فتاوى الصيام · · سأل: من كتاب «سؤالات الصائمين» — أقضية صلاة التراويح
بعض الناس يصلي التراويح فحين يشعر بالتعب والمشقة يجلس في أول الركعة فإذا أتم الإمام القراءة أو أوشك أن يتم يقف قائماً فيركع ويسجد معه فإذا قام الإمام بقي جالساً الركعة الثانية ثم يقوم إذا أوشك الإمام من الانتهاء من القراءة فيركع معه ويسجد ويسلم، وهكذا يفعل في كثير من الركعات، هل هذا يصح شرعاً؟.
جواب فضيلة الشيخ
في المسألة ثلاثة أقوال(1):
القول الأول: جواز الركعة الواحدة بعضها من قيام وبعضها من قعود، وهو مذهب أبي حنيفة ومالك والشافعي وعامة الفقهاء، وسواء قام ثم قعد أو قعد ثم قام.
القول الثاني: منع القعود بعد القيام والقيام بعد القعود، وهو محكي عن بعض السلف، قال الشيخ صديق حسن خان: وهو غلط.
القول الثالث: كراهة القعود بعد القيام والقيام بعد القعود، حكاه القاضي عياض عن أبي يوسف ومحمد بن الحسن الشيباني صاحبي أبي حنيفة. ففي الخانية: يُكره للمقتدي أن يقعد في التراويح فإذا أراد الإمام أن يركع يقوم لأن فيه إظهار التكاسل في الصلاة والتشبه بالمنافقين قال تعالى (2) “.. قالوا: “إذا لم يكن لكسل بل لكبر ونحوه لا يكره”(3).
والراجح قول الجمهور بصحة هذه الصلاة وجواز القيام بعد القعود والقعود بعد القيام، فتصح صلاة التراويح لمن جمع بين القيام والجلوس ، يجلس حيناً إذا شعر بالتعب والإرهاق والمشقة، ثم إذا أتم الإمام القراءة من الركعة قام فركع معه وسجد، والدليل عليه أمران:
الأمر الأول: أن صلاة التراويح من النوافل والتطوعات التي يجوز أداؤها قياماً وقعوداً ولو من غير حاجة أو من غير تعب أو مشقة، فلا حرج في صلاة النافلة جلوساً ولو لم يشقّ عليه القيام، بخلاف صلاة الفريضة، فإنها لا تجوز من قعود إلا لصاحب العذر، ففي صحيح البخاري عن عمران بن حصين رضي الله عنه، قال: “كانت بي بواسير فسألت النبي ﷺ عن الصلاة فقال: ( صَلِّ قَائِماً فإنْ لمْ تستطعْ فقاعداً فإنْ لم تستطع فعلى جنب)(4).
الأمر الثاني: أنّ ذلك من فعله الشريف عليه الصلاة والسلام، فقد صحّ عن رسول الله ﷺأنه كان يفعل ذلك في صلاة الليل كما في حديث عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَقِيقٍ قَالَ: سَأَلْتُ أمنا وسيدتنا عَائِشَةَ عَنْ صَلاَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَنْ تَطَوُّعِهِ، فَقَالَتْ: “كَانَ يُصَلِّي فِي بَيْتِي قَبْلَ الظُّهْرِ أَرْبَعًا، ثُمَّ يَخْرُجُ فَيُصَلِّى بِالنَّاسِ ثُمَّ يَدْخُلُ فَيُصَلِّى رَكْعَتَيْنِ، وَكَانَ يُصَلِّى بِالنَّاسِ الْمَغْرِبَ ثُمَّ يَدْخُلُ فَيُصَلِّى رَكْعَتَيْنِ، وَيُصَلِّى بِالنَّاسِ الْعِشَاءَ وَيَدْخُلُ بَيْتِى فَيُصَلِّى رَكْعَتَيْنِ، وَكَانَ يُصَلِّى مِنَ اللَّيْلِ تِسْعَ رَكَعَاتٍ فِيهِنَّ الْوِتْرُ، وَكَانَ يُصَلِّى لَيْلاً طَوِيلاً قَائِمًا، وَلَيْلاً طَوِيلاً قَاعِدًا، وَكَانَ إِذَا قَرَأَ وَهُوَ قَائِمٌ رَكَعَ وَسَجَدَ وَهُوَ قَائِمٌ، وَإِذَا قَرَأَ قَاعِدًا رَكَعَ وَسَجَدَ وَهُوَ قَاعِدٌ، وَكَانَ إِذَا طَلَعَ الْفَجْرُ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ”(5).
وكما أخبرت عنه السيدة عائشة رضي الله تعالى عنها، قالت: ” ما رأيت رسول الله ﷺيقرأ في شيء من صلاته جالساً، حتى إذا كَبِر قرأ جالساً، حتى إذا بقي عليه من السورة ثلاثون أو أربعون آية قام فقرأهن ثم ركع”(6).
ومع ذلك نلاحظ أن بعض المصلين لا يبدأ مع الإمام بل ينتظر قرب ركوعه للدخول معه، لكنه في فترة جلوسه ينشغل بغير الصلاة ولا يحرم للصلاة بل يتكلم مع إخوانه وربما تآنسوا وضحكوا، ثم إذا أوشك الإمام من الركوع أو ركع؛ أسرع بالدخول مع الإمام، وقد يفعل ذلك مراراً ربما في كل ركعتين، فهذا ليس داخلاً في الصورة المسؤول عنها، بل أقلّ أحوال هذا الفعل الكراهة، وصاحبه مسيءٌ لم يراع حرمة المسجد ولا حرمة الصلاة ولا حرمة المصلين وشوش عليهم صلاتهم، وعلى المصلين أن ينكروا على أمثاله وينهوه عن هذا السلوك المشين. والله تعالى أعلم..
الحواشي
انظر: السراج الوهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج ، ج3 ص 63.
فتاوى الصيام · · سأل: من كتاب «سؤالات الصائمين» — أقضية زكاة الفطر
نحن مهاجرون في بعض البلاد العربية وحين يقبل العيد بخيره يخرج الجميع عندنا زكاة فطرهم ، ولا نجد من نعرفهم من الفقراء والمساكين حتى نعطيهم ، وغالباً ما يتوجه الجميع بزكاتهم إلى فقير أو فقيرين معروفين، ويبقى بقية الفقراء في حاجتهم وفقرهم ، وعندنا في الجالية بعض اللجان الخدمية التي ترعى شؤوننا في المهجر ، فهل يجوز لنا أن نجمع زكاة الفطر وندفعها للجان حتى تتولى توزيعها بمعرفتها للمحتاجين بيننا ؟ أم نجمعها ونرسلها لديوان الزكاة ؟ أم يقوم بتوزيعها كل واحد عن نفسه بمعرفته فنصيب أحياناً ونخطئ أحياناً ؟.
جواب فضيلة الشيخ
جرى عمل المسلمين في التاريخ المعروف على أن يتولى صاحب زكاة الفطر توزيعها بنفسه، ولا يطالب بتقديمها لولي الأمر ( مسؤول الزكاة )، وهذا الحال مستمر إلى يومنا هذا. ولكن عند التحقيق نجد أنّ الذي عمل المسلمين غير موافق لما كان عليه العمل في عهد الرسالة والخلافة الراشدة. فإنّ الذي كان في تلك القرون الخيرة أن يتوجه الناس بفطرة رمضان إلى من تجمع عنده زكاة الفطر في كل عام، فيدفعونها إليه ومن ثَمَّ يقوم ولي الأمر بتوزيعها للفقراء ، وقد كان رسول الله ﷺ يقوم بتوزيعها على الفقراء.
والدليل على ذلك ثلاثة أمور:
[1] أن النبي ﷺ كان يكلّف من يقوم بحفظ زكاة الفطر ، والصحابة يعرفونه فيدفعون إليه بزكاة فطرهم ، وهذا دليل على أن زكاة الفطر تجمع من الناس في مكان جامع ، ففي صحيح البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: ” وكلني رسول الله ﷺ بحفظ زكاة رمضان ، فأتاني آت فجعل يحثو من الطعام، فأخذته وقلت : والله لأرفعنك إلى رسول الله ﷺ ، قال : إني محتاج، وعليّ عيال، ولي حاجة شديدة . قال : فخليت عنه . فأصبحت، فقال النبي ﷺ : ( يا أبا هريرة ! ما فعل أسيرك البارحة ؟ ) قال : قلت: يا رسول الله ! شكا حاجة شديدة وعيالاً ، فرحمته فخليت سبيله . قال: ( أما إنه قد كذبك ، وسيعود ) فعرفت أنه سيعود لقول رسول الله ﷺ إنه سيعود ، فرصدته ، فجعل يحثو من الطعام ، فأخذته فقلت : لأرفعنك إلى رسول الله ﷺ . قال: دعني فإني محتاج وعليّ عيال ، لا أعود ، فرحمته فخليت سبيله، فأصبحت ، فقال لي رسول الله ﷺ: ( يا أبا هريرة ! ما فعل أسيرك ؟ ) قلت : يا رسول الله ! شكا حاجة شديدة وعيالاً فرحمته فخليت سبيله . قال : ( أما إنه قد كذبك ، وسيعود) فرصدته الثالثة، فجعل يحثو من الطعام ، فأخذته فقلت : لأرفعنك إلى رسول الله ﷺ وهذا آخر ثلاث مرات، إنك تزعم لا تعود ثم تعود . قال: دعني أعلمك كلمات ينفعك الله بها . قلت : ما هنّ ؟ قال : إذا أويت إلى فراشك فاقرأ آية الكرسي (1)حتى تختم الآية فإنك لن يزال عليك من الله حافظ ، ولا يقربنك شيطان حتى تصبح”. فخليت سبيله، فأصبحت فقال لي رسول الله ﷺ: (ما فعل أسيرك البارحة ؟ ) قلت: يا رسول الله! زعم أنه يعلمني كلمات ينفعني الله بها فخليت سبيله . قال : ( ما هي ؟ ) قلت : قال لي إذا أويت إلى فراشك فاقرأ آية الكرسي من أولها حتى تختم الآية وقال لي : لن يزال عليك من الله حافظ ولا يقربك شيطان حتى تصبح . فقال النبي ﷺ : (أما إنه قد صدقك وهو كذوب. تعلم من تخاطب مذ ثلاث ليال يا أبا هريرة؟ قال: لا. قال:(ذاك شيطان)(2).
فثبت أن أمر زكاة الفطر كان أمراً جماعياً ولم يكن أمراً خاصاً يقوم بأدائها وتوزيعها كل واحد بطريقته .
[2] وممّا يؤكّد أن زكاة الفطر كانت تجمع ويتولّى جمعها من يكلّف بها، أنّ ذلك كان هو الحال الذي استقر عليه أمر الصحابة رضوان الله عليهم، فقد روى نافع عن ابن عمر : “أنه كان يبعث بزكاة الفطر إلى الذي تُجمع عنده قبل الفطر بيومين أو ثلاثة ” (3).
وهذا يعني: أنهم ما كانوا يقومون بتوزيعها وتقسيمها بأنفسهم ، وإنما كان يقوم بتقسيمها من يتولّى أمرها فيهم .
[3] كانت السنة الماضية على عهد رسول الله ﷺ وصحابته الكرام هي أن زكاة الفطر يقوم بجمعها وتقسيمها الإمام والوالي ، وما يؤكد ذلك حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه الذي أخرجه ابن مردويه : ” أن رسول الله ﷺ كان يقسم الفطرة قبل أن يغدو إلى المصلّى يوم الفطر”(4).
إذنْ: الأوْلَى والموافق لما كان عليه أمر المسلمين في عصر النبوة أن يقوم بتقسيم زكاة الفطر ولي الأمر بأية درجة كان ، لا أن يقسمها كل مخرج للزكاة بنفسه .
فقط كان الفرق بين زكاة الفطر وزكاة المال أنه ما كان يُبعث لزكاة الفطر السعاة ، وإنما كان الناس يبعثون بزكاة الفطر إلى من تجمع عنده بأنفسهم.
ولهذا فيصحّ أن تدفع زكاة الفطر للجان الخدمية لمعرفتها بفقراء البلدة أو الحي أو الجهة ، فيقومون بتقسيمها عليهم ، مراعين أحوال الفقراء فيهم ، ودرجة حاجتهم وفقرهم ، وما يلزمهم من الديون والحقوق للغير ونحو ذلك، فيُحقق العدل في التقسيم بدل أن تتكدس أموال زكاة الفطر في يد فقير واحد بينما يدوم معاناة أمثاله الآخرين.
والله تعالى أعلم .
الحواشي
البقرة 255.
البخاري كتاب الوكالة باب إذا وكل رجلاً فترك شيئاً فأجازه الموكل فهو جائز ، برقم 2311 ، ج4 ص 568 ـ 569 ، بفتح الباري ، وفي كتاب فضائل القرآن ، باب فضل سورة البقرة مختصراً ، برقم 5010 ، ج8 ص 672 بفتح الباري .
أخرجه مالك في الموطأ ، كتاب الزكاة باب وقت إرسال زكاة الفطر ، ج1 ص 285 .
فتاوى الصيام · · سأل: من كتاب «سؤالات الصائمين» — أقضية زكاة الفطر
بحمد الله تعالى صمت رمضان هذا العام بأفضل حال ، وأحب أنْ استكمل الأمر بأفضل حال ، ولهذا ؛ فأنا حريص جداً أن أخرج زكاة الفطر، ولكن ليس عندي ما يمكنني من إخراج زكاة الفطر عن نفسي وعن أهلي وأولادي . فهل أستدين قيمة الزكاة لأخرجها ؟.
جواب فضيلة الشيخ
لا تجب زكاة الفطر على الصائم إلاّ بشرط أن يفضل عنده قوته وقت من يعول ليلة العيد ويومه ، فإنْ فضل شيء بعد ذلك وجب عليه إخراج زكاة الفطر وإلاّ فلا تجب عليه . وقال ابن المنذر : ” وأجمعوا على أن من لا شيء له فلا فطرة عليه “(1).
أما أن يستدين لدفع زكاة الفطر ؛ فهذا لا يجب عليه ، ولكن يستحب له في حالة ولا يستحب له في الأخرى .
أما الحالة التي يستحب له أن يستدين لزكاة الفطر : أن يغلب على ظنه أنه سيقدر على قضاء ما يستدينه إما من راتبه الشهري على أقساط يرضى بها من يقرضه ، أو لمال مستفاد عنده قريباً أو في أجل معروف، ونحو ذلك ، وإنْ كان متيقناً بقضاء دينه فذلك أولى، ولعله يدخل في الذين قال الله فيهم (2).
وإنْ كان الدين المؤجل لا يسقط الوجوب ـ كما رأينا من قبل ـ فهذه الحالة من الدين المؤجل ، لأن الدين المؤجل يمكن أن يكون ديناً سابقاً ويمكن أن يكون ديناً مستأنفاً نشأ لأجل الفطرة.
وأما الحالة التي لا يستحب له أن يستدين لزكاة الفطر : أن يظن أو يتيقن عدم قدرته على قضاء ما يستدينه ، ففي هذه الحالة لا يستدين من أجل إخراج زكاة الفطر . والله تعالى أعلم .
فتاوى الصيام · · سأل: من كتاب «سؤالات الصائمين» — أقضية زكاة الفطر
أنا شخص فقير ، وأعول أسرة كبيرة ، فيهم الأبناء والبنات، ومعي أمي وزوجتي وبعض أخواتي غير المتزوجات ، فهل عليّ فطرة هؤلاء جميعاً؟ وإنْ كنت لا أملك ما يكفي لإخراج زكاة الفطر لأكثر من شخصين أو ثلاثة فهل عليّ زكاة ؟ فإن كانت عليّ فحقّ منْ أقدّم حق الأم أم حق الزوجة أم حق الأبناء أم حق البنات أم حق الأخوات؟ أفيدونا جزاكم الله خيراً .
جواب فضيلة الشيخ
هذا النوع من الزكاة تسمى بزكاة الأبدان ، فالمعتبر فيها البدن لا المال ، فبحسب الأشخاص يكون إخراجها ، ولذلك تجب على المكلف المطالب بزكاة الفطر أن يخرج الفطرة عن نفسه وعمن تلزمه نفقته (1).
وأسباب تحمل النفقة ثلاثة : الزوجية والرق والقرابة ، أو قل: الملك والنكاح والقرابة ، وعليه : تجب عليه زكاة الأبوين ، والزوجات(2)، والأولاد الصغار من البنين والبنات الذين يعولهم. وأخواته غير المتزوجات إنْ لم يكن لهن عائل غيره .
فإن فضل من قوته وقوت أهله وعياله يوم العيد وليلته أخرج زكاة الفطر بالترتيب الآتي :
[1] فطرة نفسه أولاً ..
[2] ثم أخرج عن زوجته أو زوجاته..
[3] ثم أخرج عن ولده الصغير ..
[4] ثم عن أبيه أو أمه ..
[5] ثم عن ولده الكبير ، مع تردد في أقوالهم بين تقديم الولد أو تقديم الوالد، لقوله تعالى (3).
[6] ثم بقية قرابة النسب..
فإن لم يفضل عنده إلاّ فطرة واحد؛ أخرج عن نفسه ، فإنْ فضل فعن زوجته ، وهكذا حسب الترتيب المذكور لحديث : (ابدأ بنفسك فتصدق عليها فإن فضل شيء فلأهلك فإن فضل عن أهلك شيء فلذي قرابتك..)(4).
والله تعالى أعلم..
الحواشي
وذهب الحنفية إلى أن زكاة الفطر لا تجب إلا على من يملك نصاباً فاضلاً عن مسكنه وأثاثه وثيابه وفرسه وسلاحه وغير ذلك من حاجته الأساسية ، راجع : الإفصاح عن معاني الصحاح ، ج1 ص 180 ، البحر الرائق ، ج2 ص 274 ، الفتاوى الهندية ج1 ص 191 .الاختيار لتعليل المختار ، ج1 ص 158 – 159.
الأحناف لا يوجبون زكاة الفطر عن الزوجات ولا الأبوين إلا إذا كان الأب مجنوناً فقيراً فتجب عليه صدقة فطره . راجع : المصادر السابقة .
سورة النساء :11 .
أخرجه مسلم باب الابتداء في النفقة بالنفس ، برقم 2310 ، ج7 ص 84 .
فتاوى الصيام · · سأل: من كتاب «سؤالات الصائمين» — أقضية زكاة الفطر
في بعض الأحيان أتردد في إخراج زكاة الفطر ، أحياناً أتكاسل عن إخراجها وأحياناً أرى أن بعض الأمور في البيت ولدى الأسرة أهمّ، وفكرت في هذا الموضوع فلاحظت أن السبب غالباً أني لا أعرف مدى لزوم زكاة الفطر على الصائم ، فهل إخراج زكاة الفطر واجبٌ عليّ حتى ألتزم بإخراجها دون تردد ؟ أم أنّ إخراجها غير لازم ولا واجب فيحق لي أحياناً أن أقدّم بعض مطالب الأهل والأبناء عليها ؟ .
جواب فضيلة الشيخ
زكاة الفطر وصدقة الفطر وتسمى أيضاً صدقة رمضان وزكاة رمضان وكذلك تسمى بالفطرة، واجبة عند جماهير فقهاء الإسلام، من المالكية والشافعية والحنابلة والحنفية وأيضاً الظاهرية والهادوية وغيرهم من مذاهب أهل الإسلام . (1)
واستدل الجمهور على وجوب الفطرة بأدلة منها :
[1] حديث ابن عمر رضي الله عنهما قال : ” فرض رسول الله ﷺ زكاة الفطر صاعاً من تمر ، أو صاعاً من شعير ، على العبد والحر، والذكر والأنثى ، والصغير والكبير من المسلمين ” (2). والفرض دليل الوجوب .
[2] حديث ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله ﷺ أمر بزكاة الفطر أن تؤدى قبل خروج الناس إلى الصلاة” (3). والأمر يقتضي الإيجاب كما هو معروف عند الأصوليين.
[3] حديث ابن عباس رضي الله عنهما قال: “فرض رسول الله ﷺ زكاة الفطر طهرة للصائم من اللغو والرفث، وطعمة للمساكين..” الحديث4)). فعبّر ههنا أيضاً بالفرض ، والفرض دليل الوجوب ـ كما قررنا في حديث ابن عمر .
[4] حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال : ( لا صدقة على الرجل في فرسه وفي عبده إلاّ زكاة الفطر ) (5). والمعنى: لا تجب على الرجل صدقة إلا زكاة الفطر .
[5] عموم قوله تعالى (6) فزكاة الفطر داخلة فيه، لأنها زكاة(7).
[6] قوله تعالى (8). وقد قال فيها ابن عمر رضي الله عنهما : ” هذه الآية أنزلت في زكاة الفطر، وهو قول أبي سعيد الخدري وقتادة وعطاء وأبي العالية، ومالك، وسعيد ابن المسيب ، وعمر بن عبد العزيز ، رحمهم الله تعالى (9).
وقد استدل ابن حجر بها على وجوب زكاة الفطر فقال بعد أن تلاها: ” وثبت أنّها نزلت في زكاة الفطر ، وثبت في الصحيحين إثبات حقيقة الفلاح لمن اقتصر على الواجبات ..” (10).
ولأنّ هذا القول هو الذي عليه أكثر الفقهاء قال إسحاق بن راهويه: “إيجاب زكاة الفطر كالإجماع” . ونقل ابن المنذر إجماع أهل العلم على وجوب زكاة الفطر، وصرّح به البيهقي قائلاً: ” وقد أجمع العلماء على وجوب زكاة الفطر “(11).
وقد خالف قلة من العلماء وقالوا : هي سنّة وليست واجبة ، وهم: ابن اللبان من الشافعية ، وداود الظاهري في آخر أمره ، وأشهب من المالكية وقد ذهب إلى أنها سنة مؤكدة . وقد استدل لهم بحديث قيس بن سعد رضي الله عنه : ” أمرنا رسول الله ﷺ بصدقة الفطر قبل أن تنزل الزكاة ، فلما نزلت الزكاة لم يأمرنا ولم ينهنا ونحن نفعله ” (12). فقالوا : هذا يدلّ على أنّ وجوبها قد نُسخ بوجوب زكاة الأموال .
وقد أجاب الجمهور بوجهين وجيهين:
الوجه الأول : أن مداره على أبي عمّار ، وهو مجهول الحال ، فلا يُترك أحاديث الوجوب وتنسخ بمثل رواية مجهول لخبر .
الوجه الثاني : أنه وعلى فرض الصحة لا دلالة فيه على النسخ ، لأن نزول فرض لا يوجب سقوط آخر ، وليس في كلام الراوي تصريح بإسقاطها ، والأصل بقاء ما كان على ما كان (13).
وعليه : فزكاة الفطر واجبة لا يجوز التردد في إخراجها ولا تقديم شيء عليها إذا وجبت ، أعان الله السائل وإيانا على التزام فرضه وامتثال أمره وحسن عبادته.
فتاوى الصيام · · سأل: من كتاب «سؤالات الصائمين» — أقضية التطوع
زوجتي كثيرة العبادة والحمد لله، وأكثر ما تحبه من العبادات الصيام، فهي ترغب أن تصوم كل اثنين وخميس وبعد ذلك تصوم ثلاثة أيام من كل شهر، ولا تفوت يوم عرفة ولا عاشوراء وأيام شوال بعد العيد مباشرة، وأنا شاب أحتاج إليها، وأخجل أن أطلب منها أن تفطر هذه الأيام، فما حكم صيامها هذه الأيام وأنا راغب فيها؟.
جواب فضيلة الشيخ
لا خلاف بين أهل العلم في وجوب صيام المرأة شهر رمضان وأنه لا يتوقف صيامها ولا يشترط له لا إذن الزوج ولا غيابه ولا غير ذلك.
كما أنه لا خلاف بينهم في صيامها من غير إذن زوجها سواءٌ أكان حاضراً أو غائباً، صائماً أو مفطراً، محتاجاً لها أو غير محتاج؛ كل صيام واجب ضاق وقته، كالقضاء في شعبان، أو صيام نذر أو كفارة أو جزاء صيد حل أوانه، ونحو ذلك.
أما صيامها تطوعاً أو صيامها الواجب الموسع الوقت، ففي ذلك دار الخلاف بين العلماء، فمنهم من اشترط لها إذن الزوج، ومنهم من شرط لذلك حاجته، ومنهم من كرّه لها ذلك، ومنهم من فصّل في ذلك، وتوضيح المسألة كما يلي:
أولاً: حكم صوم المرأة تطوعاً وزوجها حاضر:
الأحاديث الواردة في المسألة كلها تنهى المرأة إذا كانت ذات زوج أنْ تصوم صوم تطوعٍ وهو حاضر عندها إلا أن تستأذنه، فإنْ أذن لها صامت، وإنْ لم يأذن لها فلا تصوم.
وقد جاءت هذه الأحاديث إما بصيغة الإخبار عن عدم حلّ صومها، أو بصيغة النهي لها عن الصوم في حضوره، وكلا الصيغتين تعضّد الأخرى وتقويها، بما يجعل التحريم أشدّ وأغلظ.
فمما ورد بصيغة الإخبار ما أخرجه البخاري في صحيحه وغيره وفيه أن النبي ﷺ قال: ( لا يحلّ للمرأة أن تصوم وزوجها شاهد إلا بإذنه)(1) . فهذا إخبار بعدم الحلّ، وما ليس بحلال فهو الحرام.
وأيضاً مما ورد بصيغة الإخبار ما في الصحيحين: (لا تصوم المرأة وبعلها شاهد إلا بإذنه)(2). وما في صحيح الترمذي وسنن ابن ماجة: (لا تصوم المرأة وزوجها شاهد يوماً من غير شهر رمضان إلا بإذنه)(3). وفي مسند أحمد بلفظ حاضر: (لا تصوم المرأة وزوجها حاضر إلا بإذنه)(4).
ومما ورد بصيغة النهي ما جاء في صحيح ابن حبان: (لا تصومن امرأة يوماً سوى شهر رمضان وزوجها شاهد إلا بإذنه)(5). وكالذي في مسند أحمد وأبي يعلى: (لاَ تَصُمِ الْمَرْأَةُ يَوْمًا سِوَى رَمَضَانَ وَزَوْجُهَا شَاهِدٌ إِلاَّ بِإِذْنِهِ)(6). وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أنّ النبي ﷺ قال لامرأة صفوان بن المعطل : ( لا تصومي إلا بإذنه)(7).
والشهود والحضور بمعنى واحد. والجميع حملوا النهي على صوم التطوع، لإجماع الأمة على أنّ الزوج ليس له أن يمنعها من أداء الفرائض اللازمة لها إذا حلّت.
ولا بدّ أن تنتبه المرأة المسلمة المتطلعة لأن تكون صالحة، أنّ الله منعها أن تصوم، مع أن الصيام عبادة لله، وقربة من أعظم القربات؛ ومع ذلك منعها ربها منه لعظم حقّ الزوج.
وقد أقرّ النبي ﷺ صفوان بن المعطل رضي الله عنه منعه لزوجته من صيام التطوع تأكيد لحقه في ذلك، فعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: جاءت امرأة صفوان بن المعطل إلى النبي ﷺ ونحن عنده فقالت: يا رسول الله! إن زوجي صفوان بن المعطل يضربني إذا صليت، ويفطِّرني إذا صمت، ولا يصلي صلاة الفجر حتى تطلع الشمس. وصفوان عنده، فسأله النبي ﷺ عما قالت. فقال: يا رسول الله! أمّا قولها يضربني إذا صليت؛ فإنها تقرأ سورتين، فقد نهيتها عنها، فقال: (لو كانت سورة واحدة لكفت الناس). وأمّا قولها يفطرني؛ فإنها تصوم وأنا رجلٌ شابٌّ فلا أصبر. فقال: رسول الله ﷺ يومئذ: (لا تصومن امرأة إلا بإذن زوجها) قال: وأما قولها بأني لا أصلي حتى تطلع الشمس؛ فإنَّا أهل بيت قد عرف لنا ذاك، لا نكاد نستيقظ حتى تطلع الشمس. فقال ﷺ: (فإذا استيقظت فَصَلِّ) (8).
قال الحافظ ابن حجر رحمه الله: ” ومن حقّ الزوج على زوجته أن لا تصوم تطوعاً إلا يإذنه، فإنْ فعلتْ؛ لم يقبل منها” (9).
1ـ وقد ذهب جمهور الفقهاء إلى تحريم صومها في حضور زوجها وأنها آثمة إذا صامت وهو حاضر بغير إذنه.
2ـ وذهب بعض الشافعية إلى أن صيامها في حضوره لا يحرم عليها بل يكره لها كراهة تنزيه. وقد ضعّفه النووي(10). ولعل الكراهة قول مالك رحمه الله في المرأة تصوم من غير أن تستأذن زوجها، قال: “ذلك يختلف، من الرجال من يحتاج إلى أهله، وتعلم المرأة أن ذلك شأنه فلا أحب لها أن تصوم إلا أن تستأذنه، ومنهن من تعلم أنه لا حاجة له فيها فلا بأس بأن تصوم”(11). فلعل قوله: ” فلا أحب لها أن تصوم إلا أن تستأذنه” أراد به الكراهة، والتحريم هو المذهب(12).
ثانياً: صيام المرأة تطوعاً في غياب زوجها:
إذا كان الزوج غائباً عن البلد الذي هي فيه، وتعلم أو تغلب على ظنها أنّه لن يأتي قبل انحلال الليل؛ فهذا جائز لها أن تصوم بغير إذنه، وقد نفى النووي في الخلاف في ذلك، والدليل على صحة صومها أمران:
الأول: مفهوم حديث البخاري: (لا يحلّ لامرأة أن تصوم وزوجها شاهد إلا بإذنه) (13) وفي رواية للبخاري ومسلم: (لا تصوم المرأة وبعلها شاهد إلا بإذنه)(14). وعند الإمام أحمد في المسند : (لا تصوم المرأة وزوجها حاضر إلا بإذنه)(15).
والدليل الآخر: زوال معنى النهي، فالنهي إنما مقصوده ومراده الشرعي مراعاة حقّ الزوج منها وحاجته إليها، وقد زال كل ذلك بغيابه، فلا معنى للنهي حينئذٍ(16).
ولكن قد يأتي الزوج قبل انحلال الليل وغروب الشمس، فماذا تصنع؟ وهل له أن يفطِّرها؟.
الجواب: أما هي؛ فلا تفطر، بل تمضي صائمة يومها، وأما هو؛ فيكره له أن يفطرها إلا إذا كانت حاجته إليها شديدة يعسر عليه الصبر حتى تتم صيامها، فحينها جاز له أن يفطِّرها.
وقال الحافظ ابن حجر: “فلو صامت وقدم زوجها في أثناء الصيام فله إفساد صومها ذلك من غير كراهة”(17).
ووجه بقائها صائمة: أنها عقدت صيام هذا اليوم، والشارع يقول لمن عقدوا الصيام: (18) فإنْ أفطرها من غير شدة حاجة إليها؛ فقد أعانها على مخالفة أمر الشارع.
ووجه حقّه في أنْ يفطّرها؛ أنّ حقه عليها واجبٌ، وصومها تطوع غير واجب، ولا شكّ أن الواجب مقدّم على التطوع.
وقد خصّ المالكية منعها من الصوم في حضوره: ما إذا كان محتاجاً بمعرفتها ذلك من حاله، أما إذا لم يكن محتاجاً؛ فلا يحرم عليها الصوم.
ـ فإذا كان مريضاً لا يقدر على حاجته انتفت حاجته، فلا تحتاج إلى إذنه.
ـ وإذا كان صائماً معها؛ انتفت الحاجة، فلا تحتاج إلى إذنه.
ـ وإذا كان من عادته وعمله لا يعود إلى البيت قبل الليل غالباً، فلا تحتاج إلى إذنه.. وهكذا.
ثالثاً: صيامها التطوع مع علمها بحاجة زوجها:
بعض الزوجات يعلمن حاجة أزواجهن لهن، إما لرعاية في مرض ونحوهن أو لاستمتاع بحسب ما علمت من حاله وشأنه معها، وأنه لا يصبر عنها، ونحوه، ومع ذلك ترغب في صيام التطوع، بل تنشئه وتصبح صائمة.
وهي بذلك تكون قد وقعت في مخالفة الشرع مرتين:
الأُولى: بصيامها وهي تعلم حاجته، وحاجته مقدّمة على التطوع، لأنه حقّ يلزمها، والتطوع غير ذلك.
والثانية: أنّها لم تستأذنه ولم يأذن لها، فلم تحقق الشرط، وشرط صيامها تطوعاً إذن زوجها الحاضر المحتاج، وقد قال ﷺ : ( لا يحلّ لامرأة أن تصوم يوماً وزوجها شاهد ـ حاضر ـ إلا بإذنه).
أما إذا أذن لها، أو علمت رضاه بصومها، صامت، وإنْ لم تستأذنه، فإنّ علمَ رضا الزوج كإذنه.
رابعاً: صيامها ما لا يتكرر صومه:
صيام التطوع منه ما يكون متكرراً كثيراً، كصيام الاثنين والخميس، وصيام الثلاثة البيض، ونحو ذلك، ومنها ما لايتكرر صومه في أيام السنة، كصيام يوم عرفة وعاشوراء والست من شوال. فهل المراة منهية عن كل صيام تطوعٍ وإنْ كانت مما لا يتكرر صومه؟.
ـ الجمهور لم يخصّص صوماً دون صوم ما دام تطوعاً، ولذلك حرموا عليها صومها أيضاً.
ـ والشافعية خصّصوا الحرمة بصوم ما يتكرر، فأخرجوا ما لا يتكرر صومه من النهي، فقالوا: يجوز للمراة أن تصوم دون إذن زوجها الأيام التي لا يتكرر صومها وهي: يوم عرفة، ويوم عاشوراء، والست من شوال، فتبادر إلى صيامها بغير إذنه، إلاّ أن يمنعها (19).
خامساً: صيامها الواجب الموسّع:
والصوم الواجب منه ما هو متراخٍ ووقته واسع لم يحنْ بعد، كالنذر المطلق، وجزاء الصيد، وتتمة صيام التمتع، ومنه ما هو على مضيّق الوقت أو على الفور وقد آن أوانه، كصوم رمضان، والنذر المؤقت الذي حان وقته.
أمّا الفرض مضيّق الوقت وحل زمانه؛ فلا تنتظر المرأة إذن زوجها لصيامه، بل تبادر إلى صيامه دون إذنه، ولا يحق له منعها بلا خلاف بين العلماء.
أما الصوم الواجب الذي يتسع وقته ولم يحل زمانه وأوانه؛ فالعلماء في ذلك على قولين:
القول الأول: أنه طالما كان ذلك فرضاً وواجباً عليها؛ فليس لزوجها حقّ في أن يمنعها، ولها أن تصوم دون إذنه حاضراً كان أو غائباً، محتاجاً أو غير محتاج، وهو مذهب أهل الظاهر(20).
والقول الثاني: أنّه طالما لم يتضيّق وقت أدائه فواجب عليها إذا أرادت أن تصوم أن تستأذنه، فإنْ لم يأذن لها فلا تصوم، إلا إذا ضاق وقت ذلك فلا تنتظر إذنه، لأنه حقه فيه واجب على الفور، وهذا واجب على التراخي، فلا يفوّت الواجب على الفور بواجب على التراخي، لأنه يمكن تداركه. وهذا هو قول الجمهور من الشافعية والحنابلة والمالكية إلا في قضاء رمضان(21). وتفصيل مسألة القضاء في الفقرة الآتية، وهي.
سادساً: صومها قضاء رمضان:
وقضاء رمضان ليس من صيام التطوع بل هو من الصيام الواجب، ولكنه من الواجب الموسع حيث يسعها أن تقضي إلى ما قبل رمضان القابل، ولذلك اختلف الفقهاء هل تحتاج المرأة في قضاء رمضان أيضاً إلى إذن زوجها؟ وهل له منعها من القضاء ما تسع وقت القضاء؟ أم يجوز لها أن تصوم القضاء في أيّ وقت أرادت؟. فكانوا على مذهبين:
المذهب الأول: للجمهور من الشافعية والحنابلة وبعض المالكية، أنّ قضاء رمضان داخل في النهي، وأنّها تحتاج إلى إذنه فيه، وأنّ له الحق في منعها من تعجيل القضاء(22).
ودليل هذا القول ما يلي:
1ـ قول النبي ﷺ من حديث الأعرج عن أبي هريرة رضي الله عنه: (لا تصوم المرأة وزوجها شاهد يوماً من غير شهر رمضان إلا بإذنه)(23). وأيام القضاء أيامٌ من غير شهر رمضان.
2ـ أنّ قضاء رمضان على التراخي، وحقّ الزوج على الفور، لأن الحقوق على المناجزة والمضايقة، فيُقَدَّم حقه على القضاء.
3ـ أنّ القضاء يمكن تداركه في أثناء السنة، فلا يفوت بتأخيره، بينما حقّ الزوج يفوت بالتأخير، فما يفوت تداركه مُقدَّمٌ على ما لا يفوت.
المذهب الثاني: لجمهور المالكية والظاهرية، أنّ الزوج لا يمنعها، وأن المرأة لا تحتاج إلى استئذانه في قضاء رمضان، بل تبادر إلى القضاء دون إذنه، لأنه ليس له الحق في تأخيرها فيه ولا منعها منه(24). وقد استدلوا:
1ـ كونه فرضاً وواجباً، وما وجب ليس للزوج فيه مدخل بمنع أو تأخير، وقد قال تعالى (25(.
2ـ حديث أبي هريرة رضي الله عنه أنّ النبي ﷺ قال: « لا تصوم المرأة وبعلها شاهد إلا بإذنه غير رمضان ولا تأذن في بيته وهو شاهد إلا بإذنه» وفي رواية أحمد: «لا تصوم المرأة يوما واحدا وزوجها شاهد إلا بإذنه، إلا رمضان»(26).
والشاهد قوله ﷺ: ( غير رمضان، أو إلا رمضان). وقضاء رمضان حكمه حكم رمضان، فاستثني من النهي ومن إذن الزوج.
3ـ وكما أنّها لا تستأذن زوجها في أداء الصلوات في أول الوقت لفضيلته؛ لا تستأذنه في قضاء رمضان في أول الوقت، وكلاهما واجب، وأول الوقت لكليهما فضيلة.
وعلى كلٍّ: فإنّ من فقه المرأة المسلمة، ومن أداب الزوجة الصالحة مراعاة حاجة الزوج ورضاه، فإنْ أخَّرت القضاء حتى تطمئن إلى أنّ زوجها غير محتاج إليها، وأنه راضٍ عنها، قضت، وإلا فالتأخير حتى يلزمها القضاء لضيق وقته؛ من فقهها وأدبها وذلك لاشك هو الأحبّ إلى الله ورسوله ﷺ، وقد كانت قدوة الصالحات حبيبة رسول الله الصديقة بنت الصديق تؤخّر قضاء رمضان حتى شعبان، بل هذا التأخير كان حال سيدات الأمّة أمهات المؤمنين خير من يُقتَدى بهن وأفضل من يُحاكَى أمرهن رضوان الله عليهن، وقد حكت عائشة ذلك فَقَالَتْ: “إِنْ كَانَ لَتَكُونُ عَلَى إِحْدَانَا الأَيَّامُ مِنْ رَمَضَانَ، فَمَا تَسْتَطِيعُ قَضَاءَهَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَتَّى يَدْخُلَ عَلَيْنَا شَعْبَانُ”(27).
وذلك لثلاثة أسباب:
الأول: أنّها كانت تتفرغ لحاجة زوجها رسول الله ﷺ وخدمته، قَالَتْ : “كَانَ يَكُونُ عَلَيَّ الصَّوْمُ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ، مَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَقْضِيَهُ إِلا فِي شَعْبَانَ مِنَ الشُّغْلِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ (28).
والسبب الثاني: أنّ النبي ﷺ كان يكثر الصيام في شعبان فتصوم معه، لأنه بصومه علمت رضاه وإذنه وأنه لا حاجة له فيها تقتضي فطرها.
والسبب الثالث: أنّ شعبان آخر الوقت للقضاء،فإنْ لم تقضِ ما عليها فيه فاتها، فتضيّق وقت القضاء بحلول شعبان ومضيّه، فصار القضاء واجباً مضيقاً فلزمها. والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات
الحواشي
أخرجه البخاري برقم 5195، و4899، ومسلم .
البخاري برقم 5192، وأبو داود برقم 2460، وأحمد في المسند برقم 8173،
الترمذي برقم 782، وابن ماجة برقم 1761،وقال الترمذي : هذا حديث حسن صحيح، ووافقه الألباني على التصحيح، ج3 ص 151.
مسند أحمد برقم 9987، وصححه شعيب الأرناؤوط. ج2 ص 464.
صحيح ابن حبان برقم 3573، وقال شعيب الأرناؤوط: إسناده قوي. ج8 ص 339.
أحمد في المسند برقم 9732، 9734، وأبو يعلى في مسنده برقم 6273. واللفظ لأبي يعلى. وصحح شعيب الأرناؤوط إسناد أحمد جج2 ص 444، كما صحح حسين أسد إسناد أبي يعلى، ج11 ص 156.
أخرجه أبو يعلى في مسنده برقم 1037، الدارمي في سننه برقم 1719، وصحح حسن سليم أسد إسناد أبي يعلى، وحسن إسناد الدارمي. راجع: مسند أبي يعلى بتحقيقه ج2 ص 308، وسنن الدارمي بتحقيقه ج2 ص 21.
أخرجه أحمد في المسند برقم 11776، أبو داود برقم 2461، وابن حبان برقم 1488، وأبو يعلى في مسنده برقم 1174، والبيهقي في السنن الكبرى برقم 8762، والحاكم في المستدرك برقم 1594، وقال: صحيح على شرط الشيخين، وقال الأرناؤوط في تحقيق المسند (ج3 ص80): إسناده صحيح رجاله ثقات رجال الصحيحين، وقال حسن أسد في تحقيق مسند أبي يعلى ( ج2 ص 398): إسناده صحيح.
فتاوى الصيام · · سأل: من كتاب «سؤالات الصائمين» — مسائل القضاء والكفارة
عندنا في بلادنا من زمن بعيد عادة معروفة ، وهي أنّ العروسَيْنِ المتزوجين حديثاً لا حرج عليهم إذا أفطروا في شهر رمضان ، لحاجتهم إلى اللقاء المستمر ليلاً ونهاراً ، بل إنّ بعض الناس فيهم يصرّون على إفطار العروسَيْنِ إلى درجة إجبارهم من بعض أوليائهم لحملهم على الإفطار ليتمكّنوا من اللقاء ليلاً كان ذلك أو نهاراً ، فما حكم هذه العادة أثابك الله ؟.
جواب فضيلة الشيخ
أولاً : مما يجب أن يكون معلوماً لدى الناس أن الزواج حديثاً كان أو قديماً لا يوجب الجماع على العروسين مما يجعلهم ينتهكون بسببه حرمة هذا الشهر الفضيل، لا ليلاً ولا نهاراً ، ولو أخّر العروسان اللقاء بينهما أو الجماع إلى الليل أو شهراً أو شهرين أو أكثر لا مؤاخذة عليهما بذلك في شرع الله، ناهيك أن يفطروا بسببه في رمضان .
ثانياً : ليس الزواج في رمضان من مبيحات الفطر فيه ، لم يجعل الزواج من مبيحات الفطر أحدٌ من أهل العلم ولا من أنصاف أهل العلم ، وعليه :
[1] لا يجوز لأحدٍ تزوّج حديثاً في شهر رمضان أن يفطر فيه بحجة أنه عروس جديد ، ولو أفطر فيه وجب عليه القضاء والكفارة ، لأنه قد انتهك حرمة نهار رمضان من غير عذر شرعي مبيحٍ للفطر فيه .
[2] قد اكتسب إثماًً عظيماً كل من حمل أحداً للفطر في رمضان بأنه عروسٌ وعليهم أن يتوبوا إلى الله تعالى .
ثالثاً : لا يعني هذا أنّ هنالك مانعاً من الزواج في شهر رمضان ، بل ربما كان الزواج في شهر رمضان خيراً وبركة ، لمن أمن انتهاك حرمة ، وفي آيات الصوم إشارة إلى أنّ هذا الشهر الكريم يكرم الأزواج الذين يريدون الولد فيرشدهم إلى طلبه في لياليه ، وذلك في قوله تعالى (1) بعد أن أباح اللقاء والجماع في ليالي رمضان قائلاً: (2).
فتاوى الصيام · · سأل: من كتاب «سؤالات الصائمين» — مسائل القضاء والكفارة
أصبتُ بمرضٍ أيام شهر رمضان مما اضطرني إلى أن أُفطر فيه أياماً، وبعد خروج شهر رمضان وحلول شهر شوال ؛ أحببت أن أدرك فضل صوم ستٍ من شوال ، ثم ترددت ، لأني لم أقض ما عليّ من الأيام التي أفطرتها من رمضان بسبب المرض ، فهل يصحّ مني أن أصوم ستاً من شوال أو أي صيام تطوع وعليّ قضاء رمضان ؟.
جواب فضيلة الشيخ
هذه المسألة تتعلق بحكم التطوع قبل القضاء ، ومعروف أنّ قضاء رمضان واجبٌ لقوله تعالى بينما صيام التطوع ليس بواجبٍ. فالأصل في المسألة أنه لا يجوز الصيام تطوعاً قبل القضاء ، لأن الواجب لا يُترك إلاّ لواجب ، والتطوع ليس واجباً فلو صام تطوعاً يكون قد ترك واجب القضاء من أجل التطوع غير الواجب.
ومع ذلك اختلفت أقوال الفقهاء في هذه المسألة إلى ثلاثة أقوال:
القول الأول: يرى عدم جواز صيام التطوع قبل القضاء، بناءً على القاعدة السابقة” لا يُترك الواجب إلاّ لواجب ” ولحديث أحمد عن أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعاً: ( من صام تطوعاً وعليه من رمضان شيء لم يقضه؛ فإنه لا يُتقبل منه حتى يصومه )(1).
القول الثاني : يرى جواز التطوع وإنْ كان عليه قضاء ، لينال فضيلة شوال، فيجوز له أن يصوم ستاً من شوال ثم يقضي ما عليه من رمضان، لأمرين:
الأمر الأول: أن القضاء عبادة تتعلق بوقت موسّع، فلا تزاحم بين القضاء والتطوع، لأنه يستطيع أن يقضي ما عليه من رمضان في أي وقت غير شوال ، ولا يستطيع أن ينال فضل شوال إلا في شوال.
والأمر الثاني: قياساً على الصلاة ، فإنه يتطوع في وقتها ، فكذلك الصوم.
والقولان مرويان عن الإمام أحمد رحمه الله تعالى(2).
القول الثالث: يذهب إلى جواز الجمع بين القضاء والتطوع بصيام واحد يُشرك فيه نية التطوع مع نية القضاء، فيصوم القضاء في وقت الفضيلة، كأن يقضي ما عليه من رمضان في شوال جمعاً بين قضاء رمضان وصيام ست من شوال ، أو يقضي رمضان في أيام العشر من ذي الحجة، أو يوم عاشوراء، ونحو ذلك.
وهو قول للمالكية والشافعية..
أما المالكية فقد قال اليعقوبي في شرح الكفاف (3):
فللقضاء يوم عاشـــــــوراء ندبٌ لمن طولـب بالقضـاء
وأجرُ ذَينِ قد رآه الـــــرائي لقاصد القضـا وعاشــــوراء
وأما الشافعية فهو المعتمد عندهم كما جاء في تحفة الحبيب على شرح الخطيب: “قال البجيرمي: وأفتى البارزي بأن من صام عاشوراء مثلاً عن قضاء أو نذر حصل له ثواب يوم عاشوراء ، وهو المعتمد” (4).
وجاء في الشرقاوي على التحرير للشيخ زكريا الأنصاري: “ولو صام فيه أي في شوال قضاء عن رمضان أو غيره أو نذرًا أو نفلا آخر حصل له ثواب تطوعها، إذ المدار على وجود الصوم في ستة أيام من شوال وإن لم يعلم بها أو صامها عن أحد (أي النذر أو النفل ) لكن لا يحصل له الثواب الكامل المترتب على المطلوب إلا بنية صومها عن خصوص الست من شوال، ولا سيما من فاته رمضان أو صام عنه شوال، لأنه لم يصدق عليه أنه صام رمضان وأتبعه ستاً من شوال”(5).
وهذا هو المختار الراجح، للأسباب الآتية:
[1] أنّ عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه كان يستحب قضاء رمضان في العشر من ذي الحجة، وقد قال: ” ما من أيام أحبّ إليّ أن أقضي فيها شهر رمضان من هذه الأيام، لعشر ذي الحجة”(6).
[2] أنّ خالد بن أبي عمران سأل القاسم بن محمد وسالم بن عبدالله رحمهم الله تعالى عن رجل عليه يوم من رمضان، أيقضيه في العشر؟ قالا: ” نعم ويقضيه يوم عاشوراء” (7).
[3] أنّ كثيراً من العبادات تصح وتتم بالجمع فيها بين الواجب والمستحب بفعل واحد، ومن ذلك :
أ ــ من كان عليه غُسل واجب يوم الجمعة فجمع بين الواجب والمستحب في غُسل واحد صح منه وأجزأه ، ويشير إليه حديث النبي ﷺ: (من غَسّل يوم الجمعة واغتسل ، وبكّر وابتكر، ودنا واستمع وأنصت، كان له بكل خطوة يخطوها أجر سنة صيامها وقيامها ) (8).
ب ـ يمكن أن تؤدى تحية المسجد بفرض بحيث إذا نوى الفرض وتحية المسجد حصلا له، وإن لم ينو التحية لم يحصل ثوابها، كما يقول المالكية.
ج ـ وتؤدى ركعتا الحاجة بالفرض والنفل وتحصل بذلك كما يقول الشافعية(9).
د ـ من عليه قضاء فوائت من صلاة قديمة فوقّته في أوقات التنفل المستحبة كوقت الضحى ووقت التهجد بالليل صحّ .
كذلك يجوز ويصحّ توقيت قضاء رمضان في الأيام المستحب صيامها كست من شوال، وعشر ذي الحجة، ويوم عاشوراء، ويوم عرفة، ونحو ذلك، وينال بكرم الكريم الرحيم فضلهما.
وعليه: فإنّ الخيار للصائم في الثلاثة، ولكن مع ذلك الأَوْلَى له:
أولاً: أنْ يقضى أولاً ثم يصم التطوع ..
ثانياً: إنْ لم يستطع أو شق عليه ذلك، صام تطوعاً الست من شوال ثم قضى فيما بعد ما عليه من رمضان..
ثالثاً: إنْ خشي أن لا يستطيع ذلك؛ جمع بين القضاء والتطوع في صيام واحد بإشراك نية التطوع في القضاء لنيل فضيلة شوال فله ذلك، وصحّت منه الصور الثلاث (10).
الحواشي
أخرجه أحمد في المسند ج2 ص 352 برقم 8606 .، والطبراني في الأوسط وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (3/179) وهو حديث حسن .
راجع المغني لابن قدامة، ج3 ص 68 .
مرام المجتدي شرح كفاف المبتدي، لليعقوبي الجوادي، محمد الحسن بن أحمد الخديم، ج1 ص 300-301.
تحفة الحبيب على شرح الخطيب ج3 ص 154.
الشرقاوي على التحرير لزكريا الأنصاري ،ج1 ص427، وراجع: حواشي الشرواني والعبادي ج3ص457، وحاشية إعانة الطالبين للدمياطي ج2 ص 304، وحاشية الرملي على أسنى المطالب ج1 ص 431، ونهاية المحتاج باب صوم ستة من شوال .
المدونة الكبرى لمالك، ج1 ص 311، وأخرجه عبد الرزاق في مصنقع برقم 7744، وابن أبي شيبة في المصنف ج2 ص 488برقم 1، والبيهقي في السنن الكبرى ج4 ص 472.
أما حديث أبي هريرة السابق فلا يصلح للاحتجاج وقد قال فيه ابن قدامة رحمه الله: ” في سياقه ما هو متروك ” إذ أن صدر الحديث يظهر علة فيه وصدره ( من أدرك رمضان وعليه من رمضان شيء لم يقضه لم يتقبل منه …) وهذا يشمل من كان له عذر ولم يكن له عذر ، كما أنه يقضي بأن من عليه قضاء رمضان الماضي لا يصوم رمضان ، وهذا لا يستقيم ، مما يجعل الخبر مقدوحاً هذا مع الاختلاف في صحته بسبب ابن لهيعة ، والله أعلم” قلت: وحسنه الذي ذكره الهيثمي فيما سبق فهو من جهة السند على رأيه في ابن لهيعة، والعلل التي ذكرها ابن قدامة واضحة في إسقاطه عن الاحتجاج به، والله أعلم.. وراجع المغني لابن قدامة ، ج3 ص 68 .
فتاوى الصيام · · سأل: من كتاب «سؤالات الصائمين» — مسائل القضاء والكفارة
كان على أبي رحمه الله صوم أيام من رمضان لمرض أصابه في شهر رمضان، وقبل أن يقوم بقضاء تلك الأيام عاجَلَه الموت رحمة الله عليه، فهل عليه هو شيءٌ؟ وهل علينا نحن أبناؤه وأهله شيء؟.
جواب فضيلة الشيخ
من مات وعليه قضاء رمضان كله أو بعضه فله حالتان:
الحالة الأُولَى: أن يكون معذوراً في إفطاره أيام رمضان، ودام عذره حتى مات، مثل رجل مرض أياماً من رمضان فأفطر فيها حتى خرج رمضان فاستمر مرضه حتى مات به.
فهذا حكمه أنه معذور حتى عن القضاء ، فلا شيء عليه، ولا على أهله وأبنائه وورثته ، لأن سبب الرخصة كان قائماً ـ وهو المرض أو السفر أو الحمل أو الرضاع ـ فلم يكن مطالباً بصوم أصلاً لا أداءً ولا قضاءً .
وهذا قول أكثر أهل الفقه سوى ما حُكي عن طاوس وقتادة رحمهما الله فإنهما قالا: ” يجب الإطعام عنه لأنه صوم واجب سقط بالعجز عنه فوجب الإطعام عنه كالشيخ الهرم إذا ترك الصيام لعجزه عنه”(1)
قلت: القياس على الشيخ الهرم قياس مع الفارق ، لأن الشيخ الهرم ما زال حياً فعليه الصوم أو الفدية، وصاحب المسألة قد مات والميت لا يكلّف.
الحالـة الثانية: أن يتمكن من القضاء بعد رمضان ولكنه لم يقض ما عليه حتى مات.
ففي حكم هذه الحالة ذهب العلماء إلى مذاهب:
المذهب الأول: أن يصوم عنه وليه ، وهو قول الشافعي في القديم ووافقه أبو ثور ، لحديث عائشة أن النبي ﷺ قال: (من مات وعليه صيام صام عنه وليّه ) (2).
والمذهب الثاني: أن على ورثته أن يطعموا عن كل يوم مسكيناً ولا صيام على أوليائه وورثته، وهو قول الحنابلة والشافعي في الجديد وهو مختار المذهب عندهم، ووافقهما الليث والأوزاعي والثوري وغيرهم، وقد أخذوا بحديث ابن عمر في سنن ابن ماجة مرفوعاً: ( من مات وعليه صيام شهر فليطعم عنه مكان كل يوم مسكيناً) (3).
والمذهب الثالث: أنّه لا شيء على أهله وأوليائه وورثته لا صيام عنه ولا إطعام ، إلاّ إذا وصّى بالإطعام عنه مكان أيامه التي كانت عليه؛ أطعم عنه ورثته عن كل يوم مسكيناً.
ودليلهم الجمع بين الحديث والقرآن والقياس، فالقياس أن العبادات البدنية الأصل فيها عدم النيابة ، فلا يصلي أحد عن أحد ولا يتوضأ أحد عن أحد ، فكذلك لا يصوم أحد عن أحد ، وقد روي هذا عن ابن عباس رضي الله عنهما فقال :” لا يصوم أحد عن أحد”(4).
قال ابن عبد البر: “من المجتمع عليه في الصلاة أنه لا يصلي أحد عن أحد، والقياس عليه يقتضي أن لا يصوم أحد عن أحد ، لأن الصلاة عمل بدن كالصوم ، فلا يصوم أحد عن أحد كما لا يصلي أحد عن أحد “(5)
وعن مالك أنه قال» ولم أسمع أن أحداً من أصحاب رسول الله ﷺ ولا من التابعين من المدينة أمروا أحداً أن يصوم عن أحد، ولا يصلي أحد عن أحد، وإنما يفعل ذلك كل أحد عن نفسه «اهـ (6).
والقرآن يقرر هذا المعنى في قوله تعالى (7)، فإيجاب الصيام أو الإطعام على وليه تحميل له ما على غيره، وقوله تعالى (8) والصيام عنه سعي غيره وليس بسعيه ، فليس له(9).
وبالجمع بين هذه الآيات والقياس السابق وبين حديث عائشة ( من مات وعليه صيام صام عنه وليه ) وما روي عن عائشة فقد قالت وقد سئلت عن امرأة ماتت وعليها صوم ، فقالت: أطعموا عنها.
قال الشاطبي رحمه الله : » فهذا إخبار بترك العمل دائماً في معظم الصحابة ومن يليهم وهو الذي عول عليه في المسألة، كما أنه عوّل عليه في جملة عمله « ا هـ (10)
والمعروف عند أهل الفقه أن الجمع أولى من الترجيح ، فكان قول مالك وأبي حنيفة هو الراجح ، فليس على أهل من مات وعليه صيام شيءٌ، لا من صيام ولا من إطعام، ولكنهم ـ مع ذلك ـ لو عملوا بظاهر الحديثين ـ حديث عائشة وحديث ابن عمر ـ فصاموا عنه أو أطعموا عنه فلا مانع، إذ فيه موافقة لظاهر حديث صح عن النبي ﷺ، ولكن لا إلزام عليهم بذلك.
والله تعالى أعلم ..
الحواشي
راجع : المجموع شرح المهذب ، ج6 ص 388 وما بعدها ، المغني لابن قدامة ، ج3 ص 84 – 85 ، الاختيار لتعليل المختار، ج1 ص 173-174 . الغاية القصوى في دراية الفتوى للبيضاوي ، ج1 ص 415-417، بداية المجتهد ونهاية المقتصد ، ج2 ص 174-175 .
أخرجه البخاري ، كتاب الصوم ،باب من مات وعليه صوم ، برقم 1952 :ج4 ص192 بفتح الباري، ومسلم كتاب الصيام، باب قضاء الصيام عن الميت ، حديث رقم 153 :ج 7 ص 265 بشرح النووي . وأبو داود كتاب الصوم ، باب فيمن مات وعليه صيام ، حديث رقم 2400 :ج2 ص 315.
أخرجه ابن ماجة في كتاب الصيام باب من مات وعليه صيام رمضان برقم 1757 ، ج1 ص 558 . وقال الترمذي : الصحيح أنه موقوف على ابن عمر.
الموافقات نفسه :ج 3 ص 40 ، والاستذكار :ج10 ص 168 السنن الكبرى للبيهقي:ج4، ص 257.
فتاوى الصيام · · سأل: من كتاب «سؤالات الصائمين» — مسائل القضاء والكفارة
عليّ أيام من شهر رمضان أفطرت فيها لمرض ألمّ بي، وأريد أن أقضيها، فهل واجب عليّ أن أقضيها متتابعة ؟ أم يمكنني أن أقضي هذه الأيام متفرقة يوماً أو يومين ، ثم بعد أيام أو بعد أسبوع ، أو بعد شهر أو شهرين أقضي يومين وهكذا حتى أقضيها جميعها؟.
جواب فضيلة الشيخ
[1] ذهب أكثر أهل العلم من السلف الصالح والمذاهب الفقهية المشهورة إلى أنّ قضاء رمضان يجوز متتابعاً ويجوز متفرقاً ولكن القضاء متتابعاً أحسن، وهو قول الأئمة الأربعة وإسحاق بن راهويه وأبي ثور وسفيان الثوري والأوزاعي، ومن التابعين: الحسن البصري وسعيد بن المسيب وعبيدالله بن عبد الله بن عتبة والشعبي وأبي قلابة ومجاهد وغيرهم. وسبقهم إلى ذلك جماعة من الصحابة رضوان الله عليهم ومنهم: علي بن أبي طالب ، وابن عباس ، وأنس بن مالك ، وأبو هريرة ، ومعاذ بن جبل وغيرهم.(1).
[2] وقال الظاهرية : يجب أن يقضيها متتابعة ويجزئه القضاء متفرقاً إن لم يفعله متتابعاً (2)، وحكي عن بعض السلف من الصحابة والتابعين منهم: ابن عمر وعائشة وعروة بن الزبير والنخعي(3).
[3] وحكي عن الطحاوي أنه قال:”التتابع والتفريق سواء، ولا فضيلة في التتابع”(4).
والراجـح :
ما ذهب إليه الجمهور ، فقضاء رمضان يجوز أن يكون متتابعاً ويجوز أن يكون متفرقاً، فلا يأثم من قضى ما عليه من رمضان متفرقاً ، ولكن يستحب لمن أراد القضاء أن يقضي ما عليه متتابعاً وذلك للأدلة الآتية:
[1] ظاهر قوله تعالى: (5).والدلالة على جواز التتابع والتفرق في موضعين من الآية الكريمة:
الموضع الأول: في قوله عز وجل: وهذا مطلق غير مقيّد بتتابع أو غيره، فجاز التفرق كما يجوز التتابع.
الموضع الثاني: في قوله سبحانه: ومقتضى اليسر أن يقضي من عليه القضاء بما هو أيسر عليه، فمن رأى أن اليسر له أن يفرق القضاء، فله ذلك .
ومن جميل ما روي في هذا المعنى قول أبي عبيدة بن الجراح رضي الله عنه ، فقد قال في قضاء رمضان: ” إنّ الله لم يرخّص لكم في فطره وهو يريد أن يشقّ عليكم في قضائه “(6).
[2] ما روي عن النبي ﷺ في ذلك، فعن صالح بن كيسان قال: قيل: يا رسول الله! رجل كان عليه قضاء من رمضان فقضى يوماً أو يومين منقطعين أيجزيء عنه؟ فقال رسول الله ﷺ:( أرأيت لو كان عليه دين فقضاه درهما ودرهمين حتى يقضي دينه أترون ذمته برئت؟ قالوا: نعم. قال: يقضي عنه ) وعن محمد بن المنكدر قال بلغني ثم أن رسول الله ﷺ سئل عن تقطيع قضاء صيام شهر رمضان فقال:(ذلك إليك، أرأيت لو كان على أحدكم دين فقضى الدرهم والدرهمين ألم يكن قضاء؟ فالله أحق أن يعفو أو يغفر)(7).
[3] أنه قول جماهير الصحابة رضوان الله عليهم ، ومن نسب إليه القول بوجوب التتابع فإنه لم يثبت ذلك.
فعليٌّ رضي الله عنه روي عنه القول بجواز التفريق كما روي عنه القول بالتتابع، فقد أخرج البيهقي في سننه عن عليّ أنه كان لا يرى به متفرقاً بأساً(8).
وابن عمر رضي الله عنهما روي عنه القول بجواز التفريق كما روي عنه القول بالتتابع، فقد روي عنه قوله: ” إن سافر فإن شاء فرّق وإن شاء تابع”(9).
والنسبة إلى عائشة غير محققة ، لأنهم إنما نسبوا القول بوجوب التتابع إليها لقولها: ” نزلت فعدة من أيام أخر متتابعات ، فسقطت متتابعات” (10).فهذا الخبر لا يثبت ولا يصح ، ولو صح؛ فإنها ذكرت أن التتابع قد نُسخ وسقط، فلم يعد مطلوباً.
وعلى هذا فالراجح أن الأمر على السعة بسعة رحمته تعالى ومقتضى تيسيره على أهل الصيام أداءً أو قضاءً ، فله الحمد والمنّة الرحيم الرحمان.
أنا أسافر كثيراً، فوافق في إحدى المرات أن سافرت في رمضان، وفي هذه السفرة تحيرتُ؛ هل يصح لي أن أصلي التراويح في السفر أم لا؟ ولم أجد جواباً شافياً، أرجو توضيح هذه المسألة؟.