الإثنين 24 أغسطس 2026م
الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ

الرئيسية ← الفتاوى

الفتــاوى

فتاوى فضيلة الشيخ في العبادات والمعاملات المالية والنوازل المعاصرة — ولمن أراد أن يسأل، فباب الاستفتاء مفتوح.

س

حكــم الوتـر بعد طلــوع الفجــر

فتاوى الصيام · · سأل: من كتاب «سؤالات الصائمين» — أقضية صلاة التراويح

لم أوتر مع الإمام بنية أن أواصل صلاة القيام لوحدي في البيت ثم نمت ولم أنتبه إلا بعد طلوع الفجر؛ هل يجوز لي أن أصلي الوتر في هذا الوقت وقد طلع الفجر؟ أم سقط عني الوتر بطلوع الفجر؟.

جواب فضيلة الشيخ

من كان هذا حاله؛ إمّا أن يتذكر أنه لم يوتر بعد أن صلّى الفجر وفرغ منها، وإمّا أن يتذكر أنه لم يوتر في أثناء صلاة الفجر، وإمّا أنه تذكر أنه لم يوتر قبل أن يصلي الفجر.

ـ إذا فرغ من صلاة الفجر أو في أثناء صلاة الفجر تذكّر أنه لم يوتر؛ فلا يجوز له الوتر عندئذ.

ـ أما إذا تذكّر أنه لم يوتر قبل أن يصلي الفجر، فالفقهاء في جواز الوتر وعدمه على مذهبين:

المذهب الأول: أنه لا وتر بعد طلوع الفجر، وهو الذي عليه أئمة الحنفية محمد بن الحسن وأبو يوسف ، وهو قول الثوري، ومن التابعين قال به سعيد بن جبير ومكحول وعطاء.

والحجة في ذلك: أنّ الفجر قد طلع والليل قد خرج فخرج وقت الوتر، إذ وقته الليل، لقول النبي ﷺ: ( اجعل آخر صلاتك بالليل وتراً) وقوله عليه الصلاة والسلام: ( لا وتران في ليلة )(1) ، والحديثان يدلان على أن وقت الوتر الليل، فإذا خرج الليل خرج وقته فلا يؤدَّى بعده لأنه أداء لصلاة في غير وقتها، وإنما الصلاة لوقتها.

المذهب الثاني: أنه يجوز الوتر ولو طلع الفجر، وهو الذي ذهب إليه الجمهور: مالك والشافعي وأحمد ، وهو قول أبي ثور وإسحاق بن راهويه وغيرهم.

ومما احتج به الجمهور:

1ـ ما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه رقد ثم استيقظ فقال لخادمه: انظر ما صنع الناس؟ ـ وهو يومئذ قد ذهب بصره ـ فذهب الخادم ثم رجع فقال: قد انصرف الناس من الصبح. فقام ابن عباس رضي الله عنهما فأوتر، ثم صلّى الصبح(2).

2ـ ما روي عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه، قال يحيى بن سعيد:” كان عبادة بن الصامت يؤم قوماً، فخرج يوماً إلى الصبح فأقام المؤذن صلاة الصبح، فأسكته عبادة حتى أوتر ثم صلى بهم الصبح”(3) .

3ـ ما روي عن ابن مسعود أنه قال: ” ما أبالي لو أقيمت الصلاة وأنا أوتر”(4).

والراجح فيما يبدو هو مذهب الجمهور، لأن هؤلاء الأخيار من أصحاب رسول الله ﷺما كانوا يفعلون إلا ما اطمأنوا إلى جوازه في الشرع، وعليه جاز لك أن توتر ولو خرج الليل وطلع الفجر ما لم تصلّ الصبح. والله تعالى أعلم.

الحواشي

  1. سبق تخريج الحديثين.
  2. موطأ الإمام مالك، برقم 277، ج1 ص 277.
  3. موطأ مالك برقم 280 ج1 ص 126
  4. السنن الكبرى للبيهقي برقم 4709 .
أ.د. عبدالله الزبير عبدالرحمن
س

إتمام التراويح مع الإمام لمواصلة القيام

فتاوى الصيام · · سأل: من كتاب «سؤالات الصائمين» — أقضية صلاة التراويح

مرات يكون لدي رغبة شديدة في مواصلة القيام والصلاة بالليل لوحدي في البيت، فنصحني بعض الإخوان أن أصلي مع الإمام إلى نهاية التراويح فإذا بقي الشفع والوتر أخرج لأكمل صلواتي في البيت وفي آخر صلاتي أشفع وأوتر، هل هذا صحيح؟.

جواب فضيلة الشيخ

في هذه المسألة خيارات شرعية أربعة جاءت عن سلفنا الصالح رضوان الله عليهم وعلمائنا رحمهم الله تعالى..

الخيار الأول: ما نصحك به إخوانك، أن تصلي مع الإمام حتى إذا لم يبق إلا الوتر فارقته، ثم تصلي ما شاء الله لك أن تصلي من الليل ثم توتر آخر الليل تحقيقاً لنهي النبي ﷺ 🙁 لا وتران في ليلة ). وقد روي هذا عن طلق بن عليّ رضي الله عنه، قال قيس بن طلق: زارنا طلق بن عليّ في يوم من رمضان، فأمسى عندنا وأفطر، ثم قام بنا تلك الليلة، ثم انحدر إلى المسجد فصلى بأصحابه حتى إذا بقي الوتر قدم رجلاً فقال: ” أوتر بأصحابك فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: ( لا وتران في ليلة )(1).

الخيار الثاني: أن توتر في أول الليل مع الإمام أو لوحدك ـ كيفما صليت ـ ثم إذا استيقظت أو أردت الصلاة بعد ما أوترت؛ صليت ما شاء الله لك أن تصلى مثنى مثنى ركعتين ركعتين حتى تصبح ولا توتر ثانية، تحقيقاً لقول النبي ﷺ: ( لا وتران في ليلة ).

فعل هذا جماعة من السلف ، منهم: أبو بكر الصديق رضي الله عنه، وعمار وسعد بن أبي وقاص وعائذ بن عمرو وابن عباس وأبي هريرة وعائشة ، وبه قال: طاوس وأبو مجلز والنخعي ومالك والأوزاعي وأبو ثور(2).

الخيار الثالث: أن تتم صلاة التراويح مع الإمام حتى توتر معه في أول الليل ، ثم إذا استيقظت وأردت أن تصلي تأتي بركعة واحدة تشفع بها الوتر الذي صليته مع الإمام في أول الليل، وهذا يسمّى في عرف الفقهاء “نقض الوتر”(3)، ثم تصلي ركعتين ركعتين ما شئت، حتى إذا أكملت أو أوشك الفجر أن يطلع؛ تختم صلاتك بالوتر، عملاً بقول النبي ﷺ:« اجْعَلُوا آخِرَ صَلاَتِكُمْ بِاللَّيْلِ وِتْرًا »(4).

وقد فعل هذا جماعة من السلف : عليّ وأسامة وأبو هريرة، وعمر وعثمان وسعد وابن عمر وابن عباس وابن مسعود(5).

الخيار الرابع: وهو مستفاد من الخيار السابق، أن يشفع وتره بركعة عند انتهاء الإمام من الوتر وتسليمه، فلا يسلم مع الإمام، بل يأتي بركعة ليكون وتره شفعاً، ثم إذا أراد أن يصلي من ليله صلى ما شاء ثم يأتي بالوتر، فيكون قد جعل وتره آخر الليل. نصّ عليه الإمام أحمد(6)، وسند من المالكية(7).

ووجهه ـ والله أعلم ـ: أنه طالما جاز أن نشفع الوتر بركعة واحدة بعد أن ننوم ونستيقظ ـ كما في الخيار الثالث ـ؛ فيجوز إذنْ من باب أولى أن نشفع الوتر فور تسليم الإمام.

الخيارات الثلاثة الأُولَى وردت عن عليّ رضي الله عنه، والخيار الرابع مستفاد منها، قال عليٌّ رضي الله عنه: ” الوتر ثلاثة أنواع: فمن شاء أن يوتر أول الليل أوتر، ثم إذا استيقظ فشاء أن يشفعها بركعة يصلي ركعتين ركعتين حتى يصبح ثم يوتر فعل. وإن شاء صلى ركعتين ركعتين حتى يصبح ـ أي بدون أن يوتر ـ . وإن شاء أوتر آخر الليل”(8).

وطالما الأمر على هذه السعة فإن الأفضل هو أن يكمل المصلي التراويح مع الإمام ثم إذا أراد أن يواصل قيامه أو يقوم من الليل للصلاة والتهجّد؛ أخذ بأي الخيارات الواردة، وذلك لما ورد عن النبي ﷺ أنه قال: ( مَنْ قَامَ مَعَ الإِمَامِ حَتَّى يَنْصَرِفَ كُتِبَ لَهُ قِيَامُ لَيْلَةٍ )(9).. والله تعالى أعلم..

الحواشي

  1. أخرجه أبو داود برقم 1441، والترمذي برقم 470، وحسنه.
  2. المغني نفسه.
  3. سنن الترمذي ج2 ص 333، المغني لابن قدامة، ج1 ص 830-831.
  4. أخرجه الشيخان، البخاري برقم 998، ومسلم برقم 1791.
  5. المغني الموضع السابق.
  6. المغني نفسه.
  7. مواهب الجليل لشرح مختصر خليل، للحطاب ، تحقيق زكريا عميرات، عالم الكتب، ج2 ص 464.
  8. كتاب الأم، للشافعي ج1 ص 143-144، باب في الوتر .
  9. أخرجه الترمذي برقم 806، والنسائي برقم 1605، وابن خزيمة في صحيحه برقم 2206، والبيهقي في السنن الكبرى برقم 4793، وابن حبان في صحيحه برقم 2547. وصححه الأعظمي، وشعيب الأرناؤوط.
أ.د. عبدالله الزبير عبدالرحمن
س

ختــم القـرآن فـي التـراويح

فتاوى الصيام · · سأل: من كتاب «سؤالات الصائمين» — أقضية صلاة التراويح

هل الأفضل لنا نحن المصلين أن نختم القرآن في صلاة التراويح؟.

جواب فضيلة الشيخ

الحمد لله، يُندب ختم القرآن الكريم في صلاة التراويح في شهر رمضان، وهو قول المذاهب الأربعة:

ـ قال الحنفية: ” والسنة ختم القرآن في التراويح مرة واحدة”(1). وفصّلوا في ذلك قالوا:” الختم مرة سنة، والختم مرتين فضيلة، والختم ثلاث مرات في كل عشر ليال مرةً أفضل”(2).

ـ وقال المالكية: ” ونُدب للإمام الختم لجميع القرآن فيها أي في التراويح في الشهر كله ليسمعهم جميعه”(3).

ـ وعند الشافعية جاء في نهاية الزين: ” وسنن الصوم عشرة .. قال: والتاسع: ختم القرآنفي جميع رمضان”(4). وجاء في الإقناع في حل ألفاظ أبي شجاع:” وفعلها بالقرآن في جميع الشهر أفضل”(5).

ـ وعند الحنابلة، يقول الفضل بن زياد: “سألت أبا عبد الله ـ أي الإمام أحمد ـ فقلت: أختم القرآن أجعله في الوتر أو في التراويح ؟ قال: اجعله في التراويح حتى يكون لنا دعاء بين اثنتين. قلت: كيف أصنع؟ قال: إذا فرغت من آخر القرآن فارفع يديك قبل أن تركع وأدع بنا ونحن في الصلاة وأطل القيام. قلت: بم أدعو ؟ قال: بما شئت. قال ابن زياد: ففعلت بما أمرني وهو خلفي يدعو قائماً ويرفع يديه”(6).

بل جعل كثير من الفقهاء مقصود التراويح في سماع القرآن وختمه فقالوا: ” شرعت التراويح لأجل ختم القرآن”(7).والله تعالى أعلم.

الحواشي

  1. الاختيار لتعليل المختار، ج 1 ص 95.
  2. الجوهرة النيرة للزبيدي، ج1 ص 387.
  3. الشرح الكبير للدردير، ج1 ص 315.
  4. نهاية الزين في إرشاد المبتدئين، لأبي عبد المعطي الجاوي، ص 194-195.
  5. الإقناع في حل ألفاظ أبي شجاع ج5 ص 179.
  6. المغني لابن قدامة ، ج1 ص 838. الفقرة 1101.
  7. حاشية ابن عابدين ج1 ص 475، وحاشية الطحاوي على المراقي ص 410.
أ.د. عبدالله الزبير عبدالرحمن
س

عـدد ركعـات صـلاة التـراويح

فتاوى الصيام · · سأل: من كتاب «سؤالات الصائمين» — أقضية صلاة التراويح

أصبحنا في حيرة من أمرنا، بعض المساجد يصلي الإمام بالناس فيها التراويح عشر ركعات، وفي بعضها يصلون ثمان ركعات وفي بعضها عشر ركعات وفي بعضها عشرين ركعة خاصة في المسجد الحرام والمسجد النبوي وكثير من المساجد الأخرى، وبعض الشباب اليوم يصرّ على أنّ الصحيح أنْ لا نزيد في التراويح عن ثمان ركعات ثم الشفع والوتر، فهلا بينتم لنا ما الصحيح والجائز في عدد ركعات صلاة التراويح، يرحمكم الله ويرحم والديكم؟.

جواب فضيلة الشيخ

أولاً: صلاة التراويح في عدد ركعاتها على السعة بل صلاة الليل كلها على التوسعة وعدم تحديد ركعات معينة، والدليل على ذلك:

1ـ ما ثبت عن النبي ﷺ من حديث ابن عمر رضي الله عنهما:” أَنَّ رَجُلاً جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ وَهْوَ يَخْطُبُ فَقَالَ كَيْفَ صَلاَةُ اللَّيْلِ فَقَالَ مَثْنَى مَثْنَى فَإِذَا خَشِيتَ الصُّبْحَ فَأَوْتِرْ بِوَاحِدَةٍ تُوتِرُ لَكَ مَا قَدْ صَلَّيْتَ)(1)، فحدّد الكيف وأطلق الكم، فدلّ على أن عدد الركعات في صلاة الليل كلها غير محددة.

2ـ ما ثبت عنه عليه الصلاة والسلام أنه ما التزم عدداً معيناً في صلاة الليل، فإنه ﷺ صح الخبر عنه أنه كان يصلي بالليل إحدى عشرة ركعة بوترها، وصح الخبر أنه ﷺ ربما صلى ثلاث عشرة ركعة، وروي عنه ﷺ أنه صلاها ست عشرة ركعة..

أـ فقد روت سيدتنا عائشة أن صلاة النبي ﷺ بالليل كانت إحدى عشرة ركعة في رمضان وفي غيره فقالت: ” ما كان يزيد في رمضان ولا غيره على إحدى عشرة ركعة”(2).

ب ـ وأخرج الترمذي عن سيدتنا أم سلمة قالت: “كان النبي ﷺ يوتر بثلاث عشرة ركعة فلما كبر وضعف أوتر بسبع”. قال إسحق بن إبراهيم معنى ما روي أن النبي ﷺ كان يوتر بثلاث عشرة قال إنما معناه أنه كان يصلي من الليل ثلاث عشرة ركعة مع الوتر فنسبت صلاة الليل إلى الوتر(3).

ج ـ وفي صحيح مسلم عن أبي سلمة أنه سأل عائشة عن صلاة رسول الله ﷺ فأخبرت أنه كان يصلي تِسْعَ رَكَعَاتٍ قَائِمًا يُوتِرُ مِنْهُنَّ(4).

د ـ وفي صحيح مسلم من حديث ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: ” صلّى رسول الله ﷺ من الليل ثلاث عشرة ركعة”(5).

وفي صحيح مسلم أن زيد بن خالد الجهني رضي الله عنه قال: ” لأرمقنّ صلاة رسول الله ﷺ الليلة، فصلى ركعتين خفيفتين، ثم صلّى ركعتين طويلتين طويلتين، ثم صلّى ركعتين وهما دون اللتين قبلهما، ثمّ صلى ركعتين وهما دون اللتين قبلهما.. إلى أن قال: ثم أوتر، فذلك ثلاث عشرة ركعة”(6).

د ـ وأخرج الإمام أحمد عن عليّ رضي الله عنه أنه قال: ” كان رسول الله ﷺ يصلي من الليل ست عشرة ركعة سوى المكتوبة “(7).

وكلٌّ ـ ما ترى ـ يروي ما شاهده ورآه من حال رسول الله ﷺوحاله دالة على أن صلاة الليل لا حدّ فيها محصور، ولا عدد لركعاتها محدود.

ثانياً: المروي عن أحوال السلف الصالح في عدد ركعات صلاة التراويح كما يلي:

(1) مروي عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه في خلافته الراشدة أنّه جمع المصلين للتراويح فكانوا يصلون ثلاثاً وعشرين ركعة مع الوتر، فقد روى مالك عن يزيد بن رومان قال : ( كان الناس في زمان عمر يقومون في رمضان بثلاث وعشرين ركعة )(1)

وصحابة رسول الله ﷺ كانوا كثيرين ولم يثبت عن أحد منهم أنه أنكر على عمر ، فدلّ على أنّ صلاة التراويح تصحّ أن تكون ثلاثاً وعشرين ركعة مع الوتر.

قال الإمام أبو حنيفة: ” لم يتخرّصه عمر رضي الله عنه من تلقاء نفسه ولم يكن فيه مبتدعاً، ولم يأمر به إلا عن أصل لديه وعهد من رسول الله ﷺ، ولقد سنّ عمر رضي الله عنه هذا وجَمَع الناس على أبيّ بن كعب رضي الله عنه فصلاّها جماعة والصحابة متوافرون: منهم عثمان وعلي وابن مسعود والعباس وابنه وطلحة والزبير ومعاذ وأبيّ وغيرهم من المهاجرين والأنصار، وما ردّ عليه واحد منهم ، بل ساعدوه ووافقوه وأمروا بذلك “(8).

(2) ومروي عن عليّ رضي الله عنه أنه كان يقوم في رمضان بثلاث وعشرين ركعة مع الوتر، فقد روى البيهقي عن شتير بن شكل ـ وكان من أصحاب على رضى الله عنه ـ: أنه كان يؤمهم فى شهر رمضان بعشرين ركعة، ويوتر بثلاث(9).

(3) ومروي عن السائب بن يزيد قال: “كنا نصلي زمن عمر في رمضان ثلاث عشرة..

(4) ومروي عن أبان بن عثمان وعمر بن عبد العزيز في عهد إمارته على المدينة جمعوا الناس في التراويح على تسع وثلاثين ركعة مع الوتر، فمن طريق داود بن قيس قال : “أدركت الناس في إمارة أبان بن عثمان وعمر بن عبد العزيز يعني بالمدينة يقومون بست وثلاثين ركعة ويوترون بثلاث”.

(5) ومروي عن محمد بن يوسف أنها إحدى وعشرون ركعة.

(6) وروي عن مالك: ست وأربعون وثلاث الوتر..

(7) ونقل ابن عبد البر عن الأسود بن يزيد أربعين يوتر بسبع وقيل ثمان وثلاثين..

(8) وعن نافع قال: لم أدرك الناس إلا وهم يصلون تسعاً وثلاثين ويوترون منها بثلاث..

(9) وعن الشافعي قال: “رأيت الناس يقومون بالمدينة بتسع وثلاثين وبمكة بثلاث وعشرين ..”.

(10) وعن زرارة بن أوفى أنه كان يصلي بهم بالبصرة أربعا وثلاثين ويوتر..

(11) وعن سعيد بن جبير أربعاً وعشرين، وقيل: ست عشرة، غير الوتر..(10)

(12) وأخرج البيهقي عن ابن عباس : ( كان يصلي في شهر رمضان في غير جماعة عشرين ركعة والوتر ) قال البيهقي: “زاد سليم الرازي في كتاب الترغيب له : ( ويوتر بثلاث)(11).

فكل هذه روايات وكلها بعدد، مما يدلّ على أنّ أمر التراويح على التوسعة في عدد ركعاتها، فتحديدها بعدد لم يقطع به دليل:

قال شيخ الإسلام ابن تيمية بعد أن أورد بعض الروايات في قيام رمضان وتنازع العلماء فيها: “والصواب: أنّ ذلك جميعه حسن كما نص على ذلك الإمام أحمد رضي الله عنه، وأنه لا يتوقّت في قيام رمضان عدد، فإنّ النبي ﷺ لم يوقّت فيها عدداً، وحينئذ فيكون تكثير الركعات وتقليلها بحسب طول القيام وقصره، فإن النبي ﷺ كان يطيل القيام بالليل حتى ثبت عنه في الصحيح من حديث حذيفة: أنه كان يقرأ في الركعة بالبقرة وآل عمران والنساء، فكان طول القيام يُغني عن تكثير الركعات، وأُبَيّ بن كعب لما قام بهم وهم جماعة واحدة لم يكن أن يطيل لهم القيام فكثّر الركعات، ليكون ذلك عوضاً عن طول القيام”(12). اهـ المراد نقله.

وقال الشوكاني:”.. قصر الصلاة المسماة بالتراويح على عدد معين وتخصيصها بقراءة مخصوصة لم يرد به سنة”(13).

ويقول الشيخ ابن عثيمين: ” لا ينبغي لنا أنْ نغلوَ أو نُفَرِّطَ، فبعضُ النَّاس يغلو من حيث التزامُ السُّنَّة في العدد، فيقول: لا تجوز الزيادة على العدد الذي جاءت به السُّنَّةُ، وينكرُ أشدَّ النَّكير على مَن زادَ على ذلك، ويقول: إنه آثمٌ عاصي. وهذا لا شَكَّ أنَّه خطأ، وكيف يكون آثماً عاصياً وقد سُئِلَ النَّبيُّ ﷺ عن صلاة الليل؟ فقال: «مثنى مثنى» ولم يُحدِّد بعدد، ومِن المعلوم أنَّ الذي سأله عن صَلاة الليل لا يعلم العَدَد، لأنَّ مَنْ لا يعلم الكيفيَّة فجهلُه بالعدد مِن باب أَولى، وهو ليس ممن خَدَمَ الرَّسولَ ﷺ حتى نقول: إنَّه يعلمُ ما يحدثُ داخلَ بيته، فإذا كان النَّبيُّ ﷺ بَيَّنَ له كيفيَّة الصَّلاة دون أن يحدِّد له بعدد؛ عُلِمَ أنَّ الأمرَ في هذا واسع” (14).

وقد وجّه العلماء هذا الاختلاف المروي في عدد ركعات صلاة التراويح فيقول الحافظ ابن حجر في الفتح بعد أنْ أورد كثيراً من هذه الروايات: “والجمع بين هذه الروايات ممكن باختلاف الأحوال، ويحتمل أن ذلك الاختلاف بحسب تطويل القراءة وتخفيفها، فحيث يطيل القراءة تقلّ الركعات وبالعكس، وبذلك جزم الداودي وغيره”(15).

ثالثاً: لو استطلعنا رأي فقهاء المذاهب الفقهية المتبوعة نجد:

1ـ الإمام مالك يقول: الأمر عندنا بتسع وثلاثين وبمكة بثلاث وعشرين وليس في شيء من ذلك ضيق..

2ـ والإمام الشافعي يقول: ” ليس في شيء من هذا ضيق، ولا حد ينتهى إليه؛ لأنه نافلة، فإن أطالوا القيام وأقلوا السجود فحسن، وهو أحبّ إلي، وإن أكثروا الركوع والسجود فحسن”(16).

3ـ والإمام أحمد يقول: ” روي في هذا أقوال ولم يُقْضَ فيه بشيء”(17).وذكر ابن تيمية أن أحمد نصّ على أن ذلك جميعه حسن(18).

وعليه:

رابعاً: انعقد الاتفاق بين الفقهاء على أنه ليس هناك عدد محدد في ركعات صلاة التراويح، وقد نقل الاتفاق على ذلك جلّةٌ منهم:

1ـ قال الحافظ ابن العراقي في طرح التثريب: ” قد اتفق العلماء على أنه ليس لقيام الليل حدّ محصور، ولكن اختلفت الروايات فيما كان يفعله النبي ﷺ”(19)..

2ـ وقال القاضي عياض:” لا خلاف في أنه ليس في ذلك حد لا يزاد عليه ولا ينقص منه، وأن صلاة الليل من الطاعات التي كلما زاد فيها زاد الأجر، وإنما الخلاف في فعل النبي ﷺ وما اختاره لنفسه”.

خامساً: مع ما بينّاه من عدم الحرج في عدد ركعات صلاة التراويح؛ ننبّه إلى ثلاثة أمور مهمّين:

الأمر الأول: أنّ أكثر أهل العلم توافقوا على موافقة فعل عمر رضي الله عنه، فذهبوا إلى أنّ المختار في عدد ركعات التراويح أنها ثلاث وعشرون ركعة مع الوتر.

ـ وهذا هو مذهب الحنفية رحمهم الله، وقد قال ابن نجيم: “وسُنّ في رمضان عشرون ركعة بعد العشاء قبل الوتر”(20).

ـ وهو المعتمد من مذهب المالكية، وقد قال الشيخ الدردير هي عشرون ركعة بعد صلاة العشاء يسلّم من كل ركعتين غير الشفع والوتر”(21).

وقال ابن رشد: ” اختار مالك في أحد قوليه وأبو حنيفة والشافعي وأحمد وداود القيام بعشرين ركعة سوى الوتر”(22).

ـ وهو مذهب الشافعية، وقد قال النووي: ” مذهبنا أنها عشرون ركعة بعشر تسليمات غير الوتر… هذا مذهبنا .. قال: ونقله القاضي عياض عن جمهور العلماء”(23).

ـ وهو مذهب الحنابلة وقد قال ابن قدامة : ” المختار عند أبي عبد الله رحمه الله ـ أي الإمام أحمد ـ ، فيها عشرون ركعة”(24) .

الأمر الثاني: أنّه طالما وجدنا الأمر في عدد ركعات صلاة التراويح على السعة والاختيار، فمعنى ذلك أنّها تصحّ ويصيب المصلي فضلها إن شاء الله بأي عدد صلاّها، وعليه: فلا مكان للإنكار على أية جماعة تصلي التراويح وبأي عدد، وإلا فقد وقع المنكر في التشدد والتنطع المذموم البغيض!.

إذا تقرر هذا؛ فلا مانع بعد ذلك من البحث عن الأفضل والأكمل حالاً من بين أعداد الركعات، هل هو الالتزام بإحدى عشرة ركعة كما ورد عن عائشة ؟، أم الالتزام بالذي استمر عليه عمل المسلمين صلاتها عشرين ركعة؟. أم ثلاث عشرة أم ست عشرة؟.

فيقال: الفقهاء في الأفضل والأحبّ انحصروا بين إحدى عشرة وبين عشرين ركعة، وأكثرهم يفضّل العشرين ركعة ـ كما رأينا ـ، وبعضهم يفضّل الالتزام بإحدى عشرة ركعة.

الأمر الثالث: أنبّه إلى ما نبّه إليه بعض أهل العلم: أنّ اختيار عدد ركعات التراويح يكون بحسب حال المصلّين، فربما كان أكثرهم كباراً في السن يعجزون عن طول القيام وكثرة الركوع والسجود، فتقلّل عندئذ الركعات وتخفف في طول الركوع والسجود، ولعلهم شباباً يرغبون في طول القيام فيطول بهم، وربما كان فيهم كثيرون مرتبطون بأعمال بعد التراويح فيخفف من أجلهم وتقلل الركعات، وهكذا، فالمهمّ أن ينتبه الناس إلى هذا، وأنّ الأمر على السعة حتى لا يؤدي إلى الاختلاف والتنازع كما يحدث في كثير من المساجد في كل عام. والله تعالى الموفق للحق والصواب.

الحواشي

  1. أخرجه البخاري برقم 473، وبرقم 990، وبرقم 1137.
  2. أخرجه البخاري برقم 2013.
  3. أخرجه الترمذي في السنن برقم 457. وقال : حديث حسن.
  4. صحيح مسلم حديث رقم 1759 .
  5. مسلم برقم 1824.
  6. مسلم برقم 1840 .
  7. الإمام أحمد في مسنده برقم 1240. ج1 ص 145.
  8. الاختيار لتعليل المختار، ج1 ص 74- 75.
  9. أخرجه البيهقي في السنن الكبرى برقم 4803 ، ج2 ص 496 .
  10. راجع كل هذا في: فتح الباري ج4 ص 253ـ 254، نيل الأوطار للشوكاني ج3 ص 63 -64، المجموع شرح المهذب، ج4 ص 38.
  11. أخرجه البيهقي في السنن الكبرى برقم 4799، وقال:” تفرد به أبو شيبة إبراهيم بن عثمان وهو ضعيف” اهـ.
  12. الفتاوى الكبرى ، ج2 ص 245، ومجموع الفتاوى ج23 ص 113.
  13. نيل الأوطار ، ج3 ص 65.
  14. الشرح الممتع على زاد المستقنع ، لابن عثيمين، ج4 ص 53.
  15. فتح الباري، ج4 ص 253.
  16. معرفة السنن والآثار للبيهقي ، ج4 ص 42، وفتح الباري للحافظ ابن حجر ، ج4 ص 253.
  17. انظر: سنن الترمذي ج3 ص 368 في الحديث رقم 811.
  18. مجموع الفتاوى ج23 ص 113، والفتاوى الكبرى ج2 ص 245 .
  19. الهدي النبوي الصحيح في صلاة التراويح، للصابوني، ص 119، عن رسالة صلاة التراويح عشرون ركعة للشيخ إسماعيل الأنصاري.
  20. البحر الرائق شرح كنز الحقائق، لابن نجيم، ج2 ص 71 .
  21. الشرح الصغير للدردير، ج1 ص 404.
  22. بداية المجتهد ونهاية المقتصد، ج1 ص 487 .
  23. المجموع شرح المهذب، ج4 ص 38 .
  24. المغني لابن قدامة، ج1 ص 833.
أ.د. عبدالله الزبير عبدالرحمن
س

خــروج النسـاء للتـراويـح واهتمامهـن بها

فتاوى الصيام · · سأل: من كتاب «سؤالات الصائمين» — أقضية صلاة التراويح

نلاحظ أن المرأة يتزايد اهتمامها بصلاة التراويح في كل رمضان، بل وتسابق الرجال إلى المساجد، فهل حكم صلاة التراويح بالنسبة للمرأة كالرجل؟ أم يختلف حكمها للمرأة عن الرجل؟ أفيدونا جزاكم الله خيراً.

جواب فضيلة الشيخ

نعم! صلاة التراويح سنة في حق الرجال والنساء على السواء، سواء أدّوها منفردين أو في جماعة، وسواء أكان أداؤها في البيت أم في المسجد، وأداء التراويح في المسجد جماعة مستحبٌ للرجال والنساء عند جماهير الفقهاء، ولا يزال المسلمون رجالاً ونساءً يحيون ليالي شهر رمضان المباركة بصلاة التراويح في المساجد جماعة، خلافاً للرافضة الذين جعلوا التراويح سنّة للرجال دون النساء، بل المشهور عنهم أنها ليست بسنة أصلاً(1)، ولا اعتداد بقولهم.

مع ذلك؛ فإن في شأن النساء في التراويح أموراً:

أولها: أنّ المرأة يجب عليها أن تستأذن زوجها أو وليها للخروج للتراويح في المسجد، ولا يجوز لزوجها أو وليها أن يمنعها إذا أرادت الخروج للصلاة في المسجد لنهي النبي ﷺ الرجال عن ذلك في قوله: ( لا تمنعوا إماء الله مساجد الله)(2).وفي مصنف عبد الرزاق أنّ رسول الله ﷺ قال: ( إذا استأذنتْ أحدَكم امرأتُه إلى المسجد فلا يمنعها) قال ابن عيينة وحدثنا عبد الغفار أنه سمع أبا جعفر بخبر مثل ذلك عن ابن عمر فقال له نافع مولى ابن عمر إنما ذلك بالليل(3).

وقد غضب لله ورسوله ﷺ سيدنا عبد الله بن عمر حين روى هذا الخبر فقال ابنه بلالٌ: “والله لنمنعهن”. فأقبل عليه أبوه عبد الله فسبّه سبّاً سيئاً ما سُمع سبه مثله قط، وقال: أخبرك عن رسول الله ﷺ وتقول والله لنمنعهن”(4). فلينتبه الرجال لنهي المصطفى الحبيب وليحذروا من المخالفة، إلاّ إذا غلب على الظن أو عُلم يقيناً وقوع الفساد فيمنع سداً لذريعة الفساد.

ثانيها: يجب على المرأة المسلمة أن تراعي حقّ الله تعالى وحقّ المجتمع في خروجها من بيتها، وفي خروجها للمسجد خاصّة وأن تعمل بأمر وتوجيه وإرشاد الرسول الكريم صلوات الله وسلامه عليه الذي جاء في حديث زَيْنَبَ امْرَأَةِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَتْ: قَالَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ:« إِذَا شَهِدَتْ إِحْدَاكُنَّ الْمَسْجِدَ فَلاَ تَمَسَّ طِيبًا »(5). ولحديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله ﷺقال :« لاَ تَمْنَعُوا إِمَاءَ اللَّهِ مَسَاجِدَ اللَّهِ وَلَكِنْ لِيَخْرُجْنَ وَهُنَّ تَفِلاَتٌ»(6). فهنا جمع بين نهي الرجال من منع النساء الخروج للمساجد وبين نهي النساء من الخروج متطيبات متزينات، فيجب عليها أن تخرج محتشمة متحجبة لا تُظهر زينة ولا يشمّ عليها طيب.

ثالثها: صلاة المرأة في بيتها منفردة أو بجماعة أكثر استحباباً من صلاتها في المسجد جماعة للفرض وللنافلة للأحاديث الواردة في ذلك، فقد روى ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله ﷺ قال:« لاَ تَمْنَعُوا نِسَاءَكُمُ الْمَسَاجِدَ وَبُيُوتُهُنَّ خَيْرٌ لَهُنَّ »(7). وروى ابن مسعود عن رسول الله ﷺ أنه قال: « صَلاَةُ الْمَرْأَةِ فِي بَيْتِهَا أَفْضَلُ مِنْ صَلاَتِهَا فِي حُجْرَتِهَا وَصَلاَتُهَا فِي مَخْدَعِهَا أَفْضَلُ مِنْ صَلاَتِهَا فِى بَيْتِهَا »(8). إلاّ إذا كانت تعلم في نفسها الكسل والنوم عن التراويح فتكون صلاتها في المسجد أفضل.

رابعها: الوارد عن الصحابة رضوان الله عليهم أنّ نساءهم كنّ يصلين التراويح مع الرجال في المسجد، وهذا يؤكّد استحباب صلاتها التراويح في المسجد، إلاّ أنه مما ورد عن عمر بن الخطاب وعليّ بن أبي طالب رضوان الله عليهما أنهما جعلا إمامين لجماعة التراويح، إماماً للرجال، وإماماً للنساء.

فعمر رضي الله عنه جعل للرجال أبيّ بن كعب رضي الله عنه يؤمهم، وجعل للنساء سليمان ابن أبي حثمة رضي الله عنه.

وعليّ رضي الله عنه جعل للرجال إماماً وجعل للنساء عرفجة الثقفي .

ـ فعن عروة بن الزبير أنّ عمر بن الخطاب رضي الله عنه جمع الناس على قيام شهر رمضان، الرجال على أبيّ بن كعب، والنساء على سليمان بن أبي حثمة”(9).

ـ وعن عرفجة الثقفي قال: ” كان عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه يأمر الناس بقيام شهر رمضان، ويجعلُ للرجال إماماً، وللنساء إماماً، فكنت أنا إمام النساء”(10).

ـ وعن هشام بن عروة أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أمر سليمان بن أبي حثمة أن يؤم النساء في مؤخر المسجد في شهر رمضان(11).

وليس مقصود عمر وعليّ رضوان الله عليهما فصل النساء عن الرجال، ولا يعني أنّ السنة هي فصل جماعة النساء عن الرجال، لأنهنّ كنّ يصلين سائر الصلوات مع رسول الله ﷺومع خلفائه المهديين في جماعة واحدة وبإمام واحد، وإنما مقصود الخليفتين الراشدين رضي الله عنهما وعن الصحابة أجمعين تمكين النساء من سماع القرآن، لأنّ المقصد الأول الذي جمع من أجله عمر الناس في قيام شهر رمضان هو سماع القرآن، ولذلك جاءت الأخبار أنه جمعهم على قارئ واحد، وذلك حين رأى الناس أوزاعاً متفرقين يصلِّي الرجل لنفسه ويصلِّي الرجل فيصلّي بصلاته الرّهط، فقال عمر: “والله إني لأراني لو جمعت هؤلاء على قارئ واحد لكان أمثل”(12). فتسمية إمام التراويح بالقارئ ينبّه إلى مقصود الاجتماع في صلاة التراويح.

وعليه: لو نظرنا لحالنا اليوم؛ نجد النساء لا تمنعهن زحمة الرجال ولا كثرتهم ولا طول صفوفهم عن سماع القرآن، لتوسّل الناس اليوم في الصلاة والأذان بمكبرات الصوت، فالكل يسمع الإمام يقرأ، ولهذا عاد اليوم الأمر إلى أصله من اجتماع الناس رجالاً ونساءً على إمام وقارئ واحد، إذ كان فعل عمر وعليّ رضي الله عنهما للحاجة إلى سماع القرآن، وهذه الحاجة اليوم مقضية، والحمد لله رب العالمين.

الحواشي

  1. راجع: البحر الرائق ج3 ص 321، والمبسوط للسرخسي ، ج2 ص 256، وحاشية الطحاوي على مراقي الفلاح شرح نور الإيضاح، ص 270.
  2. أخرجه البخاري برقم 900، ومسلم برقم 1017، ومالك في الموطأ برقم 465.
  3. مصنف عبد الرزاق ، ج3 ص 151الحديث رقم 5122.
  4. صحيح مسلم برقم 1017 ج2 ص 32.
  5. أخرجه مسلم في صحيحه برقم 1025.
  6. أخرجه أبو داود برقم 565.
  7. أخرجه أبو داود برقم 567 .
  8. أخرجه أبو داود برقم 570.
  9. أخرجه البيهقي في السنن الكبرى برقم 4788، وبرقم 4380.
  10. أخرجه البيهقي في السنن الكبرى برقم 4789 وفي شعب الإيمان برقم 3003، وعبد الرزاق في مصنفه برقم 7722.
  11. عبد الرزاق في مصنفه برقم 5124 .
  12. البخاري في صحيحه برقم 2010، مالك في الموطأ ، برقم 250 .
أ.د. عبدالله الزبير عبدالرحمن
س

حكـم صـلاة التـراويح

فتاوى الصيام · · سأل: من كتاب «سؤالات الصائمين» — أقضية صلاة التراويح

بعض الناس في شهر رمضان يهتم بصلاة التراويح أكثر من الصلوات الخمس، ويهمل بعض الأوقات من الصلوات المكتوبة ويتساهل في البعض الآخر فيدخل الظهر مع العصر والمغرب مع العشاء مثلاً، وأحياناً يتكاسل عن صلاة الفجر؛ ومع ذلك تجده يهتم بشدة بأداء صلاة التراويح مع الجماعة في المسجد، فأرجو أن تبيّن لنا حكم صلاة التراويح، وهل هي أهم من الصلوات الخمس؟.

جواب فضيلة الشيخ

صلاة التراويح هي الصلاة التي تؤدَّى في ليالي شهر رمضان المعظم من كل عام بعد صلاة العشاء، فهي قيام رمضان الذي سنّه المصطفى الحبيب ﷺ، وإنما سميت بالتراويح للترويحة التي تكون بعد كل أربع ركعات استراحة من طول القيام والركوع والسجود، وكان أول من فعلها هو نبينا عليه الصلاة والسلام، ثم جمع الخليفةُ الراشد عمر بن الخطاب رضي الله عنه الناس فيها على إمام واحد.

وصلاة التراويح أجمعت الأمة على مشروعيتها وأنها سنة.

قال النووي رحمه الله:” صلاة التراويح سنة بإجماع العلماء(1).

وقال الطحاوي: ” التراويح سنة بإجماع الصحابة ومن بعدهم من الأمة، منكرها مبتدعٌ ضالٌّ مردود الشهادة.(2).

وقد فهم الصحابة رضوان الله عليهم أنّها سنّة، وقد قال أبو هريرة رضي الله عنه: ” كان رسول الله ﷺ يُرغّب في قيام رمضان، من غير أن يأمرهم فيه بعزيمة، فيقول: ( من قام رمضان إيماناً واحتساباً غُفر له ما تقدّم من ذنبه)(3). فها هو أبو هريرة رضي الله عنه يصرّح أن النبي ﷺ كان يرغّب في أدائها ولم يفرضها على الأمة، فدلّ أنها سنة وليست فرضاً.

وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه إذا دخل أول ليلة من رمضان يصلي المغرب ثم يقول: ( اجلسوا ثم مشَى بخطبة خفيفة، يقول: أما بعد، فإنّ هذا الشهر كُتب عليكم صيامه ولم يُكتب عليكم قيامه، فمن استطاع منكم أن يقوم فليقم، فإنها نوافل الخير .. “الخبر(4). وهو صريح في حكم صلاة التراويح وأنها سنّة وليست فرضاً.

قال أبو يوسف رحمه الله: (( سألت أبا حنيفة عن التراويح وما فعله عمر؟ فقال : التراويح سنة مؤكدة ولم يتخرّصه عمر رضي الله عنه من تلقاء نفسه ولم يكن فيه مبتدعاً، ولم يأمر به إلا عن أصل لديه وعهد من رسول الله ﷺ، ولقد سنّ عمر رضي الله عنه هذا وجمع الناس على أبيّ بن كعب رضي الله عنه فصلاّها جماعة والصحابة متوافرون: منهم عثمان وعلي وابن مسعود والعباس وابنه وطلحة والزبير ومعاذ وأبيّ وغيرهم من المهاجرين والأنصار، وما رد عليه واحد منهم، بل ساعدوه ووافقوه وأمروا بذلك ))(5).

وعلى هذا: فإنّ الذي يهتم بصلاة التراويح أكثر من اهتمامه بالصلوات المفروضة قدّم الاعتناء بالمسنون على الاعتناء بالمفروض، وهذا بلا ريب مسيءٌ، والواجب عليه وعلينا جميعاً أن نهتم بالواجبات والمفروضات أكثر من اهتمامنا بالمندوبات والمسنونات، ولا يعني هذا أن نهمل أو نتساهل في صلاة التراويح وغيرها من الصلوات غير المفروضة! وإنما نعني بأن نهتم بكل الطاعات مفروضها ومسنونها ولكن نعتني أكثر بالمفروضات، كما جاء في الحديث القدسي الذي يرويه رسول الله ﷺ عن ربه تبارك وتعالى أنه قال: (مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالْحَرْبِ، وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ، وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ، فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ، وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ، وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطُشُ بِهَا، وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا، وَإِنْ سَأَلَنِي لأُعْطِيَنَّهُ، وَلَئِنِ اسْتَعَاذَنِي لأُعِيذَنَّهُ، وَمَا تَرَدَّدْتُ عَنْ شَيْءٍ أَنَا فَاعِلُهُ تَرَدُّدِي عَنْ نَفْسِ الْمُؤْمِنِ، يَكْرَهُ الْمَوْتَ وَأَنَا أَكْرَهُ مَسَاءَتَهُ)(6).

فمن فرّط في الصلوات المفروضة ثم اهتمّ بصلاة التراويح كان مسيئاً، نسأل الله تعالى أن يعيننا جميعاً على ذكره وشكره وحسن عبادته.

الحواشي

  1. المجموع شرح المهذب ج4 ص 37.
  2. حاشية الطحاوي على مراقي الفلاح شرح نور الأيضاح، ص 270. وراجع نقل الإجماع أيضاً في: البحر الرائق ج3 ص 321، بداية المجتهد ج1 ص 167، وكفاية الأخيار، ص 89.
  3. أخرجه مالك في الموطأ برقم 249، ومسلم في صحيحه برقم 1816، وأبو داود برقم 1373، والترمذي برقم 808 وغيرهم.
  4. أخرجه عبد الرزاق في المصنف برقم 7748 .
  5. الاختيار لتعليل المختار، ج1 ص 93-94، دار المعرفة .
  6. أخرجه البخاري برقم 6502، وابن حبان في صحيحه برقم 347، والبزار في مسنده برقم 8750.
أ.د. عبدالله الزبير عبدالرحمن
س

من فرَّط في إخراج زكاة الفطر

فتاوى الصيام · · سأل: من كتاب «سؤالات الصائمين» — أقضية زكاة الفطر

رجل فرّط في إخراج زكاة الفطر حتى آخر يوم العيد، فهل يكون مطالباً بالقضاء؟ وإلى متى يكون مطالباً بقضائها إنْ كان عليه إخراجها؟

جواب فضيلة الشيخ

الذي لم يؤدّ زكاة الفطر حتى خرج وقتها وهو غروب شمس يوم العيد؛ ثلاثة أشخاص:

الأول: من عجز عن إخراجها وقت الوجوب ، وهذا حكمه : أنه يندب له القضاء إذا أيسر قبل الغروب من يوم عيد الفطر ، ولم يكن عنده شيء حتى مضى لذلك أعوام ثم أيسر ؛ لم يلزمه قضاء زكاة الفطر لماضي السنين .

الثاني: المفرّط الذي كان واجداً ميسور الحال في وقت الوجوب، وفرّط حتى خرج وقتها بغروب يوم عيد الفطر ، فحكمه : أنه يجب عليه قضاؤها ولو طال الزمان ، مهما أخرها طولب بها فيقضي لماضي السنين كلها ، ولا يسقط بطول الزمان ومضيه .

والثالث: الناسي، الذي كان واجداً في وقت الوجوب، ولكنه نسي أن يخرجها لشاغل أو سبب ما، فحكمه: كحكم المفرّط يجب عليه قضاء زكاة الفطر وقتما تذكّر، ولو مضت على نسيانه السنين الطوال؛ لا تسقط عنه زكاة الفطر .

جاء في المدونة : ” من لم يكن عنده شيء حتى مضى لذلك أعوام ثم أيسر لم يلزمه قضاؤها لماضي السنين .. وإن أخرها الواجد سنين فعليه قضاؤها لماضي السنين ” (1).

وقد نظم ذلك عبد العزيز الأحسائي فقال: (2)

وهي بطـــــــول مدة لا تسـقط سـواءٌ المعـــــــــــذُور والمفـرِّطُ

أقضية صلاة التراويحأقضية صلاة التراويحأقضية صلاة التراويحأقضية صلاة التراويح

أقضية

صلاة التراويح

أقضية

صلاة التراويح

الحواشي

  1. نقله في تبيين المسالك ج2 ص 137 عن التاج والإكليل ، ج2 ص 376.
  2. نقله في تبيين المسالك ج2 ص 137 عن بغية الطالب النبيل بنظم قسم العبادات من مختصر خليل ص 95 .
أ.د. عبدالله الزبير عبدالرحمن
س

إرسال زكاة الفطر للأقارب والأرحام في القرى

فتاوى الصيام · · سأل: من كتاب «سؤالات الصائمين» — أقضية زكاة الفطر

نحن نعمل في إحدى دول الخليج ، وكلما دخل علينا شهر رمضان كان همنا كيف ندفع زكاة فطرنا ولمن ؟ واقترح علينا ذات عام إمام قريتنا في شمال السودان رحمه الله تعالى أن نبعث بزكاتنا أو جزء منها إليهم في السودان ، لأن عدداً كبيراً من أهلنا فقراء لا يجدون من يقدم لهم دعماً مالياً ، ونحن محتارون . أفيدونا مأجورين بارك الله فيكم؟

جواب فضيلة الشيخ

هذا السؤال متعلق بمسألة نقل الزكاة من بلد إلى آخر ، والأصل أن تقسم الزكاة في فقراء بلد المال لخبر معاذ الذي في الصحيح ( تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم )(1) ولكن قد تنقل أحياناً بدليل قول معاذ بن جبل رضي الله عنه لأهل اليمن : ” ايتوني بخميس أو لبيس آخذه منكم مكان الصدقة فإنه أهون عليكم وخير للمهاجرين بالمدينة” (2).

وحكم نقلها مرتبط بسبب النقل :

ـ فالنقل من البلد الذي أَخرَجَ فيه المكلف زكاته إلى غير بلد المال من غير سببٍ داعٍ من حاجةٍ أو فقرٍ هناك ؛ فهذا مكروه تنزيهاً عند الحنفية وهو قول الحسن البصري والنخعي ، ولا يجوز عند الشافعي وأحمد وإنْ كان يجزئه إنْ نقلها ، رحمهم الله تعالى .

ـ والنقل من بلد المال إذا استغنى أهله فالإجماع منعقد على جوازه.

ـ والنقل إلى بلد كان أهله في حاجة أو به لصاحب الزكاة قرابة ورحم، وإنْ كان في بلد الزكاة حاجة وفقر :

ـ فهذا جائز عند الحنفية بلا كراهة طالما سينقلها إلى قرابة محتاجين.

ـ وعند المالكية لا يجوز إلا أن يكون المنقول إليهم أعدم أو أحوج، وأما إنْ كانوا أقل حاجة وفقراً فلا يجوز ولكن لو نقلها إليهم أجزأه فيما نقله ابن رشد وابن عبد البر في الكافي.

وعليه : ففي مسألتنا :

1ـ تنتفي الكراهة للحاجة القائمة في الفقراء من أهل السائلين، والمعروف الظاهر أن الفقراء في بلد السائل أحوج من غيرهم في البلاد التي يعملون بها . فيجوز نقل زكاة الفطر إلى غير بلد المال ويجزئ عنهم .

2ـ لا سيما أنّ من نقل زكاة فطره ليقدمها إلى أهله وعشيرته وأقاربه وأرحامه المحتاجين يكون قد جمع بين حسنيين وأقام خيرين وحقق مصلحتين هما: التصدق وصلة الرحم .

3ـ يترجح النقل بل ربما كان الأَوْلَى ولو كان أهل بلد المال أحوج، لأن العبرة بعشيرة وبلد صاحب المال لا بالمال ولا ببلد المال لحديث معاذ رضي الله عنه أنه قضى : ” أيما رجل انتقل من مخلاف عشيرته إلى غير مخلاف عشيرته ؛ فعشره وصدقته إلى مخلاف عشيرته”(3). ومخلاف العشيرة: الذي فيه أرضه وماله ، فظهر أن حقّ الأقارب في وطنهم كان أولى . وجزى الله خيراً إمام قريتكم فإنه كان فقيهاً حكيماً مهتماً بأمر المسلمين، ورحمه الله تعالى رحمة واسعة.

الحواشي

  1. سبق تخريجه .
  2. أخرجه البيهقي في السنن الكبرى برقم 7164، ج4 ص 113 باب من أجاز أخذ القيم في الزكوات، والدارقطني برقم 24 ج2 ص 100 ، والبخاري في ترجمة باب العرض في الزكاة، ج2 ص 525، مصنف ابن أبي شيبة باب ما قالوا في أخذ العروض في الصدقة برقم 10439، ج2 ص 404 .
  3. أخرجه البيهقي في السنن الكبرى برقم 12920 ج7 ص 9 . وفي معرفة السنن والآثار، ج5 ص 185 .
أ.د. عبدالله الزبير عبدالرحمن
س

دفع زكاة الفطر للجار غير المسلم

فتاوى الصيام · · سأل: من كتاب «سؤالات الصائمين» — أقضية زكاة الفطر

عندي جار طيب ، لنا معه عشرة سنين ، وهو غير مسلم ، وفقير محتاج للتصدق عليه ، فهل يجوز لي أن أعطيه من زكاة الفطر ؟ وهل يجزئ عني ذلك؟.

جواب فضيلة الشيخ

اتفق الفقهاء على أنه لا يجزئ دفع زكاة المال إلى غير مسلم للنص في قوله ﷺ : ( تؤخذ من أغنيائهم فترد في فقرائهم) (1) وقد نقل ابن المنذر الإجماع فقال : “وأجمعوا على أن الذميّ لا يُعطَى من زكاة الأموال شيئاً”(2)، كما نقله ابن هبيرة في الإفصاح فقال : ” واتفقوا على أنه لا يجوز دفع الزكاة إلى أهل الذمّة “(3).

كما اتفقوا أنه لا يجوز دفع زكاة الفطر لغير المسلم المحارب للمسلمين، أو الذي يعين على محاربتهم بأي شكل من أشكال الإعانة .

ثم اختلفوا في دفع زكاة الفطر لغير المسلم على ثلاثة أقوال :

القول الأول : أنه يجوز مع الكراهة دفع زكاة الفطر إلى غير المسلم المسالم ( الذمي ) وهو قول الحنفية إلا أبا يوسف ، وقال أبو حنيفة: إلا أن فقراء المسلمين أحب إليّ ” .

والقول الثاني : يجوز دفعها إلى الرهبان المنقطعين للعبادة منهم، وكان عمرو بن ميمون وعمرو بن شرحبيل ومرة الهمذاني يعطون منها الرهبان.

والقول الثالث: أنه لا يجوز إعطاؤهم من زكاة الفطر ، وهو قول الجمهور من المالكية والشافعية والحنابلة وأبي ثور وأبي يوسف من الحنفية والفتوى عند الحنفية على رأي أبي يوسف (4).

والراجح :العمل بقول الجمهور رحمهم الله تعالى بعدم إعطاء غير المسلم محارباً كان أو مسالماً أو ذمياً من زكاة الفطر من باب أولى ، وذلك لوجهين:

الوجه الأول : أنها زكاة ، والزكاة تؤخذ من أغنياء المسلمين لترد إلى فقراء المسلمين ، كما نصّ على ذلك حديث معاذ السابق .

الوجه الثاني : أنّه إنْ كان الاتفاق قد انعقد على عدم إعطاء غير المسلم من زكاة الأموال ، فمن باب أولى أنْ لا يعطوا من زكاة الفطر، لأن من مقاصد زكاة الأموال : أن تصرف في سبيل الله ، ومن مشمولات مصرف سبيل الله الدعوة ، كما أن من مقاصدها التأليف إلى الإسلام بمصرف المؤلفة قلوبهم ، ولكن الصحيح من مقاصد زكاة الفطر : إغناء الفقير في عيد الفطر، فليست الدعوة ولا التأليف إلى الإسلام من مقاصدها. كما أن عيد الفطر من رمضان ليس لغير المسلمين حتى يعطوا مالاً شُرع لأجل الفطر من رمضان

ومع ذلك ينبغي للجيران المسلمين أن يحسنوا جوار غير المسلمين بالصدقات الأخرى غير الزكوات الواجبة دفعاً لحاجتهم وسداً لخلاتهم إظهاراً لسماحة الإسلام ومن ذلك ما أخرجه الترمذي في سننه عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما أنه : “ذبحت له شاة في أهله فلما جاء قال: أهديتم لجارنا اليهودي ، أهديتم لجارنا اليهودي ؟ سمعت رسول الله ﷺ يقول: ( ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه)(5).

وهذا باب تلج منه الدعوة يرحب بها في القلوب والعقول .

والله الموفق إلى الحق والصواب .

الحواشي

  1. حديث معاذ حين أرسله النبي ♀ إلى اليمن يدعوهم إلى الإسلام ، أخرجه مسلم في كتاب الإيمان ، باب الدعاء إلى الشهادتين ، برقم 121 ، ج1 ص 146 بشرح النووي .
  2. الإجماع لابن المنذر ، ص 15 فقرة رقم 118 .
  3. الإفصاح ، ج1 ص 190 .
  4. راجع : المجموع شرح المهذب ، ج6 ص 122 ، الإفصاح عن معاني الصحاح ، ج1 ص 190 ، حاشية ابن عابدين ، ج2 ص 79 ، المغني لابن قدامة ، ج2 ص 709- 710 .
  5. سنن الترمذي ، باب ما جاء في حق الجوار ، برقم 1943 ج4 ص 333 .
أ.د. عبدالله الزبير عبدالرحمن
س

القيمة في زكاة الفطر

فتاوى الصيام · · سأل: من كتاب «سؤالات الصائمين» — أقضية زكاة الفطر

بعض الناس يخرجون القمح في زكاة الفطر ، وبعضهم يدفعون مبلغاً من المال في فطرتهم ، فأيهما هو الصحيح ؟ وهل يجزئ المسلم إذا أخرج المال ( القيمة ) بدل القوت ؟ أم لا بدّ أن يخرج العين في كل مكان ؟ أفيدونا نفع الله بكم .

جواب فضيلة الشيخ

إخراج القيمة في زكاة الفطر يكثر السؤال عنه في كل عام ، وقد أصبح هو الغالب في إخراج زكاة الفطر ، خاصة في بلادنا وكثير من بلاد المسلمين، والمشهور في هذه المسألة أن العلماء فيها على مذهبين :

[1] المذهب الأول: لزوم إخراج العين من الطعام والأقوات، وهو مذهب الجمهور من المالكية والشافعية والحنابلة والظاهرية: لأنه لا تجزئ القيمة في زكاة الفطر وفي سائر الزكوات .

وأصلهم في هذا أحاديث إخراج زكاة الفطر من الطعام ومن ذلك:

[أ] حديث ابن عمر رضي الله عنهما قال : ” فرض رسول الله ﷺ زكاة الفطر صاعاً من تمر ، أو صاعاً من شعير ، على العبد والحر، والذكر والأنثى، والصغير والكبير من المسلمين ” (1).

[ب] حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال : ” كنا نُخرج زكاة الفطر صاعاً من طعام أو صاعاً من شعير ، أو صاعاً من تمر ، أو صاعاً من أَقِطٍ(2)، أو صاعاً من زبيب “(3).

[ج] حديث ابن عباس رضي الله عنهما قال : ” أمرنا أن نعطي صدقة رمضان عن الصغير والكبير والحر والمملوك ، صاعاً من طعام، من أدَّى بُراً قُبل منه ، ومن أدّى شعيراً قُبل منه ، ومن أدّى زبيباً قُبل منه .. الحديث (4). وغير ذلك من الأحاديث التي سمّى فيها رسول الله ﷺ نوع الفطرة في الأطعمة والأقوات .

[2] المذهب الثاني : جواز إخراج القيمة بدل العين ، وأصحاب هذا المذهب فريقان :

الفريق الأول : من يرى جواز إخراج القيمة بدل العين مطلقاً وهو مذهب الحنفية والثوري ، وقال به الحسن البصري ، وعمر بن عبد العزيز، وهو قول جماعة من المالكية (5)كابن حبيب وأصبغ وابن أبي حازم وابن دينار وابن وهب. وقال الحنفية : ” دفع القيمة أفضل من دفع العين “(6).

والفريق الثاني : من يرى جواز إخراج القيمة في زكاة الفطر لعذر أو لضرورة ، وهم : إسحاق بن راهويه ، وأبو ثور ، وهو مذهب الزيدية(7).

وحجة الحنفية في تفضيل القيمة كون القيمة أعون على دفع حاجة الفقير لاحتمال أنه يحتاج غير الحنطة من ثياب ونحوها .

الترجيح :

مما يبدو واضحاً جداً أنّ مقصود الشارع في تشريع زكاة الفطر أمران مهمان : أحدهما: طهرة للصائم من اللغو والرفث ، والثاني : سدّ خلة المساكين وإغناؤهم عن الحاجة ومواساتهم في يوم العيد بمثل ما يكون عليه أهل بلدهم(8). لحديث ابن عباس رضي الله عنهما قال : ” فرض رسول الله ﷺ زكاة الفطر طهرة للصائم من اللغو والرفث ، وطعمة للمساكين”(9). وحديث ابن عمر رضي الله عنهما قال: “فرض رسول الله ﷺ زكاة الفطر وقال أغنوهم في هذا اليوم”(10).

أما المقصود الأول فيتحقق بكل إخراج لزكاة الفطر سواء أكان الذي أخرجه الصائم قوتاً وطعاماً ، أم كان قيمة.

أمّا المقصود الثاني وهو سدّ خلة الفقير ومواساة المسكين بزكاة الفطر فيتحقق بالطعام ويتحقق بغيره ، وقد يكون غير الطعام أوفق للمقصود من الطعام .

ولهذا ينبغي أن يكون الترجيح لما يكون أنفع للفقير وأكثر سداً لخلته، وأفضل في مواساته وإغنائه عن السؤال في يوم العيد. فقد يكون في بعض البلاد والقرى القوت والطعام أنفع للفقير وأسدّ لخلته، وقد يكون المال في بعضها أنفع للفقير وأسدّ لخلته.

وعليه : فالذي يترجح على ضوء هذه القاعدة : أن إخراج القيمة في زماننا هو الأرجح والأفضل ـ خاصة في المدن والأمصار ـ . وذلك لوجوه:

الوجه الأول : أن الطعام في عهد الرسول ﷺ وصحابته الكرام رضوان الله عليهم كان مختلفاً عن الطعام في زماننا ، حيث كان الطعام بنفسه مالاً ونقوداً، يستطيع من أُعطي الشعير أو الزبيب أو التمر أن ينقده في شراء أي سلعة يحتاج إليها .

ولهذا ـ في الحقيقة ـ لم يكن هناك فرقٌ بين ما هو عين وبين ما هو قيمة ، لأنها كلها كانت قيماً وأثماناً للأشياء ، فتسدّ خلة الفقير إذا دفع له طعام أو قوت ، لأنه يستطيع به شراء كل ما يحتاج إليه.

أما في زماننا فقد اختلف الطعام عن القيمة ، فمن أُعطي قمحاً أو تمراً أو زبيباً أو شعيراً ، وهو محتاج لغيرها، اضطر لبيعها في السوق ليأخذ قيمتها ليشتري بها ما يحتاج إليه ، فكان الأولى أن يعطى القيمة ابتداءً ليشتري بها ما احتاجه .

الوجه الثاني : أنّ من القواعد الأصولية المقررة : رعاية المقاصد أولى من رعاية الوسائل، ولذلك فالوسائل تأخذ حكم المقاصد وتسقط الوسائل بسقوط المقاصد ، فلو تقرر هذا : فإن لزكاة الفطر مقصوداً وللمقصود وسائل، فمقصود الشارع من زكاة الفطر نفع الفقراء ، بإخراج نوع مال وإعطائه لهم ، فلا يمكن أن يتشبث بالوسيلة وهي إخراج نوع مال ، ولو كان غيرها أكثر تحقيقاً للمقصود ، فإن الأعيان المنصوصة وسيلة ، والقيمة أكثر تحقيقاً لمقصود زكاة الفطر في هذا الزمان ، فكان إخراج القيمة أولى(11). ويعضّد هذا تطبيق معاذ رضي الله عنه لأمر النبي ﷺ في الصدقة حين بعثه إلى اليمن يقول طاوس : ” بعث رسول الله ﷺ معاذاً إلى اليمن ، فأمره أن يأخذ الصدقة من الحنطة والشعير ، فأخذ العروض والثياب بدل الحنطة والشعير”(12) وهذا ـ كما ترى ـ تحقيق لمقصود الأمر بالتوسع في وسيلته، وممن؟ من أعلم الصحابة بالحلال والحرام .

الوجه الثالث:أنّ القيمة والبدل معتبران في الزكاة ، والزكوات بأنواعها جنس ، فما صحّ في هذه يصحّ في الأخرى إلاّ إذا بنصّ نافٍ للاعتبار في بعضها.

فإنّ النبي ﷺ أقرّ معاذاً بن جبل رضي الله عنه على أخذ القيمة والبدل من أهل اليمن في الزكاة ، فقد قال معاذ بن جبل رضي الله عنه لأهل اليمن : ” ايتوني بخميس أو لبيس آخذه منكم مكان الصدقة فإنه أهون عليكم وخير للمهاجرين بالمدينة”(13).

وها هو معاذ رضي الله عنه يعلّل أخذه للبدل والقيمة بعلتين : أنه أهون على الدافعين ، وأنه أنفع للآخذين . فدلّ أن العبرة ما ينفع الفقراء. وقد أقره النبي ﷺ ولو كان خلاف الشرع الواجب لما أقره.

وعن عطاء أن عمر رضي الله عنه كان يأخذ العروض في الصدقة من الورق وغيرها(14).

الوجه الرابع :إنّ إخراج القيمة في زكاة الفطر كان من عمل الصحابة رضوان الله عليهم ، فقد روي عنهم أنهم كانوا يخرجون القيمة في خصوص صدقة الفطر فقد قال أبو إسحاق السبيعي رحمه الله : ” أدركتهم وهم يعطون في صدقة الفطر الدراهم بقيمة الطعام “(15). وأبو إسحاق السبيعي من العلماء العاملين ومن جلة التابعين وقد أدرك علياً وجماعة من الصحابة، فقوله: ” أدركتهم ” أي الصحابة رضوان الله عليهم . فعُلم أنّ إخراج القيمة من عمل الصحابة رضوان الله عليهم .

الوجه الخامس:أنّ أئمة المسلمين من سلف الأمة الصالحين المجتهدين والمجددين قد اعتبروا القيمة في زكاة الفطر ، ومن ذلك :

[1] أنّ معاوية أمير المؤمنين رضي الله عنه لما قدم المدينة حاجاً أو معتمراً في عهد خلافته اعتمد القيمة فجعل مدين من سمراء الشام تعدل صاعاً من تمرهم، فأخذ الناس بذلك إلاّ أبو سعيد الخدري ، كما في صحيح مسلم عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: “كنا نخرج إذ كان فينا رسول الله ﷺ زكاة الفطر عن كل صغير وكبير حر أو مملوك صاعاً من طعام أو صاعاً من أَقِطٍ أو صاعاً من شعير أو صاعاً من تمر أو صاعاً من زبيب فلم نزل نخرجه حتى قدم علينا معاوية بن أبي سفيان حاجاً أو معتمراً فكلم الناس على المنبر فكان فيما كلم به الناس أن قال: “إني أرى أن مدين من سمراء الشام تعدل صاعاً من تمر” فأخذ الناس بذلك قال أبو سعيد فأما أنا فلا أزال أخرجه كما كنت أخرجه أبداً ما عشت”(16).

فمعاوية عمل بالقيمة حيث قيّم سمراء الشام بتمر المدينة على أساس مدين بصاع.

[2] أنّ عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه مجدد القرن الثاني وخامس الخلفاء الراشدين قد أصدر مرسومه الراشد بإخراج القيمة فكتب إلى واليه ” عدي ” بالبصرة : ” يؤخذ ـ يعني زكاة الفطر ـ من أهل الديوان من أعطياتهم ، عن كل إنسان درهم “.

وكتب إلى قُرّة عامله في صدقة الفطر قال قرة : ” جاءنا كتاب عمر بن عبد العزيز في صدقة الفطر : نصف صاع عن كل إنسان أو قيمته نصف درهم”(17).

فلن يكون مخطئاً من وافق هؤلاء الصحابة وأولئك التابعين الأجلاء من صالحي سلف هذه الأمة رضوان الله عليهم وعمل بما كانوا يعملون .

هذا وقد ساق العلامة الغُماري في رسالته الفريدة: (تحقيق الآمال في إخراج زكاة الفطر بالمال) اثنين وثلاثين وجهاً فقهياً وأصولياً ومقصدياً وحديثياً لصحة إخراج زكاة الفطر بالقيمة ، ننصح طلاب العلم بالاطّلاع عليها .

وعليه: فيجزئ إخراج زكاة الفطر بالقيمة ، وهو الذي رجحته كثير من اللجان والمجالس والمجامع الفقهية والبحثية. وقد دأب مَجْمَع الفقه الإسلامي عندنا في كل عام على تحديد قيمة زكاة الفطر، جزاهم الله خيراً، وهو الموفق للخير والصواب.

الحواشي

  1. أخرجه البخاري برقم 1503 ج4 ص 138 بفتح الباري ، ومسلم في كتاب الزكاة برقم 2275، 2276 ، ج7 ص 60 – 62 .
  2. الأَقِط : لبن مجفف يابس مستحجر يطبخ به .
  3. أخرجه البخاري باب صدقة الفطر صاع من طعام ، برقم 1435 ومسلم باب زكاة الفطر على المسلمين من التمر والشعير برقم 984 .
  4. أخرجه البيهقي في السنن الكبرى ، برقم 7503 باب من قال يخرج من الحنطة ، جج4 ص 168، وعبد الرزاق في المصنف برقم 5767 ج3 ص 313 ورمز إليه البيهقي بالصحة لغيره .
  5. نقل عنهم الغماري في رسالته القيمة : تحقيق الآمال في إخراج زكاة الفطر بالمال ،ص 46.
  6. الدر المختار بحاشية ابن عابدين ، ج2 ص 77 ، 78.
  7. انظر : تحقيق الآمال ص 45 ، والسيل الجرار للشوكاني ، ج2 ص 86 .
  8. ينظر : أعلام الموقعين عن رب العالمين لابن القيم ، ج3 ص 12 ـ 13 .
  9. سبق تخريجه .
  10. أخرجه الدارقطني ، برقم 67 ، ج2 ص 152 .
  11. انظر : تحقيق الآمال ، للغماري ، ص 102 .
  12. مصنف ابن أبي شيبة ج2 ص 404، برقم 10437 باب ما قالوا في أخذ العروض في الصدقة.
  13. أخرجه البيهقي في السنن الكبرى برقم 7164، ج4 ص 113 باب من أجاز أخذ القيم في الزكوات، والدارقطني برقم 24 ج2 ص 100 ، والبخاري في ترجمة باب العرض في الزكاة، ج2 ص 525، مصنف ابن أبي شيبة باب ما قالوا في أخذ العروض في الصدقة برقم 10439، ج2 ص 404 .
  14. هذه الآثار في مصنف ابن أبي شيبة ج2 ص 404 برقم 10438 ـ 10441.
  15. ابن أبي شيبة ، باب في إعطاء الدراهم في زكاة الفطر ، برقم 10371 .
  16. أخرجه مسلم برقم 985 ج2 ص 678 .
  17. كلا الخبرين في مصنف ابن أبي شيبة ، باب إعطاء الدراهم في زكاة الفطر ، برقم 10369، 10368 ، ج2 ص 405 .
أ.د. عبدالله الزبير عبدالرحمن

لديك مسألةٌ تُشكل عليك؟ استفتِ الشيخ

اكتب سؤالك وسيصل مباشرةً إلى مكتب فضيلة الشيخ، ويصلك الجواب على بريدك.

الردّ خلال ٣–٧ أيام بياناتك محفوظة ولا تُنشر ١١٦ فتوى منشورة
استفتِ الشيخ
فتوى مختارة

اعتكاف العاملين والموظفين

أنا موظف في إحدى الشركات، وحاولت كثيراً أن آخذ إجازتي حتى أتمكن من الاعتكاف في العشر الأواخر، ولكني عجزت عن ذلك، وأرغب بشدة في الاعتكاف، دلوني جزاكم الله خيراً على طريقة شرعية أتمكن بها على الاعتكاف في رمضان؟.

اقرأ الجواب