الإثنين 24 أغسطس 2026م
الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ

الرئيسية ← الفتاوى

الفتــاوى

فتاوى فضيلة الشيخ في العبادات والمعاملات المالية والنوازل المعاصرة — ولمن أراد أن يسأل، فباب الاستفتاء مفتوح.

س

من أفطر في رمضان متعمداً

فتاوى الصيام · · سأل: من كتاب «سؤالات الصائمين» — مسائل القضاء والكفارة

ابن عم لنا كلما يهل علينا شهر رمضان المبارك من كل عام يبدأ الصيام، ثم بعد يوم أو يومين نجده قد أفطر دون عذر أو سبب لا مرض أو سفر ولا غيره، وإذا سألناه لماذا أفطر؟ قال: تعبت من الصيام، فما حكمه؟.

جواب فضيلة الشيخ

أولاً: إنّ على من أفطر يوماً من رمضان عامداً مختاراً من غير سبب مبيح له أن يفطر به؛:

1ـ الإثم، ما دام الصيام واجباً، ويكون بذلك عاصياً فاسقاً..

2ـ أنّ صيامه قد فسد وبطل بفطره المتعمد.

3ـ أنّه لا يجوز له الأكل والشرب وتناول المفطرات بقية يومه، بل يجب عليه الإمساك عن كل مفطر، ولو قد أفطر وأفسد صومه، فيحرم عليه كل ما يحرم على الصائم، لأنه عاصٍ بفطره متعمداً، فإنْ أكل أو شرب واستمر في فطره ولم يمسك؛ زاد إثماً وفسقاً.

هذا ما عليه جماهير الفقهاء إلا ما رُوي عن الحسن وعطاء بأنّ له أن يفطر(1).

ثانياً: اتفق العلماء على أنّ من أفطر بالجماع متعمداً غير ناسٍ ولا جاهل؛ أنّ عليه القضاء والكفارة، لورود النصّ الصحيح عن رسول الله ﷺ فيه: ففي البخاري عن أمنا عائشة ، قالت: ” إن رجلاَ أتى النّبي ﷺ فقال: “إنه احترق” قال: مالك؟ قال: ” أصبت أهلي في رمضان” فأتي النبي ﷺ بمكتل يدعى العرق، فقال: (أين المحترق؟) قال أنا قال: (تصدق بهذا).

وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: ” بينما نحن جلوس عند النبي ﷺ إذ جاءه رجلٌ فقال: يا رسول الله هلكت، قال: ما لك؟. قال: “وقعت على امرأتي وأنا صائم!” ، فقال رسول الله ﷺ: هل تجد رقبة تعتقها؟ قال : لا، قال: فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين؟ قال: لا. فقال: فهل تجد إطعام ستين مسكيناً؟. قال: لا. قال أبو هريرة: فمكث النبي ﷺ، فبينا نحن على ذلك أُتِيَ النبيّ ﷺ بعرق فيها تمر – والعرق المكتل- قال: أين السائل؟ فقال: أنا. قال: خذها فتصدق به. فقال: الرجل أعلى أفقر مني يا رسول الله؟ فوالله ما بين لابتيها – يريد الحرتين – أهل بيت أفقر من أهل بيتي فضحك النبي ﷺ حتى بدت أنيابه ثم قال: ( أطعمه أهلك)(2). وفي رواية ابن ماجة: ( وصم يوماً مكانه)(3).

وقد نقل الإجماع على وجوب الكفارة بالفطر بالجماع عمداً ابن هبيرة في الإفصاح(4).

ثالثاً: أما من أَفْطَر يوماً من رمضان بغير الجماع متعمداً فقد اختلف فقهاؤنا الكرام في حكمه اختلافاً كبيراً ، فمنهم من يرى أنه ليس عليه قضاء ولا كفارة وأن أمره إلى الله إن شاء عذبهوإن شاء غفر له، ومنهم من يرى أنّ عليه القضاء مكان اليوم الذي أفطره ولا كفارة تلزمه، ومنهم من يرى أنّ عليه الكفارة مثل كفارة الظهار، ومنهم من يرى أنّ عليه القضاء والكفارة بصيام شهرين متتابعين مكان كل يوم أفطره متعمداً، ومنهم من يرى أن عليه صيام شهر عن كل يوم أفطر فيه متعمداً، ومنهم من يرى أنّ عليه صيام اثني عشر يوماً عن كل يوم تعمد في فطره، ومنهم من رأى أن عليه صوم ثلاثة آلاف يوم عن كل يوم، وهكذا..

أما القول الأول: فهو الذي عليه الظاهرية(5)، وهو ظاهر ما رُوي عن عليّ وابن مسعود وأبي هريرة : أنّه لا يجزيه قضاء ولا كفارة..

أما عليّ رضي الله عنه فقد روى عَرْفَجَةُ عَنْ عَلِيٍّ رضي الله عنه أنّه قَالَ: “مَنْ أَفْطَرَ يَوْمًا مِنْ رَمَضَانَ مُتَعَمِّدًا ، لَمْ يَقْضِهِ أَبَدًا طُولَ الدَّهْرِ”(6).

وأما أبو هريرة فقد ذكر الإمام البخاري في صحيحه عنه قال: “ويذكر عن أبي هريرة رضي الله عنه رفَعَهُ: “من أفطر يوماً من رمضان من غير عذر ولا مرض، لم يقضه صيام الدهر وإن صامه”.. وجاءه رجل قد أفطر في شهر رمضان فسأله فقال أبو هريرة: ” لا يقبل منه صومُ سنة”(7).

وأما ابن مسعود رضي الله عنه فعند البيهقي والطبراني أنه قال: ” من أفطر يوماً من رمضان من غير علة؛ لم يجزه صيام الدهر حتى يلقى الله، فإن شاء غفر له وإن شاء عذبه”. وفي رواية: ” من أفطر يوماً من رمضان متعمداً من غير علة ثم قضى طول الدهر لم يُقبل منه”(8).

وقد وجّه بعض العلماء هذا بأنّه قيل على سبيل الإنذار والتهديد والوعيد الشديد وما وقع هذا المفْطِر فيه من الإثم وفوات الأجر، قال في شرح السنة معلقاً على حديث أبي هريرة : “هذا على طريق الإنذار والإعلام بما لحقه من الإثم وفاته من الأجر، فالعلماء مجمعون على أنه يقضي يوما مكانه”)9).

أما القول الثاني: فهو الذي عليه الشافعية والحنابلة وأهل الظاهر، أنّ حكمه قضاء اليوم الذي أفطره، ولا كفارة عليه، وفرّقوا بين تعمّد الفطر بالجماع وتعمّد الفطر بغيره بالأكل أو الشرب أو سواهما. فقالوا: من أفطر بغير الجماع عامداً فعليه القضاء. وهو قول سعيد بن جبير والشعبي، قالا: ” يصوم يوماً مكانه ويستغفر الله”(10).

والقول بوجوب القضاء نقل الإجماع عليه في شرح السنة، قال: “فالعلماء مجمعون على أنه يقضي يوماً مكانه”(11). ولكن حصر الحكم على القضاء فقط لم يتفق عليه.

ودليل هذا القول القياس على المستقيء عامداً، في حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: ( من ذرعه القيء فليس عليه قضاء ومن استقاء فعليه القضاء)(12). ووجه الدلالة أنّ من استقاء فقد أفطر عامداً، لكنه لم يكن فطره بالجماع، فلم تجب عليه الكفارة، وهذا يعني أنّ كل مفطر عمداً بغير الجماع لا كفارة عليه.

وأما القول الثالث: أنّ عليه صيام اثني عشر يوماً مكان كل يوم، وهو المحكي عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن رحمه الله، قال: ” من أفطر يوماً من رمضان قضى اثني عشر يوماً، لأنّ الله جل ذكره اختار شهراً من اثني عشر شهراً، فعليه أن يقضي بدلاً من كل يوم اثني عشر يوماً”. فأجاب الشافعي رحمه الله عن حجته فقال: “يلزمه أن يقول: من ترك الصلاة ليلة القدر أن يقضي تلك الصلاة ألف شهر، لأنّ الله عز وجل يقول:آية كريمة من كتاب سؤالات الصائمين ” (13((14).

وأما القول الرابع: فهو الذي ذهب إليه سعيد بن المسيب رحمه الله: أنّ من أفطر يوماً متعمداً يصوم شهراً، مستدلاً بما رواه أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ:« مَنْ أَفْطَرَ يَوْمًا مِنْ رَمَضَانَ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ فَعَلَيْهِ صِيَام شَهْرٍ » وقد أخرجه الدارقطني في السنن وضعّفه لضعف مَنْدَل بن عليّ(15).

وأما القول الخامس: فهو الذي ذهب إليه إبراهيم النخعي ووكيع رحمهما الله تعالى، أنّ عليه صيام ثلاثة آلاف يوم(16). ولم أقف لهذا القول على دليل ولم يظهر لنا وجه.

أما القول السادس: فهو الذي ذهب إليه الجمهور: أبو حنيفة وأصحابه ومالك وأصحابه وسفيان الثوري وابن المبارك واسحاق بن راهويه والحسن وعطاء والزهري والأوزاعي وأبو ثور وهو قول محمد بن جرير الطبري، أنّ عليه القضاء والكفارة(17). وهو الذي كان يفتي به ابن عباس رضي الله عنهما، فقد سأل أيفعُ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ عَمَّنْ أَفْطَرَ فِي رَمَضَانَ قَالَ : “كَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَقُولُ: “مَنْ أَفْطَرَ فِي رَمَضَانَ فَعَلَيْهِ عِتْقُ رَقَبَةٍ ، أَوْ صَوْمُ شَهْرٍ ، أَوْ إِطْعَامُ ثَلاَثِينَ مِسْكِينًا “(18). غير أنّه خفّف عليه بدل صيام الشهرين جعله شهراً وبدل إطعام الستين جعله لثلاثين.

والراجح من هذه الأقوال فيما ظهر لنا قول من يرى وجوب القضاء والكفارة عليه، وذلك للآتي:

أولاً: حديث أبي هريرة رضي الله عنه عند الدارقطني أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ: أَمَرَ الَّذِي أَفْطَرَ يَوْمًا مِنْ رَمَضَانَ بِكَفَّارَةِ الظِّهَارِ”(19).

وأمره عليه الصلاة والسلام يقتضي الوجوب، فأوجب على من أفطر الكفارة، والكفارة هي كفارة الظهار، وتكون بتحرير الرقبة، أوصيام شهرين متتابعين، أوإطعام ستين مسكيناً، كما جاءت في آيات المجادلة(20). فالحنفية على الترتيب بين الكفارات الثلاث، والمالكية على التخيير بينها.

ثانياً: خبر مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ الْقُرَظِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنَّ رَجُلاً أَكَلَ فِي رَمَضَانَ فَأَمَرَهُ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يَعْتِقَ رَقَبَةً أَوْ يَصُومَ شَهْرَيْنِ أَوْ يُطْعِمَ سِتِّينَ مِسْكِينًا(21).

وهذا نصٌّ في الفطر بالأكل، ووجوب الكفارة إنْ صح الخبر.

ثالثاً: القياس على خبر الأعرابي الذي جاء إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله هلكت، قال: ما لك؟. قال: “وقعت على امرأتي وأنا صائم!” ، فقال رسول الله ﷺ: هل تجد رقبة تعتقها؟ قال : لا، قال: فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين؟ قال: لا. فقال: فهل تجد إطعام ستين مسكيناً؟. قال: لا. قال أبو هريرة: فمكث النبي ﷺ، فبينا نحن على ذلك أُتِيَ النبيّ ﷺ بعرق فيها تمر – والعرق المكتل- قال: أين السائل؟ فقال: أنا. قال: خذها فتصدق به. فقال: الرجل أعلى أفقر مني يا رسول الله؟ فوالله ما بين لابتيها – يريد الحرتين – أهل بيت أفقر من أهل بيتي فضحك النبي ﷺ حتى بدت أنيابه ثم قال: ( أطعمه أهلك)(22). وفي رواية ابن ماجة: ( وصم يوماً مكانه)(23).

والعلة الجامعة فيه انتهاك حرمة نهار رمضان بفطر من غير عذر أو سبب مبيح للفطر؛ أنه تجب عليه الكفارة، دون نظر لما انتهك به حرمة الشهر.

والفطر قد يقع بالأكل أو بالشرب أو بالجماع أو بغير ذلك؛ والجامع بينها أنه بأيِّها يفطر؛ يفطر عامداً قاصداً مختاراً، فالمعنى أنه أفطر متعمداً منتهكاً لحرمة رمضان، وهو العلة الجامعة بين من أفطر بجماع وبين من أفطر بغيره دون سبب مبيح للفطر.

رابعاً: الأخبار الواردة بإطلاق الفطر دون تقييد له بجماع أو أكل أو شرب، ومنها:

1ـ خبر الزُّهْرِيّ عن حُمَيد ، عَن أبي هُرَيرة رضي الله عنه أن رجلاً قال : “يا رَسولَ اللهِ! أفطرت يوماً في شهر رمضان”. قال : (أعتق رقبة)(24).

2ـ خبر الموطأ عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رجلاً أفطر في رمضان، فأمره رسول الله ﷺ أن يكفِّر بعتق رقبة أو صيام شهرين متتابعين، أو إطعام ستين مسكيناً” الحديث(25).

3ـ خبر عَائِشَةَ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ قَالَتْ : جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللهِ ، إِنِّي احْتَرَقْتُ ، فَسَأَلَهُ مَا لَهُ ؟ فَقَالَ: أَفْطَرْتُ فِي رَمَضَانَ ، ثُمَّ جَلَسَ فَأُتِيَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمِكْتَلٍ عَظِيمٍ يُدْعَى الْعِرْقَ فِيهِ تَمْرٌ ، فَسَأَلَ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ الرَّجُلِ ، فَقَالَ : أَيْنَ الْمُحْتَرِقُ ؟ فَقَامَ الرَّجُلُ إِلَيْهِ ، فَقَالَ : تَصَدَّقْ بِهَذَا) (26).

4ـ حديث عائشة قالت : أتى رجل إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم فقال : يا رسول الله قد احترقت فسأله ماله ؟ قال : أفطرت في رمضان ثم إنه جلس فأتى بمكتل عظيم يدعى العرق فيه تمر فقال : أين المحترق؟ فقام الرجل فقال : (تصدق به) (27).

5ـ حديث ابن عمر رضي الله عنهما قال : جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه و سلم قال : إني أفطرت يوما من رمضان. قال : من غير عذر ولا سفر ؟ قال : نعم قال : بئس ما صنعت ! قال : أجل فما تأمرني؟ قال : أعتق رقبة. الحديث(28).

6ـ حديث عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ أَبِيهِ رضي الله عنه أَنَّهُ قَالَ جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ أَفْطَرْتُ يَوْمًا مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ مُتَعَمِّدًا فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: (أَعْتِقْ رَقَبَةً أَوْ صُمْ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ أَوْ أَطْعِمْ سِتِّينَ مِسْكِينًا)(29).

ووجه الدلالة من هذه الأخبار:

أ ـ أننا نجد فيها كلها السائلَ يخبر النبي ﷺ أنه أفطر يوماً من رمضان متعمداً، ولم يفصّل بم أفطر، وقضى رسول الله ﷺ عليه بالكفارة. فكان الجامع بين هذه الروايات أنّ من أفطر يوماً من رمضان من غير عذر ولا سفر أنّ عليه الكفارة.

ب ـ أنّ العلة من إيجاب الكفارة هي انتهاك حرمة رمضان بتعمد الفطر، ويظهر ذلك من قول السائل: ” أفطرت يوماً في رمضان” ومن خبر أبي هريرة: ” أنّ رجلاً أفطر في رمضان فأمر رسول الله ﷺ أن يكفّر” ومن سؤال النبي ﷺ للسائل في خبر ابن عمر: ( من غير عذر ولا سفر؟)، فكان مناط الحكم: (أَعْتِقْ رَقَبَةً).

ج ـ أنّ حديث الموطأ بلفظ: ” أنّ رجلاً أفطر من رمضان” وإنْ كان مجملاً، والمجمل ليس له عموم ـ كما أجاب مانعي الكفارة ـ إلاّ أنه مما لم يستفصل فيه النبي ﷺ عن سبب الفطر أو بماذا أفطر، ولو كان سبب الفطر أو ما أفطر به مؤثراً في الحكم لاستفصله رسول الله ﷺ، ولهذا نُزِّل منزلة العموم، فشملته وَحَكَمَتْهُ القاعدة الأصولية: ” ترك الاستفصال في حكاية الحال مع قيام الاحتمال ينزّل منزلة العموم من المقال”.

وكما يقول الخطيب البغدادي رحمه الله في كتاب الفقيه والمتفقه، وهو من أئمة الشافعية: “اللفظ الوارد على سبب، لا يجوز إخراج السبب منه، لأنه يؤدي إلى تأخير البيان عن وقت الحاجة إليه، وذلك لا يجوز، وهل يدخل فيه غيره أم لا؟ ينظر فإن كان اللفظ لا يستقل بنفسه كان ذلك مقصورا على ما فيه من السبب، ويصير الحكم مع السبب كالجملة الواحدة فإن كان لفظ السائل عاماً، مثل: إن قال: أفطرت، وذلك في رمضان، فأجابه بأن قال: أعتق، حمل الجواب على العموم في كل مفطر بأي سبب كان الفطر، كأنه قال: من أفطر فعليه العتق من جهة المعنى لا من جهة اللفظ، وذلك أنه لما لم يستفصل؛ دل على أنه لا يختلف الحكم، ولما نقل السبب وهو الفطر، فحكم فيه بالعتق صار كأنه علل بذلك، لأن السبب في الحكم تعليل وإن كان لفظ السائل خاصاً” (30).

خامساً: حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: (من أفطر في رمضان ناسياً فلا قضاء عليه ولا كفارة)(31). والمفهوم: أنّ من أفطر غير ناسٍ عامداً قاصداً؛ عليه القضاء والكفارة، فلو كان الذي يفطر عامداً غير ناسٍ ليس عليه إلاّ القضاء؛ لاكتفى الشارع بنفي القضاء عليه، ولكن لمّا نفَى مع القضاء الكفارة عليه؛ فُهم أنّ من أفطر عامداً عليه الكفارة مع القضاء، وهي دلالة واضحة على حكم من أفطر متعمداً في رمضان.

سادساً: وفوق ما ذُكر، فإن الأنسب لمتعمّد الفطر في نهار رمضان انتهاكاً لحرمته أنّ توجب عليه مع القضاء كفارة لسببين:

السبب الأول: أنّه بدونها يستوي المتعمّد المنتهك حرمة الشهر مع الناسي والمخطئ والجاهل في الحكم، وهذا ظاهر في الشرع والعقل.

والسبب الثاني: أنّ الكفارات إنما شُرعت للزجر والستر والتكفير، فإنّ الكفارة مأخوذة من التكفير وهو التستير، لأنها تستر الذنب وتغطيه، كما يقول الشوكاني في تفسيره، وهي الفعلة التي من شأنها أنْ تكفّر الخطيئة وتسترها، كما قال أبو السعود والنسفي في تفسيرهما(32).

فإنْ شُرعت الكفارات للزجر، فالذي أفطر بالأكل والشرب عمداً مستحق للزجر، والذي أفطر بالجماع عمداً مستحق للزجر، إذ كلاهما عاصٍ بفطره منتهك لحرمة الشهر، وليس المفطر بالجماع وحده هو العاصي.

وإنْ شُرعتْ الكفارات للتكفير والستر، فإنّ الذي أفطر بالأكل أو الشرب محتاجٌ لتكفير ذنبه ومعصيته كما أن المفطر بالجماع محتاجٌ كذلك لتكفير ذنبه ومعصيته.

وقياس من نفى الكفارة على المستقيء من حديث: ( من ذرعه القيء فلا شيء عليه، ومن استقاء فعليه القضاء)(33). لا يكفي ولا يفي لنفي الكفارة عمن أفطر متعمداً بثلاثة وجوه:

الوجه الأول: أنّ كثيراً من العلماء فرّقوا بين من استقاء هكذا ومن استقاء عامداً فأوجبوا الكفارة على من استقاء عامداً دون الآخر، كالإمام أبي بكر الأبهري وابن الماجشون والقاضي عبد الوهاب أبو الفرج المالكي وغيرهم، وبعض الأئمة أوجبوا على المستقيء القضاء والكفارة كعطاء والأوزاعي وأبي ثور، وهذا موافق لمذهب من أوجب الكفارة، فلا يفي هذا القياس بمطلوبهم(34).

الوجه الثاني: أنّ المستقيء في معنى المكره، والقيء والاستقياء غالباً لا يكون إلا لمرض أو شبهه، فيلحق المستقيء بالمريض لا المتعمد، فغالباً ما يكون سببه المرض خفّ أو ثقل، فإما أن يقيء وإما أنْ يعجز عن القيء فيشق عليه الحال مشقة زائدة تضطره إلى الاستقاء، وهذا هو المعروف المشاهد الواقع، فالمناسب له القضاء كالمفطر مكرهاً، وكالمفطر لمرض. وقد وجدت لابن الماجشون اعتبار ذلك بعد أن قررته قال: ” من استقاء من غير مرضٍ متعمداً فعليه القضاء والكفارة”(35).

الوجه الثالث: أنّه قياس مع الفارق، والفارق أنّهما متعاكسان، فالقيءإخراج للطعام أو الشراب، والأكل والشرب إدخال لهما، وقد نبّه إلى هذا المعنى أبو هريرة رضي الله عنه حين قال: ” إذا قاء فلا يفطر، إنما يُخرج ولا يولج” كما في صحيح البخاري(36).

وهكذا نجد أنّ على من أفطر متعمداً دون عذر أو رخصة أو سبب مبيحٍ القضاء والكفارة . والله تعالى أعلم..

الحواشي

  1. راجع: المحلى لابن حزم ج4 ص 384.
  2. أخرجه البخاري في صحيحه برقم 1935 ـ 1936،
  3. أخرجه ابن ماجة في السنن برقم 1671.
  4. الإفصاح عن معاني الصحاح، لابن هبيرة، ج1 ص 204.
  5. راجع: المحلى بالآثار لابن حزم، ج4 ص 309وما بعدها.
  6. مصنف ابن أبي شيبة ج3 ص 106 برقم 9878.
  7. النسائي في السنن الكبرى، برقم 3271.
  8. البيهقي في السنن الكبرى برقم 7856. والطبراني في الكبير برقم 9459.
  9. شرح السنة للبغوي، ج6 ص 290.
  10. معرفة الآثار والسنن للبيهقي، ج6 ص ص268، برقم 2613. ويراجع: المغني لابن قدامة، ج3 ص 133، المجموع شرح المهذب للنووي، ج6 ص 339، المحلى لابن حزم ج4 ص 384.وفتح الباري لابن حجر، ج4 ص 190 وما بعدها.
  11. شرح السنة للبغوي ج6 ص 290. ونقل الإجماع هذا يناقض القول الأول. والعلم عند الله.
  12. سبق تخريجه في أقضية المرض في مسألة القيء للصائم. وراجع الاستذكار لابن عبد البر ج10 ص 103، بدائع الصنائع ج2 ص 92، الهداي مع البناية ج3 ص 317ـ 319، الأم للشافعي ج5 ص 106، المجموع ج6 ص 279، والحاوي الكبير للماوردي ج3 ص 419، المغني لابن قدامة ج3 ص 117، كشاف القناع ج2 ص 371.
  13. سورة القدر الآية 3 .
  14. راجع: معرفة السنن والآثار للبيهقي ج6 ص 269 برقم 2614.
  15. سنن الدارقطني برقم 2335، ج6 ص 89.
  16. انظر: المغني لابن قدامة، ج3 ص 131.
  17. انظر: بداية المجتهد، ج2 ص 179-180، القوانين الفقهية، لابن جزي ص 83، مواهب الجليل ج2 ص 387، البناية شرح الهداية ج4 ص 53، العناية شرح الهداية ج3ص 293، المجموع شرح المهذب ج6 ص 330، فقه الأوزاعي ج1 ص 389،الاستذكار لابن عبد البر ج10 ص 100، سنن الترمذي ج3 ص 102.
  18. السنن الكبرى للنسائي حديث رقم 9069، ج8 ص 234.وبرقم 9118.
  19. أخرجه الدارقطني في سننه برقم 2306، ج3 ص 167.
  20. الآيات: 3 و4 .
  21. أخرجه الدارقطني برقم 2308.
  22. أخرجه البخاري في صحيحه برقم 1935 ـ 1936،
  23. أخرجه ابن ماجة في السنن برقم 1671.
  24. مسند البزار برقم 8074.
  25. موطأ الإمام مالك حديث رقم 620
  26. السنن الكبرى للنسائي برقم 3099.
  27. مسند أبي يعلى حديث رقم 4663. وقال المحقق حسين سليم أسد: إسناده صحيح.
  28. مسند أبي يعلى حديث رقم 5725. قال حسين أسد: رجاله ثقات.
  29. سنن الدارقطني حديث رقم 2396، والطبراني في المعجم الكبير برقم752.
  30. كتاب الفقيه والمتفقه للخطيب البغدادي، ج1 ص 113.
  31. أخرجه البيهقي في السنن الكبرى برقم 7863، والدارقطني في السنن برقم 2266، وابن حبان في صحيحه برقم 3521، وصححه الحافظ ابن حجر في بلوغ المرام أنظره بشرح سبل السلام، ج2 ص 660، وحسنه الألباني في صحيح الجامع برقم 6070وشعيب الأرناؤوط في صحيح ابن حبان ج8 ص 287.
  32. فتح القدير للشوكاني ج2 ص 351، تفسير أبي السعود ج2 ص 284، تفسير النسفي ج1 ص 304.
  33. سبق تخريجه في أقضية المرض في مسألة القيء للصائم. وراجع الاستذكار لابن عبد البر ج10 ص 103، بدائع الصنائع ج2 ص 92، الهداي مع البناية ج3 ص 317ـ 319، الأم للشافعي ج5 ص 106، المجموع ج6 ص 279، والحاوي الكبير للماوردي ج3 ص 419، المغني لابن قدامة ج3 ص 117، كشاف القناع ج2 ص 371.
  34. راجع: المسالك في شرح موطأ مالك لابن العربي ج4ص225، وحاشية العدويي، ج1 ص 447، وفتح الباري لابن حجر، ج4 ص 206. وقد أتى الحافظ بخلاف ما نقله ابن العربي في المسالك عن الأبهري في إيجاب الكفارة عن المستقيء عمداً ، ففي المسالك:”قال أبوبكر الأبهري: إن استقاء عامداً فعليه الكفارة” وفي الفتح قال الحافظ:” واستدل الأبهري بإسقاط القضاء عمن تقيأ عمداًبأنه لا كفارة عليه على الأصح عندهم”. وابن العربي أعرف بأقوال أئمة المذهب. والله أعلم.
  35. انظر: حاشية العدوي، ج1 ص 447.
  36. صحيح البخاري ج4 ص 205، بشرح فتح الباري.
أ.د. عبدالله الزبير عبدالرحمن
س

الجماع في نهار رمضان وخصال الكفارة

فتاوى الصيام · · سأل: من كتاب «سؤالات الصائمين» — مسائل القضاء والكفارة

في يوم من أيام رمضان وأنا صائم زادت رغبتي في إتيان أهلي، وثارت شهوتي ولم أستطع أن أصبر حتى الليل فأتيت أهلي في نهار رمضان، وأنا أعلم أن من فعل مثل هذا عليه القضاء والكفارة، فكيف أكفر وبماذا أكفر؟.

جواب فضيلة الشيخ

الكفارات شرعت في الإسلام للزجر عن تعدي حدود الله ، وانتهاك حرمات الدين، ففي الصيام شُرعت الكفارة للزجر عن انتهاك حرمة الصيام لا سيما في رمضان حتى لا تنتهك حرمة نهار رمضان، عقوبة لمن يفعل ذلك. ولا شكّ أن السائل انتهك حرمة نهار رمضان بفعل قد نُهي عنه وأُمر أن يمسك عنه بالصيام وهو الجماع، ولذلك فعليه كفارة وهو يعلم ذلك.

والذي يكفِّر به عن هذه الفعلة الكبيرة وغيرها من موجبات الكفارة أحد ثلاثة أمور:

[1] صيام شهرين متتابعين من غير انقطاع ولا تراخ .

[2] إطعام ستين مسكيناً من أوسط ما يطعم به أهله.

[3] عتق رقبة .

لأن النبي ﷺ قضى على الذي أتى أهله في نهار رمضان بذلك.

ففي الصحيحين وغيرهما من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: ” جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: ” هلكت يا رسول الله ! قال: ( وما أهلكك؟ ) قال: “وقعت على امرأتي في رمضان” قال: ” هل تجد ما تعتق به رقبة؟ قال: لا. قال: فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين؟ قال: لا، قال: فهل تجد ما تطعم به ستين مسكيناً؟ قال: لا ، ثم جلس، فأتى النبي ﷺ بعَرَق فيه تمر (1) فقال: تصدق بهذا . قال: أفقَرَ منّا؟ فما بين لابَتيها أهل بيت أحوج إليه منا ” فضحك النبي ﷺ حتى بدت أنيابه ثم قال:(اذهب فأطعمه أهلك)(2).

والعلماء في أيّ من الكفارات هي التي تجب على ثلاثة أقوال:

القول الأول: ما ذهب إليه الجمهور من الحنفية، والشافعية، والحنابلة في مشهور مذهبهم: أن الأمور التي يكفّر بها على الترتيب ، فإنه واجب عليه أن يكفّر بعتق رقبة ، فإن لم يجد وجب عليه صيام شهرين متتابعين ، فإن عجز عن ذلك ؛ كفّر بإطعام ستين مسكيناً (3).

والقول الثاني: هو ما ذهب إليه مالك، وأحمد في رواية عنه، وهو التخيير بين الكفارات الثلاث ، غير أن المالكية يفضّلون الكفارة بالإطعام في المشهور معللين أنه أعمّ نفعاً(4).

والقول الثالث: هو الذي ذهب إليه الإمام يحيى بن يحيى الليثي من أصحاب مالك، وهو أن الكفارة الواجبة هي التي تحقق مقصودها من الزجر للمتعدّي، وقد حكي عنه رحمه الله تعالى أن حاكم الأندلس عبد الرحمن بن الحكم المرواني نظر إلى جارية له في رمضان نهاراً ، فلم يملك نفسه أن واقعها، ثم ندم ، وطلب الفقهاء وسألهم عن توبته، فقال يحيى بن يحيى : ” صم شهرين متتابعين ” فسكت العلماء، فلما خرجوا قالوا ليحيى: ” مالك لم تفته بمذهبنا عن مالك أنه مخيَّرٌ بين العتق والصوم والإطعام؟ ” فقال: ” لو فتحنا له هذا الباب لسهل عليه أن يطأ كل يوم جارية ويعتق رقبة، فحملته على أصعب الأمور لئلا يعود” (5).

والراجـح :

أننا نحقق مقصد الشارع من تشريع الكفارة، فإن مقصود الكفارة تحصيل الزجر في نفس منتهك حرمة نهار رمضان، وأن يشعر بنوع شدّة وعقاب، وكما قال تعالى: آية كريمة من كتاب سؤالات الصائمين(6).

ولذلك يجب أن يُفتَى من وجبت عليه كفارة بأنّه:

إنْ كان ميسور الحال جداً بحيث إذا كفّر بالإطعام أو العتق لا يحصل له الزجر بذلك ؛ فيجب عليه أن يكفر بالصيام ولا يكون مخيّراً بحال، لأنه لن يزجره الإطعام ولا العتق، لأنه سهل عليه ميسور له أن يجامع كل يوم فيكفر بإطعام ستين مسكيناً بل أكثر أو يعتق رقبة أو أكثر، فيستهين بحرمة رمضان، فحتى يزجر يؤمر بصيام شهرين متتابعين.

وإنْ كان معروفاً بحبه للمال وضنّه به وتقتيره حتى على نفسه ، وأنه يكون زاجراً له أن يؤمر بالعتق أو الإطعام ، أُمر بأحدهما.

وإنْ كان ممن يُظَنّ فيه أن أية خصلة من خصال الكفارة الثلاث يحصل له بها الزجر خُيِّر بينها.

وبهذه الطريقة نكون قد أعملنا قول جميع الفقهاء وحققنا المذاهب الثلاثة مع تحقيقنا لمقصود الشرع من تشريع الكفارات.

ولكن عتق الرقبة غير وارد في زماننا إلاّ أن يشاء الله تعالى قريباً بغلبة الأمة على الأمم لا سيما الطاغية المستكبرة، فلم يبق من خصال الكفارة إلاّ صيام الشهرين المتتابعين وإطعام ستين مسكيناً، فيؤمر بأحدهما على الطريقة التي قررناها. والله تعالى أعلم..

الحواشي

  1. العرق بفتح الراء هو الزنبيل أو القفة أو الكيس أو الجراب ، وقد حدده الفقهاء بأنه ما يسع خمسة عشر صاعاً، وهي ستون مداً لستين مسكيناً ، لكل مسكين مدٌّ . راجع : شرح النووي لصحيح مسلم:ج8 ص 226.
  2. البخاري كتاب الصوم باب إذا جامع في رمضان ولم يكن له شيء برقم 1936 ، وفي باب المجامع في رمضان هل يطعم أهله برقم 1937 . ومسلم في الصيام باب تغليظ تحريم الجماع برقم 2590-81/1 ج8 ص 224 –227 بشرح النووي.
  3. انظر : بدائع الصنائع ، ج2 ص 99 ، المجموع شرح المهذب ج6 ص 343 ، المغني لابن قدامة ، ج3 ص 66
  4. انظر : المغني لابن قدامة ، ج3 ص 66 ، التاج والإكليل ج2 ص 435، كفاية الطالب الرباني ، ج1 ص 276، تبيين المسالك ، ج2 ص 169-170 .
  5. انظر: سير أعلام النبلاء للذهبي، ج7 ص 257 مكتبة الصفا طبعة 1424هـ 2003م.
  6. سورة المائدة ، من الآية 95 .
أ.د. عبدالله الزبير عبدالرحمن
س

فتح المطاعم في نهار رمضان

فتاوى الصيام · · سأل: من كتاب «سؤالات الصائمين» — الصيام وأقضية العوائد

أصبح من المشاهد في كل عام في شهر رمضان كثرة المطاعم التي تعمل في الأسواق وفي أماكن تجمعات الناس، وكثيرٌ من الشباب وغيرهم تراهم يرتادون هذه المطاعم، بل تجد بعضهم يخرج على الشارع أمام الناس وفي يده سندوتش يأكل فيه أو زجاجة بارد يشرب منها، من غير أنْ ينتبه ـ أو بتعمّدٍ منه ـ أنّها أيام صيام رمضان!. فما حكم فتح المطاعم أيام شهر رمضان؟.

جواب فضيلة الشيخ

مما يجب أن يعرفه كل مسلم أنّ شهر رمضان واجب التعظيم والرعاية، وأنّ نهار رمضان حرمته عظيمة، وأنّ على كل مسلم يرى أحداً قد انتهك حرمة نهار رمضان بأي نوع انتهاك، واجب عليه أن يُنكر ذلك، وولاة الأمر واجبهم أعظم في رعاية حقّ هذا الشهر الفضيل، ومن أعظم واجباتهم المحافظة على حرمته والمنع من انتهاكها بكل سبيل، وشعائر الإسلام يجب تعظيمها، آية كريمة من كتاب سؤالات الصائمين(1).

ولذلك؛ فلو أظهر أحدٌ من المسلمين ـ وحتى غير المسلمين ـ ما لا ينبغي إظهاره في نهار رمضان أمام الناس من المفطرات أو غيرها؛ وجب على المسلمين الإنكار عليه ونهيه عن ذلك وزجره في نفسه، فإن لم ينزجر أو ينتهِ؛ وجب التبليغ عنه لدى السلطان، فإنّ السلطان يزع بسلطانه ما لايزع غيره. وليس من اللائق بحال أن تفتّح المطاعم في بلاد المسلمين أيام رمضان نهاراً، وعليه:

1 ـ يجب على ولي الأمر في بلاد المسلمين عدم السماح لأصحاب المطاعم بفتحها وممارسة تقديم الأطعمة والأشربة فيها.

2ـ يجب أن يُسنَّ قانونٌ يجرّم كل مظاهر الانتهاك لحرمة رمضان، لردع من يُظهر ما حرم الله في نهار رمضان من المفطرات وغيرها، وإنْ كان من أصحاب الأعذار، فإنّ أصحاب الأعذار لا يجوز لهم أن يجاهروا بالمفطرات بين الصائمين إلاّ في حدود ما يضطر لإظهاره من زمان أو مكان.

وحتى غير المسلمين ـ مستأمنين أو ذمّيين أو معاهدين ـ لا يحقّ لهم أن يظهروا الفطر بين المسلمين في الطرقات والمحلات والمكاتب والأسواق، ويجب على ولاة الأمر منعهم من ذلك تعظيماً لشعائر الله، ولقد قال ابن تيمية رحمه الله: ” ويُمنع أهل الذمّة من إظهار الأكل في نهار رمضان، فإنّ هذا من المنكر في دين الإسلام”(2).

3ـ يقتصر السماح لفتح المطاعم ـ وبحسب الحاجة ـ في أماكن محدّدة لمظنة وجود أصحاب الأعذار بها، وهي: المستشفيات، ومواقف وموانئ النقل الخاصة بالسفريات الطويلة التي تبيح الفطر في رمضان.

أما أن يسمح بفتح المطاعم في الأسواق وأماكن تجمعات الناس، بما يؤدي إلى إظهار انتهاك حرمة نهار رمضان؛ فهذا لا يجوز لأحد بحال، وذلك:

أـ لأنّ في فتحها والسماح بفتحها تعاوناً على الإثم والعدوان، على إثم مخالفة أمر الشرع بالصوم والإمساك، وعلى إثم انتهاك حرمة رمضان، وعلى العدوان على شرع الله وشعائر الملّة.

ب ـ ولأنّ في فتحها لأهل الفسوق والعصيان الذين يفطرون دون عذر أو سبب مبيحٍ للفطر.

اللهم أرنا وولاة أمورنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه.

الحواشي

  1. سورة الحج، 32 .
  2. الفتاوى الكبرى لابن تيمية ، تحقيق محمد ومصطفى عبد القادر عطا، ج5 ص 543.
أ.د. عبدالله الزبير عبدالرحمن
س

ما تصنعه الحائض في العشر الأواخر

فتاوى الصيام · · سأل: من كتاب «سؤالات الصائمين» — الصيام وأقضية النساء

أحياناً تكون دورتي الشهرية "الحيض" في أيام العشر الأواخر من رمضان، وقد انتشر بين النساء أن تستفيد المرأة أيام الحيض بالإعداد للعيد، ودخول السوق، وشراء الحاجيات، والانشغال بأمور البيت والأولاد ونحو ذلك؛ فهل هذا هو المناسب مع المرأة الحائض في هذه الأيام الفاضلة؟ أم ماذا؟ أرجو إرشادنا جزاكم الله خيراً.

جواب فضيلة الشيخ

مما لا يخفى على المسلم أنّ العشر الأواخر من أفضل أيام السنة، وهي أفضل أيام رمضان، فيها أُنزل القرأن، ولياليه هي ليالي الحظوة بأنس المولى جلّ وعلا وقُربه، ومنها ليلةٌ خيرٌ من ألف شهر، هي ليلة القدر الذي أخبرنا عنها ربّ العزة الكريم الرحيم فقالآية كريمة من كتاب سؤالات الصائمين [سورة القدر].

وقد عرف الصالحون فضل هذه العشر فاجتهدوا فيها بسائر الطاعات، تعلّماً وتأسّياً واقتداءً بالمعلّم المعصوم ﷺ. فقد كان عليه الصلاة والسلام” يجتهد ما لا يجتهد في غيره “(1). وكان عليه الصلاة والسلام كما تقول عائشة ( إذا دخل العشر شدّ مئزره وأحيا ليلَهُ وأيقظ أهله ) فكان ﷺ يخصّ هذه الليالي العشر الأواخر من رمضان بأعمال لا يعملها في بقية الشهر، مما جعل الصالحين يتنبّهون لفضل هذه العشر الأواخر فيجتهدون فيها اجتهاداً كبيراً.

لذلك؛ فليس من العقل الراشد، ولا من صلاح المرأة؛ أن يَضِيعَ عليها كل هذا الفضل بالانشغال بالتسوّق وإضاعة الوقت والجهد في التجهيز للعيد بالكماليات وغير الضروريات، كتزيين البيوت، والاهتمام بشراء الملابس، وإعداد الحلوى والمقبلات والخبائز وغير ذلك مع المبالغة في ذلك بما تنقضي فيها الأوقات الفاضلة كلها أو جلها.

وإنما الذي ينبغي أن تتنبّه له المرأة الحائض في أيام العشر ولياليها؛ الاشتغال بأنواع الطاعات مما يصحّ منها فعلها، لاسيما الأجور مضاعفة وأسباب القبول وافرة، ومن ذلك:

1ـ الإكثار من ذكر الله تعالى وملأ أوقات فراغها بالتسبيح والتحميد والتهليل وغيرها من الأذكار القولية، فالذكر قوت قلوب العارفين، وغذاء أرواح العابدين، ونشوة المتنسكين، فتدخل بذلك في الذاكرين الله كثيراً والذاكرات، ﴿وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب : 35].

2ـ إعمار نهارها وليلها بالاستغفار، وفي حديث ابن عباس رضي الله عنهما يقول رسول الله ﷺ: ( من لزم الاستغفار جعل الله له من كل ضيق مخرجاً، ومن كل هم فرجاً، ورزقه من حيث لا يحتسب )(2). لاسيما والنبي ﷺ أرشد النساء بخصوصهن بالإكثار من الاستغفار، كما في حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أنّ رسول الله ﷺ قال: ( يا معشر النساء! تصدقن، وأكثرن الاستغفار، فإنى رأيتكنّ أكثر أهل النار ). فقالت امرأة منهن جزلة: « وما لنا يا رسول الله أكثر أهل النار؟». فقال ﷺ: ( تكثرن اللعن، وتكفرن العشير، وما رأيت من ناقصات عقلٍ ودينٍ أغلب لذي لب منكن ). قالت: «يا رسول الله! وما نقصان العقل والدِّين؟» قال: ( أما نقصان العقل؛ فشهادة امرأتين تعدل شهادة رجل، فهذا نقصان العقل، وتمكث الليالي ما تصلي، وتفطر في رمضان فهذا نقصان الدين )(3).

ومن ذلك؛ سيّد الاستغفار الذي أرشد إليه النبي ﷺ، وهو أن تقول: (اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت، خلقتني، وأنا عبدك، وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت، أعوذ بك من شر ما صنعت، أبوء لك بنعمتك علي وأبوء بذنبي اغفر لي، فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت) قال النبي ﷺ: (ومن قالها من النهار موقناً بها فمات من يومه قبل أن يمسي؛ فهو من أهل الجنة ، ومن قالها من الليل وهو موقن بها فمات قبل أن يصبح؛ فهو من أهل الجنة) (4).

3ـ أن تبيع حاجات دنياها تلك بلذة المناجاة لربها، وبأنس القرب لمولاها، فتعيش ليلها وغالب نهارها ويومها تستمع إلى كلام ربها من جهاز تسجيل أو هاتف أو تلفازٍ، تسمع خطاب ربها بأُذُنٍ واعية، وقلبٍ شاهد، إذ فيه ذكرى ﴿لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ ﴾ [ق : 37]، فيصحّ قلبها، وتزكو نفسها، وترقّ وتصفو. فيالها يومئذ من فائزة.

4ـ الإلحاح في الدعاء مع الإكثار منه ، خاصة في الليالي التي ترجَى فيها ليلة القدر، وكان مما أرشد إليه نبينا ﷺ عائشة حين قالت له عليه الصلاة والسلام: يا رسول الله! أرأيت إنْ علمتُ أيَّ ليلةٍ ليلة القدر؛ ما أقول فيها؟. قال: ( قولي: اللهم إنك عفو كريم تحب العفو فاعف عني) (5) . فتكثر في الليالي التي يُظَنُّ أنها ليلة القدر وليالي الوتر من العشر بهذا الدعاء ” اللهم إنك عفوٌّ تحبّ العفو فاعف عني”ولو أدخلت أهلها وزوجها وإخوانها ووالديها وأولادها معها في ذلك فقالت: “..فاعف عنا”.

5ـ إطعام الطعام، وإفطار الصائمين، وفي حديث زيد بن خالد الجهني رضي الله عنه، قال رسول الله ﷺ: ( من فطّر صائماً؛ كان له مثل أجره، غير أنه لا ينقص من أجر الصائم شيئاً)(6). وفي حديث سلمان رضي الله عنه، قال: قال رسول الله ﷺ: (من فطّر صائماً على طعام، وشراب من حلال، صلّت عليه الملائكة في ساعات شهر رمضان، وصلَّى عليه جبريل عليه السلام في ليلة القدر)(7) .

ومن العادات الحميدة الجميلة في بلادنا السودان، المعبّرة عن كرم أهلها، واهتمامهم بأمر المسلمين، وإظهار أخوّة الإسلام في أبهى صورها: الترصّد للمسافرين وأهل السبيل في أوقات الفطر على الطرق، وتجهيز إفطاراتٍ لهم، والحرص على ألاّ يمضوا وقت الإفطار إلا بعد الإفطار عندهم.

فلو أعدَّت المرأة الحائض خاصة في هذه الأيام من الطعام والشراب بقدر ما تقدر وبقدر ما عندها قليلاً كان أو كثيراً، فبعثت به إلى أولئك، كان ذلك لها خيراً ، وتقبل الله الصالحات.

6ـ أن تبعث إلى المسجد بالطيب والنضوح والدُّخنة والبخور، تطيّب بها المسجد ليالي العشر، خاصة في الليالي التي ترجى فيها ليلة القدر.

وغير ذلك من الطاعات والأذكار والأعمال الصالحات والاجتهاد في ذلك ما استطاعت إليه، والله نسأله أن يوفق ويعين، فهو خير مرجوّ وخير معين.

الصياموأقضية العوائدالصياموأقضية العوائدالصياموأقضية العوائدالصياموأقضية العوائد

الصيام

وأقضية العوائد

الصيام

وأقضية العوائد

الحواشي

  1. أخرجه مسلم من حديث عائشة رضي الله عنها.
  2. أخرجه أبو داود برقم 1520، وابن ماجة برقم3819.
  3. أخرجه مسلم في صحيحه برقم 250 .
  4. أخرجه البخاري في صحيحه برقم 6306 .
  5. أخرجه الترمذي برقم 3513، وقال: حديث حسن صحيح.وابن ماجة برقم 3850.
  6. أخرجه الترمذي برقم 807، وابن ماجة برقم 1746، وقال الترمذي: حسن صحيح وصححه الألباني.
  7. أخرجه الطبراني في المعجم الكبير برقم 6039، وبرقم 6038، والبزار في مسنده برقم 2501 . وفيه الحسن بن أبي جعفر قال عنه ابن عدي: له أحاديث صالحة وهو صدوق. وفيه علي بن زيد بن جدعان قال عنه الترمذي صدوق، وذلك من جانب حفظه، وقد أخرج له البخاري في الأدب المفرد، وأخرج له مسلم في صحيحه وكذلك الترمذي وأبو داود والنسائي وابن ماجة في سننهم، فمثل هذا الحديث يُعمل به في فضائل الأعمال ، ولله الحمد.
أ.د. عبدالله الزبير عبدالرحمن
س

حكم صيام الحامل والمرضع

فتاوى الصيام · · سأل: من كتاب «سؤالات الصائمين» — الصيام وأقضية النساء

كثير من النساء الحوامل والمرضعات خوفاً من القضاء يقمن بصيام شهر رمضان وهنّ يعانين معاناة شديدة ، فما حكم صيام الحامل والمرضع؟ هل واجب عليهما الصوم؟ أم يجوز لها الفطر إذا شعرت بالضرر على جنينها أو رضيعها؟ أفيدونا نفع الله بكم.

جواب فضيلة الشيخ

لا خلاف بين أهل العلم في المرأة إذا كانت حاملاً أو مرضعاً أنها يرخَّص لها في الفطر في رمضان، وقد نقل عدم الخلاف في ذلك غير واحد:

ـ قال الشوكاني رحمه الله: ” يجوز للحبلى والمرضع الإفطار.. قال أبو طالب: ولا خلاف في الجواز”(1).

ـ وقال المباركفوري في تحفة الأحوذي: “ولا خلاف في جواز الإفطار للحامل والمرضعة إذا خافت المرضعة على الرضيع والحامل على الجنين”(2).

ومع عدم اختلافهم في جواز أن تفطر الحامل والمرضع في رمضان؛ فإنهم ذهبوا في حكم صيامهما إلى ثلاثة مذاهب:

المذهب الأول: قول من يرى أنه لا يجوز للحامل ولا للمرضع الصيام بل يجب عليها الفطر إذا خافت على نفسها أو على جنينها ورضيعها. وهو قول ابن حزم رحمه الله تعالى مستدلاً على وجوب الفطر عليهما في الخوف على الجنين والرضيع بقوله تعالىآية كريمة من كتاب سؤالات الصائمين(3). وبقوله ﷺ:(من لا يَرحم لا يُرحم)(4). قال: ” فإذ رحمة الجنين والرضيع فرضٌ، ولا وصول إليها إلا بالفطر، فالفطر فرضٌ”(5).

وروي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه كانت له أمة ترضع فأُجهدت، فأمرها ابن عباس أن تفطر وتطعم ولا تقضي(6). وهذا يعني أنه أوجب عليها الفطر.

وكما أمر المرضع بالفطر كذلك أمر الحامل بالفطر، وقد أخرج عبد الرزاق في مصنفه عن سعيد بن جبير رحمه الله أنّ ابن عباس رضي الله عنهما كان يأمر وليدة له حبلى أن تفطر في شهر رمضان(7).

وسئل ابن عمر رضي الله عنهما عن امرأة صامت حاملاً فعطشت في رمضان، فأمرها ابن عمر أن تفطر وتطعم كل يوم مسكينا مداً(8). وأمر رضي الله عنهما ابنته حين صامت وعطشت في رمضان أن تفطر وتطعم عن كل يوم مسكيناً (9).

فإجهاد الأمة قرينة على موجب الخوف على الولد أو النفس، وعطش ابنة ابن عمر كذلك قرينة على إجهادها يدلّ على موجب الخوف على الجنين، فدلّ على أنّ الخوف على الجنين والرضيع موجبٌ للفطر على رأيهم.

المذهب الثاني: أن الحامل والمرضع يجب عليهما الصوم في حالة ويجب عليهما الفطر في حالة:

أ ـ يجب عليهما الفطر ويحرم عليهما الصوم إذا خافتا الضرر على أنفسهما أو ولديهما، ففي هذه الحالة محظورٌ عليهما الصوم..

ب ـ ويجب عليهما الصوم ولا يجوز لهما الفطر إن أَمِنَا ولم يخشيا ضرراً على أنفسهما ولا على ولديهما فعندئذٍ يجب عليهما الصوم ولا يجوز لهما الإفطار. وهو الرأي هو الذي ذهب إليه الحنفية(10)، وهو قول الإمام الشافعي، فقد قال رحمه الله: ” والحامل والمرضع إذا أطاقتا الصوم ولم تخافا على ولديهما لم تفطرا، فإن خافتا على ولديهما أفطرتا..” (11).

وهذا المذهب قريب من الأول، لأن الإيجاب وعدمه دائر على خوف الضرر على النفس أو الولد.

والمذهب الثالث: أنهما يباح لهما الفطر مطلقاً سواء أخافتا على أنفسهما أو ولديهما أم لم تخافا.

وهذا القول حكى ابن الحاجب المالكي الاتفاق عليه، واستظهره قائلاً: ” إذا كانت الشدة مبيحة للفطر من المرض، فالحامل والمرضع أولى بذلك”اهـ(12).

وهذا هو الصحيح الراجح، للوجوه الآتية:

1ـ أنّ الشدّة تلحقهما، ومشقة الحمل والرضاعة أكثر من مشقة سائر الصائمين، فزادتا على من سواهما بالمشقة الزائدة المعتبرة فأبيح لهما الفطر.

2ـ أنّ الشرع رخّص لهما في الفطر بسبب الحمل والرضاع، كما جاء في سنن النسائي أنّ النبي ﷺ ( رخصّ للحبلى والمرضع)(13) فدار حكم الرخصة معهما، فدلّ أن الحمل والرضاعة هما علّة الحكم وسببه، والحكم يدور مع علته وجوداً وعدماً، فطالما كانت حاملاً أو مرضعاً ثبت لها حكم الفطر ورخصته، أما المشقة والخوف وغير ذلك فكلها أوصاف متفاوتة غير منضبطة ولا ظاهرة، فلا تصلح علّة للحكم، فثبتت لهما الرخصة بمجرد الحمل أو الإرضاع. ولا يحرم عليها الفطر بأية حال ما كانت حاملاً أو مرضعاً.

ولكن قد يجب على الحامل الفطر ولا يجوز لها أنْ تصوم في حالتين:

الحالة الأولى: إذا شعرت بإعياء ومشقة وشدة ظاهرة، فلا يجوز لها الصوم، وإن كانت صائمة قطعت.

والحالة الثانية: إذا أمرها الطبيب المسلم الحاذق أو نصحها.

كما يجب على المرضع الفطر في حالة واحدة هي أن يجف لبنها أو يقلّ إلى درجة قدرت معها الضرر على ولدها ولا بديل له إلا لبنها.

والله تعالى أعلم..

الحواشي

  1. نيل الأوطار، للشوكاني ج4 ص 323.
  2. تحفة الأحوذي شرح جامع الترمذي، لأبي العلا المباركفوري، ج3 ص 330. وقد أخرج ابن ماجة في سننه برقم 1668 عن أنس بن مالك ◙ أنه قَالَ: “رَخَّصَ رَسُولُ اللهِ ♀ لِلْحُبْلَى الَّتِي تَخَافُ عَلَى نَفْسِهَا أَنْ تُفْطِرَ، وَلِلْمُرْضِعِ الَّتِي تَخَافُ عَلَى وَلَدِهَا” غير أنّ الشيخ الألباني رحمه الله ضعّفه.
  3. سورة الأنعام ، 140 .
  4. أخرجه البخاري برقم 5997، ومسلم برقم 6170، وأبو داود برقم 5220، والترمذي برقم 1911 وغيرهم.
  5. المحلى لابن حزم ج4 ص 410 فقرة 770.
  6. أخرجه الدارقطني في سننه برقم 10 ، ج2 ص 207، وقال : هذا صحيح.
  7. مصنف عبد الرزاق برقم 7567 ج4 ص 219.
  8. البيهقي في السنن الكبرى برقم 7868ج4 ص 230.
  9. سنن الدارقطني برقم 15 ج2 ص 207.
  10. أحكام القرآن لأبي بكر الجصاص الرازي ، ج1 ص 181.
  11. كتاب الأم للشافعي، ج2 ص 103ـ 104.
  12. راجع: منح الجليل ،عليش، ج2 ص 151.. وقال ابن رشد:” للمرضع على المشهور من مذهب مالك ◙ في الفطر ثلاثة أحوال: ( حال ) لا يجوز لها فيها الفطر والإطعام ، وهي إذا قدرت على الصيام ولم يجدها الإرضاع ؛ و(حال) يجوز لها فيها الفطر والإطعام ، وهي إذا أجدها الإرضاع ولم تخف على ولدها ، إما بأنه يبقى لها من اللبن إن لم تفطر ما ترمقه به ، وإما لأنها تقدر على أن تستأجر له من ترضعه من ماله ، أو من مال الأب ، أو مالها – إذا كان يقبل غيرها ؛ و(حال) يجب عليها الفطر والإطعام ، وهي إذا خافت على ولدها : إما بأنه لا يقبل غيرها ، وإما بأنها لا تقدر على أن تسترضع له بحال”اهـ وقال أبو الحسن اللخمي من المالكية: ” للحامل ثلاث حالات: حالة يجب معها الصوم، وحالة يجب معها الفطر، وحالة تكون بالخيار بين الصوم والفطر، فإن كانت في أول حملها وعلى حالة لا يجهدها الصوم لزمها، وإنْ كانت تخاف على ولدها متى صامت، أو حدوث علة لزمها الفطر ومنعت من الصوم، فإن كان يجهدها أو يشق عليها، ولا تخشى إن هي صامت شيئاً من ذلك كانت بالخيار بين الصوم والفطر.. قالت: وللمرضع ثماني حالات، يلزمها الصوم في أربع، ويلزمها الفطر في ثلاث، وهي بالخيار في الثامنة، فإن كان الرضاع غير مضر بها ولا بولدها، أو كان مضراً بها وهناك مال يستأجر به للابن أو للأب أو للأم، والولد يقبل غيرها لزمها الصوم، وإن كان مضراً بها تخاف على نفسها أو على ولدها والولد لا يقبل غيرها أو يقبل غيرها ولا يوجد من يستأجر له، أو يوجد وليس هناك مالٌ يستأجر منه لزمها الإفطار، وإن كان يجهدها الصوم ولا تخاف على نفسها ولا على ولدها والولد لا يقبل غيرها كانت بالخيار بين الصوم والإفطار” راجع: البيان والتحصيل لابن رشد الجد ج2 ص 320 ، والتبصرة لأبي الحسن اللخمي، ج2 ص 757 – 758، وراجع: شرح زروق للرسالة ج1 ص 317 ، وحاشية الدسوقي ج1ص536.
  13. النسائي برقم 2277 ج4 ص 181، وحسنه الألباني. وأخرج ابن ماجة ج2 ص 576 برقم 1668، من حديث أنس بن مالك ◙، قال : “رخص رسول الله ♀ للحبلى التي تخاف على نفسها أن تفطر، وللمرضع التي تخاف على ولدها” وضعف الألباني إسناده غير أن معناه صحيح وأصله ثابت في السنن.
أ.د. عبدالله الزبير عبدالرحمن
س

الصوم أفضل للمسافر أم الفطر؟

فتاوى الصيام · · سأل: من كتاب «سؤالات الصائمين» — الصيام وأقضية السفر

كثيراً ما يختلف الناس ويتنازعون في للمسافر : هل الأفضل في حقه الصوم أم الأفضل الفطر خاصة إذا كان لا يجد مشقة ظاهرة في سفره؟.

جواب فضيلة الشيخ

[1] من تصوّر من العلماء مشقة القضاء وكونه معلّقاً على الظروف بعد أيام رمضان ، والمسافر لا يشق عليه الصوم مع السفر ، فيمكنه أن يصوم بلا مشقة تحتاج إلى الرخصة ، قرّر أن الأفضل لمثل هذا المسافر الصوم لا الفطر، وهو مذهب الحنفية والمالكية والشافعية واستدلوا بقوله آية كريمة من كتاب سؤالات الصائمين ، وبقوله ﷺ: ( إنّ أفطرت فهو رخصة، وإنْ صمت فهو أفضل )(1).

[2] ومن نظر إلى مقصود الشارع في التخفيف والتيسير في أحكام الصيام، ووجود الحكمة البالغة ـ بلا شك ـ في تعليق الرخصة بالسفر دون تقييد بمشقة أو عدمها، قرّر أن الأفضل للمسافر الفطر لا الصوم، وهو مذهب الحنابلة وابن الماجشون من المالكية واختاره ابن تيمية، ومحكي عن ابن عباس رضي الله عنهما .

[3] ومن نظر إلى خفاء الحكمة وظهور الرخصة ، قرّر أن الأفضل هو الأيسر والأسهل عليه ، فإن كان الفطر أسهل عليه مع القضاء ، كان الفطر له أفضل ، وإنْ كان الصوم أسهل عنده من القضاء كان أفضل، وقد جعلوا ـ والله أعلم ـ ذكر إرادة التيسير عقب الترخيص للمريض والمسافر سبباً للرخصة وعلة لها ، فما وافق التيسير كان أولى ، وهو قول مجاهد وعمر بن عبد العزيز ورجّحه ابن المنذر ونسبه القرطبي إلى جلّ مذهب مالك.(2).

وهو الراجح :

أولاً: لأن الشارع قصد إلى التيسير على الصائمين فرخّص لهم في الفطر بسبب السفر، كما رخّص لهم بسبب المرض ، وقد يكون على كثيرين القضاء بعد رمضان أشق عليه من الفطر في السفر ، خاصة سفر بطائرة أو باخرة ، أو بص مكيّف مريح ، وهذا هو المقصود بالرخصة (مراعاة التيسير ) فما كان أيسر كان أفضل ، ومن تلا الآية بتدبّر انشرح صدره لهذا الرأي وقد قال تعالى آية كريمة من كتاب سؤالات الصائمين (3)وهو تعقيب يدلّ على المراد بوضوح.

ثانياً : كانت السنة الجارية في أسفار النبي ﷺ وصحابته الكرام رضي الله عنه أنهم كانوا لا ينكرون على من صام فيها ولا على من أفطر فيها ، فدلّ أن المقياس شخصيٌّ ، ولا يكون إلاّ تقدير الأيسر له والأسهل عليه .

قال ابن عباس رضي الله عنهما : ” صام رسول الله ﷺ وأفطر ـ أي في أسفار رمضان ـ من شاء صام ومن شاء أفطر ” .

وقال أبو سعيد الخدري رضي الله عنه: ” غزونا مع رسول الله ﷺ لست عشرة مضت من رمضان ، فمنّا من صام ، ومنّا من أفطر ، فلم يعب الصائم على المفطر ، ولا المفطر على الصائم “.. وفي رواية: كنا نسافر مع رسول الله ﷺ في رمضان ، فما يعاب على الصائم صومه، ولا على المفطر إفطاره ” .. وفي رواية: ” يرون أنّ من وجد قوة فصام، فإن ذلك حسن، ويرون أنّ من وجد ضعفاً فأفطر ، فإن ذلك حسنٌ “.

وقال أنس رضي الله عنه، وقد سئل عن صوم رمضان في السفر فقال: “سافرنا مع رسول الله ﷺ في رمضان ، فلم يعب الصائم على المفطر ، ولا المفطر على الصائم ” .

وقال جابر بن عبد الله رضي الله عنه : ” سافرنا مع رسول الله ﷺ، فيصوم الصائم ويفطر المفطر ، فلا يعيب بعضهم على بعض ” (4).

ثالثاً : أن النبي ﷺ خيّر المسافر بين الصوم والفطر ، والتخيير يجعل المقياس في المخيّر شخصياً ، ويكون هو الأيسر، ويستبعد أن يختار شخصٌ غير الأيسر وقد خُيِّر بين أمرين ، وكان رسولنا الحبيب ﷺ إذا خيِّر بين أمرين اختار أيسرهما إنْ لم يكن إثماً ، كما صحّ عنه ﷺ. وكذلك كل عاقل يفعل . وفي الصحيح عن عائشة قالت : ” سأل حمزة ابن عمرو الأسلمي رسول الله ﷺ عن الصيام في السفر فقال : ( إنْ شئت فصم، وإنْ شئت فأفطر)(5).

هذا وقد شذّ الظاهرية فأوجبوا الأخذ بالرخصة وذهبوا إلى تحريم الصوم في السفر(6) أخذاً بظاهر حديث (ليس البر أن تصوموا في السفر) وحديث (أولئك العصاة)(7). ولا يصلح أحدهما في تحريم الصوم في السفر، لأنهما خاصّان بحالة من شقّ عليه الصوم ، وكره الرخصة . أما حديث (ليس البر أن تصوموا في السفر) قاله ﷺ حينما رأى رجلاً قد اجتمع الناس عليه وقد ظلل عليه ، فقال : ( ماله ؟) قالوا : رجل صائم . فقال: ( ليس البر أن تصوموا في السفر ) .. وأما حديث ( أولئك العصاة ) إنما قاله ﷺ حينما شقّ الصوم على الناس وقيل له : إنّ الناس قد شقّ عليهم الصيام ، وإنما ينظرون فيما فعلت ، فدعا بقدح من ماء فرفعه حتى نظر الناس إليه ثم شرب ، فقيل له : إن بعض الناس قد صام . فقال ( أولئك العصاة أولئك العصاة ) كما في صحيح مسلم . وواضح جداً أن هؤلاء العصاة رفضوا رخصة رسول الله ﷺ وكرهوا فعله وأصروا على الصوم مع ما يشقّ عليهم، فكانوا فعلاً عصاة .

لذلك الراجح : التخيير للمسافر إنْ شاء أفطر وإنْ شاء أمسك وصام، بما يراه هو أيسر عليه وأسهل له . والله تعالى أعلم ..

الحواشي

  1. أخرجه البيهقي في الصيام 4/245 وقال حديث منكر ، وأن الصحيح أنه موقوف على أنس ◙ .
  2. يراجع الأقوال والمذاهب في : المجموع شرح المهذب 6/266-267 ، تفسير القرطبي، 2/261-262، بداية المجتهد 2/167-168 ، مجموع الفتاوى 25/213-214 .
  3. البقرة : 185.
  4. كلها في أخرجها مسلم في صحيحه كتاب الصيام باب جواز الصوم والفطر في رمضان للمسافر في غير معصية ، ج7/229 ـ 236 بشرح النووي .
  5. صحيح مسلم كتاب الصيام برقم 2620، 2621، 2622، ج7 ص 237 بشرح النووي.
  6. المحلى لابن حزم ، 4/395 وما بعدها .
  7. حديث ( ليس من البر ) أخرجه مسلم في الصيام برقم 2607 والبخاري في الصوم برقم 1946 ، وأبو داود في الصوم برقم 2407 . وحديث ( أولئك العصاة ) أخرجه أيضاً مسلم في الصيام برقم 2605، والترمذي في الصوم برقم 710 ، والنسائي في الصوم باب ذكر اسم الرجل برقم 2262 .
أ.د. عبدالله الزبير عبدالرحمن
س

السفر المبيح للفطر

فتاوى الصيام · · سأل: من كتاب «سؤالات الصائمين» — الصيام وأقضية السفر

ما هو السفر الذي يباح للمسافر أن يفطر فيه ؟

جواب فضيلة الشيخ

أجمع المسلمون على إباحة الفطر للمسافر في الجملة لقوله تعالىآية كريمة من كتاب سؤالات الصائمين (1)

ولكن ليس كل سفر يباح فيه الفطر ويرخّص للصائمين أن يفطروا، هذا السفر اشترط العلماء فيه شرطين هما :

الشرط الأول : أن يكون السفر مما يجوز فيه القصر على رأي الجمهور. وهو السفر الذي يصحّ أنْ يطلق عليه اسم سفر . أما مسافة السفر المجوّز للقصر فليست منضبطة ، فلا تضبط بأيام ولا بأميال ، لأنّ ما روي عن سلفنا الصالح رضوان الله عليهم كله لم يضبط مسافة معينة ، حتى المرويّ عن واحد نجده يقصر في مسافات مختلفة .. مثلاً ابن عمر رضي الله عنهما، روي عنه أنه قصر في مسافة ستة وتسعين ميلاً ، وفي مسافة اثنين وسبعين ميلاً ، وروي عنه لا يكون الفطر إلاّ في ثلاثة أيام ، وروي : لا يكون القصر إلاّ في اليوم التام، وروي عنه القصر في ثلاثين ميلاً ، وفي ثمانية عشر ميلاً ، وفي سفر ساعة ، وفي ميل واحد ، وفي سفر ثلاثة أميال وقريب من هذا روي عن ابن عباس وعن عمر وغيرهما .. (2).

ولهذا فالصحيح أن يكون ضابط السفر المبيح للفطر والقصر ما يصحّ أن يطلق عليه اسم سفر .

الشرط الثاني : أن يكون سفر طاعة لا سفر معصية ، لأنّ سفر المعصية لا يسمح فيه بالرخص ، والقاعدة الفقهية : [ الرخص لا تناط بالمعاصي ] فالشرط في السفر المبيح للفطر أن يكون سفراً مباحاً لا سفراً محرّماً ، وكل سفر اتُخذ سبباً لارتكاب المعاصي ، كمن يسافر ليقطع الطريق ، أو يسافر ليبغي على حاكم مسلم مستحق للطاعة ، أو يسافر ليسرق ، أو يسافر ليزنِي، أو نحو ذلك .

فهذه الأسفار لا تبيح الأخذ برخصة الفطر في السفر ، وهذا ما رجّحه ابن عطية والقرطبي والقرافي من المالكية وهو مذهب الشافعية وغيرهم (3) .

الحواشي

  1. سورة البقرة الآية 185.
  2. انظر : المحلّى لابن حزم ، 4/385 ـ 387 ، سنن البيهقي 3/137 ، والمصنف لابن أبي شيبة 3/20.
  3. انظر : الفروق للقرافي ، 2/33 ـ 34 ، الأشباه والنظائر للسيوطي ، ص 138 ـ 140 ، تفسير القرطبي ، ج2 ص 258 ، المجموع للنووي 6/264 .
أ.د. عبدالله الزبير عبدالرحمن
س

التبرع بالدم في نهار رمضان

فتاوى الصيام · · سأل: من كتاب «سؤالات الصائمين» — الصيام وأقضية المرض

أصيب أخي الأكبر في حادث حركة رابع يوم من رمضان، فأخبر الأطباء أنه فقد كمية كبيرة من دمه وأنه يحتاج إلى نقل دم، وكانت فصيلة دمي نفس فصيلة دمه والحمد لله لا أشكو من مرض يخشى منه لنقل الدم، ولكنّي ترددت في التبرع بالدم في نهار رمضان خوفاً من فساد صومي بسبب ذلك، وكانت حالته خطيرة بحيث لا يمكن انتظار الليل، وشفقة على أخي من الموت قمت بالتبرع بالدم، فما حكم صومي مع تبرعي بدمي في نهار رمضان؟.

جواب فضيلة الشيخ

أولاً: أنت الآن بتبرعك بالدم لهذا المحتاج؛ تكون كأنك أحييت نفساً مؤمنة، وهي نفس أخيك، وقد مدح رب الأنفس جل وعلا من يفعل ذلك فقال: آية كريمة من كتاب سؤالات الصائمين (1).

وبشّره رسول الله بعاقبة الحسنى ففي صحيح مسلم: «من نفس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة»(2). وفي صحيح الترمذي: «من نفس عن أخيه كربة من كرب الدنيا نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة»(3). وروى أبو نعيم الأصبهاني بسنده مرفوعاً إلى النبي ﷺ أنه قال: « من سقَى مؤمناً شربة من الماء والماء موجود؛ فكأنما أعتق سبعين رقبة، ومن سقاها في غير موضعها فكأنما أحَيَا نفساً، ومن أحيا نفساً فكأنما أحَيَا الناس جميعاً »(4).

فهنيئاً لمن أعان أخاً له بمثل هذا فأنقذه.

ثانياً: إنّ التبرع بالدم وسحبه من الصائم لنفع أخ ومسلم محتاج إليه، لا يفسد الصوم عند جماهير علماء العصر.

وقد ذهب بعضهم إلى إفساد الصوم بالتبرع بالدم، قياساً على الحجامة، ومنهم: الشيخ ابن جبرين وقد قال: ” إذا تبرع بالدم فأُخذ منه الكثير فإنه يبطل صومه قياساً على الحجامة”.

ويفهم ذلك من كلام الشيخ ابن باز رحمه الله في فتاويه: ” أما التبرع بالدم فالأحوط تأجيله إلى ما بعد الإفطار، لأنه في الغالب يكون كثيراً، فأشبه الحجامة”(5).

والراجح الذي قررناه: أنّ الحجامة لا تفسد الصوم، وأنّ النبي ﷺ احتجم وهو صائم، وأن كثيراً من أصحابه كانوا يحتجمون وهم صائمون، كسعد بن أبي وقاص والزبير بن العوام وأنس بن مالك رضوان الله تعالى عليهم(6).

وعليه: فلا يفسد الصوم بالتبرع بالدم اللهم إلاّ إذا أُخذ منه دمٌ كثيرٌ أضعفه ضعفاً يلحقه بالمريض فيفطر لذلك لا لمجرد سحب الدم منه أو تبرعه به، وقد قال ابن مسعود رضي الله عنه في معنى ذلك: “”إِنَّمَا الصِّيَامُ مِمَّا دَخَلَ، وَلَيْسَ مِمَّا خَرَجَ، وَالْوُضُوءُ مِمَّا خَرَجَ وَلَيْسَ مِمَّا دَخَلَ”(7).

والله تعالى أعلم..

الحواشي

  1. سورة المائدة، 32.
  2. أخرجه مسلم في صحيحه برقم 2699، بتحقيق عبد الباقي.
  3. الترمذي في سننه برقم 2945 ، وصححه الألباني في صحيح الترمذي ج5 ص 195.
  4. أخرجه أبو نعيم الأصبهاني في أخبار أصبهانن ج3 ص 88، برقم 701.
  5. راجع القولين في : فتاوى الصيام من موقع الإسلام سؤال وجواب، ص 220، ومجموع فتاوى ابن باز، ج5 ص 253.
  6. راجع: فصل: اقضية المرض نفسه سؤال رقم [2] من هذا الكتاب فقد حررنا مسألة الاحتجام للصائم، والله الموفق.
  7. أخرجه الطبراني في المعجم الكبير برقم 9460.
أ.د. عبدالله الزبير عبدالرحمن
س

حدّ المرض المبيح للفطر في رمضان

فتاوى الصيام · · سأل: من كتاب «سؤالات الصائمين» — الصيام وأقضية المرض

نحن نعرف أن المرض يرخِّص للصائم في رمضان أن يفطر بسببه ، ولكن لم نعرف : هل كل مرض يجوز أن نفطر به ؟ أم المرض المفطر مرض معيّن؟.

جواب فضيلة الشيخ

أجمع المسلمون على أن المرض سبب لرخصة الفطر في رمضان لقوله تعالى آية كريمة من كتاب سؤالات الصائمين (1).

إلاّ أن المرض لم يكن في الحقيقة الواقعة للمرضى على درجة واحدة، فهناك مرض خفيف في ظاهره شديد على المريض في حقيقته ، ومرض تقلّ أيامه وتزيد آلامه ، ومرضٌ يثبت على كل حال ، ومرضٌ يزداد ويشتد مع التعب والإرهاق،، وهكذا ..

وبهذا النظر ! فالمرض بالنسبة للصيام والفطر على أربع مراتب:

المرتبة الأولى: المرض الذي لا يُطاق معه الصوم ، فهذا المرض يوجب الفطر، ولا يجوز لمن وصل به المرض إلى هذه الدرجة أن يصوم . وقد أشار أهل الفقه إلى هذه الرتبة كالإمام القرطبي من المالكية، والجرجاني والغزالي من الشافعية (2).

المرتبة الثانية: المرض الذي يقدر معه على الصوم ولكن بضرر ومشقة، فهذا ـ كما يقول القرطبي رحمه الله : ” يُستحبُّ له الفطر ، ولا يصوم إلاّ جاهل “(3). وهو ما صرّح به الحنابلة من الأحوال التي يُكره فيه الصوم ويستحب الفطر من الأمراض (4).

المرتبة الثالثة : المرض الذي يقدر معه على الصوم ومشقته مشقة المرض العادية ـ أي أدنى مشقة تلحق المريض ـ ، وهذا يكون في كل مرض يسير في نفسه أو يسير في زمنه ومدته، أو يسير في علاجه ، ونحو ذلك . هذا النوع لا يجب الفطر فيه ولا يستحب الفطر، وإنما يجوز معه الفطر ، وهذا أدنى درجات المرض الذي يبيح للصائم الفطر في رمضان، وهو ما أخذ به ابن سيرين، وعطاء بن أبي رباح ، والإمام البخاري، وشيخه إسحاق بن راهويه، وهو ما رجحه القرطبي، رحمهم الله تعالى.

ـ دخل طريف بن تمام العطاردي على محمد بن سيرين في رمضان، فوجده يأكل ، فلما فرغ قال ابن سيرين : ” إنه وجعتْ إصبعي هذه “..

ـ وقال البخاري : ” اعتللت بنيسابور علة خفيفة ، وذلك في شهر رمضان، فعادني إسحاق بن راهويه في نفر من أصحابه ، فقال لي: أفطرت يا أبا عبد الله ؟ فقلت : نعم . فقال : ” خشيت أن تضعف عن قبول الرخصة”(5). وهذا من مواقف العلماء القوية فيما يرونه حقاً وصواباً ،وكثيراً ما نشاهد ونرى ونسمع من يتساهل في قبول الرخصة ويتحاشى منها ويتشدد على العزائم ، مع أن السنة عند صاحب السنة أنه ما خيّر بين أمرين إلاّ اختار أيسرهما ، ينبّه إلى استواء حب الله للرخصة والعزيمة فقال عليه الصلاة والسلام : ( إن الله يحب أن تؤتى رخصه كما يحب أن تؤتى عزائمه)(6).

المرتبة الرابعة : المرض الذي يكون الصوم أنفع له من الفطر ، بل الأكل والشرب يضره ويشتد عليه المرض بسببه ، فهذا يكره معه الفطر، وقد نبّه إليه الكاساني رحمه الله (7).

والخلاصة : أن كل ما يحصل للصائم من حال يستحق بها اسم المرض جاز به الفطر ، فإن زادت مشقته عن المشقة العادية استحب الفطر وكره الصوم ، فإذا ازداد إلى درجة الضرورة وجب به الفطر وحرم الصوم

هذا : وقد ألحق كثير من العلماء في كل المذاهب بالمرض المبيح للفطر أموراً نذكرها لزيادة الفائدة ، هي:

[1] المرض الذي يُخشى الزيادة فيه بالصوم أو إبطاء البرء منه .

[2] المرض الذي يُخشى فساد عضو بالصوم أو وجع العين أو الصداع أو الجراحة .

[3] المريض الذي لا يجد مشقة زائدة على الصوم ولكن يأخذ علاجاً في النهار ويخشى لو ترك العلاج أن يبطأ البرء أو يزداد المرض .

[4] الصحيح الذي خاف المرض بالتجربة أو بإخبار طبيب مسلم حاذق، أو بغلبة الظن ـ لا مجرد الوهم ـ .

[5] الصحيح الذي يمرّض المريض ويرعاه إذا خشي ضياع المريض بسبب صومه ، أو خاف هلاكه لضعفه عن القيام برعايته إذا صام (8).

والله تعالى أعلم..

الحواشي

  1. سورة البقرة الآية 185 .
  2. انظر : تفسير القرطبي ، 2/258 ، كفاية الأخيار ، تقي الدين الحصني الشافعي ، 1/408 . ولكن الشافعي والحسن البصري وإبراهيم النخعي جعلوا هذا النوع هو حدّ المرض الذي يبيح الفطر ، يراجع ذلك في تفسير القرطبي الموضع السابق .
  3. تفسير القرطبي نفسه . وهو النوع الذي جعله الجمهور حداً للمرض الذي يبيح الفطر للصائم، يراجع: تفسير القرطبي نفسه ..
  4. انظر : معونة أولي النُهَى شرح المنتهى ، لابن النجار الفتوحي الحنبلي ، 3/392 .
  5. كلاهما في : تفسير القرطبي ، نفسه .
  6. أخرجه البيهقي في السنن الكبرى 3/140 ، وابن حبان في صحيحه باب ذكر الأخبار عما يستحب للمرء ، 2/69 ، وأحمد في المسند 2/108 برقم 5885 بلفظ ( كما يكره أن تؤتى معصيته ) .
  7. بدائع الصنائع ، 2/94 .
  8. يراجع: حاشية ابن عابدين ، 2/116 ، معونة أولي النهى ، 2/392 ، تفسير القرطبي نفسه.
أ.د. عبدالله الزبير عبدالرحمن
س

إفطار سكان الطوابق العالية

فتاوى الصيام · · سأل: من كتاب «سؤالات الصائمين» — مسائل الأركان

رجلٌ يسكن الطابق العشرين في عمارة عالية ، يسمع المؤذن يؤذن للمغرب ، ولكنه يرى الشمس لا تزال طالعة ، هل يفطر بالأذان أم ينتظر المغيب ؟

جواب فضيلة الشيخ

الصيام الواجب لا يتحقق ولا يصحّ شرعاً إلا إذا بدأ الإمساك من طلوع الفجر واستمر إلى غروب الشمس ، وهو صريح قوله تعالى آية كريمة من كتاب سؤالات الصائمين (1)، وساكن الطابق العشرين إذا أفطر بأذان المؤذن وهو يرى الشمس لا يكون أتم صيامه إلى الليل، والإفطار يكون بتيقن الوقت لا بسماع الأذان، والأذان ما جعل إلا تنبيهاً للوقت، ولكنه متيقن من النهار فلا يجوز له الإفطار بالأذان إلا إذا تيقن من غروب الشمس .

وغروب الشمس في مثل هذه الحالة لا يتأخر طويلاً عن وقت أذان ساكني الطوابق الأرضية، فليس في الانتظار حتى الغروب مشقة زائدة، وليست من المشقات المعتبرة تأخر انقضاء التكليف عشر دقائق أو ربع ساعة حتى يقتضي الترخيص .

هذا وقد سئل الشيخ علي الطنطاوي رحمه الله عن هذه المسألة فأجاب: “من كان في العمارة العالية ، وهو يرى الشمس ، لا يجوز له أن يفطر حتى يراها تغيب” أ.هـ (2).

والله تعالى أعلم ..

الصيام وأقضية المرضالصيام وأقضية المرضالصيام وأقضية المرضالصيام وأقضية المرض

الصيام وأقضية المرض

الصيام وأقضية المرض

الحواشي

  1. سورة البقرة الآية 187.
  2. فتاوى علي الطنطاوي ، جمعها ماجد ديرانيه ، ص 232 .
أ.د. عبدالله الزبير عبدالرحمن

لديك مسألةٌ تُشكل عليك؟ استفتِ الشيخ

اكتب سؤالك وسيصل مباشرةً إلى مكتب فضيلة الشيخ، ويصلك الجواب على بريدك.

الردّ خلال ٣–٧ أيام بياناتك محفوظة ولا تُنشر ١١٦ فتوى منشورة
استفتِ الشيخ
فتوى مختارة

القيمة في زكاة الفطر

بعض الناس يخرجون القمح في زكاة الفطر ، وبعضهم يدفعون مبلغاً من المال في فطرتهم ، فأيهما هو الصحيح ؟ وهل يجزئ المسلم إذا أخرج المال ( القيمة ) بدل القوت ؟ أم لا بدّ أن يخرج العين في كل مكان ؟ أفيدونا نفع الله بكم .

اقرأ الجواب