فتاوى الصيام · · سأل: من كتاب «سؤالات الصائمين» — أقضية الاعتكاف
جزاك الله خيراً بينت لنا وقت ابتداء الاعتكاف ودخول المعتكف، فتكون أحسنت إلينا إذا أوضحت لنا أيضاً الوقت الذي يمكن للمعتكف في العشر الأواخر أن يخرج فيه إلى أهله ويعود فيه إلى بيته؟.
جواب فضيلة الشيخ
وقت الخروج من المعتَكَف ونهاية الاعتكاف؛ العلماء فيه على ثلاثة مذاهب(1):
المذهب الأول: مذهب الاستحباب، وهو استحباب أن يبيت المعتكف ليلة العيد في معتكفه، ثم يتوجه إلى مصلى العيد، فلا يرجع إلى بيته إلا بعد الصلاة، وهذا قول مالك وأحمد والنخعي وأبي بكر بن عبد الرحمن وأبي قلابة وأبي مجلز وغيرهم.
ـ قال مالك: رأيت أهل العلم إذا اعتكفوا في العشر الأواخر من رمضان لا يرجعون إلى أهليهم حتى يشهدوا الفطر مع المسلمين(2).
ـ وقال إبراهيم النخعي:” كانوا يحبون لمن اعتكف العشر الأواخر من رمضان أن يبيت ليلة الفطر في المسجد ثم يغدو إلى المصلى من المسجد(3).
ـ وكان أبو قلابة يبيت في المسجد ليلة الفطر ثم يغدو كما هو إلى العيد(4).
ـ وكان أبو بكر بن عبد الرحمن لا يرجع حتى يشهد العيد مع المسلمين(5).
المذهب الثاني: مذهب الجواز، وهو أنه يجوز له أن يخرج بعد غروب شمس آخر يوم من رمضان، أي ليلة العيد، لانتهاء العشر بدخولها، وليلة العيد ويوم العيد ليسا من العشر الأواخر التي اعتكفها، وهذا ما ذهب إليه أبو حنيفة والشافعي والليث بن سعد والأوزاعي وقالوا: “إذا أهلّ هلال شوال فقد أتم العشر”(6).
المذهب الثالث: مذهب المنع: وهو أن المعتكف لا يخرج من معتكفه إلا إلى مصلّى العيد بما عليه من ثياب، فلو خرج من معتكفه إلى أهله ليلة العيد أو قبل صلاة العيد بطل اعتكافه ويعيده، وهذا قول ابن الماجشون وسحنون من المالكية.
وقد أنكر عليهم الأئمة حتى قال ابن عبد البر: ” لم يقل بقولهما أحدٌ من أهل العلم فيما علمت”(7).
وبهذا خرج هذا القول الثالث وهو مذهب شاذ لا يعتد به ولا دليل عليه يستند إليه.
وعليه فالمذهبان الأولان لا تعارض بينهما، إذ مدلول المذهبين أنه يجوز الخروج إلى الأهل بعد غروب شمس آخر يوم من رمضان، ولكن من بات ليلة العيد في المسجد ثم توجه من المسجد إلى مصلى العيد فلم يرجع إلى أهله إلا بعد الصلاة فهذا أفضل ويستحب ولا يجب.
تقبل الله من المعتكفين اعتكافهم، ومن الصائمين صيامهم، ومنا هذا الجهد، سائلاً مولاي وإلهي وربي أكرم الأكرمين أن ينفع به؛؛؛..
والحمد لله رب العالمين.
الحواشي
راجع المسألة في: الاستذكار لابن عبد البر ج10 ص 294 وما بعدها، المغني لابن قدامة ج3 ص 155 – 157، المدونة الكبرى ج1 ص 343، بداية المجتهد لابن رشد الحفيد ج2 ص 207.
موطأ مالك برقم 315، والاستذكار ج10 ص 295 برقم 660.
فتاوى الصيام · · سأل: من كتاب «سؤالات الصائمين» — أقضية الاعتكاف
لو أرادت زوجتي أن تعتكف مع مجموعة من النساء في المسجد القريب وأنا لا أريدها أن تعتكف، فهل من حقي أن أمنعها من الاعتكاف؟ وما هو الأفضل بالنسبة لي كمسلم أن أمنعها أم أن أسمح لها بذلك؟.
جواب فضيلة الشيخ
دخول المرأة في التطوعات ونوافل العبادات بدون إذن الزوج بين التحريم والكراهة، والجمهور على أنه لا يجوز لها ذلك وأنه يحرم عليها، فليس للزوجة أن تصوم تطوعاً إلا بإذن زوجها، وليس لها أن تحج حج النافلة إلا بإذنه، وليس لها الاعتكاف إلا بإذنه، وذلك للوجوه والأدلة الشرعية الآتية:
1ـ حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: ( لا يحل لامرأة أن تصوم وزوجها شاهدٌ إلا بإذنه) (1). والاعتكاف مثل الصوم.
2ـ أنّ نساء النبي ﷺ لما أردن الاعتكاف ما بادرن إليه إلا بعد الاستئذان من رسول الله زوجهن خير البشر ﷺ .
وفي رواية لابن عبد البر رحمه الله في الاستذكار بسنده : ” ثم ساتأذنته زينب فأذن لها”(5).
ففي الروايات الأربع أن عائشة استأذنت، وأن حفصة طلبت من عائشة أن تستأذن لها فأذن لها، وفي الرواية الثالثة أن حفصة استأذنت بنفسها، وفي الرواية الرابعة أن زينب أيضاً استأذنت فأذن لهن. فدلّ أن المرأة لا تعتكف إلا بإذن زوجها.
3ـ لأنّ الاعتكاف وسائر التطوعات والنوافل من حقوق الله المندوبات، وإذن الزوج حقه، وقد قدم الشرع حق الآدمي على حق الله تعالى، لاسيما في المندوبات والنوافل.
4ـ ولأن الزوج بعقد الزواج ملك منافعها، والاعتكاف يفوِّتها ويمنع استفاءها، فكان لابد أن تستأذنه.
وعلى هذا فمن حق الزوج أن يمنع زوجته من دخول الاعتكاف، ولكن الأليق بكل زوج مسلم والموافق لمروءة الرجل؛ أن يأذن لها إذا رغبت في الاعتكاف ما لم يترتب على ذلك ضرر ظاهر، أو يؤدي اعتكافها إلى ضياع واجبات لا يقدر هو الوفاء بها ونحو ذلك، وخيرٌ له بلا ريب أن يقتدي برسول الله ﷺ الذي أذن لأزواجه حين استأذنه، ولما كره من اجتماعهن في المسجد معتكفات وتنافسهن على ذلك لم يأمرهن بالخروج وقطع الاعتكاف صلوات ربي وسلامه عليه.
ثم إذا أذن الرجل لزوجته بالاعتكاف لا يليق به أن يرجع عن إذنه لها إلا لحاجة ظاهرة مهمة، وقد ذهب الحنفية والمالكية إلى أنه ليس للزوج الرجوع عن إذنه وليس له إخراجها من محل الاعتكاف، بينما ذهب الشافعية والحنابلة إلى أن الرجوع من حقه وأن إخراجها بعد دخولها الاعتكاف كذلك من حقه(6). والأخذ بقول أبي حنيفة ومالك أحرى، فلا ينسى الأزواج الفضل بينهم، والتعاون على ما هو برٌّ وتقوى، وما فيه صلاح القلوب وطهارة النفوس، ولاشك الاعتكاف من أسباب ذلك ومحققاته.
فتاوى الصيام · · سأل: من كتاب «سؤالات الصائمين» — أقضية الاعتكاف
والدي نذر أن يعكتف في مسجدنا في الحي، ثم لم يعتكف حتى مات، فهل يجوز لي أن أعتكف نيابة عنه لأوفي له بنذره؟.
جواب فضيلة الشيخ
اختلف العلماء في قضاء الاعتكاف الواجب بالنذر عن الميت على أربعة أقوال:
القول الأول: أنه يجوز القضاء عن الميت، والذي يقضي عنه هو وليه، وهذا ما ذهب إليه الحنابلة، ورواية عن الإمام الشافعي، والليث بن سعد، وأبي ثور، والحسن بن حي، وإسحاق بن راهويه، وهو قول طاووس والحكم، وقول ابن عباس وعائشة رضوان الله تعالى عليهم (1).
القول الثاني: أنه لا يصحّ أن يعتكف عنه غيره، لا وليه ولا أجنبي عنه، وهو قول الجمهور من الحنفية، والمالكية، والشافعية في مشهور المذهب ونصوص الشافعي، وقول محكي عن الحنابلة، وهؤلاء منهم من أمر بالإطعام عنه لو أوصى بذلك ، ومنهم من أوجب الإطعام عنه وإنْ لم يوصِ بذلك(2).
القول الثالث: أنه يجب على وليه القضاء عنه بنفسه أو باستئجار غيره، وهو قول الظاهرية، وقد قال ابن حزم رحمه الله في المحلى : ” ومن مات وعليه نذر اعتكاف قضاه عنه وليه، أو استؤجر من رأس ماله من يقضيه عنه لا بد من ذلك”(3).
القول الرابع: الترتيب بين الإطعام والقضاء، وكلاهما جائز، والأَوْلَى الإطعام، فإن لم يجدْ؛ اعتكف عنه. وهذا قول سفيان الثوري والأوزاعي رحمهما الله تعالى.
قال الثوري رحمه الله: ” الإطعام عنه أحبّ إليّ من أن يعتكف عنه”.
وقال الأوزاعي رحمه الله: ” يعتكف عنه وليه إذا لم يجد ما يطعم”(4).
والراجح هو القول بصحة القضاء عن الميت وجواز ذلك، لظهور أدلتهم وقوتها، ومن الأدلة الظاهرة على ذلك:
1ـ حديث ابن عباس رضي الله عنهما أنّ سعد بن عبادة رضي الله عنه سأل رسول الله ﷺ : ” إنّ أمي ماتت وعليها نذر لم تقضه؟ فقال ﷺ: ( أقضه عنها )(5). وهو عام في كل نذر طاعة.
2ـ حديث الصحيحين أنّ رجلاً جاء إلى النبي ﷺ فقال: ” يا رسول الله! أمي ماتت وعليها صوم شهر أفأقضيه عنها؟ فقال النبي ﷺ : ( لو كان على أمك دين أكنت قاضيه عنها؟) قال: نعم. فقال ﷺ : (فدين الله أحق أن يقضى)(6) .
وحديث البخاري أن امرأة جاءت إليه ﷺ فقالت: إن أمي نذرت أن تحج حتى ماتت أفأحج عنها؟ فقال ﷺ: (حجي عنها، أرأيت لو كان على أمك دينٌ ألست قاضيه؟) قالت : نعم. فقال ﷺ: ( فاقضوا الله، فالله أحق بالوفاء)(7).
والدلالة على جواز القضاء عن الميت من وجهين:
الوجه الأول: قوله ﷺ في الخبر الأول: ( فدين الله أحق بالقضاء ) وقوله في الخبر الثاني ( فالله أحق بالوفاء) دليل على أنّ حقوق الله من العبادات الواجبة تُقضَى، ودين الله عام في سائر الحج والصوم والاعتكاف.
الوجه الثاني: أنه لا فرق بين قضاء الصوم عن الميت ـ كما في الحديث الأول ـ وقضاء الحج عنه ـ كما في الحديث الثاني ـ وبين قضاء الاعتكاف، لأنها جميعاً من العبادات العينية، فلزم قياس الاعتكاف على الصوم والحج في قضائه عن الميت.
3ـ حديث عائشة أن النبي ﷺ قال : ( من مات وعليه صيام صام عنه وليه ) (8).
وهذا صريح في صحة قضاء الوليّ عن الميت الصيام الواجب، فيقاس عليه قضاء الاعتكاف الواجب عنه لكونهما عبادة عينية. ويؤكد صحة إلحاق الاعتكاف ما قاله الإمام أحمد رحمه الله: ” هذا في النذر” (9).
5ـ ما روي عن أم المؤمنين عائشة أنها اعتكفت عن أخيها بعد ما مات(11).
أما ما روي عن ابن عباس وابن عمر : ” لا يصوم أحد عن أحد ولا يصلي أحد عن أحد”(12) فهو مخالف للصريح الصحيح من قول النبي ﷺ: ( ومن مات وعليه صوم صام عنه وليه). ولأن ابن عباس قد روي عنه أن مذهبه وما أفتى به صحة قضاء الاعتكاف عن الميت. وكذلك حديث عائشة في سنن البيهقي الكبرى(13): ( لا تصوموا عن موتاكم وأطعموا عنهم) لأنه ضعيف جداً لا يحتج بمثله أبداً(14). ولأنه مخالف لما روي عنها أنها اعتكفت عن أخيها بعد ما مات.
فتاوى الصيام · · سأل: من كتاب «سؤالات الصائمين» — أقضية الاعتكاف
أنا أب لبنتين وابن والثلاثة صغار، وقد توفيت أمهم رحمها الله تعالى، فأنا أقوم عليهم حتى يشغلوني عن الاعتكاف رغم رغبتي الكبيرة في أن أعتكف أياماً في رمضان، فهل عليّ حرجٌ أنْ لا أعتكف؟.
جواب فضيلة الشيخ
ذكرنا في جواب السؤال السابق أنّ حكم الاعتكاف الأصل هو الاستحباب والندب، وأنه لا يجب على أحد الاعتكاف إلا إذا نذره، وقد نقل ابن المنذر وغيره الإجماع على ذلك، قال ابن المنذر في كتاب الإجماع: “وأجمعوا على أن الاعتكاف سنة لا يجب على الناس فرضاً إلا أن يوجبه المرء على نفسه نذراً فيجب عليه ” (1). وهو ما نقله موفق الدين بن قدامة وشمس الدين بن قدامة وابن هبيرة والنووي وابن رشد الحفيد وغيرهم، كلهم نقلوا الإجماع على أنه لا يجب إلا بالنذر(2).
ومعنى ذلك أن من لم ينذر الاعتكاف لا يجب عليه، وإنما فقط يُندب له ويُستحب، والمندوب أو المستحب مما يجوز فعله وتركه ولكن فعله أولى من تركه، لا مما يجب فعله، ولذلك لا يأثم تارك المندوب أو المستحب.
وأنت فيما ذكرتَ عن حالك، فإنّ قيامك على أولادك الصغار، وانشغالك بأمورهم واجب عليك، واعتكافك في رمضان أو غيره مندوب مستحب، فإنْ اعتكفت تكون قد تركت واجباً من أجل مندوب، والشرع لا يجوّز ترك الواجبات من أجل المندوبات لأنه يؤدي إلى ضياع الواجب بما هو أقلّ منه وأدنى، فالواجب لا يترك إلا لواجب مثله ـ كما يقول الفقهاء.
وعليه: فلا حرج عليك، أن لا تعتكف من أجل رعاية أولادك الصغار والقيام بأمورهم، وفي مثل حالك قول ابن عباس رضي الله عنهما: ” لأن أمشي مع أخ في حاجة أحب إلي من أن أعتكف في هذا المسجد يعني (مسجد المدينة) شهراً “(3). وِشأنك أولى وأحقّ بذلك، لأنك ساع في حاجة ضعفاء أيتام صغار.
بل قد ذهب الإمام رمالك رحمه الله تعالى إلى أنّ الاعتكاف قد يكون مكروهاً في حقّ من لا يقوى عليه ومن لا يقدر على الوفاء بحقه، ولا شكّ أنك مع انشغال قلبك بأمر أولادك الصغار الذين ماتت أمهم عنهم، لن تقدر على الوفاء بحق الاعتكاف، فربما كان في حقك مكروهاً ـ على قول مالك ـ وقد قال في المدونة: ” ولا أرى للذي لا يقوى أن يعتكف” (4).
ولذلك نصّ المالكية على أنه : ” يُكره الاعتكاف لغير مكفي الشؤون، لما يترتب على ذلك من ضياع الحقوق الواجبة، ولما فيه من لجوء المعتكف للخروج من المسجد لطلب الغذاء ونحو ذلك”(5). ولا شكّ أن حالتك داخلة فيما قالوه.
ومما يخفف عليك الأمر أكثر؛ أنّ مالكاً رحمه الله ذكر في المدونة (6) أن أئمة الصحابة من الخلفاء الراشدين رضوان الله عليهم أبا بكر وعمر وعثمان لم يبلغه أنهم اعتكفوا، وأن أئمة التابعين لم يبلغه أنهم اعتكفوا ولا أحداً ممن يُقتدى به، إلا أبا بكر بن عبد الرحمن بن الحارث رحمهم الله تعالى، وذلك لشدّة الاعتكاف عليهم لانشغالهم أو خوفهم ألاّ يوفوا بحقه وشرطه.
فلا حرج عليك، بل نسأله تعالى أن يجزيك خيراً على ما تقوم به من رعاية أولادك الصغار، حفظهم الله لك وأصلحهم ونفعك ببرهم، والحمد لله.
الحواشي
كتاب الإجماع لابن المنذر ص 16 المسألة رقم 130.
راجع: المغني لابن قدامة، ج3 ص 122، الشرح الكبير لشمس الدين بن قدامة، مع المغني ج3 ص 122، الإفصاح عن معاني الصحاح لابن هبيرة ج1ص 219، والمجموع شرح المهذب ج6 ص 469، بداية المجتهد ج2 ص 201.
من حديث أخرجه الطبراني في المعجم الكبير ج11 ص 84 برقم 13468.
المدونة الكبرى لمالك، ج1 ص 342 .
تبيين المسالك لتدريب السالك إلى أقرب المسالك، ج2 ص 192.
فتاوى الصيام · · سأل: من كتاب «سؤالات الصائمين» — أقضية صلاة التراويح
أصبح اليوم مما لا ينفك عنه قيام رمضان وصلاة التراويح: القنوت فيها، فغالب المساجد تقنت وتدعو في الوتر بعد أن يكملوا تراويح كل ليلة، فما حكم هذا القنوت؟ وما كيفيته ؟ وهل هناك صيغةٌ محددة وأدعية معينة يدعو بها الناس في قنوت التراويح؟ ومتى يبدأ القنوت من أول الشهر أم من وسطه أم فقط في العشر الأواخر؟ أفيدونا نفع الله بكم الأمة وحفظ بكم الملّة.
جواب فضيلة الشيخ
آمين.. ومسألة القنوت في صلاة التراويح يحسن الإجابة فيها من أربعة جوانب:
الجانب الأول: في مشروعيته:
فالقنوت في قيام رمضان مشروع من وجوه كثيرة:
منها: أن القنوت فعلٌ حسن، وذكر لله تعالى ودعاءٌ (1).
ومنها: حديث البراء بن عازب رضي الله عنه قال: «كان رسول الله ﷺ لا يصلي صلاة مكتوبة إلا قنت فيها » (2). فإنْ كان في المكتوبة لا حرج ففي النافلة أرفع للحرج.
ومنها: أن فعل القنوت في التراويح وقيام رمضان مما أُثِر عن الصحابة رضوان الله تعالى عليهم، فقد سمع داود بن الحصين الأعرج رحمهما الله يقول : « ما أدركت الناس إلا وهم يلعنون الكفرة في رمضان » (3).
والأعرج عبد الرحمن بن هرمز المدني رحمة الله تعالى عليه أدرك جماعة من الصحابة وكبار التابعين بالمدينة، مما دلّ أنّ فعلهم كان هو العمل بالمدينة(4).
وقال عبد الرحمن بن عبد القاري رحمه الله في خروجه مع أمير المؤمنين عمر ابن الخطاب رضي الله عنه في ليالي رمضان والناس في قيام رمضان: « فكان الناس يقومون أوله، وكانوا يلعنون الكفرة في النصف: (اللهم قاتل الكفرة الذين يصدون عن سبيلك ويكذبون رسلك ولا يؤمنون بوعدك وخالف بين كلمتهم وألق في قلوبهم الرعب وألق عليهم رجزك وعذابك إله الحق ). ثم يصلي على النبي ﷺ ويدعو للمسلمين بما استطاع من خير، ثم يستغفر للمؤمنين. قال رحمه الله: وكان يقول إذا فرغ من لعنة الكفرة وصلاته على النبي واستغفاره للمؤمنين والمؤمنات ومسألته: (اللهم إياك نعبد، ولك نصلي ونسجد، وإليك نسعى ونحفد، ونرجو رحمتك ربنا، ونخاف عذابك الجدّ، إنّ عذابك لمن عاديت ملحق). ثم يكبر ويهوى ساجداً» (5).
ومشروعية القنوت هو الذي عليه جمهور العلماء، وبه قال الجمهور من الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة(6).
غير أن مالكاً رحمه الله قال في المدونة: « ليس عليه العمل، ولا أرى أن يُعمل به، ولا يقنت في رمضان لا في أوله ولا في آخره، ولا في غير رمضان، ولا في الوتر أصلاً»(7).
وقد وجّه الحافظ ابن عبد البر قول مالك فقال: وهذا معناه عندي أنه ليس سنةً مسنونةً فيواظب عليها في القنوت، ولكنه مباحٌ فعلُه اقتداءً بالسلف في ذلك لمن شاء. قال: وروى أهل المدينة عنه أنه كان يقول: يقنت الإمام في النصف من رمضان ويؤمن من خلفه(8).
الجانب الثاني: في موضعه:
والقنوت في قيام رمضان موضعه الوتر بعد الرفع من الركوع، وكان هذا هو الذي عليه السلف من الصحابة والتابعين وأهل المدينة ، كما قال ابن حبيب: وقد كان يقنت الناس في قيام رمضان بعد رفع الإمام رأسه من صلاة الوتر بعهد عمر رضي الله عنه وبعده في الزمن الأول في النصف الأخير من رمضان يجهر الإمام بكلامه ودعائه في القنوت وينصت من خلفه، إلا أنهم يؤمنون على دعائه كلما وقف(9).
ولذلك؛ ذهب الحنفية إلى أن القنوت في وتر القيام(10).
ومالك كان يرى القنوت في الوتر ، ثم ترك ذلك.
وقال الشافعي فيما روى عنه الزعفراني: يقنت في الوتر في النصف من رمضان(11).
وذهب أحمد إلى أنه قبل الركوع.
قال حنبل: سمعت أحمد يقول: «..إذا فرغت من قراءة ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ ﴾ فارفع يديك في الدعاء قبل الركوع » (12).
الجانب الثالث: في زمانه:
فهل يقنت المصلون في التراويح من أول الشهر وفي كل الليالي؟ أم في النصف من رمضان؟.
رضي الله عنهم فالذي عليه الجمهور من علماء الأمة أن القنوت في النصف الآخر من رمضان، وهو قول مالك في رواية والشافعي وأحمد وإسحاق، ورُويَ عن عليّ وأبي بن كعب وابن عمر وابن سيرين والثوري والزهري والحسن وابن جريج وعطاء ويحيى بن وثاب ، وهو الذي حُكي عن حال الصحابة والتابعين في عهد عمر .
واستدلّ الجمهور بما رواه الطبري عن الحسن أنه قال: « أمر عمرُ أُبيَّ بتن كعب يصلي بالناس، فكان إذا مضى النصف الأول واستقبلوا النصف الآخر ليلة ست عشرة ؛ قنتوا فدعوا على الكفرة ».
وقال ابن جريج: « قلت لعطاء: القنوت في شهر رمضان؟ قال: أول من قنت فيه عمر. قلت: في النصف الآخر؟ قال: نعم ».
قال ابن عبد البر: «فبهذا احتجّ من أجاز القنوت في الوتر من قيام رمضان في النصف الآخر منه، لأنه عمن ذكرنا من جلّة الصحابة، وهو عملٌ ظاهرٌ بالمدينة في ذلك الزمان في رمضان، لم يأتِ عن أحدٍ منهم إنكاره »(13).
رضي الله عنهم ويظهر من كلام الحنفية أنهم يرون القنوت في رمضان كله، من أول الشهر إلى آخره، ولم يقيّدوه بالنصف الآخر ولا بالعشر الأواخر. وهو الذي قال به الأوزاعي رحمهم الله.
رضي الله عنهم وقد ذهب أبو ثور رحمه الله إلى أن القنوت في النصف الأول من رمضان(14).
والذي يحسن اليوم إقامة الأمر على ما كان عليه جماهير الأمة من الصحابة والتابعين وأئمة العلم والدين من السلف والخلف رضي الله تعالى عنهم، وهو ابتداء القنوت في التراويح من ليلة ست عشرة، ومن ابتدأه من أول الشهر أو اكتفى بالنصف الأول فلا يمنع، فلكلٍّ سلف صالح أخيار ، والحمد لله الذي جعل لنا الدين يسّراً ولم يجعل علينا فيه حرجاً.
الجانب الرابع: في كيفيته وصيغته:
فالقنوت دعاء يصح بما يصح به الدعاء في الجملة، والأصل في الدعاء رفع الأيدي فيه.
رضي الله عنهم وقد وصف الإمام أحمد رحمه الله فيما سمعه منه حنبل كيف يكون القنوت في التراويح، فقال له «..إذا فرغت من قراءة ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ فارفع يديك في الدعاء قبل الركوع » (15). وكما وصف رحمه الله للفضل بن زياد حين سأله: «كيف أصنع؟ قال: إذا فرغت من آخر القرآن؛ فارفع يديك قبل أن تركع، وأدع بنا ونحن في الصلاة، وأطل القيام. قلت: بم أدعو ؟ قال: بما شئت. قال ابن زياد: ففعلت بما أمرني وهو خلفي يدعو قائماً ويرفع يديه »(16).
رضي الله عنهم وفي كيفية القنوت في رمضان يرى أبو يوسف أن الإمام لا يجهر وأن المقتدي المأموم كذلك يقنت، ولا يكتفي بقنوت الإمام، لأنه دعاء ولأن الأفضل في الدعاء الإخفاء. بينما يذهب محمد بن الحسن إلى أن الإمام يجهر بالقنوت ويؤمِّن المأموم(17).
والذي ورد في كيفية القنوت بعهد عمر رضي الله عنه وبعده في الزمن الأول أن الإمام يجهر بدعائه في القنوت ةينصت مَنْ خلْفَه، يؤمنون على دعائه كلما وقف، كما قال ابن حبيب(18).
رضي الله عنهم أمّا صيغة القنوت فكل دعاء للمصلين وللمسلمين بجلب المنافع ودفع المضار، وبما يحفظ الملّة والأمة، والدعاء على الأعداء من الكفرة والمنافقين وأعداء الدين.
وقد كان من دعاء القنوت في التراويح على عهد الصحابة والتابعين لعن الكفار والأعداء، كما قال الأعرج رحمه الله: ما أدركت الناس إلا وهم يلعنون الكفرة في رمضان.
وروى ابن وهب عن مالك في القنوت في رمضان: إنما يكون ذلك في النصف الآخر من الشهر وهو لعن الكفرة، يلعن الكفرة ويُؤَمِّنُ من خَلْفَهُ. ولا يكون ذلك إلا بعد أن يمر النصف من رمضان ويستقبل النصف الآخر.
ومن دعاء القنوت الدعاء على من استحق الدعاء عليهم كما قال مالك رحمه الله(19).
وكان من دعاء الأئمة في قنوت التراويح في عهد عمر رضي الله عنه ما ذكره عبد الرحمن بن عبد القاري خازن بيت مال المسلمين في عهد أمير المؤمنين عمر بن الخطاب: أنّ عمر رضي الله عنه خرج ليلة في رمضان فخرج وهو معه، فطاف بالمسجد، وأهل المسجد أوزاعٌ متفرقونٌ يصلي الرجل لنفسه، ويصلي الرجل فيصلي بصلاته الرهط، فقال عمر: « والله إني أظن لو جمعنا هؤلاء على قارئ واحد؛ لكان أمثل ». ثم عزم عمر على ذلك، وأمر أبي بن كعب رضي الله عنه أن يقوم لهم في رمضان، فخرج عمر عليهم والناس يصلون بصلاة قارئهم، فقال عمر: « نعم البدعة هي، والتي تنامون عنها أفضل من التي تقومون » – يريد آخر الليل – فكان الناس يقومون أوله، وكانوا يلعنون الكفرة في النصف: ( اللهم قاتل الكفرة الذين يصدون عن سبيلك ويكذبون رسلك ولا يؤمنون بوعدك وخالف بين كلمتهم وألق في قلوبهم الرعب وألق عليهم رجزك وعذابك إله الحق ) ثم يصلي على النبي ﷺ ويدعو للمسلمين بما استطاع من خير، ثم يستغفر للمؤمنين. قال: « وكان يقول إذا فرغ من لعنة الكفرة وصلاته على النبي ﷺ واستغفاره للمؤمنين والمؤمنات ومسألته: (اللهم إياك نعبد، ولك نصلي ونسجد، وإليك نسعى ونحفد، ونرجو رحمتك ربنا، ونخاف عذابك الجدّ، إن عذابك لمن عاديت ملحق) ثم يكبر ويهوي ساجداً » (20).
وهذا كله على التخيير والإباحة لا يلزم منه شيء، فمن شاء دعا به ومن شاء دعا بغيره.
ولكن الذي نراه في عصرنا ونشاهده في زماننا من فعل أئمة التراويح من المبالغة في الإطالة في دعاء القنوت كل ليلة ومن المبالغة الزائدة في ليلة الختم، ومن المبالغة في التسجيع وتصنع الأدعية على الألفاظ المسجعة والمترادفة وغير ذلك فهذا مما لا ينبغي، والغالب أنّ هذه الإطالة والمبالغة في تصنيع الأدعية وتطويلها وتمطيطها أنها تُدخل المشقة على المصلين وتثقل على الجماعة ، وربما أدخل الكسل على بعضهم بما يدعوهم إلى التخلّف عن جماعة التراويح في المساجد خوف هذه الإطالة وما يترتب عليها من المشقة. وخير الأمور أوساطها ، وما كان عليه سلف الأمة أوْلَى والاقتداء بحالهم وفعالهم أحرى وأحبّ، والله يتولى الصالحين.
أخرجه البيهقي في السنن الكبرى برقم 3216، الدارقطني برقم 1687والطبراني في المعجم الأوسط برقم 9450، وابن حزم في المحلى بسنده ج3 ص 55 فقرة 459. وهذا الإسناد لا بأس به.
أخرجه مالك في الموطأ برقم 253، والبيهقي في السنن الكبرى برقم 4809، وفي شعب الإيمان برقم 3001.
فتاوى الصيام · · سأل: من كتاب «سؤالات الصائمين» — أقضية صلاة التراويح
أنا مصاب بمرض السكري، وقد حذّرني الطبيب من الصيام في رمضان وفي غير رمضان، وهو طبيب مسلم مستقيم معروف بالصدق والأمانة، ومع ذلك أحبّ أن أصلي التراويح في المسجد مع الجماعة، وقد تردد في نفسي سؤال: هل يجوز لي أن أصلي التراويح مع الناس وأنا لا أصوم معهم؟ ولم أعرف الجواب، وأكثر أحوالي أني لا أصلي التراويح، ظناً منّي أن صلاة التراويح مرتبطة بالصيام وطالما أنا لا أصوم فقد سقطت مني تبعاً، والله أعلم، أرجو الإجابة وفقك الله لكل خير ونفع بعلمكم.
جواب فضيلة الشيخ
أولاً: ينبغي أن يعلم أصحاب الأعذار العاجزون عن الصيام بسبب المرض أو غيره؛ أنه لا حرج عليهم في الفطر طالما منعهم عن الصيام العذر، وكثيرٌ منهم يتمنّى لو كان صحيحاً فيصوم مع الناس، فهؤلاء معذورون في الشرع.
ثانياً: إنّ رسول الله ﷺبأبي هو وأمّي، بشّر أهل الأعذار من أمّته برحمة الرب الرحيم، فأخبرنا أنّ من منعه العذر من العبادة أو الطاعة فكأنما فعلها، فعن جابر بن عبد الله رضي الله عنه أنّ النبي ﷺ قال: « إِنَّ بِالْمَدِينَةِ لَرِجَالاً مَا سِرْتُمْ مَسِيرًا وَلاَ قَطَعْتُمْ وَادِيًا إِلاَّ كَانُوا مَعَكُمْ، حَبَسَهُمُ الْمَرَضُ ». وفي رواية: « إِلاَّ شَرِكُوكُمْ فِي الأَجْرِ »(1)، وعن أبي موسى رضي الله عنه أنّ رسول الله ﷺ قال:« إذا مرض العبد، أو سافر كُتب له مثل ما كان يعمل مقيماً صحيحاً »(2)، وفي الأدب المفرد بسند صحيح من حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنه، أن النبي ﷺ قال: (ما من أحد يمرض إلا كُتب له مثل ما كان يعمل وهو صحيح)(3). وفيه أيضاً بإسناد حسن عن أنس بن مالك رضي الله عنه مرفوعاً: ( ما من مسلم ابتلاه الله في جسده إلا كُتب له ما كان يعمل في صحته ما كان مريضاً)(4). وفي موطأ مالك وسنن أبي داود وغيرهما عن عائشة أن النبي ﷺ قال: « مَا مِنِ امْرِئٍ تَكُونُ لَهُ صَلاَةٌ بِلَيْلٍ يَغْلِبُهُ عَلَيْهَا نَوْمٌ إِلاَّ كُتِبَ لَهُ أَجْرُ صَلاَتِهِ وَكَانَ نَوْمُهُ عَلَيْهِ صَدَقَةً»(5).وفي سنن أبي داود ومستدرك الحاكم عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله ﷺ غير مرة ولا مرتين يقول: « إِذَا كَانَ الْعَبْدُ يَعْمَلُ عَمَلاً صَالِحًا، فَشَغَلَهُ عَنْهُ مَرَضٌ، أَوْ سَفَرٌ؛ كُتِبَ لَهُ كَصَالِحِ مَا كَانَ يَعْمَلُ وَهُوَ صَحِيحٌ مُقِيمٌ »(6).
وقد أكثرت من هذه الأحاديث تبشيراً لأصحاب الأعذار برحمة الله تعالى، وليطمئن المعذور الذي يحب أن يصوم ولكن حبسه عن الصوم العذر والمرض.
وعلى هذا؛ يكون المعنى: المسلم الذي منعه العذر عن الصيام وهو يحب أن يصوم لولا العذر؛ فهذا يُكتب له من أجر الصوم مثل ما كان سيعمل وهو صحيح مقيم، كما أخبر بذلك البشير الحبيب ﷺ.
والذي يتخرّج على ذلك؛ أنّ هذا المعذور يعمل مع الصائمين كل شيء إلا أنه يأكل ويشرب، وينبغي أن يغتنم أيام وليالي الشهر الفضيل، فيكثر من سائر الطاعات والعبادات والنوافل ما استطاع إلى ذلك سبيلاً، ولا يضيّع شيئاً من ذلك، ويجب أن يعلم أنّ العذر إنْ منعه من الصيام فلا يمنعه من اغتنام خير شهر الصيام، فيقوم كما يقوم الناس، ويتلو كما يتلو الناس، ويتصدق كما يتصدق الناس، ويصلي معهم التراويح كذلك.
وعليه: فيصحّ أن يصلي التراويح مع الناس ولو استطاع أن لا يتخلف عن التراويح فليفعل، وإن لم يستطع فِعْلَها جماعة؛ فليؤدها لوحده في البيت أو جماعة
مع أهل بيته. يتقبل الله منا جميعاً ويغفر لنا.
والحمد لله رب العالمين.
الحواشي
أخرجه البخاري عن أنس، برقم 2839، ومسلم عن جابر برقم 5041، 5042. واللفظ لمسلم.
أخرجه البخاري في صحيحه برقم 2996، وأحمد في المسند برقم 19694.
أخرجه البخاري في الأدب المفرد برقم 500، وصححه الألباني فيه ج1 ص 176.
البخاري في الأدب المفرد برقم 501. وقال الألباني : حسن صحيح.
مالك في الموطأ برقم 255، وأبو داود برقم 1316.
أبو داود برقم 3093، والحاكم في المستدرك برقم 1261 وصححه على شرط البخاري ووافقه الذهبي.
فتاوى الصيام · · سأل: من كتاب «سؤالات الصائمين» — أقضية صلاة التراويح
بعض المصلين لا يصلي في مسجد حيّه القريب له، بل يهاجر في كل ليلة من ليالي رمضان إلى بعض المساجد بحجة أن الإمام هناك صوته نديٌّ ويشعر بالخشوع وراءه أكثر من غيره، وبعضهم بحجة أنه يبحث عن صاحب الصوت الحسن يتنقل في كل ليلة من مسجد إلى مسجد، فما حكم الهجرة إلى المساجد البعيدة والتنقل بين المساجد في صلاة التراويح لهذا الغرض؟.
جواب فضيلة الشيخ
الحمد لله، لا مانع من مثل هذا التنقل(1) ما دام يرجو الخير والنفع لنفسه، وقد يتحقق لطالب الصوت الحسن جملة منافع شرعية، منها:
1ـ أنه يطمئن قلبه إلى صلاته..
2ـ أن يحقق التدبر للقرآن المتلو بالصوت النديّ الخاشع..
3ـ أن فيه سعياً للأفضل والأحب من طول القيام وغيره..
4ـ وفيه طلب الخشوع والتوسل لحضور القلب..
فكل هذه الأمور من مطلوبات الصلاة وصلاة القيام.
والحرج في التنقل إلى المساجد الأخرى مرفوع بشرطين:
أولهما: أن لا يؤدي هذا التنقل لتعطيل المساجد القريبة.
ثانيهما: أن لا يتخذ المرء التنقل ترائياً، وقد لوحظ أن كثيراً من هؤلاء المتنقلة إلى مساجد القراء المشاهير يتحدثون عن ذلك بشيء من التفاخر والترائي، والرياء داء يفسد القلوب والطاعات. والله تعالى أعلم…
الحواشي
وانظر: الجواب الصحيح من أحكام صلاة الليل والتراويح، للشيخ عبد العزيز بن باز، ص 9-10.
فتاوى الصيام · · سأل: من كتاب «سؤالات الصائمين» — أقضية صلاة التراويح
جئت أنا وبعض إخواني إلى المسجد لصلاة العشاء والتراويح، فوجدنا الإمام قد أكمل صلاة العشاء وأحرم لصلاة التراويح، فاختلفنا، فقال بعضنا ندخل معه بنية العشاء فإذا سلّم من الركعتين نكمل العشاء، وقال بعضنا: لا، لا ندخل معهم بل نصلي العشاء لوحدنا ثم ندركهم فنصلي معهم بقية التراويح ونكمل تراويحنا بعدهم، فنرجو أن تبينوا لنا أي الأمرين هو الصحيح شرعاً؟ جزاكم الله خيراً.
جواب فضيلة الشيخ
الحمد لله، دخول من لم يصلّ العشاء في صلاة التراويح بنية العشاء، مبني على حكم اقتداء المفترض بالمتنفل، لأنّ الداخل بنيية أن يصلي العشاء مفترض أي يريد أداء الفريضة وهي صلاة العشاء المكتوبة، والإمام الذي يصلّي بالناس التراويح متنفل، أي يصلي نافلة إذ صلاة التراويح نافلة. والفقهاء في حكم اقتداء المفترض بالمتنفل على قولين مشهورين(1):
القول الأول: للشافعية والحنابلة وهم يرون جواز اقتداء المفترض بالمتنفل كما يجوز اقتداء المتنفل بالمفترض، وبه قال الأوزاعي وإسحاق بن راهويه ومن التابعين: عطاء وطاووس.
والقول الثاني: للجمهور من الحنفية والمالكية والحنابلة في الرواية المشهورة، وقد ذهبوا إلى منع اقتداء المفترض بالمتنفل، وبه قال الزهري وشعبة.
وقد استدل من يرى جواز وصحة أن يقتدي مصلي الفريضة بمصلي النفل بحديث معاذ بن جبل رضي الله عنه أنه كان يصلي العشاء مع النبي ﷺ ثم يأتي قومه في بني سلمة فيصلي بهم، فهذه الصلاة تكون له تطوعاً، لأنه صلّى العشاء الفريضة مع رسول الله ﷺ، وبالنسبة لقومه هي الفريضة لأنهم إنما يصلّون مع معاذ العشاء الآخرة.
واستدل من يرى المنع وعدم صحة أن يصلي مريد العشاء بنية العشاء مع المصلين في صلاة التراويح، بأنّ نياتهم مختلفة، وأن النبي ﷺ قال: ( إنما جُعل الإمام ليؤتمّ به فلا تختلفوا عليه)(2) ، أي ليؤتم به في نية الصلاة وفي فعلها، وإلا فقد اختلفوا عليه.
فعلى القول الأول يجوز الدخول في التراويح لمن لم يصلّ العشاء بنية العشاء، فيصلي هو عشاءه ويصلي الناس التراويح.
وعلى القول الثاني: لا يدخل من لم يصلّ العشاء مع المصلين.
وقال ابن حبيب من المالكية: يدخل معهم ويؤخر العشاء ما لم يخرج وقتها المعتاد.
وقال الإمام مالك: لا يؤخرها ويصليها وسط الناس أو بمؤخرة المسجد(3). والله تعالى أعلم..
الحواشي
راجع: الحاوي الكبير للماوردي ج2 ص 316، المجموع شرح المهذب ج4 ص 269، العدة شرح العمدة، ج1 ص 90، عمدة القاري شرح صحيح البخاري، ج6 ص 292. وتبيين المسالك لتدريب السالك، ج1 ص 461. البحر الرائق شرح كنز الدقائق ، ج1 ص 383، المحيط البرهاني ج2 ص 122، التاج والإكليل ج1 ص 209. مواهب الجليل شرح مختصر خليل ج2 ص 462.
أخرجه الإمام مالك في الموطأ برقم 209، والبخاري برقم 722، ومسلم برقم 948، وأبو داود برقم 601، والترمذي برقم 361 ، واللفظ لمالك والبخاري.
فتاوى الصيام · · سأل: من كتاب «سؤالات الصائمين» — أقضية صلاة التراويح
نشاهد بعض المصلين في الحرمين الشريفين يحملون المصاحف داخل الصلاة وهم يصلون التراويح مع الإمام، فهل يجوز ذلك؟ وهل لي إذا أحببت أن أصلي التراويح في البيت بجزء أو بحزب أن أقرأ في صلاتي من المصحف؟.
جواب فضيلة الشيخ
في المسألة جانبان، جانب يتعلق بقراءة الإمام في صلاته بالناس من المصحف، والجانب الآخر يتعلق بحمل المصلين المأمومين المصاحف ليتابعوا قراءة الإمام.
أما حمل الإمام المصحف وقراءته منه في صلاة التراويح؛ فالعلماء فيه على ثلاثة أقوال:
القول الأول: لأبي حنيفة، وقد ذهب إلى أنّ الإمام الذي يصلي في رمضان وغيره ويقرأ من المصحف، صلاته فاسدة، من وجهين:
الوجه الأول: حمل المصحف وتقليب الأوراق والنظر فيه، عمل كثير، والعمل الكثير يفسد الصلاة.
والوجه الثاني: أنّ هذا تعلّمٌ من المصحف في الصلاة، والتعلّم في الصلاة مفسدٌ للصلاة، كما لو تعلّم من معلم؛ وهذا لأن التعلم نوعان: تعلم من الكتاب، وتعلم من معلم، والتعلم من المعلم يفسد الصلاة، فكذا من الكتاب، فعلى هذا الوجه: وإن كان المصحف بين يديه، وهو لا يحمله ولا يقلب الأوراق تفسد صلاته عند أبي حنيفة(1).
القول الثاني: لصاحبي أبي حنيفة، أبي يوسف ومحمد بن الحسن الشيباني رحمهما الله، وهو أنّ صلاته لا تفسد ولكن يكره للإمام حمل المصحف والقراءة منه في الصلاة.
ووجه عدم فساد الصلاة عندهما: أنّ المفسد إنما يكون حمل المصحف، أو النظر فيه، أو تقليب الأوراق..
أ ـ وحمل المصحف لا يصلح أن يكون مفسداً، لأنّ حمل ما هو أكثر من ذلك لا يفسد الصلاة، بدليل أنّ النبي ﷺ كان يصلي وأمامة بنت أبي العاص على عاتقه، وكان يضعها إذا سجد ويرفعها إذا قام..
ب ـ والنظر في المصحف لا يصلح مفسداً، ولا يقاس بالنظر إلى نقوش المحراب؛ لأن النظر في المصحف عبادة، والنظر إلى نقوش المحراب ليس بعبادة..
ج ـ وتقليب الأوراق عملٌ يسيرٌ لا يقطع الصلاة..
ووجه الكراهة: أنّ حمل المصحف والقراءة منه في الصلاة يشبه أهل الكتاب في صلاتهم فيما عنه بدّ، بخلاف القراءة عن ظهر القلب؛ لأنه لا بدّ منه(2).
القول الثالث: الجواز وعدم الكراهة في التراويح وغيرها من النوافل، وهو قول الجمهور مالك والشافعي وأحمد رحمهم الله تعالى، وبه قال جمهور التابعين(3).
قال مالك في المدونة: لا بأس بأن يؤم الإمام بالناس في المصحف في رمضان وفي النافلة (4).
3ـ إن النظر في المصحف عبادة، والصلاة أيضاً عبادة، والقراءة في الصلاة من المصحف أضافت عبادة إلى عبادة فلا تكره.
4ـ إنّ الواجب قراءة القرآن مطلقاً، وقد قرأ القرآن، فيجوز كما لو قرأ عن ظهر القلب.
5ـ أما ما استدل به الصاحبان ـ أبو يوسف ومحمد ـ للكراهة بالتشبه بأهل الكتاب، أجاب الجمهور بأنّه ليس كل تشبّهٍ بهم مكروه، إذ ليس كل ما يفعله أهل الكتاب يكره لنا، ألا ترى أنهم يقرؤون عن ظهر قلب، ونحن نقرأ كذلك عن ظهر قلب ولا يكره!.
أما ما يتعلق بحمل المأمومين المصاحف في صلاة التراويح ، فقد كرهه كثير من أهل العلم إن كان بغير حاجة شرعية، كأن يحتاج الإمام إلى من يفتح عليه أثناء القراءة إذا لم يكن بين المصلين من الحفظة الذين يفتحون على الإمام إذا وقفت عليه الآية. وفي مصنف ابن أبي شيبة أن أنساً رضي الله عنه كَانَ يُصَلِّي وَغُلاَمُهُ يُمْسِكُ الْمُصْحَفَ خَلْفَهُ فَإِذَا تَعَايَا فِي آيَةٍ فَتَحَ عَلَيْهِ(7).
ووجه الكراهة: أنّ المتابعة من المصحف تشغله عن الخشوع في الصلاة وعن تدبر قراءة الإمام.
والله تعالى أعلم..
الحواشي
المحيط البرهاني لابن برهان ابن مازة، ج1 ص 446.
المصدر السابق نفسه .
انظر: الشرح الصغير ، ج1 ص 316، التاج والإكليل لمختصر خليل، ج2 ص 109، فتح الباري لابن حجر، ج2 ص 185، المحيط البرهاني، ج1 ص 446، وبل الغمامة شرح العمدة لابن قدامة، د. عبد الله الطيار.
المدونة، ج1 ص 194، التاج والإكليل ج2 ص 109.
راجع النقول في المصنف لابن أبي شيبة، ج2 ص 338، بالأرقام: من 7293 إلى 7299.
أخرج البخاري خبر إمامة ذكوان لعائشة رضي الله عنها في باب إمامة العبد والمولى برقم .
فتاوى الصيام · · سأل: من كتاب «سؤالات الصائمين» — أقضية صلاة التراويح
في السنوات القريبة ظهرت صلاة التهجد في العشر الأواخر من رمضان، وانتشرت في كثير من البلدان والمساجد لأن الحرمين الشريفين يصلون التهجد في العشر الأواخر ويجعلون ختمة خاصة بالتهجد غير ختمة التراويح، وبعض الناس يظن أنه لو لم يصلّ التهجد كأنه لم يصلّ قيام رمضان، وبعضهم يتفقد بعضهم البعض، هل حضرت؟ ومع من صليت التهجد؟. فما حكم هذا التهجد؟ وهل كان معروفاً عند السلف؟.
جواب فضيلة الشيخ
أولاً: صلاة التراويح وقيام رمضان من نوافل الخير التي كلما أكثر منها المصلون ركوعاً وسجوداً، أو أطالوا القيام فيها ازداد الاستحباب. والأصل في فعلها ليلاً وبانفراد أو اجتماع جاز وصحّ ، وعليه فالظاهر من قواعد الشرع في النوافل صحة وجواز صورة التهجد المعروف اليوم.
ثانياً: بَحَثَ الفقهاء هذه المسألة:
أ ـ فمن نظر إلى أنّ المعهود من السلف رضوان الله عليهم صلاة التراويح جماعة مرة واحدة في الليلة، رَأَىَ كراهة العود جماعة في قيام ليالي رمضان.
ب ـ ومن نظر إلى الأصول وقواعد الشرع في النوافل والتطوعات خاصة قيام الليل والتوسعة في شأن التراويح؛ رَأَىَ جواز التهجد والعودة جماعة لقيام الليل في رمضان بعد التراويح.
فعند الحنفية صلاة التهجد بالمعنى الخاص في القيام الثاني في العشر الأواخر من رمضان جماعة في المسجد مكروهةٌ.
قال الكاساني في بدائع الصنائع: “إذا صلوا التراويح ثم أرادوا أن يصلوها ثانياً يصلون فرادى لا بجماعة ؛ لأن الثانية تطوع مطلق ، والتطوع المطلق بجماعة مكروه”(1) .
وعند الحنابلة قولان: قول بالكراهة وقول بالجواز بلا كراهة، وذلك للأصلين الذين قررتهما.
ويسمى عند الحنابلة بـ”التعقيب” وهو: أن يصلِّىَ الرجل بعد التراويح نافلة أخرى في جماعة، أو التراويح في جماعة أخرى.
وللإمام أحمد رحمه الله فيه روايتان:
الأولى: كراهة التعقيب بصلاة التراويح في جماعة أخرى، نقلها عنه محمد بن الحكم.
والرواية الأخرى: أنه لا بأس، وهي رواية الجماعة عنه.
وقد استند في الرواية الثانية بالجواز إلى ما روي عن أنسٍ رضي الله عنه أنه قال: “ما يرجعون إلاّ لخير يرجونه، أو لشر يحذرونه”.
وقد صحح ابن قدامة وغير واحد من أئمة الحنابلة الجواز بلا كراهة قال في المغني: “والصحيح أنه لا يكره لأنه خير وطاعة فلم يكره كما لو أخره إلى آخر الليل”اهـ(2) .
والمختار في مسألة التهجّد أمران:
الأمر الأول: أنه يجوز التهجد الذي يكون بعد الهجود ، وقد كان ذلك حال النبي ﷺ إذ كان حاله عليه الصلاة والسلام القومة بعد النومة، فمن صلّى التراويح في جماعة عمل بسنة عمر بن الخطاب والصحابة رضوان الله تعالى عليهم، ومن صلّى التهجد آخر الليل في جماعة عمل بأصل سنّة المصطفى ﷺ الذي صلّى معه الناس في بعض ليالي العشر الأواخر من رمضان من آخر الليل، كما في حديث أبي ذر رضي الله عنه، قال: “صمنا مع رسول الله ﷺ فلم يصلِّ بنا حتى بقي سبع من الشهر، فقام بنا حتى ذهب ثلث الليل، ثم لم يقم بنا في السادسة، وقام بنا في الخامسة حتى ذهب شطر الليل، فقلنا له: يا رسول الله! لو نفلتنا بقية ليلتنا هذه ؟. فقال: ( إنّه من قام مع الإمام حتى ينصرف؛ كُتب له قيام ليلة ) ثم لم يصل بنا حتى بقي ثلاث من الشهر وصلى بنا في الثالثة ودعا أهله ونساءه فقام بنا حتى تخوفنا الفلاح”(3) أي: السحور.
الأمر الثاني: على القول بالجواز قد يكون لبعض المتهجدين الصلاة في بيته أفضل، وربما كان لبعضهم الصلاة في المسجد جماعة أفضل:
ـ فمن كان يعرف في نفسه النشاط للقيام وإحياء الليالي الكرام بلا كسل أو تناوم فهذا انفراده في البيت وتهجده لوحده أفضل في حقه.
ـ ومن كان يعرف من نفسه التكاسل والتساهل في القيام إن قام وحده في البيت، وينشط في الجماعة؛ فهذا تهجده في الجماعة أفضل في حقه.
ـ ومن وجد نفسه ينشط لأجل ملاقاة أقرانه أو أصدقائه، بحيث لو تغيبوا أو لم يكونوا تكاسل؛ فهذا صلاته في البيت أو نومه أصلح له من تهجده في المسجد، لأنّ الداعي لتهجده جماعة في المسجد اشتبه بالرياء، فالخفاء أصلح له..وهكذا.. والله تعالى أعلم.
الحواشي
بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع للكاساني، ج1 ص 290.
بعض أهل بلادنا لا يصومون مع الناس ؟ حتى يروا الهلال بأنفسهم أو يراه بعض من ينتمي إليهم في القبيلة أو الطريقة ، حتى إنهم في بعض السنوات يصومون بعد الناس بيومين أو ثلاثة ؟