الخميس 8 أكتوبر 2026م
الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ

الرئيسية ← الفتاوى

الفتــاوى

فتاوى فضيلة الشيخ في العبادات والمعاملات المالية والنوازل المعاصرة — ولمن أراد أن يسأل، فباب الاستفتاء مفتوح.

س

إرسال زكاة الفطر للأقارب والأرحام في القرى

فتاوى الصيام · · سأل: من كتاب «سؤالات الصائمين» — أقضية زكاة الفطر

نحن نعمل في إحدى دول الخليج ، وكلما دخل علينا شهر رمضان كان همنا كيف ندفع زكاة فطرنا ولمن ؟ واقترح علينا ذات عام إمام قريتنا في شمال السودان رحمه الله تعالى أن نبعث بزكاتنا أو جزء منها إليهم في السودان ، لأن عدداً كبيراً من أهلنا فقراء لا يجدون من يقدم لهم دعماً مالياً ، ونحن محتارون . أفيدونا مأجورين بارك الله فيكم؟

جواب فضيلة الشيخ

هذا السؤال متعلق بمسألة نقل الزكاة من بلد إلى آخر ، والأصل أن تقسم الزكاة في فقراء بلد المال لخبر معاذ الذي في الصحيح ( تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم )(1) ولكن قد تنقل أحياناً بدليل قول معاذ بن جبل رضي الله عنه لأهل اليمن : ” ايتوني بخميس أو لبيس آخذه منكم مكان الصدقة فإنه أهون عليكم وخير للمهاجرين بالمدينة” (2).

وحكم نقلها مرتبط بسبب النقل :

ـ فالنقل من البلد الذي أَخرَجَ فيه المكلف زكاته إلى غير بلد المال من غير سببٍ داعٍ من حاجةٍ أو فقرٍ هناك ؛ فهذا مكروه تنزيهاً عند الحنفية وهو قول الحسن البصري والنخعي ، ولا يجوز عند الشافعي وأحمد وإنْ كان يجزئه إنْ نقلها ، رحمهم الله تعالى .

ـ والنقل من بلد المال إذا استغنى أهله فالإجماع منعقد على جوازه.

ـ والنقل إلى بلد كان أهله في حاجة أو به لصاحب الزكاة قرابة ورحم، وإنْ كان في بلد الزكاة حاجة وفقر :

ـ فهذا جائز عند الحنفية بلا كراهة طالما سينقلها إلى قرابة محتاجين.

ـ وعند المالكية لا يجوز إلا أن يكون المنقول إليهم أعدم أو أحوج، وأما إنْ كانوا أقل حاجة وفقراً فلا يجوز ولكن لو نقلها إليهم أجزأه فيما نقله ابن رشد وابن عبد البر في الكافي.

وعليه : ففي مسألتنا :

1ـ تنتفي الكراهة للحاجة القائمة في الفقراء من أهل السائلين، والمعروف الظاهر أن الفقراء في بلد السائل أحوج من غيرهم في البلاد التي يعملون بها . فيجوز نقل زكاة الفطر إلى غير بلد المال ويجزئ عنهم .

2ـ لا سيما أنّ من نقل زكاة فطره ليقدمها إلى أهله وعشيرته وأقاربه وأرحامه المحتاجين يكون قد جمع بين حسنيين وأقام خيرين وحقق مصلحتين هما: التصدق وصلة الرحم .

3ـ يترجح النقل بل ربما كان الأَوْلَى ولو كان أهل بلد المال أحوج، لأن العبرة بعشيرة وبلد صاحب المال لا بالمال ولا ببلد المال لحديث معاذ رضي الله عنه أنه قضى : ” أيما رجل انتقل من مخلاف عشيرته إلى غير مخلاف عشيرته ؛ فعشره وصدقته إلى مخلاف عشيرته”(3). ومخلاف العشيرة: الذي فيه أرضه وماله ، فظهر أن حقّ الأقارب في وطنهم كان أولى . وجزى الله خيراً إمام قريتكم فإنه كان فقيهاً حكيماً مهتماً بأمر المسلمين، ورحمه الله تعالى رحمة واسعة.

الحواشي

  1. سبق تخريجه .
  2. أخرجه البيهقي في السنن الكبرى برقم 7164، ج4 ص 113 باب من أجاز أخذ القيم في الزكوات، والدارقطني برقم 24 ج2 ص 100 ، والبخاري في ترجمة باب العرض في الزكاة، ج2 ص 525، مصنف ابن أبي شيبة باب ما قالوا في أخذ العروض في الصدقة برقم 10439، ج2 ص 404 .
  3. أخرجه البيهقي في السنن الكبرى برقم 12920 ج7 ص 9 . وفي معرفة السنن والآثار، ج5 ص 185 .
أ.د. عبدالله الزبير عبدالرحمن
س

دفع زكاة الفطر للجار غير المسلم

فتاوى الصيام · · سأل: من كتاب «سؤالات الصائمين» — أقضية زكاة الفطر

عندي جار طيب ، لنا معه عشرة سنين ، وهو غير مسلم ، وفقير محتاج للتصدق عليه ، فهل يجوز لي أن أعطيه من زكاة الفطر ؟ وهل يجزئ عني ذلك؟.

جواب فضيلة الشيخ

اتفق الفقهاء على أنه لا يجزئ دفع زكاة المال إلى غير مسلم للنص في قوله ﷺ : ( تؤخذ من أغنيائهم فترد في فقرائهم) (1) وقد نقل ابن المنذر الإجماع فقال : “وأجمعوا على أن الذميّ لا يُعطَى من زكاة الأموال شيئاً”(2)، كما نقله ابن هبيرة في الإفصاح فقال : ” واتفقوا على أنه لا يجوز دفع الزكاة إلى أهل الذمّة “(3).

كما اتفقوا أنه لا يجوز دفع زكاة الفطر لغير المسلم المحارب للمسلمين، أو الذي يعين على محاربتهم بأي شكل من أشكال الإعانة .

ثم اختلفوا في دفع زكاة الفطر لغير المسلم على ثلاثة أقوال :

القول الأول : أنه يجوز مع الكراهة دفع زكاة الفطر إلى غير المسلم المسالم ( الذمي ) وهو قول الحنفية إلا أبا يوسف ، وقال أبو حنيفة: إلا أن فقراء المسلمين أحب إليّ ” .

والقول الثاني : يجوز دفعها إلى الرهبان المنقطعين للعبادة منهم، وكان عمرو بن ميمون وعمرو بن شرحبيل ومرة الهمذاني يعطون منها الرهبان.

والقول الثالث: أنه لا يجوز إعطاؤهم من زكاة الفطر ، وهو قول الجمهور من المالكية والشافعية والحنابلة وأبي ثور وأبي يوسف من الحنفية والفتوى عند الحنفية على رأي أبي يوسف (4).

والراجح :العمل بقول الجمهور رحمهم الله تعالى بعدم إعطاء غير المسلم محارباً كان أو مسالماً أو ذمياً من زكاة الفطر من باب أولى ، وذلك لوجهين:

الوجه الأول : أنها زكاة ، والزكاة تؤخذ من أغنياء المسلمين لترد إلى فقراء المسلمين ، كما نصّ على ذلك حديث معاذ السابق .

الوجه الثاني : أنّه إنْ كان الاتفاق قد انعقد على عدم إعطاء غير المسلم من زكاة الأموال ، فمن باب أولى أنْ لا يعطوا من زكاة الفطر، لأن من مقاصد زكاة الأموال : أن تصرف في سبيل الله ، ومن مشمولات مصرف سبيل الله الدعوة ، كما أن من مقاصدها التأليف إلى الإسلام بمصرف المؤلفة قلوبهم ، ولكن الصحيح من مقاصد زكاة الفطر : إغناء الفقير في عيد الفطر، فليست الدعوة ولا التأليف إلى الإسلام من مقاصدها. كما أن عيد الفطر من رمضان ليس لغير المسلمين حتى يعطوا مالاً شُرع لأجل الفطر من رمضان

ومع ذلك ينبغي للجيران المسلمين أن يحسنوا جوار غير المسلمين بالصدقات الأخرى غير الزكوات الواجبة دفعاً لحاجتهم وسداً لخلاتهم إظهاراً لسماحة الإسلام ومن ذلك ما أخرجه الترمذي في سننه عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما أنه : “ذبحت له شاة في أهله فلما جاء قال: أهديتم لجارنا اليهودي ، أهديتم لجارنا اليهودي ؟ سمعت رسول الله ﷺ يقول: ( ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه)(5).

وهذا باب تلج منه الدعوة يرحب بها في القلوب والعقول .

والله الموفق إلى الحق والصواب .

الحواشي

  1. حديث معاذ حين أرسله النبي صلى الله عليه وسلم إلى اليمن يدعوهم إلى الإسلام ، أخرجه مسلم في كتاب الإيمان ، باب الدعاء إلى الشهادتين ، برقم 121 ، ج1 ص 146 بشرح النووي .
  2. الإجماع لابن المنذر ، ص 15 فقرة رقم 118 .
  3. الإفصاح ، ج1 ص 190 .
  4. راجع : المجموع شرح المهذب ، ج6 ص 122 ، الإفصاح عن معاني الصحاح ، ج1 ص 190 ، حاشية ابن عابدين ، ج2 ص 79 ، المغني لابن قدامة ، ج2 ص 709- 710 .
  5. سنن الترمذي ، باب ما جاء في حق الجوار ، برقم 1943 ج4 ص 333 .
أ.د. عبدالله الزبير عبدالرحمن
س

القيمة في زكاة الفطر

فتاوى الصيام · · سأل: من كتاب «سؤالات الصائمين» — أقضية زكاة الفطر

بعض الناس يخرجون القمح في زكاة الفطر ، وبعضهم يدفعون مبلغاً من المال في فطرتهم ، فأيهما هو الصحيح ؟ وهل يجزئ المسلم إذا أخرج المال ( القيمة ) بدل القوت ؟ أم لا بدّ أن يخرج العين في كل مكان ؟ أفيدونا نفع الله بكم .

جواب فضيلة الشيخ

إخراج القيمة في زكاة الفطر يكثر السؤال عنه في كل عام ، وقد أصبح هو الغالب في إخراج زكاة الفطر ، خاصة في بلادنا وكثير من بلاد المسلمين، والمشهور في هذه المسألة أن العلماء فيها على مذهبين :

[1] المذهب الأول: لزوم إخراج العين من الطعام والأقوات، وهو مذهب الجمهور من المالكية والشافعية والحنابلة والظاهرية: لأنه لا تجزئ القيمة في زكاة الفطر وفي سائر الزكوات .

وأصلهم في هذا أحاديث إخراج زكاة الفطر من الطعام ومن ذلك:

[أ] حديث ابن عمر رضي الله عنهما قال : ” فرض رسول الله ﷺ زكاة الفطر صاعاً من تمر ، أو صاعاً من شعير ، على العبد والحر، والذكر والأنثى، والصغير والكبير من المسلمين ” (1).

[ب] حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال : ” كنا نُخرج زكاة الفطر صاعاً من طعام أو صاعاً من شعير ، أو صاعاً من تمر ، أو صاعاً من أَقِطٍ(2)، أو صاعاً من زبيب “(3).

[ج] حديث ابن عباس رضي الله عنهما قال : ” أمرنا أن نعطي صدقة رمضان عن الصغير والكبير والحر والمملوك ، صاعاً من طعام، من أدَّى بُراً قُبل منه ، ومن أدّى شعيراً قُبل منه ، ومن أدّى زبيباً قُبل منه .. الحديث (4). وغير ذلك من الأحاديث التي سمّى فيها رسول الله ﷺ نوع الفطرة في الأطعمة والأقوات .

[2] المذهب الثاني : جواز إخراج القيمة بدل العين ، وأصحاب هذا المذهب فريقان :

الفريق الأول : من يرى جواز إخراج القيمة بدل العين مطلقاً وهو مذهب الحنفية والثوري ، وقال به الحسن البصري ، وعمر بن عبد العزيز، وهو قول جماعة من المالكية (5)كابن حبيب وأصبغ وابن أبي حازم وابن دينار وابن وهب. وقال الحنفية : ” دفع القيمة أفضل من دفع العين “(6).

والفريق الثاني : من يرى جواز إخراج القيمة في زكاة الفطر لعذر أو لضرورة ، وهم : إسحاق بن راهويه ، وأبو ثور ، وهو مذهب الزيدية(7).

وحجة الحنفية في تفضيل القيمة كون القيمة أعون على دفع حاجة الفقير لاحتمال أنه يحتاج غير الحنطة من ثياب ونحوها .

الترجيح :

مما يبدو واضحاً جداً أنّ مقصود الشارع في تشريع زكاة الفطر أمران مهمان : أحدهما: طهرة للصائم من اللغو والرفث ، والثاني : سدّ خلة المساكين وإغناؤهم عن الحاجة ومواساتهم في يوم العيد بمثل ما يكون عليه أهل بلدهم(8). لحديث ابن عباس رضي الله عنهما قال : ” فرض رسول الله ﷺ زكاة الفطر طهرة للصائم من اللغو والرفث ، وطعمة للمساكين”(9). وحديث ابن عمر رضي الله عنهما قال: “فرض رسول الله ﷺ زكاة الفطر وقال أغنوهم في هذا اليوم”(10).

أما المقصود الأول فيتحقق بكل إخراج لزكاة الفطر سواء أكان الذي أخرجه الصائم قوتاً وطعاماً ، أم كان قيمة.

أمّا المقصود الثاني وهو سدّ خلة الفقير ومواساة المسكين بزكاة الفطر فيتحقق بالطعام ويتحقق بغيره ، وقد يكون غير الطعام أوفق للمقصود من الطعام .

ولهذا ينبغي أن يكون الترجيح لما يكون أنفع للفقير وأكثر سداً لخلته، وأفضل في مواساته وإغنائه عن السؤال في يوم العيد. فقد يكون في بعض البلاد والقرى القوت والطعام أنفع للفقير وأسدّ لخلته، وقد يكون المال في بعضها أنفع للفقير وأسدّ لخلته.

وعليه : فالذي يترجح على ضوء هذه القاعدة : أن إخراج القيمة في زماننا هو الأرجح والأفضل ـ خاصة في المدن والأمصار ـ . وذلك لوجوه:

الوجه الأول : أن الطعام في عهد الرسول ﷺ وصحابته الكرام رضوان الله عليهم كان مختلفاً عن الطعام في زماننا ، حيث كان الطعام بنفسه مالاً ونقوداً، يستطيع من أُعطي الشعير أو الزبيب أو التمر أن ينقده في شراء أي سلعة يحتاج إليها .

ولهذا ـ في الحقيقة ـ لم يكن هناك فرقٌ بين ما هو عين وبين ما هو قيمة ، لأنها كلها كانت قيماً وأثماناً للأشياء ، فتسدّ خلة الفقير إذا دفع له طعام أو قوت ، لأنه يستطيع به شراء كل ما يحتاج إليه.

أما في زماننا فقد اختلف الطعام عن القيمة ، فمن أُعطي قمحاً أو تمراً أو زبيباً أو شعيراً ، وهو محتاج لغيرها، اضطر لبيعها في السوق ليأخذ قيمتها ليشتري بها ما يحتاج إليه ، فكان الأولى أن يعطى القيمة ابتداءً ليشتري بها ما احتاجه .

الوجه الثاني : أنّ من القواعد الأصولية المقررة : رعاية المقاصد أولى من رعاية الوسائل، ولذلك فالوسائل تأخذ حكم المقاصد وتسقط الوسائل بسقوط المقاصد ، فلو تقرر هذا : فإن لزكاة الفطر مقصوداً وللمقصود وسائل، فمقصود الشارع من زكاة الفطر نفع الفقراء ، بإخراج نوع مال وإعطائه لهم ، فلا يمكن أن يتشبث بالوسيلة وهي إخراج نوع مال ، ولو كان غيرها أكثر تحقيقاً للمقصود ، فإن الأعيان المنصوصة وسيلة ، والقيمة أكثر تحقيقاً لمقصود زكاة الفطر في هذا الزمان ، فكان إخراج القيمة أولى(11). ويعضّد هذا تطبيق معاذ رضي الله عنه لأمر النبي ﷺ في الصدقة حين بعثه إلى اليمن يقول طاوس : ” بعث رسول الله ﷺ معاذاً إلى اليمن ، فأمره أن يأخذ الصدقة من الحنطة والشعير ، فأخذ العروض والثياب بدل الحنطة والشعير”(12) وهذا ـ كما ترى ـ تحقيق لمقصود الأمر بالتوسع في وسيلته، وممن؟ من أعلم الصحابة بالحلال والحرام .

الوجه الثالث:أنّ القيمة والبدل معتبران في الزكاة ، والزكوات بأنواعها جنس ، فما صحّ في هذه يصحّ في الأخرى إلاّ إذا بنصّ نافٍ للاعتبار في بعضها.

فإنّ النبي ﷺ أقرّ معاذاً بن جبل رضي الله عنه على أخذ القيمة والبدل من أهل اليمن في الزكاة ، فقد قال معاذ بن جبل رضي الله عنه لأهل اليمن : ” ايتوني بخميس أو لبيس آخذه منكم مكان الصدقة فإنه أهون عليكم وخير للمهاجرين بالمدينة”(13).

وها هو معاذ رضي الله عنه يعلّل أخذه للبدل والقيمة بعلتين : أنه أهون على الدافعين ، وأنه أنفع للآخذين . فدلّ أن العبرة ما ينفع الفقراء. وقد أقره النبي ﷺ ولو كان خلاف الشرع الواجب لما أقره.

وعن عطاء أن عمر رضي الله عنه كان يأخذ العروض في الصدقة من الورق وغيرها(14).

الوجه الرابع :إنّ إخراج القيمة في زكاة الفطر كان من عمل الصحابة رضوان الله عليهم ، فقد روي عنهم أنهم كانوا يخرجون القيمة في خصوص صدقة الفطر فقد قال أبو إسحاق السبيعي رحمه الله : ” أدركتهم وهم يعطون في صدقة الفطر الدراهم بقيمة الطعام “(15). وأبو إسحاق السبيعي من العلماء العاملين ومن جلة التابعين وقد أدرك علياً وجماعة من الصحابة، فقوله: ” أدركتهم ” أي الصحابة رضوان الله عليهم . فعُلم أنّ إخراج القيمة من عمل الصحابة رضوان الله عليهم .

الوجه الخامس:أنّ أئمة المسلمين من سلف الأمة الصالحين المجتهدين والمجددين قد اعتبروا القيمة في زكاة الفطر ، ومن ذلك :

[1] أنّ معاوية أمير المؤمنين رضي الله عنه لما قدم المدينة حاجاً أو معتمراً في عهد خلافته اعتمد القيمة فجعل مدين من سمراء الشام تعدل صاعاً من تمرهم، فأخذ الناس بذلك إلاّ أبو سعيد الخدري ، كما في صحيح مسلم عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: “كنا نخرج إذ كان فينا رسول الله ﷺ زكاة الفطر عن كل صغير وكبير حر أو مملوك صاعاً من طعام أو صاعاً من أَقِطٍ أو صاعاً من شعير أو صاعاً من تمر أو صاعاً من زبيب فلم نزل نخرجه حتى قدم علينا معاوية بن أبي سفيان حاجاً أو معتمراً فكلم الناس على المنبر فكان فيما كلم به الناس أن قال: “إني أرى أن مدين من سمراء الشام تعدل صاعاً من تمر” فأخذ الناس بذلك قال أبو سعيد فأما أنا فلا أزال أخرجه كما كنت أخرجه أبداً ما عشت”(16).

فمعاوية عمل بالقيمة حيث قيّم سمراء الشام بتمر المدينة على أساس مدين بصاع.

[2] أنّ عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه مجدد القرن الثاني وخامس الخلفاء الراشدين قد أصدر مرسومه الراشد بإخراج القيمة فكتب إلى واليه ” عدي ” بالبصرة : ” يؤخذ ـ يعني زكاة الفطر ـ من أهل الديوان من أعطياتهم ، عن كل إنسان درهم “.

وكتب إلى قُرّة عامله في صدقة الفطر قال قرة : ” جاءنا كتاب عمر بن عبد العزيز في صدقة الفطر : نصف صاع عن كل إنسان أو قيمته نصف درهم”(17).

فلن يكون مخطئاً من وافق هؤلاء الصحابة وأولئك التابعين الأجلاء من صالحي سلف هذه الأمة رضوان الله عليهم وعمل بما كانوا يعملون .

هذا وقد ساق العلامة الغُماري في رسالته الفريدة: (تحقيق الآمال في إخراج زكاة الفطر بالمال) اثنين وثلاثين وجهاً فقهياً وأصولياً ومقصدياً وحديثياً لصحة إخراج زكاة الفطر بالقيمة ، ننصح طلاب العلم بالاطّلاع عليها .

وعليه: فيجزئ إخراج زكاة الفطر بالقيمة ، وهو الذي رجحته كثير من اللجان والمجالس والمجامع الفقهية والبحثية. وقد دأب مَجْمَع الفقه الإسلامي عندنا في كل عام على تحديد قيمة زكاة الفطر، جزاهم الله خيراً، وهو الموفق للخير والصواب.

الحواشي

  1. أخرجه البخاري برقم 1503 ج4 ص 138 بفتح الباري ، ومسلم في كتاب الزكاة برقم 2275، 2276 ، ج7 ص 60 – 62 .
  2. الأَقِط : لبن مجفف يابس مستحجر يطبخ به .
  3. أخرجه البخاري باب صدقة الفطر صاع من طعام ، برقم 1435 ومسلم باب زكاة الفطر على المسلمين من التمر والشعير برقم 984 .
  4. أخرجه البيهقي في السنن الكبرى ، برقم 7503 باب من قال يخرج من الحنطة ، جج4 ص 168، وعبد الرزاق في المصنف برقم 5767 ج3 ص 313 ورمز إليه البيهقي بالصحة لغيره .
  5. نقل عنهم الغماري في رسالته القيمة : تحقيق الآمال في إخراج زكاة الفطر بالمال ،ص 46.
  6. الدر المختار بحاشية ابن عابدين ، ج2 ص 77 ، 78.
  7. انظر : تحقيق الآمال ص 45 ، والسيل الجرار للشوكاني ، ج2 ص 86 .
  8. ينظر : أعلام الموقعين عن رب العالمين لابن القيم ، ج3 ص 12 ـ 13 .
  9. سبق تخريجه .
  10. أخرجه الدارقطني ، برقم 67 ، ج2 ص 152 .
  11. انظر : تحقيق الآمال ، للغماري ، ص 102 .
  12. مصنف ابن أبي شيبة ج2 ص 404، برقم 10437 باب ما قالوا في أخذ العروض في الصدقة.
  13. أخرجه البيهقي في السنن الكبرى برقم 7164، ج4 ص 113 باب من أجاز أخذ القيم في الزكوات، والدارقطني برقم 24 ج2 ص 100 ، والبخاري في ترجمة باب العرض في الزكاة، ج2 ص 525، مصنف ابن أبي شيبة باب ما قالوا في أخذ العروض في الصدقة برقم 10439، ج2 ص 404 .
  14. هذه الآثار في مصنف ابن أبي شيبة ج2 ص 404 برقم 10438 ـ 10441.
  15. ابن أبي شيبة ، باب في إعطاء الدراهم في زكاة الفطر ، برقم 10371 .
  16. أخرجه مسلم برقم 985 ج2 ص 678 .
  17. كلا الخبرين في مصنف ابن أبي شيبة ، باب إعطاء الدراهم في زكاة الفطر ، برقم 10369، 10368 ، ج2 ص 405 .
أ.د. عبدالله الزبير عبدالرحمن
س

تعجيل زكاة الفطر قبل العيد

فتاوى الصيام · · سأل: من كتاب «سؤالات الصائمين» — أقضية زكاة الفطر

عندي بعض أقاربي من الفقراء ، ويكونون دائماً في همٍّ شديد عندما يقرب العيد ، ولذلك رأيت أن أدفع لهم زكاة الفطر قبل العيد بأسبوعين أو ثلاثة ، فهل يصحّ مني هذا التصرف ؟ وهل يجزئ عن زكاة الفطر ؟.

جواب فضيلة الشيخ

الفقهاء في هذه المسألة المعروفة بتعجيل زكاة الفطر على أقوال :

القول الأول : يمنع تعجيل زكاة الفطر قبل يوم العيد ، فمن أراد أن يخرج فطرته فيجب عليه أن يخرجها بعد فجر يوم العيد ولا يجوز تقديمها ولا يجزئه إذا أخرجها قبل ذلك، وهو قول ابن حزم الظاهري رحمه الله (1).

القول الثاني : أنه يجوز تقديمها بيوم أو يومين على العيد ، وهو الذي عليه جمهور المالكية والحنابلة وهو متفق عليه بين المذاهب الأربعة(2)، لحديث ابن عمر رضي الله عنهما في البخاري : (.. وكانوا يعطون قبل الفطر بيوم أو يومين ) (3). وكانوا راجع إلى أصحاب رسول الله ﷺ، وسنتهم خير السنن ، واتباعهم بإحسان يستجلب رضوان الله تعالى (4).

القول الثالث: يرى جواز تعجيل زكاة الفطر إلى ثلاثة أيام قبل العيد، وهو الذي عليه بعض المالكية ، أخذاً بخبر ابن عمر رضي الله عنهما الذي في الموطأ عن نافع : أن عبد الله بن عمر كان يبعث بزكاة الفطر إلى الذي تجمع عنده قبل الفطر بيومين أو ثلاثة ” (5). وابن عمر رضي الله عنهما كان معروفاً بالاتباع لسنة النبي ﷺ .(6).

القول الرابع : يرى جواز إخراجها من منتصف شهر رمضان ، وهو قول بعض الحنابلة . قياساً على جوزا تعجيل أذان الفجر لمصلحة إدراك الصلاة في الجماعة ، وجواز الدفع من مزدلفة بعد نصف الليل.(7).

القول الخامس : يجوّز تعجيل زكاة الفطر من أول شهر رمضان، وهو قول الشافعية وحجتهم في ذلك : أن زكاة الفطر تجب بسببين: بصوم رمضان، وبالفطر من رمضان ، فإذا وُجد أحد هذين السببين جاز تقديمها على الآخر(8).

القول السادس : يرى جواز تعجيل زكاة الفطر من أول السنة، وهو قول الحنفية لأنها زكاة فأشبهت زكاة المال(9).

والترجيح على ما يلي :

[1] قول ابن حزم رحمه الله تعالى مخالف لما صحّ عن الصحابة رضوان الله عليهم فلا يؤخذ به . وعليه : يجوز التقديم والتعجيل .

[2] قول الحنفية رحمهم الله تعالى كذلك بعيد عن الدليل ، لأن زكاة الفطر عبادة متعلقة برمضان وعيد الفطر ، فإخراجها قبل ذلك قطعٌ لها عن سببها ، وهو غير جائز .

[3] الأقوال الأربعة في التعجيل كل منها يقوم على وجه شرعي مقبول، فيجوز للمزكّي أن يعجّل بفطرته اليومين والثلاثة وأن يقدمها إلى نصف الشهر أو إلى أول الشهر من رمضان ، ولكن :

الأحوط: أن لا يزيد على اليومين والثلاثة ، لأن ذلك يحقق مقصود زكاة الفطر من إغناء الفقير والمسكين من الحاجة والسؤال في العيد.

وقد يكون من مصلحة بعض الفقراء والمساكين ومن يريد إعطاءهم من دافعي الزكاة أن يرسل إليهم فطرته من أول الشهر أو من منتصف الشهر ، تقديراً منه لمصلحة الفقير والمسكين ، فيكون قد أصاب، بل وأحسن .

إذنْ : يدور تقدير التعجيل بزكاة الفطر باليومين أو أكثر بحسب مصلحة الفقير والمسكين وبما يحقق مقصود إخراجها بإغنائهم عن السؤال والحاجة في العيد. والله تعالى أعلم .

الحواشي

  1. المحلى بالآثار لابن حزم ، ج4 ص 266 ـ 267.
  2. وإنما الخلاف بينهم في تعجيل زكاة الفطر أكثر من يومين ، قال ابن هبيرة في الإفصاح ج1 ص 183: ” واتفقوا على أنه يجوز أن يعجل زكاة الفطر قبل العيد بيوم أو يومين “اهـ .
  3. البخاري كتاب الزكاة باب صدقة الفطر على الحر والمملوك ، برقم 1440.
  4. انظر : المغني ، ج2 ص 681 ، كشاف القناع ، ج2 ص 252 ، وتبيين المسالك ، ج2 ص 136 ، حاشية الدسوقي ، ج1 ص 508 ، الشرح الصغير ، ج1 ص 677 ،
  5. الموطأ باب وقت إرسال زكاة الفطر ، برقم 55 ، ج2 ص 115 بشرح القبس للباجي .
  6. راجع : تبيين المسالك ، ج2 ص 136 .
  7. المغني لابن قدامة ، ج2 ص 681 فقرة رقم 1969 .
  8. المهذب بشرح المجموع ، ج6 ص 103 .
  9. انظر : المغني لابن قدامة ، ج2 ص 681 ، فقه الزكاة ، للقرضاوي ، ج2 ص 955 .
أ.د. عبدالله الزبير عبدالرحمن
س

فطــرة المسافـر

فتاوى الصيام · · سأل: من كتاب «سؤالات الصائمين» — أقضية زكاة الفطر

أبي مسافر عنا ومقيم في المملكة العربية السعودية ، وفي السنوات الماضية كان يخرج زكاة فطره هناك ويٍأمرنا أن نخرجها نحن هنا ، وفي العام الماضي اتصل بنا يخبرنا أنه أخرج زكاة الفطر عن الجميع هناك. فما الصحيح شرعاً جزاكم الله خيراً ؟

جواب فضيلة الشيخ

لهذا السؤال ثلاث حالات جائزة:

الحالة الأولى : أن يخرج هو عنهم جميعاً في محل إقامته .

والحالة الثانية : أن يخرج أهله عنه في بلادهم .

والحالة الثالثة: أن يخرج هو عن نفسه في البلد الذي هو فيه ، ويخرج أبناؤه وأهله عن أنفسهم في بلادهم ، وذلك على النحو الآتي :

[1] إذا كانت عادتهم أن يخرجوا عنه يجزئه إخراجهم عنه في بلدهم ولا يلزمه ، ولكن يندب له الإخراج في محل إقامته عن نفسه .

[2] إذا أوصاهم بإخراج الفطرة عنه أجزأه إخراجهم عنه ولا يلزمه وتعتبر العادة والوصية بمنزلة النية، ولكن يندب له الإخراج عن نفسه أيضاً.

[3] إذا لم تكن عادة أهله أن يخرجوا عنه ولم يوصهم به ، أو أن يخرج هو عنهم ؛ فوجب عليه إخراجه عن نفسه ، كما يجب عليهم إخراجهم عن أنفسهم.

[4] لا مانع أن يخرج هو عنهم أو لا أن يخرجوا هم عنه طالما اتفقوا على ذلك(1).

والله تعالى أعلم..

الحواشي

  1. انظر : الشرح الصغير ، للدردير ، ج1 ص 679 ، تبيين المسالك ج2 ص 136 .
أ.د. عبدالله الزبير عبدالرحمن
س

زكاة الفطـر علـى المديـن

فتاوى الصيام · · سأل: من كتاب «سؤالات الصائمين» — أقضية زكاة الفطر

عندما حلّ العيد المبارك علينا ووجب إخراج زكاة الفطر؛ وجدت أنّ عليّ ديناً لبعض الناس، فهل هذا الدين يسقط عني وجوب زكاة الفطر، وهل الأولى أن أدفع زكاة الفطر أم أن أوفّي ولو ببعض الدين؟

جواب فضيلة الشيخ

هذه المسألة لها صورتان(1):

الصورة الأولى : أن لا يكون الذي عليه الدين مطالباً به من غرمائه، وعنده قوته وقوت عياله يوم العيد وليلته ، ففي هذه الحالة لا تسقط زكاة الفطر، ويجب عليه إخراجها . ووجه ذلك :

[1] أن زكاة الفطر آكد وجوباً من زكاة المال ، بدليل وجوبها على الفقير وشمولها لكل مسلم قدر على إخراجها ووجوب تحملها عمن وجبت نفقته على غيره ، ولا يتوقف وجوبها على نصاب في مال فجرت مجرى النفقة، ومن عليه دينٌ تجب عليه النفقة.

[2] أن زكاة المال تجب بالملك فالدين مؤثر فيه ، أما زكاة الفطر فأنها تجب على البدن والدين لا يؤثر فيه ، فلا يمنع وجوبها .

الصورة الثانية : أن يكون الذي عليه الدين مطالباً من غرمائه وأصحاب الحقوق عليه ، ففي هذه الحالة يسقط وجوب إخراجها عليه ويمنع هذا النوع من الدَّين الفطرة ، وذلك للآتي :

[1] أنّ الدين أصبح واجب الأداء عند المطالبة .

[2] ولتأكد كونه حق آدميّ معين لا يسقط بالإعسار .

[3] وأن الدين أسبق سبباً وأقدم وجوباً على زكاة الفطر ، ويأثم بتأخير دفعه عند الطالبة ويكون مطلاً محرماً وفي حديث الصحيحين: (مطل الغني ظلم)(2).

الحواشي

  1. يراجع : المغني لابن قدامة ، ج2 ص 714 ، كشاف القناع ، ج2 ص 251 ، بداية المجتهد، ج2 ص 131 ، شرح منتهى الإرادات ، ج2 ص 397 ، المقدمات الممهدات لابن رشد ، ج1 ص 332 ، مواهب الجليل ج2 ص 259 ، أسهل المدارك ج1 ص 407.
  2. أخرجه البخاري كتاب الحوالات ، برقم 2166 ومسلم باب تحريم مطل الغني برقم 1564.
أ.د. عبدالله الزبير عبدالرحمن
س

الصيام والإفطار الجماعي

فتاوى الصيام · · سأل: من كتاب «سؤالات الصائمين» — أقضية التطوع

نحن جماعةُ شبابٍ من الأصدقاء، رأينا أننا لو اتخذنا بعض البرامج التي تشجعنا على الطاعة والعبادة والذكر سيكون خيراً لنا في التعوّد على بعض العبادات، فكنا نتفق أن نصوم ونفطر جماعة كلّ اثنين أو كلّ خميس، وفي بعض المناسبات الأخرى كالعشر الأوائل من ذي الحجة، وعاشوراء، فأنكر علينا بعضهم بأنّ هذا الصيام والإفطار الجماعي بدعةٌ في الدين. فهل مثل هذا الصيام والإفطار الجماعي بدعةٌ محرمة؟ أفيدونا يرحمكم الله!.

جواب فضيلة الشيخ

أولاً: البدعة لا تتحقق إلا إذا كانت في أمر عقديّ أو تعبّديّ منقطع عن أصل شرعي، والأصل الشرعي قد يكون دليلاً صريحاً، وقد يكون قياساً صحيحاً ، أو قد يكون تخريجاً مقبولاً على شبيهٍ أو نظير في الفقه، وقد يكون مما له وجهٌ شرعيٌّ أقر مثله أئمة الدين من العلماء المهديين.

والصيام الإفطار الجماعي في غير رمضان، له من الأصول والوجوه الشرعية التي تحررها وتخرجها من حظيرة البدعة الممنوعة إلى ساحة الأمور والأفعال المشروعة، ومن ذلك:

1ـ أنّ الصيام والإفطار الجماعي من قبيل الجماعة في النوافل، والاجتماع على فعل النوافل وأدائها جائزٌ..

فنوافل الحجّ لا تؤدّى إلا جماعةً لاتحاد المناسك وترتيبها في الوقت .

ونوافل الصلاة جاز أداؤها جماعة، وقد قال مالك رحمه الله: « لا بأس بصلاة النافلة في جماعة ليلا أو نهاراً » (1). وفي تهذيب المدونة للبراذعي: «وجائز صلاة النافلة في جماعة ليلاً أو نهاراً، ويجمعها الرجل بأهل بيته وغيرهم»(2).

واجتماع جماعة لقراءة القرآن يقرأ أحدهم يتلوه غيره فيتناوبون، لا بأس به (3). وفي صحيح مسلم في باب فضل الاجتماع على تلاوة القرآن وعلى الذكر عن أبي هريرة رضي الله عنه قال رسول الله ﷺ : (وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة وغشيتهم الرحمة وحفتهم الملائكة وذكرهم الله فيمن عنده ) (4).

والاجتماع للذكر جائز بل مستحب، وفي حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: خرج معاوية رضي الله عنه على حلقة في المسجد فقال: ما أجلسكم؟ قالوا: جلسنا نذكر الله. قال: آلله ما أجلسكم إلا ذاك؟ قالوا: والله ما أجلسنا إلا ذاك. قال: أما إني لم أستحلفكم تهمةً لكم، وما كان أحد بمنزلتي من رسول الله ﷺ أقلّ عنه حديثاً منى، وإن رسول الله ﷺ خرج على حلقة من أصحابه فقال: ( ما أجلسكم؟ ). قالوا: جلسنا نذكر الله ونحمده على ما هدانا للإسلام ومنَّ به علينا. قال: ( آلله ما أجلسكم إلا ذاك؟ ). قالوا: والله ما أجلسنا إلا ذاك. قال: ( أما إني لم أستحلفكم تهمةً لكم، ولكنه أتاني جبريل فأخبرني أنّ الله عزّ وجلّ يباهي بكم الملائكة) (5).

ونوافل الصوم مثلها جاز الاجتماع فيها والتعاهد عليها.

2ـ ورد عن النبي ﷺ بفعله جواز الجماعة في النافلة.

ففي صحيح مسلم عن أنس بن مالك رضي الله عنه أنّ جدته مليكة دعت رسول الله ﷺ لطعامٍ صنعته، فأكل منه ثم قال: ( قوموا فأصلي لكم ). قال أنس بن مالك: «فقمتُ إلى حصيرٍ لنا قد اسودَّ من طول ما لبس، فنضحته بماءٍ، فقام عليه رسول الله ﷺ، وصففت أنا واليتيم وراءه، والعجوز من ورائنا، فصلى لنا رسول الله ﷺ ركعتين ثم انصرف »(6).

وعند ابن حبان، قال أنس رضي الله عنه : صلى بنا رسول الله ﷺ على بساطٍ، فأقامني عن يمينه، وقامت أم سليم وأم حرام خلفنا(7).

وعند أبي داود سنن أبي داود عن أنس رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ دخل على أم حرام فأتوه بسمن وتمر فقال: (ردوا هذا في وعائه وهذا في سقائه، فإنى صائم). ثم قام فصلى بنا ركعتين تطوعاً، فقامت أم سليم وأم حرام خلفنا » (8).

وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: « بِتُّ عِنْدَ خَالَتِى مَيْمُونَةَ فَقَامَ النَّبِىُّ ﷺ يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ، فَقُمْتُ أُصَلِّي مَعَهُ فَقُمْتُ عَنْ يَسَارِهِ ، فَأَخَذَ بِرَأْسِي فَأَقَامَنِي عَنْ يَمِينِهِ » (9).

قال البيهقي بعد أن روايته لهذا الخبر: « وقد روينا في قيام شهر رمضان عن عائشة وغيرها ما دلّ على جواز النافلة بالجماعة، وعن أبى ذر عن النبي ﷺ ما دلَّ على استحبابها. وعن ابن مسعود وحذيفة في قيامهما مع النبي ﷺ ما دلَّ على ذلك. وروينا عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه من فعله ما دلَّ على ذلك وبالله التوفيق »(10).

فكلّ هذا من الأصول الدالّة على جواز الاجتماع على الطاعات والعبادات، ومنها الصيام والإفطار الجماعي.

ثانياً: غير أنّ هذا الجواز مشروط بشرطين:

الشرط الأول: أنْ لا يتخذوا ذلك عادةً راتبةً، بحيث لا يصومون هذه النوافل إلا جماعة، التزاماً وتخصيصاً للنافلة بالزمان والاجتماع، فهذا الترتيب يجعل النافلة كالفريضة أو السنة المؤكدة التي لا تؤدَّى إلاّ بالجماعة، كصلاة التراويح والعيدين وصلاة الكسوف ونحوها،وفي هذا تبديل وتغيير لها عن حقيقتها(11).

الشرط الثاني: أنْ لا تكون الجماعة المنتظمة لهذه النافلة كبيرة، كالتزام أهل بلدة كلهم، أو أهل حيّ جميعهم بذلك، فهذا يجعل النافلة شبيهة بالواجبات ملحقة بها، كما يفعل كثير من أهل البلاد الإسلامية في صيام الست من شوال ونحوه. إذ الأصل في النوافل التخفّي وعدم الإشهار، بخلاف العبادات الواجبة والسنن المؤكدة التي جعلت من الشعائر الظاهرة(12).

أقضية زكاة الفطرأقضية زكاة الفطرأقضية زكاة الفطرأقضية زكاة الفطر

أقضية

زكاة الفطر

أقضية

زكاة الفطر

الحواشي

  1. التاج والإكليل،ج2 ص 109.
  2. التهذيب في اختصار المدونة ، لأبي سعيد البراذعي، ص 101.
  3. حاشية الدسوقي ج3 ص 163.
  4. صحيح مسلم برقم 7028 .
  5. أخرجه مسلم في صحيحه برقم 7032 .
  6. صحيح مسلم باب جواز الجماعة في النوافلة، برقم 1531.
  7. ابن حبان في صحيحه برقم 2207، وقال شعيب الأرناؤوط (ج5 ص 584): حديث صحيح. إسناده ضعيف. عمر بن موسى الحادي: ذكره المؤلف في “ثقاته” 8/445-446، وقال: ربما أخطأ، وقال ابن عدي في “الكامل” 5/1710: ضعيف يسرق الحديث، ويخالف في الأسانيد، وقال ابن نقطة في “الاستدراك” 1/96/2: بصري يعد في الضعفاء. ولم ينفرد به، فقد تابعه عليه موسى بن إسماعيل عند أبي داود “608” في الصلاة: باب الرجلين يؤم أحدهما صاحبه كيف يقومان، عن حماد، به. وهذا سند صحيح. وأخرجه الطيالسي “2027” ، ومن طريقه أبو عوانة 2/76، 77، وأخرجه مسلم “660” في المساجد: باب جواز الجماعة في النافلة، من طريق هاشم بن القاسم، والنسائي 2/86 في الإمامة: باب إذا كانوا رجلين وامرأتين، من طريق عبد الله بن المبارك، ثلاثتهم عن سليمان بن المغيرة، عن ثابت، به.
  8. سنن أبي داود برقم 608.
  9. أخرجه البيهقي في السنن الكبرى ، برقم 5124.
  10. السنن الكبرى للبيهقي ج3 ص 54 .
  11. قال ابن تيمية رحمه الله في مجموع الفتاوى (23/132 ـ 134): ” الاجتماع على الطاعات والعبادات نوعان: أحدهما : سنة راتبة ، إما واجب وإما مستحب ، كالصلوات الخمس والجمعة والعيدين وصلاة الكسوف والاستسقاء والتراويح ، فهذا سنة راتبة ينبغي المحافظة عليها والمداومة .والثاني : ما ليس بسنة راتبة مثل الاجتماع لصلاة تطوع مثل قيام الليل ، أو على قراءة قرآن ، أو ذكر الله ، أو دعاء ، فهذا لا بأس به إذا لم يُتَّخَذ عادة راتبة ، فإن النبي صلى الله عليه وسلم صلّى التطوع في جماعة أحيانا ولم يُداوم عليه إلا ما ذُكِر ، وكان أصحابه إذا اجتمعوا أمَرُوا واحدا منهم أن يقرأ والباقي يستمعون … فلو أن قوما اجتمعوا بعض الليالي على صلاة تطوّع من غير أن يتّخِذوا ذلك عادة راتبة تُشبِه السنة الراتبة لم يُكره لكن اتخاذه عادة دائرة بدوران الأوقات مكروه لما فيه من تغيير الشريعة وتشبيه غير المشروع بالمشروع ، ولو ساغ ذلك لساغ أن يُعمل صلاة أخرى وقت الضحى ، أو بين الظهر والعصر ، أو تراويح في شعبان..” اهـ المراد نقله.
  12. يراجع: الموافقات للشاطبي ج3 ص 264 ـ267.
أ.د. عبدالله الزبير عبدالرحمن
س

صوم التطوع المضعف عن العمل والعبادة

فتاوى الصيام · · سأل: من كتاب «سؤالات الصائمين» — أقضية التطوع

معنا في العمل أخٌ فاضل وعابد، كثير الصوم، فهو يصوم الاثنين والخميس غالباً، ويصوم الأيام البيض وغير ذلك، ولكنه عندما يكون صائماً يظهر عليه التعب الشديد، وغالباً يعتذر عن أداء أعماله الموكلة إليه، ثم إما يكون نائماً أو مستريحاً ولا يؤدي عمله كما هو مطلوب، هل صوم التطوع الذي يسبّب عدم أداء العمل صحيح؟ أفيدونا نفع الله بكم.

جواب فضيلة الشيخ

يجب أن يعرف هذا الأخ الفاضل أنّ عمله في وظيفته التي يشغلها واجب عليه أداؤه بالوجه المطلوب، دون تأخير شيء منه أو تأجيله أو التباطئ فيه، بينما صيام الاثنين والخميس والأيام البيض صيام تطوع لا يجب عليه، فصار حاله متعارضاً بين العمل الواجب عليه وبين الصيام غير الواجب عليه، والقاعدة أنّ الواجب لا يُترك إلا لواجب، فلا يجوز ترك الواجب لمندوب أو مستحب، ولا يجوز ترك الواجب لجائز أو مباح، كما لا يجوز ترك الواجب حتى لمكروه.

وبهذا: إذا وجد أنّ صوم التطوع يضعفه عن أداء واجباته الوظيفية، أو أعماله التي يعول بها نفسه وأهله وعياله؛ ينتقل صومه من الندب والاستحباب إلى الحرمة، لأنه منعه عن فعل واجب، فلا يجوز له أن يقصِّر في عمله الواجب بصيام التطوع.

بل ذهب الفقهاء إلى التفاضل بين صيام التطوع وبين التطوعات الأخرى التي هي أحب منه في الشرع، كالصلاة والذكر وتلاوة القرآن، فهذه في مراتب الأعمال أحبّ وأعلا من صيام التطوع، وكان فقهاء الأمة من السلف والخلف يراعون الأولى فالأولى، فربما تركوا صيام التطوع إذا أضعفهم عما هو أحبّ منه.

فهذا أبو طلحة رضي الله عنه كان يقلّ من صيام التطوع من أجل الغزو والجهاد، قال أنس رضي الله عنه: « كان أبو طلحة لا يكاد يصوم ـ أي التطوع ـ على عهد رسول الله ﷺ من أجل الغزو، فلما توفي رسول الله ﷺ ما رأيته مفطراً إلا يوم فطر أو أضحى» (1).

وهذا عبد الله بن مسعود رضي الله عنه يقلّ من صيام التطوع من أجل الإكثار من الصلاة والذكر وتلاوة القرآن..

فعن عبد الرحمن بن يزيد قال: « كان عبد الله يقلّ الصيام، فقلنا له: إنك تقلّ الصيام، قال: إني إذا صمتُ ضعفتُ عن الصلاة، والصلاة أحبّ إليّ من الصيام».

وعن شقيق قال: كان عبد الله يقلّ الصوم، فذُكر ذلك له، فقال: «إني إذا صمتُ ضعفتُ عن القراءة، وتلاوة القرآن أحبّ إليّ » (2).

وقد وجّه الطحاوي خبر عائشة أن رسول الله ﷺ لم يكن يصوم من أيام العشر الأُوَل شيئاً، مع ما جاء فيه من ترغيبه ﷺ للعمل الصالح فيها فقال: « ما من أيام العمل الصالح فيها أحب إلى الله من هذه الأيام ». يعنى أيام العشر. قالوا يا رسول الله ولا الجهاد فى سبيل الله؟ قال « ولا الجهاد فى سبيل الله إلا رجل خرج بنفسه وماله فلم يرجع من ذلك بشىء»(3).. فقال الطحاوي: « يجوز أن يكون ﷺ لم يكن يصوم فيها على ما قالت عائشة لأنه كان إذا صام ضعف عن أن يعمل فيها ما هو أعظم منزلة من الصوم وأفضل منه من الصلاة ومن ذكر الله عز وجل وقراءة القرآن كما قد روي عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه في ذلك مما كان يختاره لنفسه… فيكون ما قد ذكرته عائشة عنه ﷺ من تركِه الصومَ في تلك الأيام؛ ليتشاغل فيها بما هو أفضل منه، وإن كان الصوم فيها له من الفضل ما له، مما قد ذكر في هذه الآثار التي قد ذكرناها فيه، وليس ذلك بمانعٍ أحداً من الميل إلى الصوم فيها، لا سيما من قدر على جمع الصوم مع غيره من الأعمال التي يتقرب بها إلى الله عز وجل سواه والله نسأله التوفيق» اهـ(4).

ومن نصيحة العلماء في ذلك ما جاء في مختصر منهاج القاصدين: « واعلم أن من رُزق فطنة، علم المقصود بالصوم، فحمل نفسه قدر ما لا يعجزه عما هو أفضل منه، فقد كان ابن مسعود رضي الله عنه قليل الصوم، وكان يقول: إذا صمتُ ضعفت عن الصلاة وأنا أختار الصلاة على الصوم، وكان بعضهم إذا صام ضعف عن قراءة القرآن، فكان يكثر الفطر حتى يقدر على التلاوة، وكل إنسان أعلم بحاله وما يصلحه »اهـ(5) .

والقاعدة في ذلك ما ذكره ابن بطال: « كل من كان صومه لا يورثه ضعفاً عن أداء فرائض الله، وعمّا هو أفضل من صومه من نفل الأعمال، وهو صحيح الجسم، فغير مكروه له صومه ذلك، وكل من أضعفه صومه النفل عن أداء شيءٍ من فرائض الله؛ فغير جائز له صومه، بل هو محظور عليه، فإن لم يضعفه عن الفرائض وأضعفه عمّا هو أفضل منه من النوافل؛ فإنّ صومه مكروه» اهـ المراد نقله(6).

والله الموفق إلى الخير والصواب.

الحواشي

  1. تهذيب الآثار لأبي جعفر الطبري، برقم 523، ج323 ـ 324.
  2. تهذيب الآثار للطبري برقم 519، 520، 521، ج1 ص 323 -324، ابن أبي شيبة في المصنف برقم 8909، والبيهقي في شعب الإيمان برقم 2018 ، 2019، وعبد الرزاق في المصنف برقم 7903، والطبراني في المعجم الكبير 8777، 8778.
  3. أبو داود برقم 2440، وأحمد في المسند برقم 1968 وصححه الأرناؤوط، وأصله في صحيح البخاري برقم 969.
  4. شرح مشكل الآثار، للطحاوي، ج7 ص 419.
  5. مختصر منهاج القاصدين، لابن قدامة ، ص 45 ت 46.
  6. شرح ابن بطال لصحيح البخاري، ج4 ص 121 ـ 122، وراجع هذه القاعدة المهمة لابن تيمية رحمه الله في مجموع الفتاوى ج25 ص 272.
أ.د. عبدالله الزبير عبدالرحمن
س

حكم صيام الست من شوال

فتاوى الصيام · · سأل: من كتاب «سؤالات الصائمين» — أقضية التطوع

كنت أصوم ستة أيام من شوال كل عام أبدأ في اليوم الثاني من عيد الفطر، وكنا سمعنا من مشايخنا أنّ صيامها مستحب وأنه مع صيام رمضان يعدل صيام الدهر، ولكني قبل أيام سمعت أحد المفتين في قناة من قنوات التلفزيون أن صيام الست من شوال مكروه، فأرجوكم بينوا لنا هذه المسألة، هل هو مستحب أو مكروه؟.

جواب فضيلة الشيخ

ما كُنْتَ تفعله من صوم الستّ من شوال على أنه مستحبٌّ؛ نسأل الله تعالى أن يتقبله منك ويجزيك به، فهو قولٌ لأَئمةٍ أخيار. وما سمعْتَه من بعض المفتين في إحدى القنوات الفضائية كذلك قول لأئمةٍ أخيار رحمهم الله تعالى جميعاً.

ومسألة صيام الست من شوال، فيه خلافٌ كبيرٌ بين أئمة المذاهب من الفقهاء، فنجد أقوالاً لفقهاء الحنفية، وأقوالاً لفقهاء المالكية.

فالحنفية إمامهم قال بكراهة صومها، وأبو يوسف كره إتْبَاع رمضان بصومها، وكره صومها متتابعاً، والحسن بن زياد كان لا يرى لصومها ولو متتابعاً بعد الفطر بأساً، وعامة المتأخرين من الحنفية لم يروا به بأساً، ومن مشايخهم من يرى أنه ينبغي للعالم أن يصوم سراً، وأن ينهى الجُهَّال عنه، وكان شمس الأئمة الحلواني يرى أن الكراهة مختصة فقط بالمتصل برمضان، أما إذا أكل بعد العيد أياماً، ثم صام لا يُكره بل يُستحب(1).

والمالكية، إمامهم مالك بن أنس رحمه الله قال بكراهة صومها، بل وأنكره إنكاراً شديداً، كما قال ابن عبد البر في الكافي، وخالفه تلميذه وابن أخته مُطرِّف بن عبد الله اليساري ولم يأخذ بذلك، وذكر الحطاب الرُّعيني أن الرجل إذا صامها في خاصة نفسه فلا يكره، وقال القرافي: « واستحب مالك صيامها في غيره خوفاً من إلحاقها برمضان عند الجهال»، ومال اللخمي لاستحبابها(2).

غير أن الشافعية والحنابلة لم يختلفوا في استحباب صومها.

وعلى هذا، فالفقهاء في حكم صوم ستٍّ من شوال على مذاهب وأقوال:

المذهب الأول: استحباب صوم ستّة من شوال، وعليه الجمهور، وهو قول الشافعية والحنابلة وبعض الحنفية كالحسن بن زياد، وشمس الأئمة الحلواني، وبعض المالكية كمطرِّف واللخمي، وبه قال طاووس والشعبي وميمون بن مهران وابن المبارك وإسحاق (3).

المذهب الثاني: لأبي يوسف صاحب أبي حنيفة رحمه الله: كراهة صوم ست من شوال في حالتين:

الحالة الأولى: أن يتبع رمضان بصومها، قال: ” كانوا يكرهون أن يتبعوا رمضان صياماً خوفاً من أن يلحق بالفريضة”. وهو الذي وجهه شمس الأئمة الحلواني أن الكراهة في المتصل برمضان، أما إذا أكل بعد العيد أياماً، ثم صام لا يكره بل يستحب.

والحالة الثانية: أن يكون صومها متتابعاً لا متفرقاً، قال رحمه الله: “أكره متتابعاً ولا أكره متفرقاً”(4).

المذهب الثالث: كراهة صوم ستٍّ من شوال، وهو قول الإمامين أبي حنيفة النعمان ومالك بن أنس رحمهما الله تعالى، وهو المروي عن الحسن البصري رحمه الله، ونسبه مالك إلى أهل العلم في زمانه أنهم كانوا يكرهون ذلك ويخافون بدعته.

قال يحيى الليثي رحمه الله: ” وسمعت مالكاً يقول في صيام ستة أيام بعد الفطر من رمضان: إنه لم ير أحداً من أهل العلم والفقه يصومها، ولم يبلغني ذلك عن أحد من السلف، وإن أهل العلم يكرهون ذلك ويخافون بدعته، وأن يُلحِق برمضان ما ليس منه أهل الجهالة والجفاء لو رأوا في ذلك رخصة عند أهل العلم ورأوهم يعملون ذلك”(5).

وقال إسرائيل أبو موسى عن الحسن البصري رحمه الله أنه كان إذا ذُكر عنده صيامُ ستة أيام من شوال يقول: ” والله لقد رضي الله بصيام هذا الشهر عن السنة كلها”(6).

المذهب الرابع: استحباب صيامها للرجل في خاصة نفسه، دون إظهار أو إشهار لاسيما إذا كان من أهل العلم، وهذا قول بعض الحنفية وبعض المالكية، نقله أبو المعالي ابن مازة عن بعض مشايخهم الأحناف قولهم: ” ينبغي للعالم أن يصوم سراً، وينهى الجهَّال عنه”(7) . ونصّ عليه القرافي في الذخيرة، والحطاب في مواهب الجليل، وكأنهما يقيدان مذهب مالك في إظهار صيام ست من شوال، وأنه لا يكره إذا كان صيامها من غير إظهار وإشهار.

وقول الجمهور فيه النصّ عن النبي ﷺ، من حديث أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه: ( من صام رمضان ثم أتبعه ستاً من شوال كان كصيام الدهر). ومن حديث ثوبان رضي الله عنه مولى رسول الله ﷺ: ( من صام ستة أيام بعد الفطر كان تمام السنة ، من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها)(8). ومن حديث جابر رضي الله عنه: ( من صام رمضان وستاً من شوال فكأنما صام السنة كلها )(9). وهو الراجح من جهة النص، وقول مالك وأبي حنيفة بالكراهة له وجهه من جهة العمل، ولقد بحثت عمن عمل به وصام ستاً من شوال من سلف الأمة الصالحين وأئمة الدين من الصحابة والتابعين وتابعيهم، فلم أقف على واحد منهم رُوي عنه أنه كان يصوم الستة الأيام من شوال، ولا يُتصوّر أمراً بهذا الفضل والخير يغفل عنه الأبرار من الصحابة والتابعين والأخيار من أئمة الدين، فهو وإن كان فيه الرواية فلم يكن عليه العمل، وهذا الذي جعل مالكاً وأبا حنيفة يتوقفان عن استحباب صومها وذهبا على الاحتياط للدين بالقول بالكراهة، خاصةً وأنّ العبادات أصلها التوقيف. بل إنّ ما خشيه الإمام مالك وأبو حنيفة قد وقع في كثير من بلاد المسلمين وبيئاتهم، حتى صار العيد الفعلي ثامن من شوال بعد صيام الست من شوال، فيستمر الناس كأنهم في رمضان تعظيماً لهذه الأيام وتأكيداً لصومها، والإنكار على من أفطر فيها، وهكذا أُلحق برمضان.

وعليه فالصحيح الراجح أن يكون صوم ستٍّ من شوال مستحباً، ولكن بشروط أربعة تتوافق بها أقوال الفقهاء، وتزول بها كراهة من يرى الكراهة، هي:

1ـ أن يصومها رغبة لما جاء فيها من الحثّ على صيامها.

2ـ أنْ لا يظهر صومها.

3ـ أن لا يصل صومها بالعيد، فالأفضل أن يفطر مع يوم العيد أياماً أخرى ثم يبدأ صيامها، حتى لا يلحق برمضان، ولدفع ما يعتقده بعض العامة أنّ رمضان لا تكتمل إلا بصومها.

4ـ أنْ لا يصومها متتابعة، بل يصومها متفرقة، ليفارق صومها صوم رمضان الذي لا يكون إلا متتابعة.

والله الموفق إلى الخير والصواب، والحمد لله رب العالمين.

الحواشي

  1. راجع: المحيط البرهاني في الفقه النعماني، لأبي المعالي برهان الدين بن مازة، ج2 ص 393، البحر الرائق شرح كنز الدقائق، لابن نجيم، ج6 ص 133.
  2. انظر: الذخيرة للقرافي، ج2 ص 530، الكافي لابن عبد البر ، ج1 ص 180، مواهب الجليل في شرح مختصر خليل، للحطاب، ج2 ص 414، التوضيح في شرح مختصر ابن حاجب، لخليل بن إسحاق، ج2 ص 459، المختصر الفقهي لابن عرفة، ج2 ص 97، تبيين المسالك، ج2 ص 183.
  3. راجع: المصادر السابقة، وانظر: المغني لابن قدامة، ج3 ص 112، الإرشاد إلى سبيل الرشاد، ص 153، الشرح الكبير على متن المقنع، ج3 ص 1ـ 3، المبدع في شرح المقنع، ج3 ص 49، الإنصاف للمرداوي ج3 ص 343، المجموع شرح المهذب، ج6 ص 400 -401، الحاوي الكبير للماوردي، ج3 ص 136، الإقناع في حل ألفاظ أبي شجاع، ج1 ص 280، السراج الوهاج على متن المنهاج، ج1 ص 146، البيان في مذهب الإمام الشافعي، ج3 ص 548، كفاية النبيه في شرح التنبيه، ج6 ص 394، مغني المحتاج إلى معرفة معاني ألفاظ المنهاج، ج2 ص 184.
  4. انظر : المحيط البرهاني في الفقه النعماني، لأبي المعالي برهان الدين بن مازة البخاري، ج2 ص 393، والبحر الرائق شرح كنز الدقائق لابن نجيم، ج6 ص 133.
  5. الموطأ برواية يحيى، برقم 684، ج1 ص 310.
  6. أخرجه الترمذي برقم 759، باب ما جاء في صيام ستة أيام من شوال، وصححه الألباني، وابن أبي شيبة في المصنف برقم مصنف ابن أبي شيبة 9817، ج3 ص 97.
  7. المحيط البرهاني الموضع السابق.
  8. أخرجه ابن ماجة برقم 1715.
  9. أخرجه أحمد في المسند، برقم 14341، قال شعيب الأرناؤوط: ” صحيح لغيره، وهذا إسناد ضعيف لضعف عمرو بن جابر الحضرمي وباقي رجاله ثقات رجال الشيخين”. ج3 ص 308.
أ.د. عبدالله الزبير عبدالرحمن
س

الصائم يُدْعَى إلى وليمة

فتاوى الصيام · · سأل: من كتاب «سؤالات الصائمين» — أقضية التطوع

كنت صائماً يوماً من الأيام البيض، فصادف أنْ أقام جارٌ لنا دعوة طعام فدعاني مع مجموعة من الجيران، فتحيّرتُ؛ هل ألبّي الدعوة أم لا؟ وإذا ذهبتُ إلى دعوته؛ هل أقطع صيامي وآكل معهم لأجامله؟ أم أبقَى صائماً وأخبره بصيامي وأعتذر له ؟. وحين ذكرت ذلك لامني بعضهم على عدم تلبيتي للدعوة، ولامني آخرون أني لم أقطع صيامي لأجامل جارنا، وعذرني بعضهم وقال: طالما كنت صائماً فحافظ على صيامك. فأرجو أن تفيدونا ماذا يفعل من وقع له مثل هذا، جزاكم الله خيراً.

جواب فضيلة الشيخ

المسألة فيها حالتان:

الحالة الأولى: أن يكون من دُعِيَ إلى وليمة أو دعوة طعام ، صائماً صياماً واجباً، كقضاء رمضان، وصيام كفارة، وصيام نذر، ففي هذه الحالة لم يختلف الفقهاء أنه لا يجوز للصائم صياماً واجباً أن يقطع صيامه ويفطر مع الناس، لأنّ إجابة الدعوة مندوبة مستحبة، وصيامه صيام واجبٌ، والواجب لا يُترك لمستحب.

ثم اختلفوا بعد ذلك؛ هل يلبّي دعوة الداعي ويذهب إلى مكان الوليمة دون أن يأكل معهم، ويخبر صاحب الدعوة أنه صائم ويعتذر له ويدعو له؟! وعامة الفقهاء يرون أن يجيب ويلبّي، ولكن عند بعضهم ذلك واجبٌ عليه، وعند الآخرين مندوبٌ وليس بواجب، وبعضهم فرّق بين دعوة وليمة العرس وبين غيرها.

أ ـ فذهب الحنابلة إلى أنه واجبٌ عليه أن يلبّي دعوته ويجيب، قال في المغني: «إنْ كان المدعو صائماً صوماً واجباً؛ أجاب ولم يفطر؛ لأنّ الفطر غير جائز؛ فإنّ الصوم واجب، والأكل غير واجب<(1). وهو ما ذهب إليه الظاهرية(2).

ودليلهم حديث أبى هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله ﷺ: «إذا دُعِيَ أحدًكم فليُجبْ، فإن كان صائماً فليصل، وإن كان مفطراً فليطعم»(3). فحملوا الأمر ” فليجب” على الوجوب، والصيام على الصوم الواجب.

ب ـ وذهب الشافعية إلى وجوب إجابة الدعوة في الوليمة ( وليمة العرس) دون غيرها، قال الشيرازي في المهذب: « ومن دُعي إلى وليمة وجب عليه الإجابة<(4). مستدلاً بحديث ابن عمر رضي الله عنهما :«إذا دعي أحدكم إلى وليمة فليأتها<(5). مع أنهم اختلفوا في أمره ﷺ ( فلياتها) فحمله بعضهم على الوجوب العيني، وبعضهم على الوجوب الكفائي، وبعضهم على الندب(6).

ب ـ ويرى المالكية ومن وافقهم إلى أنّه سنة، ولا يجب عليه أن يجيب الدعوة ويلبي الداعي، وقد حملوا الأمر في الأحاديث الآمرة بإجابة الدعوة على السنية وإنْ كانت إجابة دعوة العرس آكد، وذكر ابن عبد البر في التمهيد أن إجابة الدعوة واجبٌ وجوب سنة لا وجوب فرض(7).

وعلى كلِّ حالٍ؛ فإنّ ظاهر ما عليه الفقهاء أنّ من دُعِيَ إلى دعوة طعام سواء أكانت وليمة عرس أو غيرها (8)، أن يجيب الدعوة ولو كان صائماً صياماً واجباً، فيحضر الدعوة إنْ لم تكن فيها منكرات، فيكون قد التزم أمر نبيه ﷺ بإجابة الدعوة، وطيّب خاطر أخيه، وجبر قلبه، وأكرم داعيه، وكل ذلك من أدب الأخوة والجوار، ثم يدعو لصاحب الدعوة بالبركة والخير وينصرف دون أن يفطر. وبهذا يكون قد جمع بين الخيرين، وأخذ بالحسنيين.

أما الحالة الثانية: وهي أن يكون من دُعي إلى وليمة أو دعوة صائماً صيام تطوع لا فرض، فهذا إجابة الدعوة في حقه آكد، لحديث جابر رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: « إذا دُعي أحدكم إلى طعام فليجب فإن شاء طعم وإن شاء ترك »(9).. وحديث ابن عمر رضي الله عنهما أنّ النبي ﷺ قال: « إذا دُعيتم إلى كراع فأجيبوا »(10). وحديث نافع رحمه الله قال: سمعت عبد الله بن عمر رضي الله عنهما يقول: قال رسول الله ﷺ: « أجيبوا هذه الدعوة إذا دعيتم لها ». قال نافع: وكان عبد الله بن عمر رضي الله عنهما يأتي الدعوة في العرس وغير العرس ويأتيها وهو صائم(11).

أما حكمه إذا لبّى الدعوة وحضرها هل يفطر ليأكل فيها؛ ويقطع صيامه؛ فإن الفقهاء لم يختلفوا في عدم وجوب الأكل للصائم المتطوع، كما نقل ذلك الإمام النووي رحمه الله في شرح مسلم، قال: « أما الصائم فلا خلاف أنه لا يجب عليه الأكل<(12)

أما جواز ذلك أو استحبابه فقد ذهب الفقهاء إلى الأقوال الآتية:

القول الأول: جواز الفطر لإجابة الدعوة وعذر الضيافة، وهو قول أبي عبدالله الرازي الحنفي وغيره من الحنفية، وقد جاء في تحفة الملوك في مبيحات الفطر في النوافل: « ويباح الفطر في التطوع بعذر الضيافة ونحوها» (13). واستدلوا بأن المتطوع بالصيام جاز له الفطر بغير عذر، فإن كان الفطر جائزاً له فلإجابة الدعوة من باب أَوْلَى، وذلك لحديث أم هانئ أنّ رسول الله ﷺ دخل عليها فدعا بشراب فشرب، ثم ناولها فشربت، فقالت: يا رسول الله! أما إني كنت صائمة! فقال رسول الله ﷺ: ( الصائم المتطوع أمير نفسه ـ وفي رواية: أمين نفسه ـ إنْ شاء صام وإن شاء أفطر)(14).

وقد قيّد الحنفية جواز الفطر في الدعوة بأسباب أهمها:

1ـ إذا كانت الدعوة قبل الزوال، أما بعد الزوال فلا يفطر.

2ـ إذا كان صاحب الدعوة يتأذّى ، يفطر، وإن كان يرضى بمجرد حضوره ولا يتأذى بترك الأكل لا يفطر، بشرط أن تكون الدعوة قبل الزوال.

3ـ إذا كانت الدعوة من أحد الأبوين لحق الوالدين لأن في ترك الإفطار عقوق الوالدين أو أحدهما، ولو كانت الدعوة بعد الزوال.

القول الثاني: استحباب الفطر للصائم تطوعاً لأنه يدخل السرور على من دعاه، وهو قول الحنابلة وأكثر الشافعية،

قال في الكافي: « إذا دعي الصائم لم تسقط الإجابة، فإذا حضر وكان الصوم واجباً لم يفطر، وإن كان تطوعاً استُحب له الفطر، ليسر أخاه ويجبر قلبه»(15). وذكر المرداوي أنه الصحيح من المذهب. وعلل الاستحباب في المغني بأن له الخروج من الصوم، فإذا كان في الأكل إجابة أخيه المسلم وإدخال السرور على قلبه، كان أولَى(16).

وقال الشيرازي في المهذب: « وإنْ كان تطوعاً فالمستحب أن يفطر لأنه يدخل السرور على من دعاه». ونسب الحافظ ابن حجر الاستحباب لأكثر الشافعية إنْ كان يشق على صاحب الطعام صومه وعدم أكله، وبذلك أيضاً قيّد النووي الاستحباب في شرحه لعبارة المهذب، مع أنّ الروياني وابن الفراء من الشافعية أطلقا استحباب الفطر لإجابة الدعوة(17). ونَصُّ الإمام الشافعي رحمه الله يؤيّد الاستحباب، وقد نقل البيهقي نصه أنه قال: « إن كان المدعو صائماً أجاب وبارك وانصرف، ولم يحتم عليه أن يأكل، وأحبُّ إلـيَّ لو فعل إن كان صومه غير واجب، إلا أن يأذن له رب الوليمة»اهـ (18).

ومن اللطائف في ذلك؛ ما ذُكر عن معروف الكرخي رحمه الله أنه أصبح صائماً، فمرّ بسقَّاء يقول: ” رحم الله من يشرب” فتقدَّم فشرب، فقيل له: ألم تك صائماً؟ فقال: بلى! ولكنِّي رجوت دعاءه ” (19).

القول الثالث: عدم استحباب الفطر للصائم تطوعاً ، بل المستحب أن يحضر الدعوة ويدعو لصاحب الدعوة بالبركة والخير ويبقى صائماً، وهو قول المالكية(20) وأبي حنيفة (21)، واستدلوا بالجمع بين حديث مسلم وغيره: « إذا دُعيَ أحدكم فليجب، فإنْ كان صائماً فليصلِّ، وإن كان مفطراً فليطعم »(22). وحديث: « إذا دُعِي أحدكم فليُجِبْ، فإن شاء طعم وإن شاء ترك»(23).

وهذا هو الراجح، للأسباب الآتية:

1ـ أنّ مالكاً جمع بين الأحاديث، والآخرون اختاروا ورجّحوا، والجمع أَوْلَى من غيره، لأن فيه إعمالاً للأدلة، وذاك فيه إبطال لبعضها.

2ـ أنّه لا خلاف بين الفقهاء في عدم وجوب الأكل للصائم إذا دُعيَ، مع الخلاف بينهم في لزوم التطوع بالشروع، وقد ذهب مالك وأبو حنيفة إلى أن المندوبات تلزم بالشروع(24)، فمن دخل في صيام تطوع فقد لزمه الإتمام، ولا يجوز له أن يفطر إلا لعذر. فالأكل ليس بواجب عند الجميع، بينما الصوم وجب بالشروع عند بعضهم، فكان أولى بالرعاية.

3ـ أنّ النصوص صريحة في إرشادها لمن كان صائماً وأجاب الدعوة ماذا يفعل، ففي حديث أبي هريرة رضي الله عنه السابق أن النبي ﷺ أمر الصائم بالدعاء لصاحب الدعوة ولم يأمره بالفطر، فقال ﷺ:« إذا دعي أحدكم فليجب فإن كان صائماً فليصلّ وإن كان مفطراً فليطعم ».. وفي حديث عبد الله رضي الله عنه لم يأمره بالأكل وأمره بالدعاء فقال ﷺ: ( إِذَا دُعِيَ أَحَدُكُمْ فَلْيُجِبْ ، فَإِنْ كَانَ مُفْطِرًا فَلْيَأْكُلْ، وَإنْ كَانَ صَائِمًا دَعَا بِالْبَرَكَةِ)(25).

أما خبر إبراهيم بن عبيد قال: صنع أبو سعيد الخدري رضي الله عنه طعاماً فدعا النبي ﷺ وأصحابه فقال رجل من القوم: إني صائم، فقال له رسول الله ﷺ: ( صنع لك أخوك وتكلف لك أخوك أفطر وصم يوماً مكانه )(26). فلا يقوى لمعارضة حديث أبي هريرة الذي في الصحيح، إذ هو مرسل كما أن في سنده محمد بن أبي حميد وهو ضعيف لا يحتج به، بينما حديث أبي هريرة صحيح مسند.

4ـ أنّ حال سلفنا الصالح من الصحابة رضوان الله عليهم يؤكّد أن الصائم ـ ولو كان صيامه تطوعاً ـ الأَوْلَى له أن يحضر ويشارك ويبارك لهم الدعوة ويدعو لهم ثم ينصرف من غير أن يقطع صومه ويفطر لإجابة الدعوة..

1ـ عن ابن سيرين أن أباه دعا نفراً من أصحاب النبي ﷺ فأتاه فيهم أبي ابن كعب رضي الله عنه وأحسبه قال فبارك وانصرف.

2ـ وعن عبد الله بن أبي يزيد قال: دعا أبي عبدَ الله بنَ عمر رضي الله عنهما فأتاه، فجلس، ووُضع الطعام، فمدَّ عبد الله بن عمر يده وقال: خذوا بسم الله، وقبض عبد الله يده وقال: إني صائم(27).

3ـ وعن سيدنا عثمان بن عفان رضي الله عنه أنه أجاب عبدَ المغيرة وهو صائم فقال: « إني صائم، ولكني أحببت أن أجيب الداعي فأدعو بالبركة» (28).

4ـ وكان ابن مسعود رضي الله عنه يقول: « إذا عرض على أحدكم الطعام وهو صائم فليقل : إني صائم » (29).

5ـ وأجاب سيدنا علي بن أبي طالب رضي الله عنه الدعوة فدعا ولم يأكل(30).

فكان حال هؤلاء الأخيار من سلفنا الأبرار رضوان الله تعالى عليهم جميعاً أنْ لا يفطر الصائم لإجابة الدعوة، بل يحضر ويدعو ويطيّب الخواطر ثم ينصرف محافظاً على صيامه، فبان أنّ إتمام الصوم له أَوْلَـى. والحمد لله رب العالمين.

الحواشي

  1. المغني لابن قدامة ، ج7 ص 279المسألة 5670وراجع: المبدع في شرح المقنع لابن مفلح، ج6 ص 234، والإنصاف للمرداوي، ج8 ص 322.
  2. المحلى بالآثار لابن حزم، ج4 ص 456، المسألة 808، وراجع: الاستذكار لابن عبد البر ج5 ص 470، شرح ابن بطال للبخاري ج13 ص 285.
  3. أخرجه مسلم باب الأمر بإجابة الداعي إلى دعوة، برقم 3593، وأبو داود باب في الصائم يدعى إلى وليمة برقم 2462، وأحمد في المسند برقم 10593.
  4. المهذب للشيرازي بشرح المجموع ج18 ص 79.
  5. أخرجه مالك في الموطأ برقم 1137، وأحمد في المسند برقم 4712، والبخاري في صحيحه برقم 5173.
  6. انظر: المجموع شرح المهذب، للنووي، ج18 ص 80-81 .
  7. راجع: التمهيد لابن عبد البر ج1 ص 275، شرح ابن بطال لصحيح مسلم، ج7 ص 288، مدونة الفقه المالكي وأدلته للغرياني، ج2 ص 590- 593. البيان والتحصيل لابن رشد الجد، ج4 ص 308، ومواهب الجليل في شرح مختصر خليل ج4 ص 5 .
  8. وقد نقل ابن بطال إجماع العلماء على وجوب إجابة الوليمة على خصوصها مع اختلافهم في غيرها، انظر: شرح ابن بطال لصحيح البخاري ج7 ص 287.
  9. أخرجه مسلم في صحيحه برقم 3591.
  10. صحيح مسلم برقم 3590. والكراع: مستدق الساق من الغنم والبقر العاري من اللحم.
  11. مسلم في صحيحه برقم 3589.
  12. شرح النووي لصحيح مسلم ، ج5 ص 153والمجموع شرح المهذب ج18 ص 87..
  13. تحفة الملوك لأبي عبد الله محمد بن أبي بكر الرازي الحنفي، ج1 ص 151.
  14. أخرجه أحمد في مسنده برقم 26937، واللفظ له، والترمذي في سننه برقم 732، والدارقطني في سننه برقم 2222، والبيهقي في السنن الكبرى برقم 8607، وصحّح الشيخ الألباني إسناد الترمذي، ج3 ص 109مع أن الترمذي قال: حديث أم هانئ في إسناده مقال والعمل عليه عند بعض أهل العلم. وضعّف شعيب الأرناؤوط خبر أحمد وقال: إسناده ضعيف لجهالة جعدة، وهو ابن ابن أم هانئ، المسند ج6 ص 341.
  15. الكافي في فقه الإمام أحمد ج3 ص 79.
  16. الإنصاف للمرداوي ج8 ص 322، المغني لابن قدامة ج7 ص 279، المبدع شرح المقنع ج6 ص 234.
  17. انظر: المهذب بشرح المجموع ج18 ص 86 – 87، فتح الباري لابن حجر ج9 ص 247، الحاوي الكبير للماوردي ج3 ص 469.
  18. معرفة الآثار والسنن للبيهقي ، ج10 ص 251، برقم 4571.
  19. الرسالة القشيرية لأبي القاسم القشيري، في ترجمة معروف بن فيروز الكرخي، ص 9، والآداب الشرعية لابن مفلح، ج2 ص 355 – 356.
  20. راجع: البيان والتحصيل لابن رشد الجد، ج4 ص 308، مواهب الجليل للحطاب الرعيني ج4 ص5، الشرح الصغير مع حاشية الصاوي ج2 ص 500،
  21. انظر: العناية شرح الهداية ، البابرتي ج3 ص 329.
  22. سبق تخريجه في أول هذا السؤال.
  23. أخرجه أحمد في المسند برقم 15256، وصححه الأرناؤوط على شرط مسلم.
  24. راجع: البحر المحيط للزركشي ج1 ص 281-282،
  25. أخرجه النسائي في سننه برقم 10059.
  26. أخرجه الدارقطني في السنن برقم 2239، وقال عقبه: مرسل، اما محمد بن أبي حميد فقد قال فيه البخاري ( الضعفاء ص 119 برقم 330): منكر الحديث، والعقيلي في (الضعفاء 1/308 برقم 377): منكر الحديث، وقال الإمام أحمد: أحاديثه أحاديث مناكير (الضعفاء للعقيلي برقم 1613)، وذكره أبو زرعة في الضعفاء، والدارقطني في الضعفاء والمتروكون، رقم 480، وقال ابن الجوزي في: الضعفاء والمتروكين (3 / 54): ” قال يحيى: ليس حديثه بشيء. وقال السعدي: واهي الحديث ضعيف. وقال البخاري: منكر الحديث. وقال أبو حاتم وأبو زرعة الرازيان: ضعيف الحديث، وقال النسائي: ليس بثقة، وقال ابن حبان: لا يحتج به. وقال الدارقطني: ضعيف” اهـ .
  27. الخبران في كتاب الأم للشافعي بسنده رحمه الله ج6 ص 196، ومسند الشافعي بترتيب السندي برقم 667، 668.
  28. المغني لابن قدامة ، ج7 ص 279.
  29. شرح ابن بطال لصحيح البخاري ج4 ص 8، المغني ، ج7 ص 279.
  30. شرح ابن بطال لصحيح البخاري، ج7 ص 288.
أ.د. عبدالله الزبير عبدالرحمن

لديك مسألةٌ تُشكل عليك؟ استفتِ الشيخ

اكتب سؤالك وسيصل مباشرةً إلى مكتب فضيلة الشيخ، ويصلك الجواب على بريدك.

الردّ خلال ٣–٧ أيام بياناتك محفوظة ولا تُنشر ١١٩ فتوى منشورة
استفتِ الشيخ
فتوى مختارة

تذوق الطعام

طابخ يريد أن يتذوق طعم ما طبخ للتأكد من النضوج أو لمعرفة مقدار الملح ، هل يبطل هذا التذوّق صومه ؟

اقرأ الجواب