز الاعتكاف للنساء فعل زوجات النبي ﷺ أمهات المؤمنين رضوان الله عليهن، فقد كنّ يعتكفن في مسجد رسول الله ﷺ معه وبعد وفاته عليه الصلاة والسلام، وهذا ثابت بما صح في البخاري من حديث أم المؤمنين عَائِشَةَ ، قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَعْتَكِفُ فِي كُلِّ رَمَضَانَ، وَإِذَا صَلَّى الْغَدَاةَ دَخَلَ مَكَانَهُ الَّذِي اعْتَكَفَ فِيهِ، فَاسْتَأْذَنَتْهُ عَائِشَةُ أَنْ تَعْتَكِفَ فَأَذِنَ لَهَا فَضَرَبَتْ فِيهِ قُبَّةً، فَسَمِعَتْ بِهَا حَفْصَةُ فَضَرَبَتْ قُبَّةً، وَسَمِعَتْ زَيْنَبُ بِهَا فَضَرَبَتْ قُبَّةً أُخْرَى، الحديث(1).

وفي السنن الكبرى للبيهقي من حديث عروة بن الزبير أن عائشة كانت تعتكف العشر الأواخر فلا تدخل بيتها إلا لحاجة الإنسان التي لا بدّ له منها(2).

وفيها أيضاً: عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَعْتَكِفُ الْعَشْرَ الأَوَاخِرَ مِنْ رَمَضَانَ حَتَّى تَوَفَّاهُ اللَّهُ، ثُمَّ اعْتَكَفَ أَزْوَاجُهُ مِنْ بَعْدِهِ(3).

وفي سنن ابن ماجة عَنْ عِكْرِمَةَ، قَالَ: قَالَتْ عَائِشَةُ : اعْتَكَفَتْ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ امْرَأَةٌ مِنْ نِسَائِهِ(4).

وفي هذا الكفاية على صحة اعتكاف النساء وأنه سنة في حقها كما هو سنة في حق الرجال.

وما قررناه من أنّ الاعتكاف سنة للمرأة كما هو سنة للرجل؛ هو قول جمهور أهل العلم، وقد استدلوا لذلك بجملة أدلة، منها :

1ـ عمومات أدلة مشروعية الاعتكاف من الكتاب والسنة.ومنها قوله تعالى آية كريمة من كتاب سؤالات الصائمين (5) وهو عام في الرجال والنساء.

2ـ وبما سبق من أخبار إذن النبي ﷺ لأزواجه في الاعتكاف معه واعتكافهن من بعده رضوان الله عليهن.

3ـ وبالأخبار الدالة على أن نساء الصحابة رضوان الله عليهن كنّ يعتكفن في زمان رسول ﷺ الله فأقرّهن رسول الله ﷺ على ذلك. ومنه:

أ ـ ما رواه ابن بطة عن عائشة قالت في المعتكفات إذا حضن ، أمر رسول الله ﷺ بإخراجهن عن المسجد وأن يضربن الأخبية في رحبة المسجد حتى يطهرن. وقال: إسنادٌ جيد (6).

ب ـ خبر عكرمة مولى ابن عباس أن زَيْنَبَ بِنْتَ أُمِّ سَلَمَةَ كَانَتْ تَعْتَكِفُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهِىَ تُهَرِيقُ الدَّمَ ، فَأَمَرَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ تَغْتَسِلَ لِكُلِّ صَلاَةٍ (7).

ولم يخالف في جواز الاعتكاف للمرأة إلا القاضي من الحنابلة رحمة الله تعالى عليه، ولكنه لم يمنع كل النساء وإنما ذهب إلى كراهة اعتكاف المرأة الشابة(8). والحجة مع الجمهور، ولا معارض معه لما استدلوا به.

والله تعالى أعلم..

الحواشي

  1. أخرجه البخاري في صحيحه برقم 2041. وابن حبان في صحيحه برقم 3667 .
  2. أخرجه البيهقي في السنن الكبرى برقم 3325 .
  3. البيهقي في السنن الكبرى برقم 3324 .
  4. سنن ابن ماجة برقم 1780 .
  5. (1) البقرة 125
  6. انظر: الفروع لابن مفلح ج3 ص 176، وقال : ورواه أبو حفص العكبري أيضاً، ونقله يعقوب بن بختان عن أحمد وقال أحمد: النبي ♀ أمر أن تضرب قبة في رحبة المسجد.. قال صاحب المحرر: وهذا من أحمد دليل على ثبوت الخبر عنده. اهـ.
  7. أخرجه البيهقي في السنن الكبرى برقم 1716 .
  8. راجعه في شرح العمدة، ج2 ص 748، فقه الاعتكاف د. خالد المشيقح، ص 39ـ40.
أ.د. عبدالله الزبير عبدالرحمن
س

اعتكاف العاملين والموظفين

فتاوى الصيام · · سأل: من كتاب «سؤالات الصائمين» — أقضية الاعتكاف

أنا موظف في إحدى الشركات، وحاولت كثيراً أن آخذ إجازتي حتى أتمكن من الاعتكاف في العشر الأواخر، ولكني عجزت عن ذلك، وأرغب بشدة في الاعتكاف، دلوني جزاكم الله خيراً على طريقة شرعية أتمكن بها على الاعتكاف في رمضان؟.

جواب فضيلة الشيخ

الأصل الواجب أن يكون الاعتكاف في المسجد، وقد جعل أكثر الفقهاء المسجد من شروط صحة الاعتكاف على خلاف في المسجد الذي يصح فيه، وذلك لقوله آية كريمة من كتاب سؤالات الصائمين (1)فنصّ على أن الاعتكاف يكون في المساجد.

ولذلك لا يصلح أن يعتكف الموظف في المكتب أو في مكان عمله عموماً، لأنه يكون مخالفاً بأمرين:

أولهما: أنه لن يكون قد اعتكف في المسجد ، فلم يحقق شرطه فلا يصح اعتكافه.

وثانيهما: أنه سيترك عمله في وقت دوامه الرسمي لغير مصلحة العمل وصاحب العمل، وهذا الوقت وأداء العمل فيه هو حقّ صاحب العمل، وهو من حقوق الآدميين، وحقوق الآدميين مقدّمة على حقوق الله، لأنّ حقوقهم على المشاحة، وحقوق الله على المسامحة، فيأثم بذلك وهو يبحث بالاعتكاف عن الثواب.

والذي ننصح به الإخوة العاملين والموظفين الذين يعجزون عن التفرغ للاعتكاف: أنه متى ما عاد من عمله جاز له أن يدخل في الاعتكاف في المسجد الذي يرغب فيه بنية يعقدها، لمدة يقدرها حسب ظروف عمله وظروفه كل ليلة من ليالي العشر، أو من صلاة العصر إلى طلوع الفجر، أو أكثر أو أقل، فإنّ بعض السلف رضوان الله تعالى عليهم كانوا يعتكفون الساعة والساعتين.

فعن عطاء بن أبي رباح رحمه الله أنّ يعلى بن أمية رضي الله عنه ـ وهو من أصحاب رسول الله ﷺ ـ كان يقعد في المسجد الساعة فينوي بها الاعتكاف(2).

وروى ابن جريج رحمه الله أن يعلى بن أمية رضي الله عنه كان يقول لصاحبه: ” انطلق بنا إلى المسجد فنعتكف فيه ساعة” (3).

وهذا الذي عليه الجمهور من الحنفية والشافعية والحنابلة رحمهم الله تعالى:

ـ فهو قول محمد بن الحسن صاحب أبي حنيفة، وظاهر رواية الإمام أبي حنيفة وهو المفتى به في المذهب الحنفي كما ذكر صاحب الدر المختار فقال: ” وأقله نفلاً ساعة من ليل أو نهار عند محمد وهو ظاهر الرواية عن الإمام لبناء النفل على المسامحة وبه يفتى، والساعة في عرف الفقهاء جزء من الزمان لا جزء من أربعة وعشرين. “اهـ(4).

ـ وهو المنصوص عن الشافعي والأئمة وقد قال الإمام النووي رحمه الله في المجموع يشرح قول المهذب: ” ويجوز أن يعتكف ما شاء من ساعة ويوم وشهر”. فقال النووي: ” وهو الصحيح المنصوص الذي قطع به الجمهور أنه يشترط لبث في المسجد وأنه يجوز الكثير منه والقليل حتى ساعة أو لحظة”(5).

ـ ومن أئمة الحنابلة قال ابن قدامة رحمه الله في المغني: ” وإنْ كان اعتكافه مدة غير وقت الصلاة كليلة أو بعض يوم جاز..” (6).

وقال المرداوي رحمه الله في الإنصاف: ” فعلى المذهب: أقله ـ إذا كان تطوعاً أو نذراً مطلقاً ـ ما يسمَّى به معتكفاً لابثاً، قال في الفروع: وظاهره ولو لحظة، وفي كلام جماعة من الأصحاب: أقله ساعة لا لحظة.”(7).

والمالكية وإن كانوا على خلاف ذلك إذ أقل الاعتكاف عندهم يومٌ وليلة، ولا يصح اعتكاف أقل من يوم، ولكن عندهم بديل يصلح أيضاً للعاملين والموظفين ومن في حكمهم ممن لا يقدر على الاعتكاف الأيام والليالي، وهو الجوار.

والجوار شبيه بالاعتكاف لأنه يكون بالإقامة في المسجد بنية العبادة، والفرق بين الجوار والاعتكاف عندهم أن الاعتكاف يلزمه فيه الصيام والجوار لا يلزمه الصيام(8)، فإن جلس في المسجد ما شاء له أن يجلس بنية الجوار؛ نال الأجر والثواب بفضل الله وكرمه.

فطالما كان اعتكافك أو جوارك في المسجد، وقد عقدت به النية؛ فالمدة التي تمكثها فيها سعة عند أهل الفقه، والحمد لله الذي هدانا لهذا الدين ويسّره لنا.

الحواشي

  1. سورة البقرة الآية187.
  2. حلية الأولياء لأبي نعيم، ج3 ص 312، وانظر: حياة الصحابة ج3 ص 94.
  3. أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف برقم 9745، ج3 ص 89 – 90.
  4. الدر المختار مع رد المحتار (حاشية ابن عابدين) ج2 ص 131. وانظر: الاختيار لتعليل المختار ج1 ص 177 وقد فرق الحنفية بين الاعتكاف الواجب فلا يجوز أقل من يوم، وبين النفل منه فيجوز ساعة من زمان، أي لحظة أو دقيقة أو أكثر، فلا حد لمدة اعتكاف النفل.
  5. المجموع شرح المهذب للإمام النووي، ج6 ص 479 – 480 .
  6. المغني مع الشرح الكبير ج3 ص 129.الفقرة 2152.
  7. الإنصاف، ج3 ص 359.
  8. راجع: مدونة الفقه المالكي وأدلته ، للغرياني، ج1 ص 660 – 661 .
أ.د. عبدالله الزبير عبدالرحمن
س

قضــاء التــراويــح

فتاوى الصيام · · سأل: من كتاب «سؤالات الصائمين» — أقضية صلاة التراويح

كنت مرهقاً يوماً في نهار رمضان، فصليت العشاء وعدت للبيت بنية أن أصلي التراويح بالليل بعد أن آخذ قسطاً من الراحة، فلم أشعر بنفسي إلا والمؤذن ينادي لصلاة الفجر، فهل يجوز لي أن أقضي التراويح بالنهار؟.

جواب فضيلة الشيخ

الفقهاء في قضاء التراويح على ثلاثة أقوال(1):

القول الأول: أنه يستحب قضاؤها، وهو الصحيح من مذهب الشافعية، وبه قال المزني وأحمد في رواية عنه.

والقول الثاني: أنه يكره قضاؤها، وبه قال أبو حنيفة ومالك في الأشهر عنه والشافعي في القديم.

والقول الثالث: أنه يجوز قضاؤها منفرداً ما لم يدخل وقت تراويح أخرى، وقيل ما لم يمض الشهر، وهذا قول بعض الحنفية.

والراجح فيما يظهر، القول بجواز القضاء من خمسة وجوه:

الوجه الأول: أنها سنة في رتبة الوتر وركعتي الفجر، وقد أرشد النبي ﷺ بقضائهما، ففي حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النّبي ﷺ قال: ( من لم يصلّ ركعتي الفجر حتى تطلع الشمس فليصلهما)(2). وحديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أنّ النّبي ﷺ قال: ( من نام عن وتره أو نسيه فليصلّه إذا ذكره)(3). وعند الترمذي وابن ماجة والبيهقي والحاكم وغيرهم: ( من نام عن وتره فليصل إذا أصبح )(4). وكان ابن عمر يقضيهما من الضحى(5).

الوجه الثاني: أنّ النبي ﷺقضى ركعتين بعد العصر حين انشغل عنهما من بعد الظهر مع وفد عبد القيس، فقال ﷺ لما سألته أم سلمة عنهما: ( إنّه أتاني ناسٌ من عبد القيس بالإسلام من قومهم، فشغلوني عن الركعتين اللتين بعد الظهر فهما هاتان)(6). وهي سنة من السنن الراتبة، والتراويح كذلك، فاستويا في الحكم.

الوجه الثالث: حديث عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدٍ الْقَارِىِّ قَالَ: سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رضي الله عنه يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: « مَنْ نَامَ عَنْ حِزْبِهِ أَوْ عَنْ شَىْءٍ مِنْهُ فَقَرَأَهُ فِيمَا بَيْنَ صَلاَةِ الْفَجْرِ وَصَلاَةِ الظُّهْرِ كُتِبَ لَهُ كَأَنَّمَا قَرَأَهُ مِنَ اللَّيْلِ»(7).

والدلالة واضحة على المطلوب ، وهي دعوة النبي ﷺ الناس أنْ يقضوا نوافلهم التي فاتتهم بسبب ما .

الوجه الرابع: قوله آية كريمة من كتاب سؤالات الصائمين (8) قال عمر بن الخطاب وابن عباس والحسن: “معناه من فاته شيء من الخير بالليل أدركه بالنهار، ومن فاته بالنهار أدركه بالليل”(9).

الوجه الخامس: أنّ الصحابة رضوان الله عليهم كانوا يقضون ما فاتهم بالليل أثناء النهار:

ـ اسْتَأْذَنَ رجلٌ عَلَى عُمَرَ رضي الله عنه بِالْهَاجِرَةِ، فَحَجَبَهُ طَوِيلاً، ثُمَّ أَذِنَ لَهُ، فَقَالَ:”إنِّي كُنْتُ نِمْتُ عَنْ حِزْبِي، فَكُنْت أَقْضِيهِ”.

ـ وقَالَ عَلِيٌّ رضي الله عنه: “مَنْ فَاتَهُ شَيْءٌ مِنْ حِزْبِهِ، فَصَلاَّهُ ارْتِفَاعَ النَّهَارِ، فَكَأَنَّمَا صَلاَّهُ بِاللَّيْلِ”.

ـ وعَنِ الْقَاسِمِ رحمه الله، قَالَ: “كُنَّا نَأْتِي عَائِشَةَ قَبْلَ صَلاَةِ الْفَجْرِ، فَأَتَيْنَاهَا ذَاتَ يَوْمٍ فَإِذَا هِيَ تُصَلِّي، فَقَالَتْ : “نِمْت عَنْ حِزْبِي فِي هَذِهِ اللَّيْلَةِ فَلَمْ أَكُنْ لأَدَعَهُ”.

وقال أَبِو سَلَمَةَ رضي الله عنه: “مَنْ فَاتَهُ جُزْؤُهُ مِنَ اللَّيْلِ فَقَضَاهُ قَبْلَ أَنْ تَزُولَ الشَّمْسُ، فَقَدْ أَدْرَكَ”(10). فدلّ كل ذلك على أنّ القضاء هو الأولى.

والله تعالى أعلم..

الحواشي

  1. راجع المسألة في : المجموع شرح المهذب ج4 ص 43، المغني لابن قدامة ، ج1 ص 793-795، حاشية ابن عابدين، ج1 ص 775، والبحر الرائق ج2 ص 316..
  2. أخرجه الترمذي برقم 423، والحاكم في المستدرك ج1ص 274 وصححه على شرط الشيخين ووافقه الذهبي، وقال النووي في المجموع (4/45) رواه البيهقي بإسناد جيد.
  3. أخرجه أبو داود برقم 3143، وحسن النووي إسناده في المجموع (4/45).
  4. أخرجه الترمذي برقم 466، وابن ماجة برقم 1188، والدارقطني برقم 1637، والبيهقي في السنن الكبرى برقم 4711، والحاكم في المستدرك برقم 1127، وصحح الحاكم إسناده على شرط الشيخين ووافقه الذهبي (1/443).
  5. المغني ، ج1 ص 794.
  6. أخرجه الشيخان في صحيحيهما، البخاري برقم 1233، ومسلم برقم 1970.
  7. أخرجه مسلم برقم 1779، وأبو داود برقم 1315.
  8. سورة الفرقان الآية 62.
  9. تفسير القرطبي ، للآية ، ج13 ص 66 ، مؤسسة مناهل العرفان بيروت، توزيع مكتبة الغزالي.
  10. مصنف ابن أبي شيبة، ج2 ص 71، بالأرقام: من 4817 ـ 4820.
أ.د. عبدالله الزبير عبدالرحمن

لديك مسألةٌ تُشكل عليك؟ استفتِ الشيخ

اكتب سؤالك وسيصل مباشرةً إلى مكتب فضيلة الشيخ، ويصلك الجواب على بريدك.

الردّ خلال ٣–٧ أيام بياناتك محفوظة ولا تُنشر ١١٦ فتوى منشورة
استفتِ الشيخ
فتوى مختارة

أمـر الزوج امرأته الحامل بالفطر

أدركني شهر رمضان الكريم وأنا حامل في الشهر الثالث، وبدأت الصوم، ولم أشعر بمشقة ولا بمعاناة، ولم أشعر بأي خوف على ولدي الذي في بطني، ولكن زوجي أمرني أن أفطر من أجل الحمل والجنين، فهل أطيعه وأفطر؟ مع أني لا أشعر بأي خوف على نفسي ولا على ولدي.

اقرأ الجواب