فتاوى الصيام · · سأل: من كتاب «سؤالات الصائمين» — مسائل الأركان
زوجي لا يصلي، ومع ذلك كلما دخل شهر رمضان يتحمّس للصيام فيصوم معنا، وأنا أكلمه كثيراً عن أهماله للصلاة وتركه لها، وهو لا يسمع لي، وقد سمعت من بعض الدعاة أنّ صيامه لا ينفعه ما دام لا يصلي، فما رأيكم دام فضلكم؟.
جواب فضيلة الشيخ
الصلاة عماد الدين، وتاركها ليس له من الإسلام كثير حظٍّ، بل منزلته بين الفسوق والكفران لا يرتفع عنهما قيد أنملة، لا يخرج من أيِّهما إلا بإقامتها على الدوام. وهي العبادة التي لا تسقط بعذر من مرض أو سفر مهما بلغ به المرض، وهي العبادة التي ما أُنزل فرضها من السماء، بل دُعي لفرضها النبي الكريم ﷺ إلى السماء السابعة ففرضها ربنا عليه وعلى أمته، وقد حذّر رسول الرحمة عليه الصلاة والسلام من تركها تحذيراً شديداً، حتى إنّه ﷺ جعل العهد الذي بين المسلم وبين المسلمين الصلاة، فقال: (العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر)(1) وقال ﷺ: (بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة)(2). وقول فاروق الأمة عمر بن الخطاب رضي الله عنه في تارك الصلاة: ( لا حظّ في الإسلام لمن ترك الصلاة)(3) . والشريعة تؤاخذ تاركها إنْ ظفرت به ولا تتركه حرَّاً طليقاً وهو لا يزال مستخفاً بها مستهيناً بأمرها.
وعليه فتارك الصلاة قبل الحكم على صيامه؛ يجب أن يُنظر في أمر تركه للصلاة، فإنْ كان تركه لها جحوداً وإنكاراً، فهو كافرٌ مرتدٌّ لا ينفعه صيامٌ ولا زكاةٌ ولا حجٌّ بإجماع الأمّة والأئمّة، ويُقتل كفراً بعد استتابته. أمّا إنْ كان تركه لها كسلاً وتهاوناً فالجمهور من المالكية والشافعية والحنابلة وغيرهم يوجبون قتله كذلك حدَّاً، والحنابلة وابن حبيب من المالكية كفراً، بعد استتابته، بينما ذهب الحنفية إلى حبس من تركها تهاوناً وكسلاً وضربه حتى يصلي أو يموت في حبسه.
فها هو تارك الصلاة في مجتمع المسلمين لا يترك حراً طليقاً بينهم، بل حقّه بين القتل كفراً أو حداً وبين الحبس والضرب.
والراجح في تارك الصلاة كسلاً وتهاوناً أنه عاصٍ فاسق، ولا يكفر بتهاونه وكسله في أداء الصلوات ـ وإنْ كان حدّه القتل ـ ، ما دام مقرَّاً بوجوبها غير منكِرٍ لها؛ والقاعدة في ذلك: أنّ من دخل الإسلام بيقين لا يخرج منه إلا بيقين، ولقوله تعالى (4). ولحديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: « خمس صلوات كتبهن الله على العباد فمن جاء بهن لم يضيع منهن شيئاً استخفافاً بحقهن؛ كان له عند الله عهد أن يدخله الجنة، ومن لم يأت بهن؛ فليس له عند الله عهد، إن شاء عذبه وإن شاء أدخله الجنة»(5). ولحديث أَبِي قَتَادَةَ بْنَ رِبْعِيٍّ رضي الله عنه، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: (قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: افْتَرَضْتُ عَلَى أُمَّتِكَ خَمْسَ صَلَوَاتٍ، وَعَهِدْتُ عِنْدِي عَهْدًا أَنَّهُ مَنْ حَافَظَ عَلَيْهِنَّ لِوَقْتِهِنَّ أَدْخَلْتُهُ الْجَنَّةَ، وَمَنْ لَمْ يُحَافِظْ عَلَيْهِنَّ فَلاَ عَهْدَ لَهُ عِنْدِي)(6). على أنّ في حديث ( العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر) إضماراً تقديره : ( فمن تركها ـ جحوداً وإنكاراً ـ فقد كفر) وكذلك في حديث مسلم (بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة) وتقديره : (..ترك الصلاة إنكاراً). كما أنّ الكفر فيهما مؤَّولٌ بكفر المعصية، كتأويل ابن عباس وغيره لقوله تعالى (7) وكتأويل العلماء لقوله ﷺ في حجة الوداع: ( لا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض)(8). ولقوله ﷺ: ( سباب المسلم فسوقٌ وقتاله كفرٌ)(9). قال الترمذي رحمه الله: ” ومعنى هذا الحديث (قتاله كفر) ليس به كفراً مثل الارتداد عن الإسلام..وقد روي عن ابن عباس وطاووس وعطاء وغير واحد من أهل العلم قالوا: كفر دون كفر وفسوق دون فسوق”(10).
ولكنه مع ذلك دلّ على أنّ ترك الصلاة وقتال المسلم أفعالٌ أشبه بالكفر وأقرب إليه من الإسلام والإيمان، لأنها أفعال تشبه أفعال أهل الكفر لا أهل الإسلام.
ولهذا: فإنْ وجدنا من يصوم رمضان إذا دخل الشهر، وهو لا يصلي، لا نمنعه من الصيام، ولا نقول إنّ صيامه لا ينفعه، إذ الصيام فرضٌ قائم بنفسه، واجب أداؤه بذاته، كما يجب أداء الصلاة، وعليه يصحّ صومه، ولو ترك الصيام مع الصلاة يكون قد ترك ركنين وأضاع فرضين، ولا شكّ أنّ ترك ركن أو فرض؛ أخفّ من ترك ركنين وإضاعة فرضين .
ونرجو أن يحمله الصوم إلى محبة دينه، وأن يزيد تقواه به، فيقوى في التزامه، ويزداد في تديّنه، فيحبَّبَ إليه الإيمان، ويكرَّه إليه الفسوق والعصيان، حتى يخرج مع خروج الشهر من فسوق ترك الصلاة إلى صفوف مقيمي الصلاة والصيام. والله ولي ذلك والقادر عليه.
فتاوى الصيام · · سأل: من كتاب «سؤالات الصائمين» — مسائل الأركان
هل يجب على مريد الصيام إذا جامع زوجته أو احتلم فأصيب بجنابة أن يغتسل قبل طلوع الفجر ؟ وما حكم من لم يغتسل حتى طلع الفجر ، هل يصحّ صومه ؟
جواب فضيلة الشيخ
اتفق الصحابة كلهم رضوان الله عليهم – فيما عُلم – على أنه لا يجب على من أصيب بجنابة أن يغتسل قبل طلوع الفجر ، وأنه إذا أصبح وهو جُنب صحّ صومه ، ولا شيء عليه ، لا قضاء ولا كفارة . فاتفقوا جميعاً إلا ما رُوي عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال : ( من أدركه الفجر جُنباً فلا يصم )(1)
وقد تعلّق بعض الناس بقول أبي هريرة رضي الله عنه من التابعين وتابعيهم . إلا أن الحُجَّة في سنة رسول الله ﷺ التي صحت عنه من فعله عليه الصلاة والسلام. فقد أخرج أهل الصحاح عن عائشة وأم سلمة زوجي رسول الله ﷺ أنهما قالتا: ( إن كان رسول الله ﷺ ليصبح جُنباً من جماع غير احتلام في رمضان ثم يصوم)(2) . وصرّحت أم سلمة قائلة : ( ثم لا يفطر ولا يقضي)(3).
ولا شك أننا نأخذ بحديث عائشة وأم سلمة زوجي النبي ﷺ دون ما رواه أبو هريرة رضي الله عنهما :
أولاً : لأن عائشة وأم سلمة هما زوجتا رسول الله ﷺ، وزوجتاه أعلم بهذا الأمر من رجل لا يعرف مثل ذلك إلا سماعاً أو خبراً ، وليس الخبر كالمعاينة.
ثانياً : لأن النقاء عن الجنابة ليس من شروط صحة الصوم وإن كان من شروط صحة الصلاة . ومن المتفق عليه بين العلماء أن من احتلم في نهار رمضان يجب عليه الغسل ولا يبطل صومه .
ثالثاً : لأن الله تعالى أباح للصائمين الأكل والمباشرة إلى طلوع الفجر فقال (4)، فإذا جاز الجماع إلى طلوع الفجر لزم منه أن يصبح جُنباً . فدلّ القرآن على جواز أن يصبح الجُنب صائماً
ومع ذلك فإن أبا هريرة رضي الله عنه قد تراجع عن مذهبه وفتواه حين اُخبر برواية عائشة وأم سلمة حتى قال : ” هما أعلم “(5) ، وفي رواية: ” هنّ أعلم برسول الله ﷺ منّا “(6)
ولما وافق أبو هريرة الجمهور لم يعد للخلاف مكان ، فارتفع واستقر الإجماع على صحة صوم من أصبح جُنباً كما جزم به النووي . وقال ابن دقيق العيد : ” صار ذلك إجماعاً أو كالإجماع “(7). والله تعالى أعلم ..
الحواشي
أخرجه مسلم في كتاب الصيام برقم (2584) .
أخرجه مالك في الموطأ 1/289 ، ومسلم في صحيحه كتاب الصيام برقم (2587).
فتاوى الصيام · · سأل: من كتاب «سؤالات الصائمين» — مسائل الأركان
قومٌ أفطروا قبل غروب الشمس في يوم غيم وقد ظنّوا غروبها، وبعد أن أكلوا استبان لهم أن الشمس لم تغب ؟ ماذا يصنعون ؟ هل عليهم قضاء أو كفارة ؟
جواب فضيلة الشيخ
هذه المسألة من جنس المسألة السابقة ، فإن أهل المدن والحضر يستخدمون الساعات لضبط الأوقات فلا عذر لهم إن أفطروا للغيم أو بمجرد الظن . أما أهل البوادي والقرى البعيدة ممن لا يزالون يضبطون المواقيت بالشمس والظل والشفق وسواد الليل وبياض النهار ، فهؤلاء هم أصحاب هذه المسألة . وقد ذهب العلماء فيه إلى قولين :
القول الأول : أنه يجب القضاء . وهو قول الجمهور .
القول الثاني : أنه يتم صومه ، ولا شيء عليه ، لا قضاء ولا شيء، وهذا قول أحمد في رواية عنه ، وإسحاق بن راهوية ، والحسن البصري ومجاهد(1) .
وقد وقعت هذه المسألة في عهد الرسول ﷺ وفي عهد عمر وفي عهد معاوية .
أما ما حدث في عهد الرسول ﷺ فهو ما أخرجه البخاري في صحيحه، وأبو داود في سننه عن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما قالت:(أفطرنا على عهد رسول الله يوم غيم ثم طلعت الشمس )(2) . وقد روى هشام بن عروة عن أبيه عروة بن الزبير” أنهم لم يؤمروا بالقضاء”(3).
قال ابن تيمية : “وهذا يدل على شيئين : على أنه لا يستحب مع الغيم التأخير إلى أن يتيقن الغروب ، فإنهم فعلوا ذلك ، ولم يأمرهم به النبي ﷺ، والصحابة مع نبيهم أعلم وأطوع لله ولرسوله ممن جاء بعدهم. والثاني : لا يجب القضاء ، فإن النبي ﷺ لو أمرهم بالقضاء لشاع ذلك كما نقل فطرهم، فلم ينقل ذلك دلّ على أنه لم يأمرهم به” (4) .
وأما ما حدث في عهد عمر ، فهو ما أخرجه عبد الرزاق وابن أبي شيبة وغيرهما عن زيد بن وهب وغيره قال : كنت جالساً في مسجد رسول الله ﷺ في رمضان في زمن عمر بن الخطاب ، فأتينا بعساس فيها شراب من بيت حفصة ، فشربنا ونحن نرى أنه من الليل ، ثم انكشف السحاب فإذا الشمس طالعة . قال : فجعل الناس يقولون أنقضي يوماً مكانه ؟ فقال عمر: (والله لا نقضيه ما تجانفنا لإثم)(5).
وعند ابن أبي شيبة أن عمر رضي الله عنه قال:( من كان أفطر فليصم يوماً مكانه)(6).
والأول موافق لخبر أسماء .
وأما ما حدث في عهد معاوية ؛ فهو ما أخرجه ابن أبي شيبة عن سعيد بن فطن عن أبيه أنه كان عند معاوية في رمضان ، فأفطروا ، ثم طلعت الشمس ، فأمرهم أن يقضوا(7) .
والصحيح: أنه لا قضاء عليهم ولا شيء . والدليل عليه من وجهين:
الوجه الأول : أن النبي ﷺ لم يأمر بالقضاء ، فدلّ على أن حكم هذه المسألة عدم وجوب القضاء .
الوجه الثاني : أن روايات القضاء عن عمر ومعاوية روايات في المصنف لعبد الرزاق وابن أبي شيبة ، ورواية عدم القضاء في صحيح البخاري ، ورواية البخاري مقدمة ، كما أن حكم النبي وفعله يقضي على قول غيره ، ولا يقدم مذهب صحابي على حكم رسول الله ﷺ وفعله . والحمد لله …
هذا في حالة أنهم اعتقدوا غروب الشمس ، أما إذا كانوا شاكّين من غروب الشمس ، فأفطروا ، واستبان لهم أن الشمس لم تغرب . في هذه الحالة وجب عليهم القضاء ، لأنهم لم يتبينوا ، لأن الأصل بقاء النهار، والصائم مأمور أن يتم صومه إلى الليل كما قال تعالى (8) وهو لم يتم الصيام إلى الليل، فيقضي . والله تعالى أعلم..
الحواشي
انظر فتح الباري 4/236 .
البخاري كتاب الصيام ، حديث رقم (1959) ، وأبو داود في كتاب الصوم حديث رقم (2359) .
فتاوى الصيام · · سأل: من كتاب «سؤالات الصائمين» — مسائل الأركان
شخصٌ أكل السحور بعد الفجر وهو جاهل بطلوعه ، هل صومه صحيح؟ كذلك من جامع امرأته بعد الفجر جاهلاً بطلوعه هل يصحّ صومه؟
جواب فضيلة الشيخ
أولاً : في هذا الزمان قلّ من يجهل طلوع الفجر أو غروب الشمس، لأن الناس قد ضبطوا هذه الأوقات بطريق الحساب والساعات ، فيُعلم طلوع الفجر وغروب الشمس بالساعة ولا يحتاج ذلك إلى تبيّن الفجر بظهور بياضه عن سواد الليل . ولذلك لا يكون ذلك عذراً إلا لمن لا يمتلك ساعة . وهذا لا يتصور إلا في بعض قرى البادية ، وبعض أهل هذه القرى ممن لا يستخدمون الساعات ونحوها . وعليه:
[1] فمن أكل من هؤلاء السحور بعد الفجر وهو جاهل بطلوعه عليه أن يمسك ذلك اليوم ولا يفطر . وهل عليه قضاء أو لا ؟ ذهب العلماء إلى قولين:
القول الأول: يجب عليه القضاء ، وهو قول الجمهور ، قياساً على أنه لو غُمَّ هلال رمضان فأصبح مفطراً ثم تبيّن أن ذلك اليوم الأول من رمضان؛ وجب عليه القضاء بالاتفاق فكذلك هذا (1).
القول الثاني: يتمّ صومه ، ولا قضاء عليه . وهو قول جماعة من التابعين وغيرهم : عروة بن الزبير ، ومجاهد ، والحسن وإسحاق بن راهوية، ورواية عن عمر بن الخطاب ، وهو قول لأحمد بن حنبل. مستدلين بالقرآن والسنة :
فمن القرآن استدلوا بقوله تعالى (2) وقد أخطأ في تبيّن الفجر فأكل.
ومن السنة قوله ﷺ: (إن الله تجاوز عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه)(3) .
أما من جامع امرأته وقد طلع الفجر وهو جاهل بطلوعه:
فإن العلماء في ذلك على ثلاثة مذاهب :
المذهب الأول : أن عليه القضاء والكفارة ، وهو قول الحنابلة والظاهرية وابن الماجشون من المالكية .
المذهب الثاني : أن عليه القضاء فقط ، لأنه أفسد صوم يومه خطأ ولم يتعمد. وهو قول مالك والليث والأوزاعي .
المذهب الثالث: أنه لا قضاء عليه ولا كفارة ، وهو قول الأكثرين: الحنفية، والشافعية ، وإسحاق بن راهوية ، وأبو ثور ، ومن التابعين الحسن ومجاهد والنخعي وغيرهم(4) .
وهذا هو الراجح : جمعاً بين النصوص ، فإن الله تعالى ورسوله ﷺ قد عمّما وضع المؤاخذة عن المخطئ في قوله تعالى ، وقوله تعالى (5) وقوله ﷺ: ( إن الله تجاوز عن أمتي الخطأ). فلما أمر النبي ﷺ الأعرابي الذي واقع زوجته في نهار رمضان بالكفارة ، عرفنا أنه جماع لا خطأ فيه ولا نسيان ، وبالجمع بينها نعلم أن ما كان على خطأ لا قضاء فيه ولا كفارة، لأن الخطأ لا مؤاخذة فيه ، وما كان على خلافه كان فيه الكفارة. والله تعالى أعلم ..
الحواشي
فتح الباري ، 4/236 ، وانظر : المغني 3/52 .
سورة الأحزاب ، الآية (5)
أخرجه ابن ماجة في باب طلاق المكره والناسي برقم (2045) ، 1/659 ، والبيهقي في السنن الكبري باب مالا يجوز إقراره برقم 11256 ، 6/84 ، والدار قطني في سننه 4/170، وابن حبان في صحيحه باب ذكر الأخبار عما وضع الله بفضله عن هذه الأمة ، 6/202 ، والطبراني في الأوسط بلفظ “وضع عن أمتي” 8/161 .
تراجع المذاهب في : الاستذكار 10/111 ، الأم 2/99 ، المجموع 6/352 ، ومجموع الفتاوى 25/226 .
فتاوى الصيام · · سأل: من كتاب «سؤالات الصائمين» — مسائل الأركان
أصبحنا في الآونة الأخيرة نسمع كثيراً أن الحساب قطع بعدم رؤية الهلال أو بعدم إمكانية رؤيته، فهل يصح الأخذ بالحساب الفلكي لإثبات شهر رمضان؟ وما هي حقيقة هذا الحساب الذي يتحدث عنه العلماء ويختلفون حوله في كل عام؟ أفيدونا نفع الله بكم شيخنا.
جواب فضيلة الشيخ
المقصود بالحساب الذي يثبت به دخول شهر رمضان؛ ما يُعرف بالحساب الفلكي، وهو علم معروف للفقهاء من العصور الإسلامية الأُولى، واليوم له خبراء وعلماء مختصون، وقد بلغ الحساب الفلكي مبلغاً عظيماً في الدقّة حتى صار في غالبه قطعياً، مما جعل احتمال الخطأ في حسابه يصل إلى ما لا يعتبر خطأً فنسبة الخطأ في تقديراته100,000 / 1 (واحد إلى مائة ألف) في الثانية. ولا يُعلم بين علماء الشريعة من أنكر الحساب، فلا خلاف في وكونه علماً من العلوم المعتبرة، وإنما الخلاف بينهم في اعتماده طريقاً شرعياً لإثبات دخول الشهر وخروجه.
وبالطبع ليس المقصود بالحساب؛ علم التنجيم الذي يرفضه الشرع ويذمه العلماء، وإنما المقصود بالحساب؛ الحساب الفلكي المنبثق من علم الفلك القائم على الأسس الرياضية العلمية القطعية، وقد اعترف أئمتنا وشهدوا لهذا الحساب بالاعتبار والصحة، فهذا الإمام ابن تيمية رحمه الله تعالى يقول معترفاً بصحة علم الحساب: “لا ريب أن النجوم نوعان: حساب، وأحكام، فأما الحساب فهو معرفة أقدار الأفلاك والكواكب، وصفاتها، ومقادير حركاتها، وما يتبع ذلك، فهذا في الأصل علمٌ صحيحٌ لا ريب فيه”(1).
أما بخصوص اعتبار أو اعتماد الحساب الفلكي طريقاً من طرق إثبات الأهلة لا سيما في دخول شهر رمضان وشهر شوال؛ فللعلماء في ذلك ـ قدامَى ومعاصرين ـ أربعة مواقف، على النحو الآتي:
الْموقف الأول: هو موقف من يمنع اعتبار الحساب مطلقاً، وهم الجمهور من قدامى الفقهاء ومتأخريهم. فذهب هؤلاء إلى أنّ الحساب لا يثبت به دخول شهر رمضان ولا خروجه أبداً، وأنّ الذي يثبت به ذلك هو “فقط” الرؤية البصرية. وقد نصر هذا الموقف الإمام النووي والحافظ ابن حجر وشيخ الإسلام ابن تيمية وغيرهم، رحمهم الله تعالى (2).
الْموقف الثاني: هو موقف من يعتبر الحساب مطلقاً، وهم فئة من العلماء المعاصرين، كالشيخ مصطفى الزرقا، وطنطاوي جوهري، وهو الموقف الظاهر للشيخ أحمد محمد شاكر، وغيرهم. وهؤلاء ذهبوا إلى أنّ الحساب يمكن أن يقوم مقام الرؤية البصرية في إثبات الشهر مطلقاً، سواء غُمَّ علينا أو لم يغم، وسواء يمكن رؤيته أم لم يمكن رؤيته، ويؤخذ بالحساب مطلقاً في نفي الرؤية واستحالته، وفي إثبات إمكان الرؤية وغير ذلك مما يمكن الأخذ بالحساب فيه.
الْموقف الثالث: وهو موقف من اعتبر الحساب على العموم، ولكن في إثبات هلال رمضان أو شوال به قالوا: يعتبر الأخذ بالحساب بالنسبة لأهل الحساب وحدهم، فيجب على الحاسب الأخذ بحسابه في إثبات دخول شهر رمضان، فيصوم لنفسه وجوباً.
وهذا الرأي هو الذي أخذ به أبو العباس بن سريج من أئمة الشافعية وحكاه عن الإمام الشافعي رحمه الله تعالى ، وهو مذهب جماعة من أئمة الشافعية: القفّال، والقاضي أبي الطيب رحمهم الله وغيرهم(3).
الْموقف الرابع: وهو موقف من يعتبر الحساب على العموم، ولكن في إثبات شهر رمضان أو شوال به يأخذون بالحساب في حالة النفي دون حالة الإثبات، وهو مذهب أكثر من يرى اعتبار الحساب من السابقين والمعاصرين، وهو ما أخذت به بعض المجامع الفقهية وبعض مجالس الإفتاء(4).
وهؤلاء مع أنهم يرون وجوب الأخذ بالرؤية؛ إلاّ أنهم جعلوا شرط العمل بالرؤية عدم نفي الحساب الفلكي القطعي إمكانية الرؤية، فإذا نفى هذا الحساب إمكان الرؤية فلا يعتدّ بشهادة الرؤية.
ومن أصحاب هذا القول من الفقهاء المعروفين: الإمام ابن دقيق العيد، والإمام تقي الدين السبكي، والشيخ محمد بن عبد الوهاب المراكشي، وجماهير المعاصرين القائلين بالحساب.
ومن العلماء المعاصرين: أحمد محمد شاكر، ومحمد رشيد رضا، وطنطاوي جوهري، ومصطفى الزرقا. ومن شيوخ الأزهر: الشيخ المراغي، والمطيعي مفتي الديار المصرية في زمانه، وجاد الحق علي جاد الحق، وهو رأي الشيخ علي الطنطاوي، ومحمد سلامة جبر، والشيخ يوسف القرضاوي وغيرهم (5).
والرَّاجح: من مواقف العلماء من الحساب وإثبات الشهر به، موقف من توسّط منهم، فذهب إلى الأخذ بالحساب في حالة النفي على سبيل القطع واليقين، فترد شهادة الرؤية به، أمّا إذا قضى الحساب بإمكان الرؤية فعندئذ يؤخذ بالرؤية، ويعتمد ثبوت الشهر بالرؤية؛ فإنْ رؤي الهلال صام الناس، وإنْ لم يُرَ الهلالُ لم يصوموا.
وإنما رجّحنا هذا الرأي لوجوه كثيرة هي ما يلي:
الوجه الأول:
قوله تعالى (6) فيه اعتبار الحساب، فإنّ ﴿ شَهِدَ ﴾ في الآية؛ فيه معنى الشهود العلمي، بطريق الحساب، لأنه إمّا من شهد يشهد شهوداً، من الحضور والإقامة؛ وإمّا من شَهِدَ يشهد مشاهدة شهادة، والشهادة إنما تكون بطريق العلم، كما في قوله تعالى (7).و﴿ شَهِدَ ﴾ هنا مرادٌ به العلم والحكم والبيان.
فشهد الله والملائكة وأولو العلم ، بمعنى: علم الله والملائكة وأولو العلم، فشهد تكون بمعنى علم(8)، والعلم بدخول الشهر قد يكون بالإخبار وقد يكون بحساب المنازل، لأن القمر له منازل محددّة يمكن تقدير الشهر بها كما قال تعالى (9). فدلّ أن الحساب يمكن أن يعرف به دخول الشهر ويجب به الصوم.
واعتبار علم الحساب وتصحيحه قال به غير واحد من أئمتنا، فنرى الإمام المرغيناني الحنفي رحمه الله يقول: ” إنّ علم النجوم قسمان: أحدهما الحسابيّ وهو حقّ ةقد نطق به الكتاب، قال تعالى ( الشمس والقمر بحسبان).. بل إنّ كثيراً من الآيات ترغب في علم الهيئة لمعرفة حساب الشهور والسنين من منازل القمر..”(10).
كما نرى الإمام الغزالي رحمه الله يقول: ” علم النجوم الذي يُعرف به سير الكواكب والشمس والقمر ، وكذلك علم الهيئة ، لن يكذبه الشرع، بل يهتدي به إلى معرفة السنين والشهور وأوقات الصيام والحج ومواقيت الصلاة، فإنكار هذا قصورٌ وجهلٌ”(11).
ونجد كذلك شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله يعتبره حيث يقول: “لا ريب أن النجوم نوعان: حسابٌ وأحكامٌ، فأما الحساب فهو معرفة أقدار الأفلاك والكواكب، وصفاتها، ومقادير حركاتها، وما يتبع ذلك، فهذا في الأصل علمٌ صحيح لا ريب فيه”(12).
الوجه الثاني:
قوله تعالى (13). وفيه اعتبار الحساب، والشاهد من الآية : قوله تعالى . ووجه الدلالة أنه تعالى قدر القمر منازل ليكون ذلك طريقاً لمعرفة السنين، وطريقاً لحساب الشهر، وذلك من وجهين:
أولهما: أنّ اللام في ﴿ لِتَعْلَمُوا ﴾ سببية، والمعنى: ليكون تقدير المنازل سبباً وطريقاً لمعرفة السنين والحساب.
وثانيهما: أنّ السنين تقابل الشهور، والعدد يقابل الحساب، فدلّت الآية أن السنين عددية، فإذا كانت السنة عددية فالشهر يمكن أن يكون حسابياً،فيكون المعنى: لتعلموا بالعد السنين، ولتعلموا بالحساب الشهور، فكانت معرفة الشهر ودخوله وخروجه بطريق الحساب وجهاً شرعياً.
وقد أشار إلى ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله مع أنه يمنع من الأخذ بالحساب فيقول: ” سُنّة الروم والسريانيين والقبط ونحوهم من الصابئين والمشركين أنْ يجعلوا السنة طبيعية والشهر عددياً ، أما سُنَّة المسلمين؛ فأنْ يكون الشهر طبيعياً والسنة عددية فالسنين عددية ، وما قابل العدد الحساب ، وما يقابل السَّنة الشهر ، فإذا كانت السنة عددية ، فالشهر حسابي ، ولعله المقصود من الآية”(14).
الوجه الثالث:
إنّه لا تعارض بين اعتبار الحساب وحديث: ( صوموا لرؤيته) لأن الشارع علّق الرؤية بالهلال لا بالرائين، فقال: ( صوموا لرؤيته) ولم يقل (صوموا لرؤيتكم)، ولهذا يجب أن يكون الهلال ممكن الرؤية حتى تتم الرؤية، وهذا هو دور الحساب، فصار الحساب في الحقيقة وسيلة من وسائل الرؤية وطريقاً من طرقها، لا أمراً مضاداً للرؤية أو مناقضاً لها.
الوجه الرابع:
إنّ الرؤية كما تكون بصرية فقد تكون علمية.
أما الرؤية البصرية فلا إشكال فيها البتة ولا تحتاج إلى بيان.
أما الرؤية العلمية؛ فهي معتبرة واردة في الشرع، فقد جاءت آيات القرآن في أكثر من ثلاثين آية شاهدة بها مشيرة لها في كثير منها، ومن ذلك:
ـ قوله تعالى (15) أي ألم تعلم، لأنه ﷺ لم ير ذلك وإنما أُخبر فعلم به.
ـ وقوله تعالى (16) أي ألم تعلم، لأنه لم يكن في عهد عادٍ.
ـ وهكذا قوله تعالى (17). وقوله تعالى (18).
بل قد تكون الرؤية رؤية علمية في مجال الفلك والطبيعة على خصوصها، كما في قوله عزّ وجلّ (19). قال الشوكاني رحمه الله: ” هذه الرؤية إمّا بصرية، والمراد بها: ألم تبصر إلى صنع ربك، أو ألم تبصر إلى الظل كيف مدّه ربك؟ وإمّا قلبية بمعنى العلم، فإن الظل متغير، وكل متغير حادث، ولكل حادث موجد . قال الزجاج: ﴿ أَلَمْ تَرَ ﴾ ألم تعلم”(20).
أقول: إننا نرى مدّ الظلّ رؤية بصرية، ولكننا لا نرى بصرياً كيف مدّ الله تعالى هذا الظلّ، فهذه لا بدّ أن تكون برؤية علمية، بل إن الله عزّ وجلّ ينبّه إلى أنّه قد تكون الشمس دليلاً لهذه الرؤية العلمية، وبالتالي فلا يمنع أن يكون القمر ومنازله دليلاً على إمكان الحساب.
ـ ومن ذلك أيضاً قوله تعالى (21).
فهذه أيضاً رؤية علمية، فإننا لم نر بصرياً كيف يزجي الله السحاب وكيف يؤلف بينه، مع أننا نرى الودق “المطر” يخرج من خلال السحاب، وهذه رؤية بصرية، فجمعت الآية بين الرؤية العلمية والرؤية البصرية.
وعليه: فإنّ قوله ﷺ: (صوموا لرؤيته) يراد به: الرؤية البصرية قطعاً بإجماع الناس، وقد يراد به كذلك الرؤية العلمية التي تكون بطريق الحساب الفلكي العلمي القطعي.
لذلك؛ كان الأَوْلَى تحقيق الرؤيتين ( البصرية والعلمية): بإثبات إمكان الرؤية البصرية بالعلم والحساب، ثم إثبات الهلال بالرؤية البصرية، على أنّ الحساب وسيلة علمية للرؤية التي جاءت الأحاديث آمرة بها، فكان الأخذ بالحساب لمعرفة إمكان الرؤية وعدمها إعمالاً للنصوص الآمرة بالرؤية على وجهها وتحقيق شرطها، فلا يكون تعارض بينها وبين الأخذ بالحساب، كحديث ابن عمر رضي الله عنهما 🙁 لا تصوموا حتى تروا الهلال، ولا تفطروا حتى تروه، فإنْ غُمَّ عليكم فاقدروا له ) (22)، وحديث أبي هريرة رضي الله عنه: ( صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته، فإنْ غُمَّىَ عليكم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين)(23). وحديث أبي هريرة رضي الله عنه الآخر: ( إذا رأيتم الهلال فصوموا، وإذا رأيتموه فأفطروا ..) (24). وحديث ابن عمر الآخر: ( إنَّا أمَّة أميَّة، لا نكتب ولا نحسب، الشهر هكذا، وهكذا، وهكذا) وعقد الإبهام في الثالثة(25).
الوجه الخامس:
إنّ أدلة المانعين من الأخذ بالحساب مطلقاً يمكن مناقشتها بما يندفع بها المنع، فأقوى دليل لمانعي اعتبار الحساب مطلقاً هو استدلالهم بحديث ابن عمر رضي الله عنهما من قول النبي ﷺ: ( إنَّا أمَّة أميَّة، لا نكتب ولا نحسب، الشهر هكذا، وهكذا، وهكذا). ووجه الدلالة من الحديث: أنّ النبي ﷺ نفى أن تكون الأمّة حاسبة، مصرحاً فيه أن أمته لا تحسب وهو قوله: (لا نكتب ولا نحسب)، وهذا دليل على إلغاء اعتبار الحساب في إثبات الشهر.
ويجاب عنه من ثلاثة وجوه:
الوجه الأول: أنّ الأمية صفة نقص لا صفة كمال، ولا تكون إلاّ عذراً، ولهذا اتخذ النبي ﷺ وسائل عديدة ـ كما هو مشهور في السيرة ـ لتعليم أمته القراءة والكتابة. وصفة النقص لا يطلب استدامتها، مما يدلّ على أنّ الحديث حديث عين وحال، أي أن عين الأمة في زمانه ﷺ وحالهم في وقته أنها أمة أمية، لا تكتب ولا تحسب، ويجب تغيير هذا الحال ، فإذا تغيّر الحال تغيّر الحكم. وقد تغيّر الحال فصارت الأمة تكتب وتحسب ، فلا مانع ـ إذنْ ـ بعد تغيّر الحال من اعتبار الحساب.
الوجه الثاني: أنّ الحديث إذا كان بظاهره دالاً على إلغاء اعتبار الحساب، فهو ـ إذنْ ـ دالٌّ على إلغاء اعتبار الكتابة أيضاً، لأنه نصَّ على أنّ الأمّة أمّيّةٌ لا تكتب ولا تحسب، وهذا لا يجوز أن يقول به أحد، لأنّ النبي ﷺ اتخذ من الوسائل ما يجعل أفراد الأمة يتعلمون الكتابة.
الوجه الثالث: أنّ الحديث تفسير وتعليل لبيان الإجمال الواقع في حديث: ( فإنْ غمَّ عليكم فاقدروا له).
والمعنى فاقدروا له لأنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب. فيكون من البيان بيان ما ينبغي أن يكون إذا صرنا نكتب ونحسب، ليدلّ على اعتبار الحساب إذا انتشر علم الحساب واطمأن الناس له.
وهذا نفسه ما يقال في استدلالهم بالحال، وهو ما ذكره الأئمة: النووي وابن حجر والمازري رحمهم الله، على أنّ الحساب علمٌ نادرٌ لا يعرفه إلاّ خاصة من المسلمين، ولذلك لم يعلق الشرع عليه إثبات الشهر ولا صيامه ، وإنما علق على أمر ظاهر يمكن للجميع أن يتحروا به الهلال وهو الرؤية. وقالوا: ” إنّ الناس لو كلفوا بالحساب ضاق عليهم، لأنه لا يعرف الحساب إلاّ أفراد من الناس في البلدان الكبار، والشرع إنما يعرف الناس بما يعرفه جماهيرهم ” (26).
فيقال: الأئمة رحمهم الله تعالى إنما يذكرون ما كان حال الحساب في زمانهم، أما اليوم فقد انتشر علم الحساب وانضبط بحيث أصبح علماً معروفاً بقواعده وأصوله، وإنّ كثيراً من المسلمين الأخيار علماء متمكنون فيه عالِمون به، فلو أُعمل الحساب في رصد الأهلة لكان أضبط في تحقيق الرؤية وأسدد.
أما ما ذكره ابن تيمية رحمه الله مستدلاً للمنع: ” إنّ أرباب الحساب لا يقدرون على أن يضبطوا الرؤية ضبطاً مستمراً ، وإنما يقربوا ذلك فيصيبون تارة ويخطئون تارة” (27).
فيقال: إنما نأخذ من الحساب ما كان قطعياً يقينياً بحيث يكون إمكان الرؤية مقطوعاً به فلا يتطرق إلى ذلك شك أو خطأ.
فاتضح أنه لا مانع من الأخذ بالحساب لمعرفة إمكان الرؤية من عدمه، مع التنبّه إلى أنه: ليس إمكان الرؤية رؤية، بل لا بدّ من التحري للرؤية، فإنْ رؤي عند ذلك فيثبت الشهر، وإنْ لم يُر فلا يثبت الشهر بمجرد قول علماء الحساب إمكان رؤية الهلال.
ومع ذلك؛ فإن جواز الأخذ بالحساب في إثبات شهر رمضان وشوال مشروط بشرطين:
الشرط الأول: أن يكون إعمال الحساب في إمكان الرؤية ونفيه، فلا يثبت بالحساب وحده دخول الشهر دون الرؤية، فلا بدّ من الرؤية، ويكون دور الحساب ـ فقط ـ إثبات هل الرؤية ممكنة أم لا؟.
الشرط الثاني: أن يكون من نوع الحساب الفلكي القطعي اليقيني الذي لا يختلف فيه اثنان من علماء الفلك، وقد توسّع الناس في اعتبار كل ما يدعيه علماء الفلك أنه من الحساب الذي يثبت به الرصد للأهلة، إلا أن الفقهاء انتبهوا لذلك، فبحثوا معهم إلى أن توصلوا إلى أن ما يعتمد من الحساب الفلكي في شأن الأهلة أمور ثلاثة فقط لا غير:
الأمر الأول: حدوث الاقتران للقمر، وساعة ذلك الاقتران.
الأمر الثاني: بقاء القمر بعد غروب شمس التاسع والعشرين من شعبان بالنسبة لرمضان، والتاسع والعشرين من رمضان بالنسبة لشوال.
الأمر الثالث: درجته في الأفق.
فإن قطع الحساب بعدم حدوث اقتران، فلا تقبل الشهادة بالرؤية، لأن القمر لا يولد أصلاً إلا بالاقتران.
وإنْ قطع الحساب بغروب القمر قبل غروب الشمس يوم التحري فلا تقبل شهادة بالرؤية، لأن الهلال لا يوجد وقت الترائي والتحري في الفضاء أصلاً.
وإن قطع الحساب أنّ القمر في درجة أو أقلّ من درجة في الأفق؛ فلا تُقبل الشهادة، لأنّ الدرجة وما دونها تستحيل معها الرؤية للهلال باتفاق أهل المعرفة، وهو الذي قطع به بعض الفقهاء كابن تيمية رحمه الله(28).
أما ما دون ذلك مما يذكره أهل الفلك من السطوع والزاوية ومدة المكوث فلا يعتّد بشيء منها.والله تعالى أعلم..
الحواشي
مجموع الفتاوي ، لابن تيمية ، ج35 ص 181 .
)) راجع شرح النووى لصحيح مسلم ج7 ص270 حتي193، وفتح الباري لابن حجر ج5 ص123-124 مؤسسة مناهل العرفان –بيروت –لبنان 852هـ ومجموع الفتاوى لابن تيمية ج25 ص180حتي 183 تصوير الطبعة الأولى-مطابع دار العربية-بيروت –لبنان.
راجع: المجموع شرح المهذب للامام النووي ج6ص270ومابعدها ط/1دار الفكر-بيروت –لبنلن1417هـ1996م
هو قرار مجمع الفقه الإسلامي السودان، وقرار المجلس الأوربي للإفتاء والبحوث في دورته العادية الثالثة.، راجع: مجلة مجمع الفقه السوداني العدد الأول، وراجع فتاوى المجموعة الأولى للمجلس الأوربي للإفتاء والبحوث ط1 1420هـ 1999م، ص 21.
راجع: العلم المنشور في إثبات الشهور، لتقي الدين السبكي، ص 22، وروضة المستبين في شرح كتاب التلقين، لابن بزيزة السنوسي ج1 ص 515، والعذب الزلال للمراكشي، ج1 ص 294، وأوائل الشهور العربية هل يجوز شرعاً إثباته بالحساب الفلكي؟، لأحمد محمد شاكر، والمنار لمحمد رشيد رضا ج28 ص 63، وفتاوى مصطفى الزرقا، ص 161، وفقه الصيام، د. يوسف القرضاوى ص89 ومابعدها، والفتاوى الشرعية محمد سلامة جبر ص56-58 مكتبة عالم ثقافة الطفل الكويت الطبعة الاولى 1409هـ 1989م، وفتاوى الشيخ علي الطنطاوي، دار المناره جدة السعودية ص221، تعيين أوائل الشهور القمرية بين الرؤية والحساب، أ.د. محمد الهواري، ص24 وما بعدها .
بحث تعيين أوائل الشهور القمرية، أ.د. محمد الهواري، ص 24 نقلاً عن مختارات النوازل للمرغيناني.
بحث أ.د. محمد الهواري : تعيين أوائل الشهور القمرية، ص 24، بحث مصطفى كمال التارزي ، مجلة الفقه الإسلامي الدولي ج3 ص 360.
مجموع فتاوى ابن تيمية، ج35 ص 181.
سورة يونس ، 5 .
يراجع: مجموع الفتاوى لابن تيمية ، ج25 ص 174 .
سورة الفيل، 1.
سورة الفجر 6 .
سورة البقرة ، 258 .
سورة الماعون، 1ـ 3 .
سورة الفرقان، 45.
فتح القدير للشوكاني، ج5 ص282.
سورة النور ، 43.
أخرجه البخاري كتاب الصوم باب قول النبي ♀ : ( إذا رأيتم الهلال فصوموا) برقم 1906 ، ومسلم كتاب الصيام باب وجوب صوم رمضان لرؤية الهلال، برقم 2495ـ3/1 ، ج7 ص 188 بشرح النووي، والنسائي كتاب الصوم باب ذكر الاختلاف على الزهري برقم 2120 . واللفظ لمسلم
أخرجه البخاري الكتاب والباب السابق ، برقم 1909 ، ومسلم نفس الكتاب والباب السابق، برقم 2512ـ 19/18 ، ج7 ص 193 بشرح النووي.
أخرجه مسلم كتاب الصيام ، باب وجوب صوم رمضان لرؤية الهلال، برقم 2510 ، ج7 ص 193 بشرح النووي، والنسائي كتاب الصيام باب ذكر الاختلاف على الزهري برقم 2118 ، وابن ماجة في الصيام باب إكمال شعبان ثلاثين.. برقم 2116، 2117 .
أخرجه البخاري كتاب الصوم باب قول النبي ♀ : ( لا نكتب ولا نحسب) برقم 1913، ومسلم كتاب الصيام باب وجوب صوم رمضان لرؤية الهلال، برقم 2508 ـ 15/14، ج7 ص 192 بشرح النووي، وأبو داود في الصوم باب الشهر يكون تسعاً وعشرين برقم 2319، والنسائي في الصوم باب ذكر الاختلاف على يحيى بن أبي كثير في خبر أبي سلمة برقم 2139 ، و2140 .
راجع: شرح النووي لصحيح مسلم ج7 ص 189 ، والمجموع شرح المهذب ، ج6 ص 271
راجع: مجموع الفتاوى لابن تيمية ، ج25 ص 174 .
قال رحمه الله: ” إذا كان بعده مثلاً عشرين درجة فهذا يرى ما لم يحل حائل، وإذا كان على درجة واحدة فهذا لا يرى، وأما حول العشرة فالأمر فيه يختلف باختلاف أسباب الرؤية..” انظر: مجموع الفتاوى ج25 ص 186.
فتاوى الصيام · · سأل: من كتاب «سؤالات الصائمين» — مسائل الأركان
دائماً في كل سنة يختلف الناس في بداية شهر رمضان وكذلك في العيد، وهذا طبعاً يؤرق كثيراً من المسلمين ويجعلهم لا يثقون بصومهم ولا بفطرهم، وبعضهم يظنّ أنّ العلماء يختلفون فيما بينهم كثيراً من أجل أن يختلفوا لا غير، لأنهم يرون أنّ الصحيح أنْ لا يختلفوا في مثل رمضان وشوال، فما رأيكم؟ وما سبب هذا الخلاف الذي غالباً ما يقع سنوياً فيصوم بلد يوماً ويصوم بلدٌ آخر في يوم آخر؟.
جواب فضيلة الشيخ
اسمح لي أخي السائل أنْ أفصّل في جواب هذا السؤال شيئاً ما لأهميته ولأن الجواب يحتاج بالفعل إلى بعض التفصيل، فنقول بتوفيق الله تعالى:
أولاً: إنّ من المعلوم عند الفقهاء أنه لا يجب صيام رمضان إلاّ إذا ثبت دخول الشهر الكريم، وقد حكى ابن عبد البر رحمه الله عن جمهور أهل العلم أنّ” الأصل أنّه لا يصام رمضان إلاّ بيقين من خروج شعبان، كما لا يقضى بخروج رمضان إلاّ بيقين ” (1).
إذَنْ وحتى يصوم الناس رمضان لا بدّ من التيقن بدخول رمضان وخروج شعبان، وهذا ما يفعله علماء المسلمين في كل بلد، يجتهدون ويتحرون الشهر بطرق تحريه ليثبتوا خروج شعبان ودخول رمضان.
ثانياً: إنّ اختلاف الناس في بداية الصوم ونهايته مقرٌّ غير منكر و ليس فيه شئ يؤاخذ به فريق منهم، فهو مقرٌّ منذ عهد الصحابة من سلف الأمة الأخيار والقرون الخيرة عليهم رضوان الله تعالى، فعن كريب أن أم الفضل بنت الحارث بعثته إلى معاوية بالشام قال: ” فقدمت الشام فقضيت حاجتها، واستهلّ عليّ هلال رمضان وأنا بالشام، فرأينا الهلال ليلة الجمعة، ثم قدمت المدينة في آخر الشهر، فسألني ابن عباس رضي الله عنهما: متى رأيتم الهلال؟ فقلتُ: رأيناه ليلة الجمعة. فقال: أنت رأيته ليلة الجمعة؟ فقلتُ: رآه الناس فصاموا وصام معاوية. فقال: لكن رأيناه ليلة السبت، فلا نزال نصوم حتى نكمل ثلاثين يوماً أو نراه. فقلتُ: ألا نكتفي برؤية معاوية وصيامه؟ قال: “هكذا أمرنا رسول الله ﷺ ” (2).
وقوله: “هكذا أمرنا رسول الله ﷺ ” يدلّ على أنّ الصحابة رضوان الله عليهم وبأمر النبي ﷺ كانوا يقرّون الاختلاف في بداية الصوم ونهايته دون إنكار بعضهم على بعض، أو تعنيف بعضهم لبعض، مما يؤكّد أنّ أمر اختلاف بدايات الصوم بين الدول اليوم شئ لا يقلق ولا يخيف بل هو اختلاف سائغ مشروع ولا يدخل في مظاهر الفرقة والتنازع الممقوت والمذموم.
ثالثــاً: مما يجب أن نعلمه ونعرفه في هذه المسألة: أنّ الاختلاف في بدايات الصيام بين الدول مبنيٌّ على ما يُعرف باختلاف المطالع، ولا خلاف بين العلماء في حقيقة اختلاف المطالع في نفسها، والخلاف بينهم إنما هو في اعتبار اختلاف المطالع لا في نفس اختلاف المطالع وحقيقته، ثم اتفقوا أيضاً على اعتبار اختلاف المطالع بين الأندلس وخراسان(3).
ومع أنّ المشهور في مذهب الجمهور عدم اعتبار المطالع، وأنه إذا ثبت الهلال في بلد لزم الجميع، فإنّ من الفقهاء من قال باعتبار اختلاف المطالع وجواز الأخذ به والعمل بموجبه، كبعض الحنفية، وبعض المالكية كالإمام القرافي وابن الماجشون، فيكون الصوم عندهم برؤية البلد وإن خالفت رؤية بلد آخر، إلاّ إذا أمر الإمام الأعظم [الحاكم ] بالصوم برؤية غير البلد ـ كما يرى ابن الماجشون ـ.
ـ والمشهور للشافعية اعتبار اختلاف المطالع في القرب في حدود 72 ميلاً أو 133 كلم.
ـ والصنعاني صاحب سبل السلام يرى اعتبار اختلاف المطالع في البلاد المنفصلة، ولا عبرة باختلافها في البلاد القريبة والمتصلة بها من الجهات التي على سمتها، ” أي خطوط الطول” (4).
رابعـاً: جاءت الإشارة إلى اعتبار اختلاف المطالع وبالتالي اختلاف الناس في بداية رمضان ونهايته في القرآن الكريم في موضعين:
الموضع الأول: عند قوله تعالى والشهر ههنا هلاله، وهذا يعني أنه قد يشهد هلال الشهر أهل السودان ولا يشهده أهل موريتانيا، وقد يشهده الناس في بلاد المشرق ولا يشهدونه في بلدان المغرب، فمن شهد منهم الشهر مطالب بالصوم، وبدلالة مفهوم، “ومن لم يشهد منكم الشهر فليس مطالباً بالصوم” فيتسبّب ذلك في أنْ يتقدّم هؤلاء ويتأخر أولئك.
والموضع الثاني: وهو أصرح من الأول، عند قوله تعالى ويلاحظ أن الله تعالى جعل الأهلة مواقيت الناس ـ في عباداتهم خاصة وعاداتهم عامة ـ ، بينما جعلها ميقاتاً واحداً للحج، ومعنى ذلك: أنّ الهلال أهلة كثيرة في المواقيت كلها بما فيها مواقيت الصيام تتعدد وتتفاوت وتختلف باختلاف المطالع، ولكنه بالنسبة للحج ميقات واحد، وهذا موافق تماماً لواقع الحال في الأمة في تاريخها حيث إنهم مهما اختلفوا في بدايات شهر الصوم؛ فإنهم يتوحّدون يوم الحج الأكبر ويوم عرفة من غير اختلاف أو إبداء أدنَى تنازع، ولله الحمد والمنّة.
خامساً: مما يجب التنبيه إليه في شأن اختلاف الناس في إثبات شهر الصوم، أنّ في هذا الاختلاف منافع شرعية عظيمة، فإنّه به يطول شهر الرحمة والمغفرة والعتق من النّار، وتطول الأيام على أبواب الجنة المفتّحة وأبواب النار المغلّقة ببقاء شهر رمضان، كما تطول أيام التعطّل عن الإغواء بالشيطان، والاحتواء للشياطين ومردتها حتى يكثر مريدو التوبة والأوبة إلى الله، وحتى يكثر العائدون إلى ربهم، والفارّون إلى الله، فكلّ هذا الخير لو كان المطلع واحداً، وأيام الشهر في سائر الدنيا موحّدة لا تقبل التمدّد بتأخّر يوم بين مطلع ومطلع؛ لقلّ هذا الخير وانحصر، والله تعالى هو الرّحمن الرّحيم وسعت رحمته كل شئ، يمنّ على عباده من النفع والنفح ما يدفعهم به إلى جناته بكرمه وفضله، فليس شراً ـ إذنْ ـ أنْ يختلف الناس في أول الشهر فيبدأ هؤلاء اليوم ويبدأ أولئك غداً، ولا داعي للقلق بشأن ذلك أبداً.
الحواشي
الاستذكار لابن عبد البر ، ج10 ص 19 .
أخرجه الترمذي في كتاب الصيام، حديث رقم 963 ، وقال : هذا حديث حسن صحيح.
راجع حاشيه ابن عابدين ج2ص96، الاستزكار لابن البر ج10ص30
فتاوى الصيام · · سأل: من كتاب «سؤالات الصائمين» — مسائل الأركان
بعض الجهات تعمل إمساكيات في رمضان تحدّد فيها وقت الإمساك بربع ساعة أو ثلث ساعة قبل أذان الفجر، هل الإمساك في هذا الوقت واجبٌ؟ أم يجوز أن نأكل ونشرب حتى أذان الفجر ؟.
جواب فضيلة الشيخ
أولاً : الأصل في الإمساك أن يبدأ مع الفجر، وأنه يجوز الأكل والشرب والجماع إلى الفجر لقوله تعالى (1)
ثانياً : أخذ بعض العلماء بما ورد عن زيد بن ثابت رضي الله عنه قال: “تسحّرنا مع رسول الله ﷺ ثم قمنا إلى الصلاة ، قال الراوي : كم كان قدر ذلك؟ قال: قدر خمسين آية ” (2).
فقالوا : يستحب الإمساك في قدر قراءة خمسين آية قبل الفجر. وهو ما ذهب إليه المالكية (3).
وقال الحنفية والشافعية : يمسك بالشك في بقاء الليل ، ويكره له الأكل مع الشك في بقاء الليل دون تقييده بمقدار (4).
والراجح المختار هو: أن الإمساك يكون مع الفجر، وأنه يجوز الأكل والشرب إلى طلوع الفجر بلا كراهة . وقد كان الصحابة رضوان الله عليهم يأكلون ويشربون حتى يطلع الفجر ويتبيّنوا طلوعه ، بل كانوا يأكلون ويشربون ما داموا شاكين في طلوع الفجر كما مرّ في المقدمات.
وعن عامر بن مطر قال : ” تسحّرنا مع رسول الله ثم قمنا إلى الصلاة”(5).
وعن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي ﷺ قال : ( إنّ بلالاً يؤذّن بليل، فكلوا واشربوا حتى ينادي ابن أم مكتوم ) (6). ولم يكن بين أذانهما إلاّ أن ينزل هذا ويصعد هذا (7). وهذا هو أمر النبي ﷺ الذي أقلّ ما يدلّ عليه الجواز، ولا يمكن بحال أن يكون دالاً على الكراهة ، لأن المكروه لا يؤمر به، وأرى أن الأمر في هذا الحديث يراد به الاستحباب، لأن تأخير السحور مستحب باتفاق العلماء ـ كما تقرر ـ.
وعن سالم مولى أبي حذيفة أنه كان مع أبي بكر على سطح في رمضان وهو يصلي فأتاه فقال ألا تطعم يا خليفة رسول الله ﷺ فأشار بيده حتى فعل ذلك مرتين فلما كان في الثالثة قال ائتني بطعامك فطعم وصلى ركعتين ثم دخل المسجد وأقيمت الصلاة (8).
وعن مطر الشيباني قال: ” تسحّرنا مع عبد الله ثم خرجنا فأقيمت الصلاة” (9).
كل هذه الروايات ـ مع ما مرّ من طريقة السلف الصالح في الأكل مع الشك في طلوع الفجر ـ تبيّن السنّة في المسألة.
أما حديث زيد بن ثابت فهو فعل دال على الجواز والجائز لا يمنع غيره ولا يكرهه.
وفي سنن البيهقي عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: ( إذا سمع أحدكم النداء والإناء على يده فلا يضعه حتى يقضي حاجته منه ) (10). وليس المراد جواز الأكل بعد تبيّن الفجر ، لأن الله تعالى حدد آخر وقت جواز الأكل والشرب بتبيّن الفجر. فإذا جمعنا بين صريح القرآن وسياق الحديث يكون المراد في الحديث النداء الأول، وإلاّ فكيف يأكل من تيقّن الفجر إذا كان المؤذن موثوقاً به وقد قال النبي ﷺ في المؤذنين: (المؤذنون أمناء الله على فطرهم وسحورهم)(11)..
والله تعالى أعلم .
الحواشي
(1) البقرة: 187
البخاري في الصوم برقم 1821 ومسلم في الصيام برقم 1097 .
حاشية الدسوقي على الشرح الكبير ، 1/515 .
حاشية ابن عابدين 2/419 ، الأم للشافعي 2/96.
أخرجه الطبراني في الكبير وقال الهيثمي : رجاله ثقات ، مجمع الزوائد 3/153 .
أخرجه الدارمي باب وقت أذان الفجر 1/288، والنسائي باب المؤذنان للمسجد الواحد 2/10 وأخرجه البخاري في كتاب الأذان باب أذان الأعمى إذا كان له من يخبره 1/223.
سنن البيهقي 1/ 382،429 والطبراني في الكبير ورجاله رجال الصحيح كما قال الهيثمي في المجمع 3/154 .
أخرجه الطبراني في الكبير ورجاله رجال الصحيح ، مجمع الزوائد 3/153 .
رواه الطبراني في الكبير ورجاله رجال الصحيح.
أخرجه البيهقي باب من طلع الفجر وفي فيه شيء ، 4/218 برقم 7800 .
أخرجه الطبراني في الكبير وقال الهيثمي : ” إسناده حسن ” مجمع الزوائد 2/2.
فتاوى الصيام · · سأل: من كتاب «سؤالات الصائمين» — أقضية الاعتكاف
جزاك الله خيراً بينت لنا وقت ابتداء الاعتكاف ودخول المعتكف، فتكون أحسنت إلينا إذا أوضحت لنا أيضاً الوقت الذي يمكن للمعتكف في العشر الأواخر أن يخرج فيه إلى أهله ويعود فيه إلى بيته؟.
جواب فضيلة الشيخ
وقت الخروج من المعتَكَف ونهاية الاعتكاف؛ العلماء فيه على ثلاثة مذاهب(1):
المذهب الأول: مذهب الاستحباب، وهو استحباب أن يبيت المعتكف ليلة العيد في معتكفه، ثم يتوجه إلى مصلى العيد، فلا يرجع إلى بيته إلا بعد الصلاة، وهذا قول مالك وأحمد والنخعي وأبي بكر بن عبد الرحمن وأبي قلابة وأبي مجلز وغيرهم.
ـ قال مالك: رأيت أهل العلم إذا اعتكفوا في العشر الأواخر من رمضان لا يرجعون إلى أهليهم حتى يشهدوا الفطر مع المسلمين(2).
ـ وقال إبراهيم النخعي:” كانوا يحبون لمن اعتكف العشر الأواخر من رمضان أن يبيت ليلة الفطر في المسجد ثم يغدو إلى المصلى من المسجد(3).
ـ وكان أبو قلابة يبيت في المسجد ليلة الفطر ثم يغدو كما هو إلى العيد(4).
ـ وكان أبو بكر بن عبد الرحمن لا يرجع حتى يشهد العيد مع المسلمين(5).
المذهب الثاني: مذهب الجواز، وهو أنه يجوز له أن يخرج بعد غروب شمس آخر يوم من رمضان، أي ليلة العيد، لانتهاء العشر بدخولها، وليلة العيد ويوم العيد ليسا من العشر الأواخر التي اعتكفها، وهذا ما ذهب إليه أبو حنيفة والشافعي والليث بن سعد والأوزاعي وقالوا: “إذا أهلّ هلال شوال فقد أتم العشر”(6).
المذهب الثالث: مذهب المنع: وهو أن المعتكف لا يخرج من معتكفه إلا إلى مصلّى العيد بما عليه من ثياب، فلو خرج من معتكفه إلى أهله ليلة العيد أو قبل صلاة العيد بطل اعتكافه ويعيده، وهذا قول ابن الماجشون وسحنون من المالكية.
وقد أنكر عليهم الأئمة حتى قال ابن عبد البر: ” لم يقل بقولهما أحدٌ من أهل العلم فيما علمت”(7).
وبهذا خرج هذا القول الثالث وهو مذهب شاذ لا يعتد به ولا دليل عليه يستند إليه.
وعليه فالمذهبان الأولان لا تعارض بينهما، إذ مدلول المذهبين أنه يجوز الخروج إلى الأهل بعد غروب شمس آخر يوم من رمضان، ولكن من بات ليلة العيد في المسجد ثم توجه من المسجد إلى مصلى العيد فلم يرجع إلى أهله إلا بعد الصلاة فهذا أفضل ويستحب ولا يجب.
تقبل الله من المعتكفين اعتكافهم، ومن الصائمين صيامهم، ومنا هذا الجهد، سائلاً مولاي وإلهي وربي أكرم الأكرمين أن ينفع به؛؛؛..
والحمد لله رب العالمين.
الحواشي
راجع المسألة في: الاستذكار لابن عبد البر ج10 ص 294 وما بعدها، المغني لابن قدامة ج3 ص 155 – 157، المدونة الكبرى ج1 ص 343، بداية المجتهد لابن رشد الحفيد ج2 ص 207.
موطأ مالك برقم 315، والاستذكار ج10 ص 295 برقم 660.
فتاوى الصيام · · سأل: من كتاب «سؤالات الصائمين» — أقضية الاعتكاف
لو أرادت زوجتي أن تعتكف مع مجموعة من النساء في المسجد القريب وأنا لا أريدها أن تعتكف، فهل من حقي أن أمنعها من الاعتكاف؟ وما هو الأفضل بالنسبة لي كمسلم أن أمنعها أم أن أسمح لها بذلك؟.
جواب فضيلة الشيخ
دخول المرأة في التطوعات ونوافل العبادات بدون إذن الزوج بين التحريم والكراهة، والجمهور على أنه لا يجوز لها ذلك وأنه يحرم عليها، فليس للزوجة أن تصوم تطوعاً إلا بإذن زوجها، وليس لها أن تحج حج النافلة إلا بإذنه، وليس لها الاعتكاف إلا بإذنه، وذلك للوجوه والأدلة الشرعية الآتية:
1ـ حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: ( لا يحل لامرأة أن تصوم وزوجها شاهدٌ إلا بإذنه) (1). والاعتكاف مثل الصوم.
2ـ أنّ نساء النبي ﷺ لما أردن الاعتكاف ما بادرن إليه إلا بعد الاستئذان من رسول الله زوجهن خير البشر ﷺ .
وفي رواية لابن عبد البر رحمه الله في الاستذكار بسنده : ” ثم ساتأذنته زينب فأذن لها”(5).
ففي الروايات الأربع أن عائشة استأذنت، وأن حفصة طلبت من عائشة أن تستأذن لها فأذن لها، وفي الرواية الثالثة أن حفصة استأذنت بنفسها، وفي الرواية الرابعة أن زينب أيضاً استأذنت فأذن لهن. فدلّ أن المرأة لا تعتكف إلا بإذن زوجها.
3ـ لأنّ الاعتكاف وسائر التطوعات والنوافل من حقوق الله المندوبات، وإذن الزوج حقه، وقد قدم الشرع حق الآدمي على حق الله تعالى، لاسيما في المندوبات والنوافل.
4ـ ولأن الزوج بعقد الزواج ملك منافعها، والاعتكاف يفوِّتها ويمنع استفاءها، فكان لابد أن تستأذنه.
وعلى هذا فمن حق الزوج أن يمنع زوجته من دخول الاعتكاف، ولكن الأليق بكل زوج مسلم والموافق لمروءة الرجل؛ أن يأذن لها إذا رغبت في الاعتكاف ما لم يترتب على ذلك ضرر ظاهر، أو يؤدي اعتكافها إلى ضياع واجبات لا يقدر هو الوفاء بها ونحو ذلك، وخيرٌ له بلا ريب أن يقتدي برسول الله ﷺ الذي أذن لأزواجه حين استأذنه، ولما كره من اجتماعهن في المسجد معتكفات وتنافسهن على ذلك لم يأمرهن بالخروج وقطع الاعتكاف صلوات ربي وسلامه عليه.
ثم إذا أذن الرجل لزوجته بالاعتكاف لا يليق به أن يرجع عن إذنه لها إلا لحاجة ظاهرة مهمة، وقد ذهب الحنفية والمالكية إلى أنه ليس للزوج الرجوع عن إذنه وليس له إخراجها من محل الاعتكاف، بينما ذهب الشافعية والحنابلة إلى أن الرجوع من حقه وأن إخراجها بعد دخولها الاعتكاف كذلك من حقه(6). والأخذ بقول أبي حنيفة ومالك أحرى، فلا ينسى الأزواج الفضل بينهم، والتعاون على ما هو برٌّ وتقوى، وما فيه صلاح القلوب وطهارة النفوس، ولاشك الاعتكاف من أسباب ذلك ومحققاته.
فتاوى الصيام · · سأل: من كتاب «سؤالات الصائمين» — أقضية الاعتكاف
والدي نذر أن يعكتف في مسجدنا في الحي، ثم لم يعتكف حتى مات، فهل يجوز لي أن أعتكف نيابة عنه لأوفي له بنذره؟.
جواب فضيلة الشيخ
اختلف العلماء في قضاء الاعتكاف الواجب بالنذر عن الميت على أربعة أقوال:
القول الأول: أنه يجوز القضاء عن الميت، والذي يقضي عنه هو وليه، وهذا ما ذهب إليه الحنابلة، ورواية عن الإمام الشافعي، والليث بن سعد، وأبي ثور، والحسن بن حي، وإسحاق بن راهويه، وهو قول طاووس والحكم، وقول ابن عباس وعائشة رضوان الله تعالى عليهم (1).
القول الثاني: أنه لا يصحّ أن يعتكف عنه غيره، لا وليه ولا أجنبي عنه، وهو قول الجمهور من الحنفية، والمالكية، والشافعية في مشهور المذهب ونصوص الشافعي، وقول محكي عن الحنابلة، وهؤلاء منهم من أمر بالإطعام عنه لو أوصى بذلك ، ومنهم من أوجب الإطعام عنه وإنْ لم يوصِ بذلك(2).
القول الثالث: أنه يجب على وليه القضاء عنه بنفسه أو باستئجار غيره، وهو قول الظاهرية، وقد قال ابن حزم رحمه الله في المحلى : ” ومن مات وعليه نذر اعتكاف قضاه عنه وليه، أو استؤجر من رأس ماله من يقضيه عنه لا بد من ذلك”(3).
القول الرابع: الترتيب بين الإطعام والقضاء، وكلاهما جائز، والأَوْلَى الإطعام، فإن لم يجدْ؛ اعتكف عنه. وهذا قول سفيان الثوري والأوزاعي رحمهما الله تعالى.
قال الثوري رحمه الله: ” الإطعام عنه أحبّ إليّ من أن يعتكف عنه”.
وقال الأوزاعي رحمه الله: ” يعتكف عنه وليه إذا لم يجد ما يطعم”(4).
والراجح هو القول بصحة القضاء عن الميت وجواز ذلك، لظهور أدلتهم وقوتها، ومن الأدلة الظاهرة على ذلك:
1ـ حديث ابن عباس رضي الله عنهما أنّ سعد بن عبادة رضي الله عنه سأل رسول الله ﷺ : ” إنّ أمي ماتت وعليها نذر لم تقضه؟ فقال ﷺ: ( أقضه عنها )(5). وهو عام في كل نذر طاعة.
2ـ حديث الصحيحين أنّ رجلاً جاء إلى النبي ﷺ فقال: ” يا رسول الله! أمي ماتت وعليها صوم شهر أفأقضيه عنها؟ فقال النبي ﷺ : ( لو كان على أمك دين أكنت قاضيه عنها؟) قال: نعم. فقال ﷺ : (فدين الله أحق أن يقضى)(6) .
وحديث البخاري أن امرأة جاءت إليه ﷺ فقالت: إن أمي نذرت أن تحج حتى ماتت أفأحج عنها؟ فقال ﷺ: (حجي عنها، أرأيت لو كان على أمك دينٌ ألست قاضيه؟) قالت : نعم. فقال ﷺ: ( فاقضوا الله، فالله أحق بالوفاء)(7).
والدلالة على جواز القضاء عن الميت من وجهين:
الوجه الأول: قوله ﷺ في الخبر الأول: ( فدين الله أحق بالقضاء ) وقوله في الخبر الثاني ( فالله أحق بالوفاء) دليل على أنّ حقوق الله من العبادات الواجبة تُقضَى، ودين الله عام في سائر الحج والصوم والاعتكاف.
الوجه الثاني: أنه لا فرق بين قضاء الصوم عن الميت ـ كما في الحديث الأول ـ وقضاء الحج عنه ـ كما في الحديث الثاني ـ وبين قضاء الاعتكاف، لأنها جميعاً من العبادات العينية، فلزم قياس الاعتكاف على الصوم والحج في قضائه عن الميت.
3ـ حديث عائشة أن النبي ﷺ قال : ( من مات وعليه صيام صام عنه وليه ) (8).
وهذا صريح في صحة قضاء الوليّ عن الميت الصيام الواجب، فيقاس عليه قضاء الاعتكاف الواجب عنه لكونهما عبادة عينية. ويؤكد صحة إلحاق الاعتكاف ما قاله الإمام أحمد رحمه الله: ” هذا في النذر” (9).
5ـ ما روي عن أم المؤمنين عائشة أنها اعتكفت عن أخيها بعد ما مات(11).
أما ما روي عن ابن عباس وابن عمر : ” لا يصوم أحد عن أحد ولا يصلي أحد عن أحد”(12) فهو مخالف للصريح الصحيح من قول النبي ﷺ: ( ومن مات وعليه صوم صام عنه وليه). ولأن ابن عباس قد روي عنه أن مذهبه وما أفتى به صحة قضاء الاعتكاف عن الميت. وكذلك حديث عائشة في سنن البيهقي الكبرى(13): ( لا تصوموا عن موتاكم وأطعموا عنهم) لأنه ضعيف جداً لا يحتج بمثله أبداً(14). ولأنه مخالف لما روي عنها أنها اعتكفت عن أخيها بعد ما مات.
أنا شخص فقير ، وأعول أسرة كبيرة ، فيهم الأبناء والبنات، ومعي أمي وزوجتي وبعض أخواتي غير المتزوجات ، فهل عليّ فطرة هؤلاء جميعاً؟ وإنْ كنت لا أملك ما يكفي لإخراج زكاة الفطر لأكثر من شخصين أو ثلاثة فهل عليّ زكاة ؟ فإن كانت عليّ فحقّ منْ أقدّم حق الأم أم حق الزوجة أم حق الأبناء أم حق البنات أم…