فتاوى الصيام · · سأل: من كتاب «سؤالات الصائمين» — الصيام وأقضية العوائد
الناس في رمضان يفطرون عادة في الشوارع في تجمُّعاتٍ في الأحياء، والمسجد قريبٌ منهم غالباً، ولكن يصلُّون المغرب في مكان الإفطار جماعة، وجماعة المسجد قائمة، ويرون أن تركهم مكان الإفطار والموائد ونحوها وذهابهم للمسجد فيه مشقة وبعض المضار.
جواب فضيلة الشيخ
لا بأس بالصلاة جماعة في مكان إفطارهم وإنْ كان صلاة المسجد أفضل، وذلك للوجوه الآتية:
أولاً: أنّ هذه الجماعة لم تتسبب في تعطيل جماعة المسجد، حيث جماعة المسجد قائمة والحمد لله، فلا يوجد ما يمنع ذلك.
ثانياً: أنّ هذا الأمر وإقامة الناس جماعة المغرب في موضع إفطارهم مؤقت بشهر رمضان، فإذا مضى رمضان بخيره وفضله انتهى هذا الوضع والحال، وعاد الناس إلى مساجدهم يقيمون جماعتها.
ثالثاً: أنهم قد أقاموا صلاة الجماعة ونالوا فضلها كما في حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: (صَلاَةُ الرَّجُلِ فِي جَمَاعَةِ تُضَعَّفُ عَلَى صَلاَتِهِ فِي بَيْتِهِ وَفِي سُوقِهِ خَمْسًا وَعِشْرِينَ ضِعْفًا) (1)، وحديث ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله ﷺ قال: (صَلاَةُ الْجَمَاعَةِ تَفْضُلُ صَلاَةَ الْفَذِّ بِسَبْعٍ وَعِشْرِينَ دَرَجَةً ) (2). وفيه اجتماعُ الأقوال وتوافقُ المذاهب، لأنّ من يرى صلاة الجماعة شَرْطَ صحةٍ لم يشترط كونها في المسجد.
رابعاً: أنّ هناك جماعات كانت تقام في المدينة المنورة على عهد النبي ﷺ ، كسقيفة بني ساعدة وكانت قريبة من المسجد ، ومصلى بني زريق وقد جعل فيه مسجد هو مسجد السبق لأن النبي ﷺ كان ينتظر المتسابقين بالخيل المضمرة فيه كما في البخاري(3)، وهما الآن داخل المسجد النبوي على صاحبه أفضل الصلاة والسلام.
خامساً: ما يفيد جواز ذلك وصحته عند الحاجة من غير ترتيب واستدامة فعل الأخيار، وقد أخرج البيهقي رحمه الله في السنن الكبرى: “أنّ حبيب بن أبي ثابت رحمه الله صنع طعاماً فدعا إبراهيم النَّخعي وإبراهيم التَّيمي وسَلَمَة بن كُهيل وذرَّاً وأناساً من وجوه القراء ـ رحمة الله تعالى عليهم ـ فأمر إبراهيم التيمي فقصّ عليهم، ثم حضرت الصلاة فصلوا في البيت في جماعة ولم يخرجوا إلى المسجد ثم جاءهم الطعام”)4(. ويوافقه ما ذكره البخاري في صحيحه: أنّ البراء بن عازب رضي الله تعالى عنه صلّى في مسجده في داره جماعة (5).
أما حديث ابن شهاب عن سالم عن أبيه أنّ النّبي ﷺ نهَى أن يُصلَّى على قارعة الطريق؛ وحديث ابن عمر رضي الله عنهما : نهى رسول الله ﷺ أن يُصلَّى في سبع مواطن، منها ( قارعة الطريق) ؛ فكلاهما ضعيف، كما قال الأئمة: الترمذي والبوصيري والألباني ومشهور آل سلمان(6)، فلا يحتجُّ بمثلهما، وفوق ذلك؛ فهو معارِضٌ للحديث الصّحيح الصّريح المتّفق عليه: ( وجعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً ) وفي لفظ مسلم ( وجعلت لنا الأرض كلها مسجداً..) (7). والله تعالى أعلم..
فتاوى الصيام · · سأل: من كتاب «سؤالات الصائمين» — الصيام وأقضية العوائد
في يومٍ من أيام رمضان خرجنا من المسجد بعد صلاة الظهر ونحن جماعة فإذا بنا نرى رجلاً يمشي أمام المسجد وهو سكران، فما عرفنا ماذا نصنع معه، هل نضربه أم نزجره أم نذهب به إلى الشرطة أم ماذا؟ أفيدونا عن حكم هذا الفعل أثابكم الله.
جواب فضيلة الشيخ
إنّ إظهار المباحات المعروفة من الأكل والشرب، وفعلها في نهار رمضان من أكبر الكبائر، إذ فيه انتهاك لحرمته، وإظهار لما نهى الله عنه، فكيف بإظهار المعاصي والكبائر المتفق عليها؟ لا شكّ هذا من أعظم ما يقترفه المسلم من الذنوب.
وعليه: فإنّ هذا الذي شرب الخمر في رمضان وأظهر سكره في نهاره بين الصائمين، يجب أنْ يُردع حتى لا يتساهل في إظهار المعاصي وانتهاك حرمة رمضان.
ولذلك:
أولاً: لا يترك هذا الشارب السكران، بل ينكر عليه، والإنكار عليه بالزجر أو التوبيخ أو نحو ذلك لا يجدي مع مثله لأنه سكران، ولن يعي شيئاً مما يزجر به أو يوبخ عليه؛ فلم يبق من سبيل للإنكار عليه إلاّ أن يؤخذ إلى الشرطة والسلطان ليقيم عليه الحد ويعاقبه.
ثانياً: لا يكفي إقامة حدّ شرب الخمر عليه، لأنه ارتكب كبيرات شنيعات، أولها: شربه للخمر، وثانيها: إظهاره السكر والمعصية أمام المسلمين، وثالثها: انتهاكه لحرمة رمضان. فيحدّ لشربه الخمر، ويعزّر بأشدّ العقوبة لإظهاره هذه المعصية الكبيرة أمام المسلمين ولانتهاكه حرمة شهر رمضان.
وقد وقع مثل ذلك في خلافة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب وخلافة أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب رضي الله عنهما، أمّا ما كان في عهد عمر رضي الله عنه فحكم فيه ؛ فهو ما جاء في مصنف عبد الرزاق رحمه الله بسنده عن ابن جريج قال: أخبرني إسماعيل بن أمية أنّ عمر بن الخطاب كان إذا وجد شارباً في رمضان نفاه مع الحد(1).
وعن عبد الله بن أبي الهذيل قال: أتي عمر بشيخ شرب الخمر في رمضان فقال للمنخرين للمنخرين وولداننا صيام؟ قال فضربه ثمانين ثم سيره إلى الشام(2).
وفي المصنف لابن أبي شيبة عن أبي سنان البكري قال: أتي عمر برجل شرب خمراً في رمضان فضربه ثمانين وعزّره عشرين (3).
وأمّا الذي وقع في خلافة عليٍّ رضي الله عنه فحكم فيه فهو ما جاء في المصنف لابن أبي شيبة عن عطاء بن أبي مروان عن أبيه قال: ( أوتي عليٌّ برجل شرب خمراً في رمضان فجلده ثمانين وعزّره عشرين))4(.
وعن أبي مصعب عطاء بن أبي مروان ، عن أبيه ؛ أن عليَّاً أُتي بالنجاشي الحارثي الشاعر سكراناً من الخمر في رمضان ، فتركه حتى صحا ، ثم ضربه ثمانين ، ثم أمر به إلى السجن ، ثم أخرجه من الغد فضربه عشرين ، فقال رضي الله عنه: « ثمانين للخمر ، وعشرين لجرأتك على الله في رمضان، وعند البيهقي: لجرأتك على الله وإفطارك في شهر رمضان » (5).
والنجاشي هذا هو قيس بن عمرو الحارثي ، وان فاسقاً رقيق الدين.
وقصته أنه خرج في شهر رمضان على فرسٍ له بالكوفة يريد الكناسة، فمر بأبي سمالٍ الأسدي فوقف عليه، فقال: “هل لك في رؤوس حملانٍ في كرشٍ في تنورٍ من أول الليل إلى آخره، قد أينعت وتهرأت؟” فقال له: “ويحك أفي شهر رمضان تقول هذا؟” قال: “ما شهر رمضان وشوالٌ إلا واحداً!” قال: فما تسقيني عليها؟ قال: شراباً كالورس، يطيب النفس، ويجري في العرق، ويكثر الطرق، ويشد العظام ويسهل للفدم الكلام، فثنى رجله فنزل، فأكلا وشربا، فلما أخذ فيهما الشراب تفاخَرَا، فعلتْ أصواتُهما، فسمع ذلك جارٌ لهما، فأتى سيدنا علي بن أبي طالب رضي الله عنه فأخبره، فبعث في طلبهما، فأمّا أبو سمالٍ فشق الخص ونفذ إلى جيرانه فهرب، فأخذ النجاشي فأتى به عليَّاً رضي الله عنه فقال له: “ويحك، ولداننا صيامٌ وأنت مفطرٌ؟”. فأقام عليه الحدّ وعزّره بأشدّ العقوبة.
وقال أبو حاتم، حدّثنا الأصمعي قال: كنت عند الرشيد في شهر رمضان، فأتي بسكران فهمّ به ثم سأل عنه فقلت: كفاك عليّ بن أبي طالب ذلك بالنّجاشي. قد شرب الخمر في رمضان فضربه ثمانين للسّكر، ومائةً لحرمة شهر رمضان، فقال النجاشي: “ما هذه العلاوة يا أبا الحسن؟” فقال: “هذه لجرأتك على الله في شهر رمضان”. ثم حمله على حملٍ وطاف به في الكوفة، فجعل الصبيان يصيحون به: “سلح سلح”(6)، فيقول: “كلاّ إنّها يمانيةٌ، ووكاؤها شعرٌ”؛ وهجا أهل الكوفة فقال:
إذا سقى الله قوماً صوب غاديةٍ فلا سقى الله أهل الكوفة المطــــــرا
وأرسل الريح تسفي في عيونهم حتى إذا لا ترى ماءً ولا شجـــــــــرا
ألقى العداوة والبغضــــاء بينهم حتى يكونوا لــن عاداهم جــــــــزرا
السّــــــــــارقين إذا مـا جنّ ليلهم والدّارسين إذا ما أصبحوا السّــورا
والتّاركين على طهرٍ نســــــاءهم والنّاكحين بشطّــي دجلـة البقـــــرا
ثم ذهب إلى معاوية وقال في عليّ:
يا أيّها الملك المهدي عـــــداوتـه انظر لنفســك أيّ الأمر تــــــأتمر
واعلم يقيناً بأنّ المجــــــد في نفرٍ هـم العرانين ما ساواهم بشـــــــر
فإن نفست على الأقوام مجـدهم فابسط يديك فإنّ الخير مـبتــــدر
نعــم الفتى أنت إّلا أنّ بينكمــــــا كما تفاضل ضوء الشّمس والقمر
إنّي امرؤٌ قلّ ما أثني على أحــــــدٍ حــتى أبيّن مــــــــــــا آتي وما أذر (7).
وعلى هذا:
فشارب الخمر في رمضان ينتهك بذلك حرمة نهاره يعاقب وجوباً بما يلي:
1ـ يجلد الحدّ الأقصى ثمانين جلدة.
2ـ يحبس كما فعل عمر وعلّ رضوان الله تعالى عليهما.
3ـ يعزّر بجلد زائد عن الحدّ وقد جلد عمر وعليّ كلاهما عشرين جلدة زيادة على الحدّ ( الثمانين ).
4ـ أن ينكّل به، ويطاف به ويسمّع ويشهّر به زيادةً في النكال والعقوبة، على ما ذهب الإمام الزهري رحمه الله، وقد قال: « مَن شرب في رمضان، فإنْ كان ابتدع ديناً غير الإسلام؛ استُتيب. وإنْ كان فاسقاً من الفسّاق؛ جُلد، ونُكّلَ وطُوّف وسُمّع به. والذي يترك الصلاة مثل ذلك(8).
الحواشي
مصنف عبد الرزاق برقم 17044.
مصنف عبد الرزاق برقم 13557، وذكره الحافظ في الفتح ج4 ص 201 وقال: وصله سعيد بن منصور والبغوي في الجعديات، وقوله: للمنخرين: دعاءٌ عليه كقولهم: بعداً وسحقاً، كما ذكره أبو عبيد في غريب الحديث له ج3 ص 395. قلت: ولعل المعنى: كُببت على المنخرين أو في معناه والله أعلم.
مصنف ابن أبي شيبة برقم 8741.
مصنف ابن أبي شيبة برقم 29284.
أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف برقم 29218، والبيهقي في السنن الكبرى برقم 18001 و17324، ومصنف عبد الرزاق برقم 13556. وبرقم 17042.
( ( سَلَحَ، يقال إذا خرئ الطير أو الوحش أو الحمار، وهو شتمٌ وإهانة له ، لما فعله، وذلك ما كان عليه صالحو هذه الأمة كباراً وصغاراً، من القرون الخيرة، أما اليوم؛ فلا تجد التمعّض والغضب والإنكار إلاّ من قلة قليلة، نسأل الله تعالى أن يعيد لأمتنا مجدها وأن يرجعها لدينها كما يحب ويرضى.
فتاوى الصيام · · سأل: من كتاب «سؤالات الصائمين» — الصيام وأقضية العوائد
رجل في بعض القرى يصوم ولكنه في نهار رمضان - وهو صائم - يشرب الدخان "السجاير" ويقول : إنه غير مفطر وهو مكروه فقط . ما حكمه ؟
جواب فضيلة الشيخ
السجاير وشرب الدخان حرام باتفاق جماهير أهل العلم ، ولا يختلف في حرمته فقيه في الشرع عالم بمقاصده ، لأنه ضار بإجماع الأطباء وأهل العلم بالطب، وفعل ما فيه ضرر بين ـ قطعياً كان أو غالباً ـ محرم باتفاق . ومع ذلك قال كل من سئل عن حكمه بالحرمة . إلا ما حُكيَّ عن بعض المتأخرين والمعاصرين بأنه مكروهٌ كراهة تحريم. “والمكروه كراهة التحريم” مصطلح معروف عند أهل الفقه والأصول، خاص بالحنفية وهو من قسم المحرم عندهم الذي لا يكفر منكره ، بينما المحرم يكفر منكره لأن دليل المحرم قطعي لا شبهة فيه ودليل المكروه كراهة التحريم فيه شبهة عندهم، والمشهور عن الحنفية التحريم، فالشربتلالي في نظمه نصّ قائلاً: ويمنع من بيع الدخان وشربه. والعلامة عبد الحي اللكنوي ألّف رسالة خاصة بذلك سماها: زجر أرباب الريان عن شب الدخان(1) .
فالسجاير محرمة ولا يُعلم خلاف في حرمته في عصرنا لما ثبت من ضررها القطعي بالشارب والمشتم معاً باتفاق الأطباء من أهل المعرفة بذلك، وإنْ كان للعلامة علي الأجهوري المالكي ولعبد الغني النابلسي في عصرهما خلافٌ(2)، ولو أنهما علما ما علمه علماء العصر في هذا الزمان؛ ما وسعهما إلاّ موافقة الناس في حرمته، مثلما فعل الشيخ الزيادي الشافعي رحمه الله.
قال البجيرمي رحمه الله: « وأما الدخان الحادث الآن المسمى بالنتن لعن الله من أحدثه فإنه من البدع القبيحة، فقد أفتى شيخنا الزيادي أولاً بأنه لا يفطر، لأنه إذ ذاك لم يكن يعرف حقيقته، فلمَّا رأى أثره بالبوصة التي يشرب بها؛ رجع وأفتى بأنه يفطر»(3).
وفي شرحه قول الخطيب: ( ويحرم ما يضر البدن أو العقل ) يقول البجيمي: ومنه يُعلم حرمة الدخان المشهور، لما نقل عن الثقات أنه يورث العمى والترهل والتنافيس واتساع المجاري(4). وذكر بعضهم أن من أسباب تحريمه: أنه يفتح مجاري البدن ويهيئها لقبول الأمراض المضرة (5).وهذا ما توصّل إليه البحث الطبي الحديث في زماننا أنه سبب لقبول الجسم التسرطن.
وذهب الحنابلة إلى أن شارب الدخان المعلن له فاسق كما جاء في الشرح الممتع لابن عثيمين رحمه الله: « ولو أذن المعلن بفسقه كحالق اللحية ومن يشرب الدخان جهرا، فإنه لا يصح أذانه على كلام المؤلف». وجاء في موضع آخر: « ولو اجتمع شخصان كلاهما يشرب الدخان لم يصل أحدهما بالآخر، لأن كل واحد منهما فاسق » (6).
ونقل إبراهيم اللقاني رحمه الله عن بعض فقهاء السودان وقد سئل عنه رحمه الله تعالى: « ظهرت أوراق شجر في تنبكتو وابتلي المسلمون بحرقها وشرب دخانها في كل وقت زاعمين أنها دواء لكل داء واستعملها خاصتهم وعامتهم وسلاطينهم وكبراؤهم وغلت أثمانها وهذا من غش الشيطان وتلبيسه وتزيينه فإنه يتولد من تكاثف دخانها في أجوافهم أمراض وعلل ».
وذكر عن شيخه سالم السنهوري رحمه الله قائلاً: « وسئل عنه أي الدخان شيخنا وقدوتنا العلامة سالم السنهوري، فأفتى بتحريمه واستمر على فتواه به إلى موته، ولم يخالفه فيه أحدٌ من علماء عصره، وتابعه عليه أهل الدين والصلاح والرشد من الحنفية وغيرهم ».
وجزم اللقاني رحمه الله بأن مذهب الحنفية التحريم(7).
وبهذا ثبت تحريم شرب الدخان والسجاير في المذاهب الأربعة.
ومما ذكره الفقهاء في زمانهم عن علّة تحريمه:
1ـ أنه من غش الشيطان وتلبيسه وتزيينه فإنه يتولد من تكاثف دخانها في أجوافهم أمراض وعلل.
2ـ تكرار الدخان يسوّد ما يتعلّق به، وتتولّد منه الحرارة، فتكون داءً مزمناً مهلكاً، فيشمله قوله سبحانه ﴿وَلَا تَقۡتُلُوٓاْ أَنفُسَكُمۡ﴾ [ النساء،29].
3ـ أنّ مبدأ خروج الدخان من أرض النصارى الإنكليز، استعملوه على هذه الهيئة، فمن استعمله فقد أحيا سنتهم وقوىَّ بدعتهم.
4ـ دعوى أن فيه بعض الشفاء لبعض الناس؛ أنه لا شفاء فيه أصلاً، وضرره مشاهد في أكثر مستعمليه، وأدنى ضرره إفساده العقل والبدن، وتلويث الظاهر والباطن المأمور بتنقيتها شرعاً وعادةً ومروءةً، كما يلوث آلة شربه. والظاهر عنوان الباطن واستعمال المضر حرام.
5ـ أطبق الأطباء على أن أصناف الدخان مجففة ونص القانون وأصناف جميع الدخان مجففة بجوهره الأرضي وفيه نارية مشوبة بجوهرة الناري ولذا يطلب العلو ما دام مختلطا بالأجزاء النارية ا هـ . فإذا كان مجففا للرطوبات البدنية فقد أدى إلى حصول أمراض كثيرة واحتراق الكبد والدماغ والقلب ويتبعها في ذلك سائر البدن.
6ـ ما قاله رئيس الأطباء أبو علي بن سينا: « لولا الدخان والقتام لعاش ابن آدم ألف عام » (8).
هذا؛ غير المضار والمفاسد التعبدية المترتبة على شرب الدخان، وقد قال الشيخ الخرشي شارح خليل رحمه الله في ذلك:
في الناس قومٌ سخافٌ لا عقول لهم * استبدلوا عوض التسبيح دخانا
أنبـوبة في فــمٍ والنًّــــــــــــــار داخلها * تجـرُّ للجوف دخــــــاناً ونيرانا
لو كان في ذاك ذكر الله مـــــــا قربت * إليهــــــم النَّار إجــلالاً لمولانا
وقال بعضهم:
من قـرأ القــرآن منتن الـــــــــــــفم من غيـــــــــــر ردة أتى بمــأثم
وشارب الــدخان بالإثــــــم أحقّْ لأنه أنتنـــــــــــــــــــه بغـير حقّْ
وعلى كلٍّ: فشرب في نهار رمضان يفسد الصوم(9)، لأنه فعلٌ محرّمٌ يمكن التحرز منه ، فإن فعله متعمّداً عالماً بإفساده وجب عليه القضاء والكفارة، لأنه منتهك حُرمة الصيام بمحرّم، وإن فعله جاهلاً بإفساده وجب عليه القضاء، وإن فعله ناسياً، لا قضاء عليه مع الإثم .
وبإيجاب شرب الدخان والسجاير في نهار رمضان القضاء والكفارة أفتى المالكية والحنفية.
وقد سئل الشيخ عليش عمن شرب الدخان في نهار رمضان عامدا فهل تلزمه الكفارة ؟. فأجاب: نعم تلزمه الكفارة إن وصل لجوفه. قال ابن عرفة تجب الكفارة في إفساد صوم رمضان انتهاكا له بموجب الغسل وطئاً وإنزالاً والإفطار بما يصل إلى الجوف أو المعدة من الفم. وفي المختصر: وكفّر إنْ تعمّد أكلاً أو شرباً بفم فقط، ووصل لجوفه، وقال عبد الباقي” لعله الزرقاني”: الدخان الذي يشرب مفطر إذ هو متكيف ويصل إلى الحلق، بل إلى الجوف أحياناً ويقصد. وفي المجموع : وصحته بترك ما يصل المعدة مطلقا أو الحلق من مائع أو دخان ثم قال: كفّر منتهك رمضان بإدخالٍ من فمٍ فقط.. » ا هـ (10).
وفي موضع آخر قال: « وضع الدخان في الفم على الوجه المذكور مضاد لحقيقة الصيام التي هي الإمساك عن شهوتي البطن والفرج من طلوع الفجر الصادق إلى تمام غروب الشمس بنية ; لأنه نوع من أنواع التكيف به تسميه العامة مضغاَ ويصل طعمه للحلق ويتكيف به الدماغ مثل تكيفه بالدخان الذي يمص بالعود أو يتنشق به من الأنف أو أشد فلا شك في إفطاره الصائم وإيجابه الكفارة الكبرى إن كان في أداء رمضان عمدا بلا تأويل قريب»(11).
وقد نظم الشربتلالي الحنفي في ذلك بيتين قائلاً (12) :
ويمنع من بيع الدخان وشربه
وشاربه في الصوم لا شكَّ يفطر
ويلزمه التكفير لو ظنَّ نافعاً
كذا دافعاً شهوات بطنٍ فقرروا (13)
الحواشي
انظر: حاشية ابن عابدين ج2 ص 98، والجامع الصغير عبد الحي اللكنوي، ص 60.
راجع: حاشية ابن عابدين ج6 ص 456.
تحفة الحبيب على شرح الخطيب لسليمان البجيرمي، ج3 ص 110 .
تحفة الحبيب ، ج5 ص 233.
انظر: حاشيتي قليوبي وعميرة، ج1 ص 341.
الشرح الممتع على زاد المستنقع للعثيمين، ج2 ص 69، ج4 ص 216.
راجع هذا وما قبلهما في فتح العلي المال في الفتوى على مذهب الإمام مالك ج1 ص 284 .
كل هذه الأسباب وغيرها من الفصل السابع من رسالة إبراهيم اللقاني رحمه الله ( نصيحة الإخوان باجتناب الدخان) نقله الشيخ عليش في: فتح العلي المالك في الفتوى على مذهب الإمام مالك، ج1 ص 283 – 288.
ذكر الشيخ الدردير في شرحه الكبير ج1 ص 525 أن الدخان الذي يُشرب بقصب ونحوه يفطر لأنه يصل للحلق بل للجوف. وراجع أيضاً حاشية الدسوقي ج5 ص 119، لأنه يصل للحلق ويتكيف به الدماغ .
فتح العلي المالك، فتاوى الشيخ عليش ج1 ص 436 .
فتاوى عليش (فتح العلي المالك) : ج1 ص 437.
حاشية ابن عابدين 2/98 وناظمه الشربتلالي .
وقد أصدر مجلس الإفتاء الشرعي بالسودان في جلسته بتاريخ 20/11/1990م و 29/10/1991م فتوى بتحريم السجاير ، ونصّ شيخ الأزهر الشيخ محمود شلتوت على تحريمها وأيضاً الدكتور أحمد الشرباصي في كتابه يسألونك في الدين و الحياة ص 258 – 259 ، وكذلك الدكتور يوسف القرضاوي في كتابه الحلال والحرام ص 77 .
فتاوى الصيام · · سأل: من كتاب «سؤالات الصائمين» — الصيام وأقضية العوائد
طابخ يريد أن يتذوق طعم ما طبخ للتأكد من النضوج أو لمعرفة مقدار الملح ، هل يبطل هذا التذوّق صومه ؟
جواب فضيلة الشيخ
[1] كرَّه مالك والحنفية ذوق الطعام من غير حاجة وإن لم يدخل في جوفه شيء(1) .
[2] وجوز الحنفية ، تذوق الطعام للحاجة ، وأنه يكره لغير الحاجة، والحاجة تزيل الكراهة والحاجة هنا هي كون الزوج أو المخدِّم يسائل أو يغضب إذا قلَّ الملح في الطعام أو زاد ، ونحو ذلك ، ووافقهم شيخ الإسلام ابن تيمية، إلاّ أنّه نبّه إلى أنّه مع كراهيته لغير حاجة لكنه لا يفطر فقال: (وذوق الطعام يكره لغير حاجة، لكنه لا يفطره ، وأمّا للحاجة فهو كالمضمضة )(2)اهـ.
والصحيح الجواز ، لأنه لم يرد من السنة ما يمنعه ، وهو مما تعم به البلوى ولو كان ممنوعاً للصائم لنهى عنه رسول الله ﷺ.
وقد أجاز تذوق الطعام ابن عباس رضي الله عنهما وجماعة من التابعين:
قال ابن عباس : “لا بأس أن يذوق الخلّ أو الشيء ما لم يدخل حلقه وهو صائم” .. وقال في رواية: ” لا بأس أن يتطاعم الصائم عند القدر”(3) .
ومن التابعين قال بجواز تذوق الطعام : مجاهد ، وعطاء ، والحسن، وعروة بن الزبير ، والحكم(4) .
فتاوى الصيام · · سأل: من كتاب «سؤالات الصائمين» — الصيام وأقضية العوائد
هل يجوز للصائم أن يستاك في نهار رمضان ؟ وماذا عليه لو استعمل مسواكاً رطباً ؟ وهل يصح صومه إذا استاك بالمعجون المعطر؟
جواب فضيلة الشيخ
[1] ذكر البخاري في صحيحه عن عامر بن ربيعة رضي الله عنه قال : (رأيت النبي ﷺ يستاك وهو صائم ما لا أحصي ولا أعد )(1) .
وهكذا كان الصحابة رضوان الله عليهم :
قال زياد بن جرير : “ما رأيت أحداً أدوم سواكاً وهو صائم من عمر بن الخطاب” .
وقال نافع : “لم يكن ابن عمر يرى بأساً بالسواك للصائم” .
وسئل ابن عباس عن السواك للصائم فقال : “نعم الطهور ، استك على كل حال” .
وسئلت عائشة عن السواك للصائم ، فقالت : “هذا سواكي في يدي، وأنا صائمة”(2) .
[2] ولهذا اتفق أهل العلم على جواز الاستياك في أول النهار بالسواك اليابس .
[3] أجاز المالكية والحنفية السواك كل النهار ، وكره أحمد والشافعي السواك في آخر النهار لحديث : ( لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك )(3) . ولكن السواك لا يذهب الخلوف لأنه من خلو المعدة وفراغها من الطعام والشراب ، ومهما استاك الصائم لا يذهب خلوف فمه ، فيبقى أطيب عند الله من ريح المسك .
كرَّه المالكية وأحمد في رواية عنه السواك بالرطب خوف تحلله. وأجازه أبو حنيفة .
والصحيح : جواز الاستياك بالرطب واليابس ، وهو مذهب جمهور الصحابة والتابعين ، والدليل معهم إذ لم يخص اليابس من الرطب .
والسواك بالمعجون والفرشاة في نهار رمضان لا بأس به ما لم يتجاوز الحلق شيء منه ، وطعم المعجون كطعم المسواك الرطب في الاعتبار ، فلا يؤثر في صحة الصوم الاستياك به .
والله تعالى أعلم..
الحواشي
صحيح البخاري، كتاب الصوم، باب سواك الرطب واليابس للصائم، 4/187 بفتح الباري.
كل ذلك في المصنف لابن أبي شيبة 3/35-37 .
البخاري في كتاب الصوم برقم (1894) ، ومالك في الموطأ باب جامع الصيام برقم (58) ، ومسلم في كتاب الصيام برقم (2700).
فتاوى الصيام · · سأل: من كتاب «سؤالات الصائمين» — الصيام وأقضية العوائد
نشم على بعض الناس روائح الطيب والعطر في نهار رمضان ، كما نجد بعضهم يستخدمون البخور ويشمونه ، أفلا يفسد هذا الصيام؟
جواب فضيلة الشيخ
القاعدة عند المالكية ومن وافقهم : أن من وصل أثره في الحلق مما يمكن الاحتراز به وكان مما يتكيف به ، فسد به الصوم ووجب به القضاء.
وبهذا فمن تطيَّب واستنشق الطيب حتى وجد أثره في حلقه أفسد يومه ووجب عليه القضاء .
ومن دهن رأسه في نهار رمضان ، ووصل شيء منه إلى الحلق، وجب عليه القضاء .
ومن اكتحل في نهار رمضان فوجد طعمه في حلقه أفطر وعليه القضاء(1).
ويرى ابن تيمية أن البخور والطيب والدهن والكحل والاغتسال كل ذلك مما تعم به البلوى ، فلو كان مما يفطر لبيَّنه النبي ﷺ كما بيَّن الإفطار بغيرها ، فلما لم ينه الصائم عن ذلك دلَّ على جواز تطيبه وتبخيره وإدهانه واكتحاله(2).
وهذا هو الصحيح : لأنها مما يُعلم مثلها بالأقيسة لأنها كانت معروفة في عهد التبيين فلم تبيَّن.
والله تعالى أعلم ..
الحواشي
ينظر : تبيين المسالك 2/164-166 ، والشرح الصغير 1/698-699 ، والمغني 3/40 ، وحاشية ابن عابدين 2/112 .
فتاوى الصيام · · سأل: من كتاب «سؤالات الصائمين» — الصيام وأقضية النساء
أدركني شهر رمضان الكريم وأنا حامل في الشهر الثالث، وبدأت الصوم، ولم أشعر بمشقة ولا بمعاناة، ولم أشعر بأي خوف على ولدي الذي في بطني، ولكن زوجي أمرني أن أفطر من أجل الحمل والجنين، فهل أطيعه وأفطر؟ مع أني لا أشعر بأي خوف على نفسي ولا على ولدي.
جواب فضيلة الشيخ
قد بيّنا حكم صيام الحامل والمرضع في أحد السؤالات السابقة، وقرّرنا أنّ فطرها بسبب الحمل أو الرضاع رخصة رخّص لها الشرع في الفطر، وبالتالي لا دخل للزوج في ذلك ولا حق له إلزامها بالرخصة، بل الأمر يتعلق بها هي إنْ أرادت الأخذ بالرخصة أخذت بها، وإن أرادت أن تأخذ بالعزيمة فتصوم فالأمر لها، وذلك للآتي:
1ـ أنّ أكثر أهل العلم ربطوا فطر الحامل بخوفها على نفسها الضرر أو المشقة، وبخوفها على جنينها الضرر أو الضياع، وهذا يعني أنّ الرخصة بخوفها هي على نفسها أو على جنينها، لا بخوف زوجها على الجنين.
2ـ أنّ الرخصة لها لا لزوجها، فالشرع لم يشرك الزوج في الترخيص للمرأة الحامل بالفطر، فقرار الفطر أو الصوم للحامل وحدها.
3ـ أنّ إذن الزوج لا يشترط في فرائض العبادات، وإنما يُستأذن الأزواج في التطوعات، وصوم رمضان من الفرائض، فلا أمر له عليها.
4ـ أنّ مذهب السلف في ذلك عدم طاعة الزوج في ذلك كما روي عن علقمة رحمه الله تعالى في مصنف عبد الرزاق أنّ امرأة جاءت إليه فقالت: “إنّى حبلى (أي حامل) وإنّي أطيق الصيام، وإنّ زوجي يمنعني” فقال لها علقمة: ” أطيعي ربك واعصي زوجك”(1).
وعليه: إنْ رأيتِ أنك تطيقين الصوم ولا تخشين ضرراً على نفسك ولا مشقة، ولا تخافين ضرراً على جنينك ولا ضياعه؛ فصومي ولا تطيعي أمر زوجك. والله تعالى أعلم..
فتاوى الصيام · · سأل: من كتاب «سؤالات الصائمين» — الصيام وأقضية النساء
امرأة أفطرت بسبب الحيض ، فلمّا انقضت أيام حيضتها المعروفة؛ استمر دمها أياماً، فماذا تصنع؟ هل تصوم مع وجود الدم؟ أم تفطر بانقضاء أيام حيضها المعروفة؟.
جواب فضيلة الشيخ
إذا انقطع دم الحيض فقد زال المانع من الصيام ، ووجب على المرأة الصوم، فإذا استمرّ الدم أياماً أكثر من أيام حيضتها المعلومة عندها حسب العادة في كل شهر ؛ فهذا الدم دم استحاضة وليس دم حيض، وهو ما يعرف في هذا الزمان بـ ” النَّزيف ” .
وعليه : تبدأ صيامها بانقطاع دم الحيض ولا تفطر بسبب الاستحاضة ، فإن الاستحاضة ليست من موانع الصوم. وقد نقل اتفاق العلماء في ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله(1).
فتاوى الصيام · · سأل: من كتاب «سؤالات الصائمين» — الصيام وأقضية النساء
ابنتي في الصف السادس مرحلة الأساس وهي في عمر الثانية عشرة، وقبل أربعة أشهر نزل منها دم دفقة واحدة ولمرة واحدة، وإلى الآن ما عاد ولا تكرر، فهل هذا يعتبر حيضاً؟ وهل بلغت بذلك ووجب عليها أن تصوم رمضان ؟.
جواب فضيلة الشيخ
خروج الدم من رحم الفتاة في سنين المراهقة التي هي من تسع سنين إلى ثلاث عشرة سنة يُحمل على أنه حيض، والحيض هو أصدق علامات البلوغ والتكليف في الأنثى، غير أنّ الفقهاء ذهبوا في اعتبار الدفقة الواحدة حيضاً أو لا إلى قولين:
الأول: مذهب الجمهور(1) الذي يرى أن الدفقة الواحدة ليست حيضاً، فأقلّ الحيض عند الحنفية ثلاثة أيام بلياليها، وعند جماهير الشافعية والمشهور من مذهب الحنابلة أقلّ الحيض يومٌ وليلة. ولذلك لا تعتبر عندهم جميعاً الدفقة الواحدة حيضاً يرتّب أثره في ترك الصلاة والصيام ومسّ المصحف ونحوه.
رضي الله عنهم وقد استدلّ الحنفية على أن أقل الحيض ثلاثة أيام بلياليها بجملة أحاديث أقواها حديث أبي أماة رضي الله عنه أن النبي ﷺقال: (أقلّ الحيض ثلاث، وأكثره عشر). وبحديث واثلة بن الأسقع رضي الله عنه أن رسول الله ﷺقال: ( أقلّ الحيض ثلاثة أيام وأكثره عشرة أيام). وبخبر أنس بن مالك رضي الله عنه أن رسول الله ﷺقال: ( الحيض ثلاثة أيام، وأربعة، وخمسة، وستة، وسبعة، وثمانية، وتسعة وعشرة، فإذا جاوزت العشرة فمستحاضة). وبحديث معاذ بن جبل رضي الله عنه أنه سمع رسول الله ﷺيقول: ( لا حيض دون ثلاثة أيام ولا فوق عشرة أيام).
وهذه الأحاديث كلها مردودة لا يصح بها احتجاج، فهي إما ضعيف أو موضوع(2).
رضي الله عنهم واستدل الشافعية والحنابلة بالعرف والعادة بأن حيض معتاد يومٌ، وبقول عطاء رحمه الله: « رأيت من النساء من تحيض يوماً ». وبقول الأوزاعي رحمه الله : « عندنا امرأة تحيض غدوة وتطهر عشياً ». وبقول الشافعي رحمه الله: « رأيت امرأة أثبت لي أنها لم تزل تحيض يوماً ولا تزيد عليه » (3).
والثاني: مذهب المالكية وقد ذهبوا إلى أنّ الدفقة الواحدة حيض، إذ لا حدّ لأقلّ الحيض عندهم. واختار هذا القول ابن تيمية وابن القيم (4).
وقد استدلوا بأدلة منها:
1ـ قوله تعالى ﴿ وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾[البقرة : 222]. ووجه الدلالة أن الحيض إذا وُجد وجب الاعتزال، ووجوده مطلق عن زمان ومقدار.
2ـ أن القول بتحديد قدره وزمانه يحتاج إلى دليل، ولا دليل عليه، وكل ما أورده من حدّد أقلّه بيوم أو يومين أو ثلاثة لم يثبت شيء منه. وكما قال ابن القيم رحمه الله: «.. ولم يأت عن الله ورسوله ولا عن الصحابة تحديد أقل الحيض بحدٍّ أبداً، ولا في القياس ما يقتضيه » (5).
وكما قال ابن تيمية رحمه الله: « اسم الحيض علّق الله به أحكاماً متعددة في الكتاب والسنة، ولم يقدّر لا أقلّه ولا أكثره، ولا الطهر بين الحيضتين، مع عموم بلوى الأمة بذلك واحتياجهم إليه، واللغة لا تفرّق بين قدر وقدر، فمن قدّر في ذلك حدّاً؛ فقد خالف الكتاب والسنة »(6).
3ـ أن النبي ﷺحدّد صفة دم الحيض ولم يحدّد مقداره ولا أقلّه فقال : (إذا كان دم الحيض فإنه دم أسود يُعرف فإذا كان ذلك فأمسكي عن الصلاة..)(7). فإذا وُجد هذا الدم بهذه الصفة؛ وجب الإمساك عن الصلاة وتركها، ولو كان دفقة أو دفعة.
وهذا هو الراجح من المذهبين.
وعليه:
أولاً: ما ذكرتيه مما وقع لابنتك من نزول دفقة واحدة؛ فهذا حيضٌ، ما دام عرفت أنه دم حيض، وما دام خرج في سنٍّ تبلغ فيها البنت غالباً، إذ عمرها ـ كما ذكرتِ ـ اثنتا عشرة سنة. وقد سألت طبيبة استشارية في طبّ النساء والتوليد حاذقة فيه عن هذه الحالة فأكدت أنه حيضٌ.
وطالما حاضت، فقد بلغت سن البلوغ والتكليف. فوجب عليها أن تصوم رمضان.
ثانياً: إنْ كانت البنت قليلة البنية صغيرة في مظهرها يبدو عليها الضعف، مما يجعل أمها تُشفق عليها؛ فهذا يوجب على الأم أن ترعاها ليالي رمضان وأيامه، ففي الليالي تهتمّ بتغذيتها جيداً ومتابعة أكلها وشربها، وبالنهار تتابع راحتها، وغير ذلك مما يعينها على اعتياد الصوم والحفاظ عليه.
ثالثاً: كون هذا الدمّ خرج مرة واحدة وانقطع أربعة أشهر؛ فهذا جائز واقع في عادات النساء، خاصة في المبتدئات، فمنهن من ينقطع حيضها بعد الخروج الأول شهرين ثم ينتظم، ومنهن من ينقطع ثلاثة أشهر ثم ينتظم، ومنهن من يتأخّر حيضها عن المرة الأولى ستة أشهر ثم ينتظم، وهكذا. فهذا الانقطاع لا يغيّر حقيقة أن ما خرج منها دم حيض. والله تعالى أعلم..
الحواشي
راجع: حاشية ابن عابدين ج1 ص 284، والاختيار لتعليل المختار ج1 ص 26، والمبسوط ج3 ص 147، شرح فتح القدير ج1 ص 160. والمغني لابن قدامة ، ج1 ص 388، وكشاف القناع ج1 ص 203، والأم للشافعي ج1 ص 64، والمجموع شرح المهذب ج2 ص 402. وانظر: كتاب الحيض والنفاس ج1 ص 133 وما بعدها.
الحديث الأول أخرجه الطبراني في المعجم الكبير برقم 7465، في سنده مجهول هو عبد الملك، ومتروك هو العلاء بن كثير، ومع ذلك سنده مقطوع بين مكحول وأبي أمامة. وبهذا يكون الحديث ضعيفاً جداً. والحديث الثاني: أخرجه الدارقطني برقم 847، وقال(1/406): حماد بن منهال مجهول ومحمد بن أحمد بن أنس ضعيف. ففي سنده مجهول هو ابن المنهال، وضعيف هو محمد بن أحمد الشامي، والسند منقطع بين مكحول وواثلة. فالحديث بهذا ضعيف جداً.والحديث الثالث: أخرجه ابن عدي في الكامل في الضعفاء ج3 ص 127. وفي سنده الحسن بن دينار متروك عند أئمة الحديث كابن مهدي وابن المبارك ووكيع ويحيى وأبي حاتم، وكذّبه أبو خيثمة، وحتى ابن حبان اتهمه بالوضع. فالحديث أقرب إلى الوضع.والحديث الرابع: أخرجه ابن عدي في الكامل في الضعفاء ج6 ص 141. وفيه محمد بن سعيد المصلوب وهو كذاب زنديق يضع الأحاديث، كما قال أحمد وابن صالح المصري. ويراجع بتفصيل كتاب: الحيض والنفاس رواية ودراية، لأبي عمر دبيان الدبيان، ج1 ص 133 وما بعدها.
كتاب الأم للشافعي ج1 ص 64، والمغني لابن قدامة ، ج1 ص 389.
أخرجه أبو داود برقم 304، والنسائي برقم 215، وابن حبان برقم 1348، والدارقطني برقم 791. وقال الألباني في إسناد النسائي (1/123):حسن صحيح. وقال شعيب الأرناؤوط عن إسناد ابن حبان (4/180): إسناده حسن رجاله رجال الشيخين.
كنت أصوم ستة أيام من شوال كل عام أبدأ في اليوم الثاني من عيد الفطر، وكنا سمعنا من مشايخنا أنّ صيامها مستحب وأنه مع صيام رمضان يعدل صيام الدهر، ولكني قبل أيام سمعت أحد المفتين في قناة من قنوات التلفزيون أن صيام الست من شوال مكروه، فأرجوكم بينوا لنا هذه المسألة، هل هو مستحب أو مكروه؟.