الإثنين 24 أغسطس 2026م
الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ

الرئيسية ← الفتاوى ← فتاوى الصيام

الفتــاوى

فتاوى فضيلة الشيخ في العبادات والمعاملات المالية والنوازل المعاصرة — ولمن أراد أن يسأل، فباب الاستفتاء مفتوح.

س

حكم صيام الحامل والمرضع

فتاوى الصيام · · سأل: من كتاب «سؤالات الصائمين» — الصيام وأقضية النساء

كثير من النساء الحوامل والمرضعات خوفاً من القضاء يقمن بصيام شهر رمضان وهنّ يعانين معاناة شديدة ، فما حكم صيام الحامل والمرضع؟ هل واجب عليهما الصوم؟ أم يجوز لها الفطر إذا شعرت بالضرر على جنينها أو رضيعها؟ أفيدونا نفع الله بكم.

جواب فضيلة الشيخ

لا خلاف بين أهل العلم في المرأة إذا كانت حاملاً أو مرضعاً أنها يرخَّص لها في الفطر في رمضان، وقد نقل عدم الخلاف في ذلك غير واحد:

ـ قال الشوكاني رحمه الله: ” يجوز للحبلى والمرضع الإفطار.. قال أبو طالب: ولا خلاف في الجواز”(1).

ـ وقال المباركفوري في تحفة الأحوذي: “ولا خلاف في جواز الإفطار للحامل والمرضعة إذا خافت المرضعة على الرضيع والحامل على الجنين”(2).

ومع عدم اختلافهم في جواز أن تفطر الحامل والمرضع في رمضان؛ فإنهم ذهبوا في حكم صيامهما إلى ثلاثة مذاهب:

المذهب الأول: قول من يرى أنه لا يجوز للحامل ولا للمرضع الصيام بل يجب عليها الفطر إذا خافت على نفسها أو على جنينها ورضيعها. وهو قول ابن حزم رحمه الله تعالى مستدلاً على وجوب الفطر عليهما في الخوف على الجنين والرضيع بقوله تعالىآية كريمة من كتاب سؤالات الصائمين(3). وبقوله ﷺ:(من لا يَرحم لا يُرحم)(4). قال: ” فإذ رحمة الجنين والرضيع فرضٌ، ولا وصول إليها إلا بالفطر، فالفطر فرضٌ”(5).

وروي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه كانت له أمة ترضع فأُجهدت، فأمرها ابن عباس أن تفطر وتطعم ولا تقضي(6). وهذا يعني أنه أوجب عليها الفطر.

وكما أمر المرضع بالفطر كذلك أمر الحامل بالفطر، وقد أخرج عبد الرزاق في مصنفه عن سعيد بن جبير رحمه الله أنّ ابن عباس رضي الله عنهما كان يأمر وليدة له حبلى أن تفطر في شهر رمضان(7).

وسئل ابن عمر رضي الله عنهما عن امرأة صامت حاملاً فعطشت في رمضان، فأمرها ابن عمر أن تفطر وتطعم كل يوم مسكينا مداً(8). وأمر رضي الله عنهما ابنته حين صامت وعطشت في رمضان أن تفطر وتطعم عن كل يوم مسكيناً (9).

فإجهاد الأمة قرينة على موجب الخوف على الولد أو النفس، وعطش ابنة ابن عمر كذلك قرينة على إجهادها يدلّ على موجب الخوف على الجنين، فدلّ على أنّ الخوف على الجنين والرضيع موجبٌ للفطر على رأيهم.

المذهب الثاني: أن الحامل والمرضع يجب عليهما الصوم في حالة ويجب عليهما الفطر في حالة:

أ ـ يجب عليهما الفطر ويحرم عليهما الصوم إذا خافتا الضرر على أنفسهما أو ولديهما، ففي هذه الحالة محظورٌ عليهما الصوم..

ب ـ ويجب عليهما الصوم ولا يجوز لهما الفطر إن أَمِنَا ولم يخشيا ضرراً على أنفسهما ولا على ولديهما فعندئذٍ يجب عليهما الصوم ولا يجوز لهما الإفطار. وهو الرأي هو الذي ذهب إليه الحنفية(10)، وهو قول الإمام الشافعي، فقد قال رحمه الله: ” والحامل والمرضع إذا أطاقتا الصوم ولم تخافا على ولديهما لم تفطرا، فإن خافتا على ولديهما أفطرتا..” (11).

وهذا المذهب قريب من الأول، لأن الإيجاب وعدمه دائر على خوف الضرر على النفس أو الولد.

والمذهب الثالث: أنهما يباح لهما الفطر مطلقاً سواء أخافتا على أنفسهما أو ولديهما أم لم تخافا.

وهذا القول حكى ابن الحاجب المالكي الاتفاق عليه، واستظهره قائلاً: ” إذا كانت الشدة مبيحة للفطر من المرض، فالحامل والمرضع أولى بذلك”اهـ(12).

وهذا هو الصحيح الراجح، للوجوه الآتية:

1ـ أنّ الشدّة تلحقهما، ومشقة الحمل والرضاعة أكثر من مشقة سائر الصائمين، فزادتا على من سواهما بالمشقة الزائدة المعتبرة فأبيح لهما الفطر.

2ـ أنّ الشرع رخّص لهما في الفطر بسبب الحمل والرضاع، كما جاء في سنن النسائي أنّ النبي ﷺ ( رخصّ للحبلى والمرضع)(13) فدار حكم الرخصة معهما، فدلّ أن الحمل والرضاعة هما علّة الحكم وسببه، والحكم يدور مع علته وجوداً وعدماً، فطالما كانت حاملاً أو مرضعاً ثبت لها حكم الفطر ورخصته، أما المشقة والخوف وغير ذلك فكلها أوصاف متفاوتة غير منضبطة ولا ظاهرة، فلا تصلح علّة للحكم، فثبتت لهما الرخصة بمجرد الحمل أو الإرضاع. ولا يحرم عليها الفطر بأية حال ما كانت حاملاً أو مرضعاً.

ولكن قد يجب على الحامل الفطر ولا يجوز لها أنْ تصوم في حالتين:

الحالة الأولى: إذا شعرت بإعياء ومشقة وشدة ظاهرة، فلا يجوز لها الصوم، وإن كانت صائمة قطعت.

والحالة الثانية: إذا أمرها الطبيب المسلم الحاذق أو نصحها.

كما يجب على المرضع الفطر في حالة واحدة هي أن يجف لبنها أو يقلّ إلى درجة قدرت معها الضرر على ولدها ولا بديل له إلا لبنها.

والله تعالى أعلم..

الحواشي

  1. نيل الأوطار، للشوكاني ج4 ص 323.
  2. تحفة الأحوذي شرح جامع الترمذي، لأبي العلا المباركفوري، ج3 ص 330. وقد أخرج ابن ماجة في سننه برقم 1668 عن أنس بن مالك ◙ أنه قَالَ: “رَخَّصَ رَسُولُ اللهِ ♀ لِلْحُبْلَى الَّتِي تَخَافُ عَلَى نَفْسِهَا أَنْ تُفْطِرَ، وَلِلْمُرْضِعِ الَّتِي تَخَافُ عَلَى وَلَدِهَا” غير أنّ الشيخ الألباني رحمه الله ضعّفه.
  3. سورة الأنعام ، 140 .
  4. أخرجه البخاري برقم 5997، ومسلم برقم 6170، وأبو داود برقم 5220، والترمذي برقم 1911 وغيرهم.
  5. المحلى لابن حزم ج4 ص 410 فقرة 770.
  6. أخرجه الدارقطني في سننه برقم 10 ، ج2 ص 207، وقال : هذا صحيح.
  7. مصنف عبد الرزاق برقم 7567 ج4 ص 219.
  8. البيهقي في السنن الكبرى برقم 7868ج4 ص 230.
  9. سنن الدارقطني برقم 15 ج2 ص 207.
  10. أحكام القرآن لأبي بكر الجصاص الرازي ، ج1 ص 181.
  11. كتاب الأم للشافعي، ج2 ص 103ـ 104.
  12. راجع: منح الجليل ،عليش، ج2 ص 151.. وقال ابن رشد:” للمرضع على المشهور من مذهب مالك ◙ في الفطر ثلاثة أحوال: ( حال ) لا يجوز لها فيها الفطر والإطعام ، وهي إذا قدرت على الصيام ولم يجدها الإرضاع ؛ و(حال) يجوز لها فيها الفطر والإطعام ، وهي إذا أجدها الإرضاع ولم تخف على ولدها ، إما بأنه يبقى لها من اللبن إن لم تفطر ما ترمقه به ، وإما لأنها تقدر على أن تستأجر له من ترضعه من ماله ، أو من مال الأب ، أو مالها – إذا كان يقبل غيرها ؛ و(حال) يجب عليها الفطر والإطعام ، وهي إذا خافت على ولدها : إما بأنه لا يقبل غيرها ، وإما بأنها لا تقدر على أن تسترضع له بحال”اهـ وقال أبو الحسن اللخمي من المالكية: ” للحامل ثلاث حالات: حالة يجب معها الصوم، وحالة يجب معها الفطر، وحالة تكون بالخيار بين الصوم والفطر، فإن كانت في أول حملها وعلى حالة لا يجهدها الصوم لزمها، وإنْ كانت تخاف على ولدها متى صامت، أو حدوث علة لزمها الفطر ومنعت من الصوم، فإن كان يجهدها أو يشق عليها، ولا تخشى إن هي صامت شيئاً من ذلك كانت بالخيار بين الصوم والفطر.. قالت: وللمرضع ثماني حالات، يلزمها الصوم في أربع، ويلزمها الفطر في ثلاث، وهي بالخيار في الثامنة، فإن كان الرضاع غير مضر بها ولا بولدها، أو كان مضراً بها وهناك مال يستأجر به للابن أو للأب أو للأم، والولد يقبل غيرها لزمها الصوم، وإن كان مضراً بها تخاف على نفسها أو على ولدها والولد لا يقبل غيرها أو يقبل غيرها ولا يوجد من يستأجر له، أو يوجد وليس هناك مالٌ يستأجر منه لزمها الإفطار، وإن كان يجهدها الصوم ولا تخاف على نفسها ولا على ولدها والولد لا يقبل غيرها كانت بالخيار بين الصوم والإفطار” راجع: البيان والتحصيل لابن رشد الجد ج2 ص 320 ، والتبصرة لأبي الحسن اللخمي، ج2 ص 757 – 758، وراجع: شرح زروق للرسالة ج1 ص 317 ، وحاشية الدسوقي ج1ص536.
  13. النسائي برقم 2277 ج4 ص 181، وحسنه الألباني. وأخرج ابن ماجة ج2 ص 576 برقم 1668، من حديث أنس بن مالك ◙، قال : “رخص رسول الله ♀ للحبلى التي تخاف على نفسها أن تفطر، وللمرضع التي تخاف على ولدها” وضعف الألباني إسناده غير أن معناه صحيح وأصله ثابت في السنن.
أ.د. عبدالله الزبير عبدالرحمن
س

اعتكاف العاملين والموظفين

فتاوى الصيام · · سأل: من كتاب «سؤالات الصائمين» — أقضية الاعتكاف

أنا موظف في إحدى الشركات، وحاولت كثيراً أن آخذ إجازتي حتى أتمكن من الاعتكاف في العشر الأواخر، ولكني عجزت عن ذلك، وأرغب بشدة في الاعتكاف، دلوني جزاكم الله خيراً على طريقة شرعية أتمكن بها على الاعتكاف في رمضان؟.

جواب فضيلة الشيخ

الأصل الواجب أن يكون الاعتكاف في المسجد، وقد جعل أكثر الفقهاء المسجد من شروط صحة الاعتكاف على خلاف في المسجد الذي يصح فيه، وذلك لقوله آية كريمة من كتاب سؤالات الصائمين (1)فنصّ على أن الاعتكاف يكون في المساجد.

ولذلك لا يصلح أن يعتكف الموظف في المكتب أو في مكان عمله عموماً، لأنه يكون مخالفاً بأمرين:

أولهما: أنه لن يكون قد اعتكف في المسجد ، فلم يحقق شرطه فلا يصح اعتكافه.

وثانيهما: أنه سيترك عمله في وقت دوامه الرسمي لغير مصلحة العمل وصاحب العمل، وهذا الوقت وأداء العمل فيه هو حقّ صاحب العمل، وهو من حقوق الآدميين، وحقوق الآدميين مقدّمة على حقوق الله، لأنّ حقوقهم على المشاحة، وحقوق الله على المسامحة، فيأثم بذلك وهو يبحث بالاعتكاف عن الثواب.

والذي ننصح به الإخوة العاملين والموظفين الذين يعجزون عن التفرغ للاعتكاف: أنه متى ما عاد من عمله جاز له أن يدخل في الاعتكاف في المسجد الذي يرغب فيه بنية يعقدها، لمدة يقدرها حسب ظروف عمله وظروفه كل ليلة من ليالي العشر، أو من صلاة العصر إلى طلوع الفجر، أو أكثر أو أقل، فإنّ بعض السلف رضوان الله تعالى عليهم كانوا يعتكفون الساعة والساعتين.

فعن عطاء بن أبي رباح رحمه الله أنّ يعلى بن أمية رضي الله عنه ـ وهو من أصحاب رسول الله ﷺ ـ كان يقعد في المسجد الساعة فينوي بها الاعتكاف(2).

وروى ابن جريج رحمه الله أن يعلى بن أمية رضي الله عنه كان يقول لصاحبه: ” انطلق بنا إلى المسجد فنعتكف فيه ساعة” (3).

وهذا الذي عليه الجمهور من الحنفية والشافعية والحنابلة رحمهم الله تعالى:

ـ فهو قول محمد بن الحسن صاحب أبي حنيفة، وظاهر رواية الإمام أبي حنيفة وهو المفتى به في المذهب الحنفي كما ذكر صاحب الدر المختار فقال: ” وأقله نفلاً ساعة من ليل أو نهار عند محمد وهو ظاهر الرواية عن الإمام لبناء النفل على المسامحة وبه يفتى، والساعة في عرف الفقهاء جزء من الزمان لا جزء من أربعة وعشرين. “اهـ(4).

ـ وهو المنصوص عن الشافعي والأئمة وقد قال الإمام النووي رحمه الله في المجموع يشرح قول المهذب: ” ويجوز أن يعتكف ما شاء من ساعة ويوم وشهر”. فقال النووي: ” وهو الصحيح المنصوص الذي قطع به الجمهور أنه يشترط لبث في المسجد وأنه يجوز الكثير منه والقليل حتى ساعة أو لحظة”(5).

ـ ومن أئمة الحنابلة قال ابن قدامة رحمه الله في المغني: ” وإنْ كان اعتكافه مدة غير وقت الصلاة كليلة أو بعض يوم جاز..” (6).

وقال المرداوي رحمه الله في الإنصاف: ” فعلى المذهب: أقله ـ إذا كان تطوعاً أو نذراً مطلقاً ـ ما يسمَّى به معتكفاً لابثاً، قال في الفروع: وظاهره ولو لحظة، وفي كلام جماعة من الأصحاب: أقله ساعة لا لحظة.”(7).

والمالكية وإن كانوا على خلاف ذلك إذ أقل الاعتكاف عندهم يومٌ وليلة، ولا يصح اعتكاف أقل من يوم، ولكن عندهم بديل يصلح أيضاً للعاملين والموظفين ومن في حكمهم ممن لا يقدر على الاعتكاف الأيام والليالي، وهو الجوار.

والجوار شبيه بالاعتكاف لأنه يكون بالإقامة في المسجد بنية العبادة، والفرق بين الجوار والاعتكاف عندهم أن الاعتكاف يلزمه فيه الصيام والجوار لا يلزمه الصيام(8)، فإن جلس في المسجد ما شاء له أن يجلس بنية الجوار؛ نال الأجر والثواب بفضل الله وكرمه.

فطالما كان اعتكافك أو جوارك في المسجد، وقد عقدت به النية؛ فالمدة التي تمكثها فيها سعة عند أهل الفقه، والحمد لله الذي هدانا لهذا الدين ويسّره لنا.

الحواشي

  1. سورة البقرة الآية187.
  2. حلية الأولياء لأبي نعيم، ج3 ص 312، وانظر: حياة الصحابة ج3 ص 94.
  3. أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف برقم 9745، ج3 ص 89 – 90.
  4. الدر المختار مع رد المحتار (حاشية ابن عابدين) ج2 ص 131. وانظر: الاختيار لتعليل المختار ج1 ص 177 وقد فرق الحنفية بين الاعتكاف الواجب فلا يجوز أقل من يوم، وبين النفل منه فيجوز ساعة من زمان، أي لحظة أو دقيقة أو أكثر، فلا حد لمدة اعتكاف النفل.
  5. المجموع شرح المهذب للإمام النووي، ج6 ص 479 – 480 .
  6. المغني مع الشرح الكبير ج3 ص 129.الفقرة 2152.
  7. الإنصاف، ج3 ص 359.
  8. راجع: مدونة الفقه المالكي وأدلته ، للغرياني، ج1 ص 660 – 661 .
أ.د. عبدالله الزبير عبدالرحمن
س

ما تصنعه الحائض في العشر الأواخر

فتاوى الصيام · · سأل: من كتاب «سؤالات الصائمين» — الصيام وأقضية النساء

أحياناً تكون دورتي الشهرية "الحيض" في أيام العشر الأواخر من رمضان، وقد انتشر بين النساء أن تستفيد المرأة أيام الحيض بالإعداد للعيد، ودخول السوق، وشراء الحاجيات، والانشغال بأمور البيت والأولاد ونحو ذلك؛ فهل هذا هو المناسب مع المرأة الحائض في هذه الأيام الفاضلة؟ أم ماذا؟ أرجو إرشادنا جزاكم الله خيراً.

جواب فضيلة الشيخ

مما لا يخفى على المسلم أنّ العشر الأواخر من أفضل أيام السنة، وهي أفضل أيام رمضان، فيها أُنزل القرأن، ولياليه هي ليالي الحظوة بأنس المولى جلّ وعلا وقُربه، ومنها ليلةٌ خيرٌ من ألف شهر، هي ليلة القدر الذي أخبرنا عنها ربّ العزة الكريم الرحيم فقالآية كريمة من كتاب سؤالات الصائمين [سورة القدر].

وقد عرف الصالحون فضل هذه العشر فاجتهدوا فيها بسائر الطاعات، تعلّماً وتأسّياً واقتداءً بالمعلّم المعصوم ﷺ. فقد كان عليه الصلاة والسلام” يجتهد ما لا يجتهد في غيره “(1). وكان عليه الصلاة والسلام كما تقول عائشة ( إذا دخل العشر شدّ مئزره وأحيا ليلَهُ وأيقظ أهله ) فكان ﷺ يخصّ هذه الليالي العشر الأواخر من رمضان بأعمال لا يعملها في بقية الشهر، مما جعل الصالحين يتنبّهون لفضل هذه العشر الأواخر فيجتهدون فيها اجتهاداً كبيراً.

لذلك؛ فليس من العقل الراشد، ولا من صلاح المرأة؛ أن يَضِيعَ عليها كل هذا الفضل بالانشغال بالتسوّق وإضاعة الوقت والجهد في التجهيز للعيد بالكماليات وغير الضروريات، كتزيين البيوت، والاهتمام بشراء الملابس، وإعداد الحلوى والمقبلات والخبائز وغير ذلك مع المبالغة في ذلك بما تنقضي فيها الأوقات الفاضلة كلها أو جلها.

وإنما الذي ينبغي أن تتنبّه له المرأة الحائض في أيام العشر ولياليها؛ الاشتغال بأنواع الطاعات مما يصحّ منها فعلها، لاسيما الأجور مضاعفة وأسباب القبول وافرة، ومن ذلك:

1ـ الإكثار من ذكر الله تعالى وملأ أوقات فراغها بالتسبيح والتحميد والتهليل وغيرها من الأذكار القولية، فالذكر قوت قلوب العارفين، وغذاء أرواح العابدين، ونشوة المتنسكين، فتدخل بذلك في الذاكرين الله كثيراً والذاكرات، ﴿وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب : 35].

2ـ إعمار نهارها وليلها بالاستغفار، وفي حديث ابن عباس رضي الله عنهما يقول رسول الله ﷺ: ( من لزم الاستغفار جعل الله له من كل ضيق مخرجاً، ومن كل هم فرجاً، ورزقه من حيث لا يحتسب )(2). لاسيما والنبي ﷺ أرشد النساء بخصوصهن بالإكثار من الاستغفار، كما في حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أنّ رسول الله ﷺ قال: ( يا معشر النساء! تصدقن، وأكثرن الاستغفار، فإنى رأيتكنّ أكثر أهل النار ). فقالت امرأة منهن جزلة: « وما لنا يا رسول الله أكثر أهل النار؟». فقال ﷺ: ( تكثرن اللعن، وتكفرن العشير، وما رأيت من ناقصات عقلٍ ودينٍ أغلب لذي لب منكن ). قالت: «يا رسول الله! وما نقصان العقل والدِّين؟» قال: ( أما نقصان العقل؛ فشهادة امرأتين تعدل شهادة رجل، فهذا نقصان العقل، وتمكث الليالي ما تصلي، وتفطر في رمضان فهذا نقصان الدين )(3).

ومن ذلك؛ سيّد الاستغفار الذي أرشد إليه النبي ﷺ، وهو أن تقول: (اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت، خلقتني، وأنا عبدك، وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت، أعوذ بك من شر ما صنعت، أبوء لك بنعمتك علي وأبوء بذنبي اغفر لي، فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت) قال النبي ﷺ: (ومن قالها من النهار موقناً بها فمات من يومه قبل أن يمسي؛ فهو من أهل الجنة ، ومن قالها من الليل وهو موقن بها فمات قبل أن يصبح؛ فهو من أهل الجنة) (4).

3ـ أن تبيع حاجات دنياها تلك بلذة المناجاة لربها، وبأنس القرب لمولاها، فتعيش ليلها وغالب نهارها ويومها تستمع إلى كلام ربها من جهاز تسجيل أو هاتف أو تلفازٍ، تسمع خطاب ربها بأُذُنٍ واعية، وقلبٍ شاهد، إذ فيه ذكرى ﴿لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ ﴾ [ق : 37]، فيصحّ قلبها، وتزكو نفسها، وترقّ وتصفو. فيالها يومئذ من فائزة.

4ـ الإلحاح في الدعاء مع الإكثار منه ، خاصة في الليالي التي ترجَى فيها ليلة القدر، وكان مما أرشد إليه نبينا ﷺ عائشة حين قالت له عليه الصلاة والسلام: يا رسول الله! أرأيت إنْ علمتُ أيَّ ليلةٍ ليلة القدر؛ ما أقول فيها؟. قال: ( قولي: اللهم إنك عفو كريم تحب العفو فاعف عني) (5) . فتكثر في الليالي التي يُظَنُّ أنها ليلة القدر وليالي الوتر من العشر بهذا الدعاء ” اللهم إنك عفوٌّ تحبّ العفو فاعف عني”ولو أدخلت أهلها وزوجها وإخوانها ووالديها وأولادها معها في ذلك فقالت: “..فاعف عنا”.

5ـ إطعام الطعام، وإفطار الصائمين، وفي حديث زيد بن خالد الجهني رضي الله عنه، قال رسول الله ﷺ: ( من فطّر صائماً؛ كان له مثل أجره، غير أنه لا ينقص من أجر الصائم شيئاً)(6). وفي حديث سلمان رضي الله عنه، قال: قال رسول الله ﷺ: (من فطّر صائماً على طعام، وشراب من حلال، صلّت عليه الملائكة في ساعات شهر رمضان، وصلَّى عليه جبريل عليه السلام في ليلة القدر)(7) .

ومن العادات الحميدة الجميلة في بلادنا السودان، المعبّرة عن كرم أهلها، واهتمامهم بأمر المسلمين، وإظهار أخوّة الإسلام في أبهى صورها: الترصّد للمسافرين وأهل السبيل في أوقات الفطر على الطرق، وتجهيز إفطاراتٍ لهم، والحرص على ألاّ يمضوا وقت الإفطار إلا بعد الإفطار عندهم.

فلو أعدَّت المرأة الحائض خاصة في هذه الأيام من الطعام والشراب بقدر ما تقدر وبقدر ما عندها قليلاً كان أو كثيراً، فبعثت به إلى أولئك، كان ذلك لها خيراً ، وتقبل الله الصالحات.

6ـ أن تبعث إلى المسجد بالطيب والنضوح والدُّخنة والبخور، تطيّب بها المسجد ليالي العشر، خاصة في الليالي التي ترجى فيها ليلة القدر.

وغير ذلك من الطاعات والأذكار والأعمال الصالحات والاجتهاد في ذلك ما استطاعت إليه، والله نسأله أن يوفق ويعين، فهو خير مرجوّ وخير معين.

الصياموأقضية العوائدالصياموأقضية العوائدالصياموأقضية العوائدالصياموأقضية العوائد

الصيام

وأقضية العوائد

الصيام

وأقضية العوائد

الحواشي

  1. أخرجه مسلم من حديث عائشة رضي الله عنها.
  2. أخرجه أبو داود برقم 1520، وابن ماجة برقم3819.
  3. أخرجه مسلم في صحيحه برقم 250 .
  4. أخرجه البخاري في صحيحه برقم 6306 .
  5. أخرجه الترمذي برقم 3513، وقال: حديث حسن صحيح.وابن ماجة برقم 3850.
  6. أخرجه الترمذي برقم 807، وابن ماجة برقم 1746، وقال الترمذي: حسن صحيح وصححه الألباني.
  7. أخرجه الطبراني في المعجم الكبير برقم 6039، وبرقم 6038، والبزار في مسنده برقم 2501 . وفيه الحسن بن أبي جعفر قال عنه ابن عدي: له أحاديث صالحة وهو صدوق. وفيه علي بن زيد بن جدعان قال عنه الترمذي صدوق، وذلك من جانب حفظه، وقد أخرج له البخاري في الأدب المفرد، وأخرج له مسلم في صحيحه وكذلك الترمذي وأبو داود والنسائي وابن ماجة في سننهم، فمثل هذا الحديث يُعمل به في فضائل الأعمال ، ولله الحمد.
أ.د. عبدالله الزبير عبدالرحمن
س

حكم اعتكاف المرأة

فتاوى الصيام · · سأل: من كتاب «سؤالات الصائمين» — أقضية الاعتكاف

زوجتي مُحبَّةٌ لفعل الخيرات وتكثر من النوافل، وتريد الاعتكاف في رمضان، وأنا غير مطمئن لصحة اعتكافها وظني أنه لا اعتكاف على النساء، وأن صيامها ومكوثها في بيتها خير لها لحديث: (صلاة المرأة في بيتها خير من صلاتها في حجرتها، وصلاتها في مخدعها أفضل من صلاتها في بيتها). فأرجو إفادتي بارك الله فيكم.

جواب فضيلة الشيخ

المرأة في الاعتكاف حكمها حكم الرجل في الاستحباب والسنية، وأنه يسن لها الاعتكاف كما يسنّ للرجل، وليس صحيحاً ما ظننت في حقها أنه لا اعتكاف للنساء، ولا عبرة بالظن البين خطؤه كما يقول الفقهاء في قواعدهم.

ودليل جواز الاعتكاف للنساء فعل زوجات النبي ﷺ أمهات المؤمنين رضوان الله عليهن، فقد كنّ يعتكفن في مسجد رسول الله ﷺ معه وبعد وفاته عليه الصلاة والسلام، وهذا ثابت بما صح في البخاري من حديث أم المؤمنين عَائِشَةَ ، قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَعْتَكِفُ فِي كُلِّ رَمَضَانَ، وَإِذَا صَلَّى الْغَدَاةَ دَخَلَ مَكَانَهُ الَّذِي اعْتَكَفَ فِيهِ، فَاسْتَأْذَنَتْهُ عَائِشَةُ أَنْ تَعْتَكِفَ فَأَذِنَ لَهَا فَضَرَبَتْ فِيهِ قُبَّةً، فَسَمِعَتْ بِهَا حَفْصَةُ فَضَرَبَتْ قُبَّةً، وَسَمِعَتْ زَيْنَبُ بِهَا فَضَرَبَتْ قُبَّةً أُخْرَى، الحديث(1).

وفي السنن الكبرى للبيهقي من حديث عروة بن الزبير أن عائشة كانت تعتكف العشر الأواخر فلا تدخل بيتها إلا لحاجة الإنسان التي لا بدّ له منها(2).

وفيها أيضاً: عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَعْتَكِفُ الْعَشْرَ الأَوَاخِرَ مِنْ رَمَضَانَ حَتَّى تَوَفَّاهُ اللَّهُ، ثُمَّ اعْتَكَفَ أَزْوَاجُهُ مِنْ بَعْدِهِ(3).

وفي سنن ابن ماجة عَنْ عِكْرِمَةَ، قَالَ: قَالَتْ عَائِشَةُ : اعْتَكَفَتْ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ امْرَأَةٌ مِنْ نِسَائِهِ(4).

وفي هذا الكفاية على صحة اعتكاف النساء وأنه سنة في حقها كما هو سنة في حق الرجال.

وما قررناه من أنّ الاعتكاف سنة للمرأة كما هو سنة للرجل؛ هو قول جمهور أهل العلم، وقد استدلوا لذلك بجملة أدلة، منها :

1ـ عمومات أدلة مشروعية الاعتكاف من الكتاب والسنة.ومنها قوله تعالى آية كريمة من كتاب سؤالات الصائمين (5) وهو عام في الرجال والنساء.

2ـ وبما سبق من أخبار إذن النبي ﷺ لأزواجه في الاعتكاف معه واعتكافهن من بعده رضوان الله عليهن.

3ـ وبالأخبار الدالة على أن نساء الصحابة رضوان الله عليهن كنّ يعتكفن في زمان رسول ﷺ الله فأقرّهن رسول الله ﷺ على ذلك. ومنه:

أ ـ ما رواه ابن بطة عن عائشة قالت في المعتكفات إذا حضن ، أمر رسول الله ﷺ بإخراجهن عن المسجد وأن يضربن الأخبية في رحبة المسجد حتى يطهرن. وقال: إسنادٌ جيد (6).

ب ـ خبر عكرمة مولى ابن عباس أن زَيْنَبَ بِنْتَ أُمِّ سَلَمَةَ كَانَتْ تَعْتَكِفُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهِىَ تُهَرِيقُ الدَّمَ ، فَأَمَرَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ تَغْتَسِلَ لِكُلِّ صَلاَةٍ (7).

ولم يخالف في جواز الاعتكاف للمرأة إلا القاضي من الحنابلة رحمة الله تعالى عليه، ولكنه لم يمنع كل النساء وإنما ذهب إلى كراهة اعتكاف المرأة الشابة(8). والحجة مع الجمهور، ولا معارض معه لما استدلوا به.

والله تعالى أعلم..

الحواشي

  1. أخرجه البخاري في صحيحه برقم 2041. وابن حبان في صحيحه برقم 3667 .
  2. أخرجه البيهقي في السنن الكبرى برقم 3325 .
  3. البيهقي في السنن الكبرى برقم 3324 .
  4. سنن ابن ماجة برقم 1780 .
  5. (1) البقرة 125
  6. انظر: الفروع لابن مفلح ج3 ص 176، وقال : ورواه أبو حفص العكبري أيضاً، ونقله يعقوب بن بختان عن أحمد وقال أحمد: النبي ♀ أمر أن تضرب قبة في رحبة المسجد.. قال صاحب المحرر: وهذا من أحمد دليل على ثبوت الخبر عنده. اهـ.
  7. أخرجه البيهقي في السنن الكبرى برقم 1716 .
  8. راجعه في شرح العمدة، ج2 ص 748، فقه الاعتكاف د. خالد المشيقح، ص 39ـ40.
أ.د. عبدالله الزبير عبدالرحمن
س

فتح المطاعم في نهار رمضان

فتاوى الصيام · · سأل: من كتاب «سؤالات الصائمين» — الصيام وأقضية العوائد

أصبح من المشاهد في كل عام في شهر رمضان كثرة المطاعم التي تعمل في الأسواق وفي أماكن تجمعات الناس، وكثيرٌ من الشباب وغيرهم تراهم يرتادون هذه المطاعم، بل تجد بعضهم يخرج على الشارع أمام الناس وفي يده سندوتش يأكل فيه أو زجاجة بارد يشرب منها، من غير أنْ ينتبه ـ أو بتعمّدٍ منه ـ أنّها أيام صيام رمضان!. فما حكم فتح المطاعم أيام شهر رمضان؟.

جواب فضيلة الشيخ

مما يجب أن يعرفه كل مسلم أنّ شهر رمضان واجب التعظيم والرعاية، وأنّ نهار رمضان حرمته عظيمة، وأنّ على كل مسلم يرى أحداً قد انتهك حرمة نهار رمضان بأي نوع انتهاك، واجب عليه أن يُنكر ذلك، وولاة الأمر واجبهم أعظم في رعاية حقّ هذا الشهر الفضيل، ومن أعظم واجباتهم المحافظة على حرمته والمنع من انتهاكها بكل سبيل، وشعائر الإسلام يجب تعظيمها، آية كريمة من كتاب سؤالات الصائمين(1).

ولذلك؛ فلو أظهر أحدٌ من المسلمين ـ وحتى غير المسلمين ـ ما لا ينبغي إظهاره في نهار رمضان أمام الناس من المفطرات أو غيرها؛ وجب على المسلمين الإنكار عليه ونهيه عن ذلك وزجره في نفسه، فإن لم ينزجر أو ينتهِ؛ وجب التبليغ عنه لدى السلطان، فإنّ السلطان يزع بسلطانه ما لايزع غيره. وليس من اللائق بحال أن تفتّح المطاعم في بلاد المسلمين أيام رمضان نهاراً، وعليه:

1 ـ يجب على ولي الأمر في بلاد المسلمين عدم السماح لأصحاب المطاعم بفتحها وممارسة تقديم الأطعمة والأشربة فيها.

2ـ يجب أن يُسنَّ قانونٌ يجرّم كل مظاهر الانتهاك لحرمة رمضان، لردع من يُظهر ما حرم الله في نهار رمضان من المفطرات وغيرها، وإنْ كان من أصحاب الأعذار، فإنّ أصحاب الأعذار لا يجوز لهم أن يجاهروا بالمفطرات بين الصائمين إلاّ في حدود ما يضطر لإظهاره من زمان أو مكان.

وحتى غير المسلمين ـ مستأمنين أو ذمّيين أو معاهدين ـ لا يحقّ لهم أن يظهروا الفطر بين المسلمين في الطرقات والمحلات والمكاتب والأسواق، ويجب على ولاة الأمر منعهم من ذلك تعظيماً لشعائر الله، ولقد قال ابن تيمية رحمه الله: ” ويُمنع أهل الذمّة من إظهار الأكل في نهار رمضان، فإنّ هذا من المنكر في دين الإسلام”(2).

3ـ يقتصر السماح لفتح المطاعم ـ وبحسب الحاجة ـ في أماكن محدّدة لمظنة وجود أصحاب الأعذار بها، وهي: المستشفيات، ومواقف وموانئ النقل الخاصة بالسفريات الطويلة التي تبيح الفطر في رمضان.

أما أن يسمح بفتح المطاعم في الأسواق وأماكن تجمعات الناس، بما يؤدي إلى إظهار انتهاك حرمة نهار رمضان؛ فهذا لا يجوز لأحد بحال، وذلك:

أـ لأنّ في فتحها والسماح بفتحها تعاوناً على الإثم والعدوان، على إثم مخالفة أمر الشرع بالصوم والإمساك، وعلى إثم انتهاك حرمة رمضان، وعلى العدوان على شرع الله وشعائر الملّة.

ب ـ ولأنّ في فتحها لأهل الفسوق والعصيان الذين يفطرون دون عذر أو سبب مبيحٍ للفطر.

اللهم أرنا وولاة أمورنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه.

الحواشي

  1. سورة الحج، 32 .
  2. الفتاوى الكبرى لابن تيمية ، تحقيق محمد ومصطفى عبد القادر عطا، ج5 ص 543.
أ.د. عبدالله الزبير عبدالرحمن
س

اعتــكاف المـــرأة فـي البيــت

فتاوى الصيام · · سأل: من كتاب «سؤالات الصائمين» — أقضية الاعتكاف

أنا فتاة لم أتزوج بعد، وتربيت على ألا أخرج إلا في الأمور الضرورية والمهمة، وكذلك لا أحب أن أخالط البنات ولا مجتمع النساء كثيراً، وأرغب بشدة في الاعتكاف، ولكني أرى أني لو اعتكفت في المسجد مع مجموعة البنات والنساء سيكثر الأنس والتحادث وسيضيع كثير من الوقت ولن أتمكن من الاختلاء بربي، وكذلك أخشى أن يظهر مني شيء وغير ذلك من الأسباب، وسمعت أنه يجوز الاعتكاف في البيت، فهل يمكنني أن أعتكف في البيت؟.

جواب فضيلة الشيخ

في جواز اعتكاف المرأة في البيت خلاف بين الفقهاء(1).

ذهب الجمهور من المالكية والشافعية والحنابلة إلى أنه لا يصحّ الاعتكاف إلا في المسجد، فلا يجوز في البيت، لا للرجل ولا للمرأة.

واستدلوا لذلك بالكتاب والسنة.

فمن الكتاب قوله تعالىآية كريمة من كتاب سؤالات الصائمين. فنصّ على مكان الاعتكاف، ومن لطيف ما يستدل به من الآية أن الله تعالى نهاهن عن المباشرة والجماع في حال الاعتكاف في المسجد، مع أنه لا يتصور أن يباشر أحدهم أو أن يجامع في المسجد، فدلّ ذلك أن الاعتكاف قربة خصت بالمساجد.

ومن السنة أنّ النبي ﷺ لم يثبت في صحيح ولا حسن ولا غيره أنه اعتكف في غير المسجد، وأنّ نساءه كن يعتكفن معه، فلم يأذن لإحداهن أن تعتكف في غير المسجد، فإنّ أزواج النبي ﷺ استأذنه في الاعتكاف في المسجد(2).

وقد نقل بعض أئمة العلم الإجماع على ذلك فقال الإمام القرطبي رحمه الله في تفسيره : ” أجمع العلماء على أن الاعتكاف لا يكون إلا في المسجد لقوله تعالى آية كريمة من كتاب سؤالات الصائمين (3).

وقال الحافظ الإمام ابن عبد البر في الاستذكار: ” وأجمعوا أن الاعتكاف لا يكون إلا في المسجد لقوله تعالى تعالى آية كريمة من كتاب سؤالات الصائمين (4).

وهذا الإجماع باعتبار أن المذهب الثاني ـ آتي الذكر ـ لا يخرج عن مدلول المساجد، فهو صحيح بهذا الاعتبار. وقد شذّ ابن لبابة رحمه الله فقال بجواز وصحة الاعتكاف في غير المسجد(5).

وذهب الحنفية وسفيان الثوري والشافعي في القديم كما حكاه الخراسانيون وبعض العراقيين من الشافعية(6): إلى أنّ المرأة يجوز لها أن تعتكف في أي مسجد ويجوز لها أن تعتكف في بيتها في المكان المخصص لصلاتها فيه ويصح اعتكافها، بل لها ذلك أفضل، وقد روى الحسن عن أبي حنيفة رحمه الله أنه قال: ” للمرأة أن تعتكف في مسجد الجماعة، وإنْ شاءت اعتكفت في مسجد بيتها، ومسجد بيتها أفضل لها من مسجد حيّها، ومسجد حيّها أفضل لها من المسجد الأعظم” (7).

ودليلهم على صحة اعتكاف المرأة في مسجد بيتها:

1ـ أنّ قوله تعالى آية كريمة من كتاب سؤالات الصائمين عام في كل المساجد، فيعمّ مسجد الجماعة والمسجد الجامع والمساجد الثلاثة وكذلك مسجد البيت، لأنه في معنى المسجد، إذ المسجد هو مكان الصلاة وموضعها، فالموضع التي تخصصه المرأة في بيتها لصلواتها يكون مسجداً.

2ـ أن الشرع أعطى مسجد بيتها حكم المسجد في حقها في حق الاعتكاف، لأن له حكم المسجد في حقها في حق الصلاة، حتى كانت صلاتها في بيتها أفضل من صلاتها في مسجد حيّها،(8) وقد قال ﷺ: «صَلاَةُ الْمَرْأَةِ فِى بَيْتِهَا أَفْضَلُ مِنْ صَلاَتِهَا فِى حُجْرَتِهَا وَصَلاَتُهَا فِى مَخْدَعِهَا أَفْضَلُ مِنْ صَلاَتِهَا فِى بَيْتِهَا »(9).

والراجح فيما نرى: أنّ كل قول من القولين له وجْهٌ شرعي يقبل الأخذ به، وعليه؛ نرى أنّ اعتكافها في المسجد أو في مصلاها في بيتها يكون بحسب الحال.

ـ ففي حالة أن يكون معها زوجها؛ فالاعتكاف لا يكون إلا في المسجد.

ـ وفي حالة أن يكون في المسجد موضعٌ مخصص كمصلى للنساء منفصل بجدار أو بستار ومعها جماعة نساء؛ فالأفضل أن تعتكف في المسجد كذلك.

ـ وفي حالة أن لا يوجد مصلَّى خاص بالنساء، ولا فاصل يفصل الرجال عنهن، ولا يكون معها نساء أخريات؛ فالأفضل أن تعتكف في مصلّى بيتها.

ـ وفي الحالة التي ذكرتْ الأخت الكريمة أنها تخشى إفساد اعتكافها بالمخالطة وكثرة المؤانسة وتقليل فرص التعبد والذكر والتلاوة، مع اجتهادها في اجتنابهن وعدم المخالطة بهن، يكون الأفضل في حقها وفي حق مثلها أن تعتكف في مصلَّى بيتها.

ـ وفي حالة أن لا يأذن لها زوجها بالخروج إلى المسجد والاعتكاف فيه؛ ويَسمح لها بالاعتكاف في مصلَّى بيتها، خيرٌ لها أن تعتكف فيه بدل أن لا تعتكف بتاتاً. والله تعالى أعلم.

الحواشي

  1. راجع: بداية المجتهد لابن رشد ج2 ص 203، المغني لابن قدامة ، ج3 ص 130، المجموع شرح المهذب ج6 ص 471 – 473 .
  2. سبق تخريج أخبار استئذان أمهات المؤمنين رضي الله عنهن رسول الله ♀ في الاعتكاف.
  3. تفسير القرطبي، ج2 ص 216 .
  4. الاستذكار لابن عبد البر ج10 ص 273 ، الفقرة 14816.
  5. راجع: بداية المجتهد لابن رشد الحفيد، ج2 ص 203 ، المقدمات الممهدات لابن رشد الجد، ج1 ص 256. والقوانين الفقهية لابن جزي الكلبي، ص 134.
  6. راجع: بدائع الصنائع ج2 ص 113، بداية المجتهد ج2 ص 203 ، المجموع شرح المهذب ج6 ص 472 . شرح مشكل الآثار، لأبي جعفر الطحاوي، ج12 ص 138 – 142 .
  7. بدائع الصنائع، ج2 ص 113 .
  8. راجع، بدائع الصنائع ج2 ص 113 .
  9. أخرجه أبو داود برقم 570 ، وابن خزيمة في صحيحه برقم 1688 وصححه الألباني، ومسند البزار برقم 2060.
أ.د. عبدالله الزبير عبدالرحمن
س

الجماع في نهار رمضان وخصال الكفارة

فتاوى الصيام · · سأل: من كتاب «سؤالات الصائمين» — مسائل القضاء والكفارة

في يوم من أيام رمضان وأنا صائم زادت رغبتي في إتيان أهلي، وثارت شهوتي ولم أستطع أن أصبر حتى الليل فأتيت أهلي في نهار رمضان، وأنا أعلم أن من فعل مثل هذا عليه القضاء والكفارة، فكيف أكفر وبماذا أكفر؟.

جواب فضيلة الشيخ

الكفارات شرعت في الإسلام للزجر عن تعدي حدود الله ، وانتهاك حرمات الدين، ففي الصيام شُرعت الكفارة للزجر عن انتهاك حرمة الصيام لا سيما في رمضان حتى لا تنتهك حرمة نهار رمضان، عقوبة لمن يفعل ذلك. ولا شكّ أن السائل انتهك حرمة نهار رمضان بفعل قد نُهي عنه وأُمر أن يمسك عنه بالصيام وهو الجماع، ولذلك فعليه كفارة وهو يعلم ذلك.

والذي يكفِّر به عن هذه الفعلة الكبيرة وغيرها من موجبات الكفارة أحد ثلاثة أمور:

[1] صيام شهرين متتابعين من غير انقطاع ولا تراخ .

[2] إطعام ستين مسكيناً من أوسط ما يطعم به أهله.

[3] عتق رقبة .

لأن النبي ﷺ قضى على الذي أتى أهله في نهار رمضان بذلك.

ففي الصحيحين وغيرهما من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: ” جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: ” هلكت يا رسول الله ! قال: ( وما أهلكك؟ ) قال: “وقعت على امرأتي في رمضان” قال: ” هل تجد ما تعتق به رقبة؟ قال: لا. قال: فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين؟ قال: لا، قال: فهل تجد ما تطعم به ستين مسكيناً؟ قال: لا ، ثم جلس، فأتى النبي ﷺ بعَرَق فيه تمر (1) فقال: تصدق بهذا . قال: أفقَرَ منّا؟ فما بين لابَتيها أهل بيت أحوج إليه منا ” فضحك النبي ﷺ حتى بدت أنيابه ثم قال:(اذهب فأطعمه أهلك)(2).

والعلماء في أيّ من الكفارات هي التي تجب على ثلاثة أقوال:

القول الأول: ما ذهب إليه الجمهور من الحنفية، والشافعية، والحنابلة في مشهور مذهبهم: أن الأمور التي يكفّر بها على الترتيب ، فإنه واجب عليه أن يكفّر بعتق رقبة ، فإن لم يجد وجب عليه صيام شهرين متتابعين ، فإن عجز عن ذلك ؛ كفّر بإطعام ستين مسكيناً (3).

والقول الثاني: هو ما ذهب إليه مالك، وأحمد في رواية عنه، وهو التخيير بين الكفارات الثلاث ، غير أن المالكية يفضّلون الكفارة بالإطعام في المشهور معللين أنه أعمّ نفعاً(4).

والقول الثالث: هو الذي ذهب إليه الإمام يحيى بن يحيى الليثي من أصحاب مالك، وهو أن الكفارة الواجبة هي التي تحقق مقصودها من الزجر للمتعدّي، وقد حكي عنه رحمه الله تعالى أن حاكم الأندلس عبد الرحمن بن الحكم المرواني نظر إلى جارية له في رمضان نهاراً ، فلم يملك نفسه أن واقعها، ثم ندم ، وطلب الفقهاء وسألهم عن توبته، فقال يحيى بن يحيى : ” صم شهرين متتابعين ” فسكت العلماء، فلما خرجوا قالوا ليحيى: ” مالك لم تفته بمذهبنا عن مالك أنه مخيَّرٌ بين العتق والصوم والإطعام؟ ” فقال: ” لو فتحنا له هذا الباب لسهل عليه أن يطأ كل يوم جارية ويعتق رقبة، فحملته على أصعب الأمور لئلا يعود” (5).

والراجـح :

أننا نحقق مقصد الشارع من تشريع الكفارة، فإن مقصود الكفارة تحصيل الزجر في نفس منتهك حرمة نهار رمضان، وأن يشعر بنوع شدّة وعقاب، وكما قال تعالى: آية كريمة من كتاب سؤالات الصائمين(6).

ولذلك يجب أن يُفتَى من وجبت عليه كفارة بأنّه:

إنْ كان ميسور الحال جداً بحيث إذا كفّر بالإطعام أو العتق لا يحصل له الزجر بذلك ؛ فيجب عليه أن يكفر بالصيام ولا يكون مخيّراً بحال، لأنه لن يزجره الإطعام ولا العتق، لأنه سهل عليه ميسور له أن يجامع كل يوم فيكفر بإطعام ستين مسكيناً بل أكثر أو يعتق رقبة أو أكثر، فيستهين بحرمة رمضان، فحتى يزجر يؤمر بصيام شهرين متتابعين.

وإنْ كان معروفاً بحبه للمال وضنّه به وتقتيره حتى على نفسه ، وأنه يكون زاجراً له أن يؤمر بالعتق أو الإطعام ، أُمر بأحدهما.

وإنْ كان ممن يُظَنّ فيه أن أية خصلة من خصال الكفارة الثلاث يحصل له بها الزجر خُيِّر بينها.

وبهذه الطريقة نكون قد أعملنا قول جميع الفقهاء وحققنا المذاهب الثلاثة مع تحقيقنا لمقصود الشرع من تشريع الكفارات.

ولكن عتق الرقبة غير وارد في زماننا إلاّ أن يشاء الله تعالى قريباً بغلبة الأمة على الأمم لا سيما الطاغية المستكبرة، فلم يبق من خصال الكفارة إلاّ صيام الشهرين المتتابعين وإطعام ستين مسكيناً، فيؤمر بأحدهما على الطريقة التي قررناها. والله تعالى أعلم..

الحواشي

  1. العرق بفتح الراء هو الزنبيل أو القفة أو الكيس أو الجراب ، وقد حدده الفقهاء بأنه ما يسع خمسة عشر صاعاً، وهي ستون مداً لستين مسكيناً ، لكل مسكين مدٌّ . راجع : شرح النووي لصحيح مسلم:ج8 ص 226.
  2. البخاري كتاب الصوم باب إذا جامع في رمضان ولم يكن له شيء برقم 1936 ، وفي باب المجامع في رمضان هل يطعم أهله برقم 1937 . ومسلم في الصيام باب تغليظ تحريم الجماع برقم 2590-81/1 ج8 ص 224 –227 بشرح النووي.
  3. انظر : بدائع الصنائع ، ج2 ص 99 ، المجموع شرح المهذب ج6 ص 343 ، المغني لابن قدامة ، ج3 ص 66
  4. انظر : المغني لابن قدامة ، ج3 ص 66 ، التاج والإكليل ج2 ص 435، كفاية الطالب الرباني ، ج1 ص 276، تبيين المسالك ، ج2 ص 169-170 .
  5. انظر: سير أعلام النبلاء للذهبي، ج7 ص 257 مكتبة الصفا طبعة 1424هـ 2003م.
  6. سورة المائدة ، من الآية 95 .
أ.د. عبدالله الزبير عبدالرحمن
س

عـــلاقة الاعتكاف برمضـــــان

فتاوى الصيام · · سأل: من كتاب «سؤالات الصائمين» — أقضية الاعتكاف

هل من شروط صحة الاعتكاف أن يكون في رمضان؟ وإلا فماذا يحرص المسلمون على الاعتكاف في رمضان وفي العشر الأواخر منه دائماً؟.

جواب فضيلة الشيخ

ليس من شروط صحة الاعتكاف أن يكون في رمضان، ويصح الاعتكاف في غير رمضان، وقد ثبت أنّ النبي ﷺ كما اعتكف غالباً في رمضان اعتكف في غير رمضان، ففي الصحيحين وغيرهما أنّ النبي ﷺ اعتكف مرة في العشر الأول من شوال (1). فدلّ أنه يجوز الاعتكاف في غير رمضان.

ولكن سبب حرص المسلمين في الاعتكاف في رمضان؛ اتفاق الأئمة وصالحي الأمة على أنّ أفضل الشهور للاعتكاف شهر رمضان، وأفضل أيامه العشر الأواخر منه. وفوق ذلك هناك علاقة حميمة بين رمضان والاعتكاف.

فالاعتكاف سنة من سنن الصوم يكتمل به مقصود الصيام، وتتوثق آثاره التي منها: تصفية مرآة العقل في المسلم الصائم، والتشبه بالملائكة الكرام في وقته، الذين لا يأكلون ولا يشربون ولا يقولون إلا خيراً ومعروفاً كما قال الله في وصفهم: آية كريمة من كتاب سؤالات الصائمين(2). فأتبع الشارع الحكيم تشريع استحباب الاعتكاف في آخر أيام الصيام الواجب في العشر الأواخر من رمضان ليكون الشبه تاماً بملائكة الرحمن في استغراق الأوقات بالعبادات، وحبس النفس عن الشهوات، وكف اللسان عما لا ينبغي، فكان الأليق بهذا الحال؛؛ لزوم أحبّ الأماكن إلى اللهآية كريمة من كتاب سؤالات الصائمين والإقامة على أحب الأعمال إلى الله من العبادات والطاعات والأذكار، وحبس النفس عن كل ما لا يحبه الله من المحرمات والمكروهات.

بل إن الاعتكاف لِيَكْتَمِلَ به مقصودُ الصيام من تحصيل التقوى والتحقق بها؛ منع الشارعُ فيه ما كان مباحاً في غيره من نحو الخروج من المسجد بعد قضاء الصلوات انتشاراً في الأرض، ونحو كل ما لا حاجة إليه من دواعي الخروج، ومن نحو معاشرة الأزواج مما كان مباحاً في غير الاعتكاف، وذلك ليتحقق الحبس والملازمة على أكمل وجهٍ وأجمله.

ولذلك كان النبي ﷺ يعتكف في رمضان، وما مرّ رمضان برسول الله ﷺ إلا واعتكف فيه، بل إنه اعتكف رمضان كله متنقلاً بين العشر الأوائل إلى العشر الأواسط ثم صار اعتكاف العشر الأواخر من سننه المؤكدّة عليه الصلاة والسلام، ففي الصحيحين من حديث أَبي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رضي الله عنه قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ اعْتَكَفَ الْعَشْرَ الأَوَّلَ مِنْ رَمَضَانَ ثُمَّ اعْتَكَفَ الْعَشْرَ الأَوْسَطَ في قُبَّةٍ تُرْكِيَّةٍ عَلَى سُدَّتِهَا حَصِيرٌ – قَالَ – فَأَخَذَ الْحَصِيرَ بِيَدِهِ فَنَحَّاهَا فِى نَاحِيَةِ الْقُبَّةِ ثُمَّ أَطْلَعَ رَأْسَهُ فَكَلَّمَ النَّاسَ فَدَنَوْا مِنْهُ فَقَالَ « إِنِّى اعْتَكَفْتُ الْعَشْرَ الأَوَّلَ أَلْتَمِسُ هَذِهِ اللَّيْلَةَ ثُمَّ اعْتَكَفْتُ الْعَشْرَ الأَوْسَطَ ثُمَّ أُتِيتُ فَقِيلَ لي إِنَّهَا في الْعَشْرِ الأَوَاخِرِ فَمَنْ أَحَبَّ مِنْكُمْ أَنْ يَعْتَكِفَ فَلْيَعْتَكِفْ »(3).

ولأنّ من مقاصد الاعتكاف الترصّد والتحرّي لالتماس ليلة القدر التي هي خير من ألف شهر بخبر الله تعالى للنبي ﷺ وأمته، ولهذا نادى رسول الله ﷺ في العاكفين معه العشر الأوسط أن يواصلوا معه في اعتكاف العشر الأواخر لالتماس ليلة القدر فيها، فعَنْ أَبِي سَلَمَةَ، قَالَ: انْطَلَقْتُ إِلَى أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رضي الله عنه فَقُلْتُ: أَلاَ تَخْرُجُ بِنَا إِلَى النَّخْلِ نَتَحَدَّثْ! فَخَرَجَ، فَقُلْتُ: حَدِّثْنِي مَا سَمِعْتَ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ. قَالَ: « اعْتَكَفَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَشْرَ الأُوَلِ مِنْ رَمَضَانَ وَاعْتَكَفْنَا مَعَهُ، فَأَتَاهُ جِبْرِيلُ فَقَالَ: إِنَّ الَّذِي تَطْلُبُ أَمَامَكَ. فَاعْتَكَفَ الْعَشْرَ الأَوْسَطَ فَاعْتَكَفْنَا مَعَهُ، فَأَتَاهُ جِبْرِيلُ فَقَالَ : إِنَّ الَّذِي تَطْلُبُ أَمَامَكَ. فَقَامَ النَّبِيُّ ﷺ خَطِيبًا صَبِيحَةَ عِشْرِينَ مِنْ رَمَضَانَ فَقَالَ : ( مَنْ كَانَ اعْتَكَفَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فَلْيَرْجِعْ، فَإِنِّي أُرِيتُ لَيْلَةَ الْقَدْرِ وَإِنِّي نُسِّيتُهَا، وَإِنَّهَا فِي الْعَشْرِ الأَوَاخِرِ فِي وِتْرٍ، وَإِنِّي رَأَيْتُ كَأَنِّي أَسْجُدُ فِي طِينٍ وَمَاءٍ)، وَكَانَ سَقْفُ الْمَسْجِدِ جَرِيدَ النَّخْلِ، وَمَا نَرَى فِي السَّمَاءِ شَيْئًا، فَجَاءَتْ قَزْعَةٌ فَأُمْطِرْنَا، فَصَلَّى بِنَا النَّبِيُّ ﷺ حَتَّى رَأَيْتُ أَثَرَ الطِّينِ وَالْمَاءِ عَلَى جَبْهَةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَأَرْنَبَتِهِ تَصْدِيقَ رُؤْيَاهُ» (4).

ولهذا يحرص المسلمون على الاعتكاف في رمضان وفي العشر الأواخر منه في كل عام، تقبل الله منا جميعاً صالح أعمالنا.

الحواشي

  1. صحيح البخاري برقم 2033، صحيح مسلم برقم 2842، وسنن أبي داود برقم 2465، وموطأ مالك برقم 690.
  2. التحريم الآية 6.
  3. أخرجه البخاري برقم 813، ومسلم برقم 2828.
  4. أخرجه البخاري برقم 813 وبرقم 2018وبرقم 2027، ومسلم برقم 2828، وبرقم 2829، ومالك في الموطأ برقم 692 .
أ.د. عبدالله الزبير عبدالرحمن
س

وقت بداية الإمساك

فتاوى الصيام · · سأل: من كتاب «سؤالات الصائمين» — مسائل الأركان

بعض الجهات تعمل إمساكيات في رمضان تحدّد فيها وقت الإمساك بربع ساعة أو ثلث ساعة قبل أذان الفجر، هل الإمساك في هذا الوقت واجبٌ؟ أم يجوز أن نأكل ونشرب حتى أذان الفجر ؟.

جواب فضيلة الشيخ

أولاً : الأصل في الإمساك أن يبدأ مع الفجر، وأنه يجوز الأكل والشرب والجماع إلى الفجر لقوله تعالى آية كريمة من كتاب سؤالات الصائمين (1)

ثانياً : أخذ بعض العلماء بما ورد عن زيد بن ثابت رضي الله عنه قال: “تسحّرنا مع رسول الله ﷺ ثم قمنا إلى الصلاة ، قال الراوي : كم كان قدر ذلك؟ قال: قدر خمسين آية ” (2).

فقالوا : يستحب الإمساك في قدر قراءة خمسين آية قبل الفجر. وهو ما ذهب إليه المالكية (3).

وقال الحنفية والشافعية : يمسك بالشك في بقاء الليل ، ويكره له الأكل مع الشك في بقاء الليل دون تقييده بمقدار (4).

والراجح المختار هو: أن الإمساك يكون مع الفجر، وأنه يجوز الأكل والشرب إلى طلوع الفجر بلا كراهة . وقد كان الصحابة رضوان الله عليهم يأكلون ويشربون حتى يطلع الفجر ويتبيّنوا طلوعه ، بل كانوا يأكلون ويشربون ما داموا شاكين في طلوع الفجر كما مرّ في المقدمات.

وعن عامر بن مطر قال : ” تسحّرنا مع رسول الله ثم قمنا إلى الصلاة”(5).

وعن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي ﷺ قال : ( إنّ بلالاً يؤذّن بليل، فكلوا واشربوا حتى ينادي ابن أم مكتوم ) (6). ولم يكن بين أذانهما إلاّ أن ينزل هذا ويصعد هذا (7). وهذا هو أمر النبي ﷺ الذي أقلّ ما يدلّ عليه الجواز، ولا يمكن بحال أن يكون دالاً على الكراهة ، لأن المكروه لا يؤمر به، وأرى أن الأمر في هذا الحديث يراد به الاستحباب، لأن تأخير السحور مستحب باتفاق العلماء ـ كما تقرر ـ.

وعن سالم مولى أبي حذيفة أنه كان مع أبي بكر على سطح في رمضان وهو يصلي فأتاه فقال ألا تطعم يا خليفة رسول الله ﷺ فأشار بيده حتى فعل ذلك مرتين فلما كان في الثالثة قال ائتني بطعامك فطعم وصلى ركعتين ثم دخل المسجد وأقيمت الصلاة (8).

وعن مطر الشيباني قال: ” تسحّرنا مع عبد الله ثم خرجنا فأقيمت الصلاة” (9).

كل هذه الروايات ـ مع ما مرّ من طريقة السلف الصالح في الأكل مع الشك في طلوع الفجر ـ تبيّن السنّة في المسألة.

أما حديث زيد بن ثابت فهو فعل دال على الجواز والجائز لا يمنع غيره ولا يكرهه.

وفي سنن البيهقي عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: ( إذا سمع أحدكم النداء والإناء على يده فلا يضعه حتى يقضي حاجته منه ) (10). وليس المراد جواز الأكل بعد تبيّن الفجر ، لأن الله تعالى حدد آخر وقت جواز الأكل والشرب بتبيّن الفجر. فإذا جمعنا بين صريح القرآن وسياق الحديث يكون المراد في الحديث النداء الأول، وإلاّ فكيف يأكل من تيقّن الفجر إذا كان المؤذن موثوقاً به وقد قال النبي ﷺ في المؤذنين: (المؤذنون أمناء الله على فطرهم وسحورهم)(11)..

والله تعالى أعلم .

الحواشي

  1. (1) البقرة: 187
  2. البخاري في الصوم برقم 1821 ومسلم في الصيام برقم 1097 .
  3. حاشية الدسوقي على الشرح الكبير ، 1/515 .
  4. حاشية ابن عابدين 2/419 ، الأم للشافعي 2/96.
  5. أخرجه الطبراني في الكبير وقال الهيثمي : رجاله ثقات ، مجمع الزوائد 3/153 .
  6. أخرجه الدارمي باب وقت أذان الفجر 1/288، والنسائي باب المؤذنان للمسجد الواحد 2/10 وأخرجه البخاري في كتاب الأذان باب أذان الأعمى إذا كان له من يخبره 1/223.
  7. سنن البيهقي 1/ 382،429 والطبراني في الكبير ورجاله رجال الصحيح كما قال الهيثمي في المجمع 3/154 .
  8. أخرجه الطبراني في الكبير ورجاله رجال الصحيح ، مجمع الزوائد 3/153 .
  9. رواه الطبراني في الكبير ورجاله رجال الصحيح.
  10. أخرجه البيهقي باب من طلع الفجر وفي فيه شيء ، 4/218 برقم 7800 .
  11. أخرجه الطبراني في الكبير وقال الهيثمي : ” إسناده حسن ” مجمع الزوائد 2/2.
أ.د. عبدالله الزبير عبدالرحمن
س

من أفطر في رمضان متعمداً

فتاوى الصيام · · سأل: من كتاب «سؤالات الصائمين» — مسائل القضاء والكفارة

ابن عم لنا كلما يهل علينا شهر رمضان المبارك من كل عام يبدأ الصيام، ثم بعد يوم أو يومين نجده قد أفطر دون عذر أو سبب لا مرض أو سفر ولا غيره، وإذا سألناه لماذا أفطر؟ قال: تعبت من الصيام، فما حكمه؟.

جواب فضيلة الشيخ

أولاً: إنّ على من أفطر يوماً من رمضان عامداً مختاراً من غير سبب مبيح له أن يفطر به؛:

1ـ الإثم، ما دام الصيام واجباً، ويكون بذلك عاصياً فاسقاً..

2ـ أنّ صيامه قد فسد وبطل بفطره المتعمد.

3ـ أنّه لا يجوز له الأكل والشرب وتناول المفطرات بقية يومه، بل يجب عليه الإمساك عن كل مفطر، ولو قد أفطر وأفسد صومه، فيحرم عليه كل ما يحرم على الصائم، لأنه عاصٍ بفطره متعمداً، فإنْ أكل أو شرب واستمر في فطره ولم يمسك؛ زاد إثماً وفسقاً.

هذا ما عليه جماهير الفقهاء إلا ما رُوي عن الحسن وعطاء بأنّ له أن يفطر(1).

ثانياً: اتفق العلماء على أنّ من أفطر بالجماع متعمداً غير ناسٍ ولا جاهل؛ أنّ عليه القضاء والكفارة، لورود النصّ الصحيح عن رسول الله ﷺ فيه: ففي البخاري عن أمنا عائشة ، قالت: ” إن رجلاَ أتى النّبي ﷺ فقال: “إنه احترق” قال: مالك؟ قال: ” أصبت أهلي في رمضان” فأتي النبي ﷺ بمكتل يدعى العرق، فقال: (أين المحترق؟) قال أنا قال: (تصدق بهذا).

وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: ” بينما نحن جلوس عند النبي ﷺ إذ جاءه رجلٌ فقال: يا رسول الله هلكت، قال: ما لك؟. قال: “وقعت على امرأتي وأنا صائم!” ، فقال رسول الله ﷺ: هل تجد رقبة تعتقها؟ قال : لا، قال: فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين؟ قال: لا. فقال: فهل تجد إطعام ستين مسكيناً؟. قال: لا. قال أبو هريرة: فمكث النبي ﷺ، فبينا نحن على ذلك أُتِيَ النبيّ ﷺ بعرق فيها تمر – والعرق المكتل- قال: أين السائل؟ فقال: أنا. قال: خذها فتصدق به. فقال: الرجل أعلى أفقر مني يا رسول الله؟ فوالله ما بين لابتيها – يريد الحرتين – أهل بيت أفقر من أهل بيتي فضحك النبي ﷺ حتى بدت أنيابه ثم قال: ( أطعمه أهلك)(2). وفي رواية ابن ماجة: ( وصم يوماً مكانه)(3).

وقد نقل الإجماع على وجوب الكفارة بالفطر بالجماع عمداً ابن هبيرة في الإفصاح(4).

ثالثاً: أما من أَفْطَر يوماً من رمضان بغير الجماع متعمداً فقد اختلف فقهاؤنا الكرام في حكمه اختلافاً كبيراً ، فمنهم من يرى أنه ليس عليه قضاء ولا كفارة وأن أمره إلى الله إن شاء عذبهوإن شاء غفر له، ومنهم من يرى أنّ عليه القضاء مكان اليوم الذي أفطره ولا كفارة تلزمه، ومنهم من يرى أنّ عليه الكفارة مثل كفارة الظهار، ومنهم من يرى أنّ عليه القضاء والكفارة بصيام شهرين متتابعين مكان كل يوم أفطره متعمداً، ومنهم من يرى أن عليه صيام شهر عن كل يوم أفطر فيه متعمداً، ومنهم من يرى أنّ عليه صيام اثني عشر يوماً عن كل يوم تعمد في فطره، ومنهم من رأى أن عليه صوم ثلاثة آلاف يوم عن كل يوم، وهكذا..

أما القول الأول: فهو الذي عليه الظاهرية(5)، وهو ظاهر ما رُوي عن عليّ وابن مسعود وأبي هريرة : أنّه لا يجزيه قضاء ولا كفارة..

أما عليّ رضي الله عنه فقد روى عَرْفَجَةُ عَنْ عَلِيٍّ رضي الله عنه أنّه قَالَ: “مَنْ أَفْطَرَ يَوْمًا مِنْ رَمَضَانَ مُتَعَمِّدًا ، لَمْ يَقْضِهِ أَبَدًا طُولَ الدَّهْرِ”(6).

وأما أبو هريرة فقد ذكر الإمام البخاري في صحيحه عنه قال: “ويذكر عن أبي هريرة رضي الله عنه رفَعَهُ: “من أفطر يوماً من رمضان من غير عذر ولا مرض، لم يقضه صيام الدهر وإن صامه”.. وجاءه رجل قد أفطر في شهر رمضان فسأله فقال أبو هريرة: ” لا يقبل منه صومُ سنة”(7).

وأما ابن مسعود رضي الله عنه فعند البيهقي والطبراني أنه قال: ” من أفطر يوماً من رمضان من غير علة؛ لم يجزه صيام الدهر حتى يلقى الله، فإن شاء غفر له وإن شاء عذبه”. وفي رواية: ” من أفطر يوماً من رمضان متعمداً من غير علة ثم قضى طول الدهر لم يُقبل منه”(8).

وقد وجّه بعض العلماء هذا بأنّه قيل على سبيل الإنذار والتهديد والوعيد الشديد وما وقع هذا المفْطِر فيه من الإثم وفوات الأجر، قال في شرح السنة معلقاً على حديث أبي هريرة : “هذا على طريق الإنذار والإعلام بما لحقه من الإثم وفاته من الأجر، فالعلماء مجمعون على أنه يقضي يوما مكانه”)9).

أما القول الثاني: فهو الذي عليه الشافعية والحنابلة وأهل الظاهر، أنّ حكمه قضاء اليوم الذي أفطره، ولا كفارة عليه، وفرّقوا بين تعمّد الفطر بالجماع وتعمّد الفطر بغيره بالأكل أو الشرب أو سواهما. فقالوا: من أفطر بغير الجماع عامداً فعليه القضاء. وهو قول سعيد بن جبير والشعبي، قالا: ” يصوم يوماً مكانه ويستغفر الله”(10).

والقول بوجوب القضاء نقل الإجماع عليه في شرح السنة، قال: “فالعلماء مجمعون على أنه يقضي يوماً مكانه”(11). ولكن حصر الحكم على القضاء فقط لم يتفق عليه.

ودليل هذا القول القياس على المستقيء عامداً، في حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: ( من ذرعه القيء فليس عليه قضاء ومن استقاء فعليه القضاء)(12). ووجه الدلالة أنّ من استقاء فقد أفطر عامداً، لكنه لم يكن فطره بالجماع، فلم تجب عليه الكفارة، وهذا يعني أنّ كل مفطر عمداً بغير الجماع لا كفارة عليه.

وأما القول الثالث: أنّ عليه صيام اثني عشر يوماً مكان كل يوم، وهو المحكي عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن رحمه الله، قال: ” من أفطر يوماً من رمضان قضى اثني عشر يوماً، لأنّ الله جل ذكره اختار شهراً من اثني عشر شهراً، فعليه أن يقضي بدلاً من كل يوم اثني عشر يوماً”. فأجاب الشافعي رحمه الله عن حجته فقال: “يلزمه أن يقول: من ترك الصلاة ليلة القدر أن يقضي تلك الصلاة ألف شهر، لأنّ الله عز وجل يقول:آية كريمة من كتاب سؤالات الصائمين ” (13((14).

وأما القول الرابع: فهو الذي ذهب إليه سعيد بن المسيب رحمه الله: أنّ من أفطر يوماً متعمداً يصوم شهراً، مستدلاً بما رواه أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ:« مَنْ أَفْطَرَ يَوْمًا مِنْ رَمَضَانَ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ فَعَلَيْهِ صِيَام شَهْرٍ » وقد أخرجه الدارقطني في السنن وضعّفه لضعف مَنْدَل بن عليّ(15).

وأما القول الخامس: فهو الذي ذهب إليه إبراهيم النخعي ووكيع رحمهما الله تعالى، أنّ عليه صيام ثلاثة آلاف يوم(16). ولم أقف لهذا القول على دليل ولم يظهر لنا وجه.

أما القول السادس: فهو الذي ذهب إليه الجمهور: أبو حنيفة وأصحابه ومالك وأصحابه وسفيان الثوري وابن المبارك واسحاق بن راهويه والحسن وعطاء والزهري والأوزاعي وأبو ثور وهو قول محمد بن جرير الطبري، أنّ عليه القضاء والكفارة(17). وهو الذي كان يفتي به ابن عباس رضي الله عنهما، فقد سأل أيفعُ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ عَمَّنْ أَفْطَرَ فِي رَمَضَانَ قَالَ : “كَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَقُولُ: “مَنْ أَفْطَرَ فِي رَمَضَانَ فَعَلَيْهِ عِتْقُ رَقَبَةٍ ، أَوْ صَوْمُ شَهْرٍ ، أَوْ إِطْعَامُ ثَلاَثِينَ مِسْكِينًا “(18). غير أنّه خفّف عليه بدل صيام الشهرين جعله شهراً وبدل إطعام الستين جعله لثلاثين.

والراجح من هذه الأقوال فيما ظهر لنا قول من يرى وجوب القضاء والكفارة عليه، وذلك للآتي:

أولاً: حديث أبي هريرة رضي الله عنه عند الدارقطني أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ: أَمَرَ الَّذِي أَفْطَرَ يَوْمًا مِنْ رَمَضَانَ بِكَفَّارَةِ الظِّهَارِ”(19).

وأمره عليه الصلاة والسلام يقتضي الوجوب، فأوجب على من أفطر الكفارة، والكفارة هي كفارة الظهار، وتكون بتحرير الرقبة، أوصيام شهرين متتابعين، أوإطعام ستين مسكيناً، كما جاءت في آيات المجادلة(20). فالحنفية على الترتيب بين الكفارات الثلاث، والمالكية على التخيير بينها.

ثانياً: خبر مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ الْقُرَظِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنَّ رَجُلاً أَكَلَ فِي رَمَضَانَ فَأَمَرَهُ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يَعْتِقَ رَقَبَةً أَوْ يَصُومَ شَهْرَيْنِ أَوْ يُطْعِمَ سِتِّينَ مِسْكِينًا(21).

وهذا نصٌّ في الفطر بالأكل، ووجوب الكفارة إنْ صح الخبر.

ثالثاً: القياس على خبر الأعرابي الذي جاء إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله هلكت، قال: ما لك؟. قال: “وقعت على امرأتي وأنا صائم!” ، فقال رسول الله ﷺ: هل تجد رقبة تعتقها؟ قال : لا، قال: فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين؟ قال: لا. فقال: فهل تجد إطعام ستين مسكيناً؟. قال: لا. قال أبو هريرة: فمكث النبي ﷺ، فبينا نحن على ذلك أُتِيَ النبيّ ﷺ بعرق فيها تمر – والعرق المكتل- قال: أين السائل؟ فقال: أنا. قال: خذها فتصدق به. فقال: الرجل أعلى أفقر مني يا رسول الله؟ فوالله ما بين لابتيها – يريد الحرتين – أهل بيت أفقر من أهل بيتي فضحك النبي ﷺ حتى بدت أنيابه ثم قال: ( أطعمه أهلك)(22). وفي رواية ابن ماجة: ( وصم يوماً مكانه)(23).

والعلة الجامعة فيه انتهاك حرمة نهار رمضان بفطر من غير عذر أو سبب مبيح للفطر؛ أنه تجب عليه الكفارة، دون نظر لما انتهك به حرمة الشهر.

والفطر قد يقع بالأكل أو بالشرب أو بالجماع أو بغير ذلك؛ والجامع بينها أنه بأيِّها يفطر؛ يفطر عامداً قاصداً مختاراً، فالمعنى أنه أفطر متعمداً منتهكاً لحرمة رمضان، وهو العلة الجامعة بين من أفطر بجماع وبين من أفطر بغيره دون سبب مبيح للفطر.

رابعاً: الأخبار الواردة بإطلاق الفطر دون تقييد له بجماع أو أكل أو شرب، ومنها:

1ـ خبر الزُّهْرِيّ عن حُمَيد ، عَن أبي هُرَيرة رضي الله عنه أن رجلاً قال : “يا رَسولَ اللهِ! أفطرت يوماً في شهر رمضان”. قال : (أعتق رقبة)(24).

2ـ خبر الموطأ عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رجلاً أفطر في رمضان، فأمره رسول الله ﷺ أن يكفِّر بعتق رقبة أو صيام شهرين متتابعين، أو إطعام ستين مسكيناً” الحديث(25).

3ـ خبر عَائِشَةَ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ قَالَتْ : جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللهِ ، إِنِّي احْتَرَقْتُ ، فَسَأَلَهُ مَا لَهُ ؟ فَقَالَ: أَفْطَرْتُ فِي رَمَضَانَ ، ثُمَّ جَلَسَ فَأُتِيَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمِكْتَلٍ عَظِيمٍ يُدْعَى الْعِرْقَ فِيهِ تَمْرٌ ، فَسَأَلَ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ الرَّجُلِ ، فَقَالَ : أَيْنَ الْمُحْتَرِقُ ؟ فَقَامَ الرَّجُلُ إِلَيْهِ ، فَقَالَ : تَصَدَّقْ بِهَذَا) (26).

4ـ حديث عائشة قالت : أتى رجل إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم فقال : يا رسول الله قد احترقت فسأله ماله ؟ قال : أفطرت في رمضان ثم إنه جلس فأتى بمكتل عظيم يدعى العرق فيه تمر فقال : أين المحترق؟ فقام الرجل فقال : (تصدق به) (27).

5ـ حديث ابن عمر رضي الله عنهما قال : جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه و سلم قال : إني أفطرت يوما من رمضان. قال : من غير عذر ولا سفر ؟ قال : نعم قال : بئس ما صنعت ! قال : أجل فما تأمرني؟ قال : أعتق رقبة. الحديث(28).

6ـ حديث عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ أَبِيهِ رضي الله عنه أَنَّهُ قَالَ جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ أَفْطَرْتُ يَوْمًا مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ مُتَعَمِّدًا فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: (أَعْتِقْ رَقَبَةً أَوْ صُمْ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ أَوْ أَطْعِمْ سِتِّينَ مِسْكِينًا)(29).

ووجه الدلالة من هذه الأخبار:

أ ـ أننا نجد فيها كلها السائلَ يخبر النبي ﷺ أنه أفطر يوماً من رمضان متعمداً، ولم يفصّل بم أفطر، وقضى رسول الله ﷺ عليه بالكفارة. فكان الجامع بين هذه الروايات أنّ من أفطر يوماً من رمضان من غير عذر ولا سفر أنّ عليه الكفارة.

ب ـ أنّ العلة من إيجاب الكفارة هي انتهاك حرمة رمضان بتعمد الفطر، ويظهر ذلك من قول السائل: ” أفطرت يوماً في رمضان” ومن خبر أبي هريرة: ” أنّ رجلاً أفطر في رمضان فأمر رسول الله ﷺ أن يكفّر” ومن سؤال النبي ﷺ للسائل في خبر ابن عمر: ( من غير عذر ولا سفر؟)، فكان مناط الحكم: (أَعْتِقْ رَقَبَةً).

ج ـ أنّ حديث الموطأ بلفظ: ” أنّ رجلاً أفطر من رمضان” وإنْ كان مجملاً، والمجمل ليس له عموم ـ كما أجاب مانعي الكفارة ـ إلاّ أنه مما لم يستفصل فيه النبي ﷺ عن سبب الفطر أو بماذا أفطر، ولو كان سبب الفطر أو ما أفطر به مؤثراً في الحكم لاستفصله رسول الله ﷺ، ولهذا نُزِّل منزلة العموم، فشملته وَحَكَمَتْهُ القاعدة الأصولية: ” ترك الاستفصال في حكاية الحال مع قيام الاحتمال ينزّل منزلة العموم من المقال”.

وكما يقول الخطيب البغدادي رحمه الله في كتاب الفقيه والمتفقه، وهو من أئمة الشافعية: “اللفظ الوارد على سبب، لا يجوز إخراج السبب منه، لأنه يؤدي إلى تأخير البيان عن وقت الحاجة إليه، وذلك لا يجوز، وهل يدخل فيه غيره أم لا؟ ينظر فإن كان اللفظ لا يستقل بنفسه كان ذلك مقصورا على ما فيه من السبب، ويصير الحكم مع السبب كالجملة الواحدة فإن كان لفظ السائل عاماً، مثل: إن قال: أفطرت، وذلك في رمضان، فأجابه بأن قال: أعتق، حمل الجواب على العموم في كل مفطر بأي سبب كان الفطر، كأنه قال: من أفطر فعليه العتق من جهة المعنى لا من جهة اللفظ، وذلك أنه لما لم يستفصل؛ دل على أنه لا يختلف الحكم، ولما نقل السبب وهو الفطر، فحكم فيه بالعتق صار كأنه علل بذلك، لأن السبب في الحكم تعليل وإن كان لفظ السائل خاصاً” (30).

خامساً: حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: (من أفطر في رمضان ناسياً فلا قضاء عليه ولا كفارة)(31). والمفهوم: أنّ من أفطر غير ناسٍ عامداً قاصداً؛ عليه القضاء والكفارة، فلو كان الذي يفطر عامداً غير ناسٍ ليس عليه إلاّ القضاء؛ لاكتفى الشارع بنفي القضاء عليه، ولكن لمّا نفَى مع القضاء الكفارة عليه؛ فُهم أنّ من أفطر عامداً عليه الكفارة مع القضاء، وهي دلالة واضحة على حكم من أفطر متعمداً في رمضان.

سادساً: وفوق ما ذُكر، فإن الأنسب لمتعمّد الفطر في نهار رمضان انتهاكاً لحرمته أنّ توجب عليه مع القضاء كفارة لسببين:

السبب الأول: أنّه بدونها يستوي المتعمّد المنتهك حرمة الشهر مع الناسي والمخطئ والجاهل في الحكم، وهذا ظاهر في الشرع والعقل.

والسبب الثاني: أنّ الكفارات إنما شُرعت للزجر والستر والتكفير، فإنّ الكفارة مأخوذة من التكفير وهو التستير، لأنها تستر الذنب وتغطيه، كما يقول الشوكاني في تفسيره، وهي الفعلة التي من شأنها أنْ تكفّر الخطيئة وتسترها، كما قال أبو السعود والنسفي في تفسيرهما(32).

فإنْ شُرعت الكفارات للزجر، فالذي أفطر بالأكل والشرب عمداً مستحق للزجر، والذي أفطر بالجماع عمداً مستحق للزجر، إذ كلاهما عاصٍ بفطره منتهك لحرمة الشهر، وليس المفطر بالجماع وحده هو العاصي.

وإنْ شُرعتْ الكفارات للتكفير والستر، فإنّ الذي أفطر بالأكل أو الشرب محتاجٌ لتكفير ذنبه ومعصيته كما أن المفطر بالجماع محتاجٌ كذلك لتكفير ذنبه ومعصيته.

وقياس من نفى الكفارة على المستقيء من حديث: ( من ذرعه القيء فلا شيء عليه، ومن استقاء فعليه القضاء)(33). لا يكفي ولا يفي لنفي الكفارة عمن أفطر متعمداً بثلاثة وجوه:

الوجه الأول: أنّ كثيراً من العلماء فرّقوا بين من استقاء هكذا ومن استقاء عامداً فأوجبوا الكفارة على من استقاء عامداً دون الآخر، كالإمام أبي بكر الأبهري وابن الماجشون والقاضي عبد الوهاب أبو الفرج المالكي وغيرهم، وبعض الأئمة أوجبوا على المستقيء القضاء والكفارة كعطاء والأوزاعي وأبي ثور، وهذا موافق لمذهب من أوجب الكفارة، فلا يفي هذا القياس بمطلوبهم(34).

الوجه الثاني: أنّ المستقيء في معنى المكره، والقيء والاستقياء غالباً لا يكون إلا لمرض أو شبهه، فيلحق المستقيء بالمريض لا المتعمد، فغالباً ما يكون سببه المرض خفّ أو ثقل، فإما أن يقيء وإما أنْ يعجز عن القيء فيشق عليه الحال مشقة زائدة تضطره إلى الاستقاء، وهذا هو المعروف المشاهد الواقع، فالمناسب له القضاء كالمفطر مكرهاً، وكالمفطر لمرض. وقد وجدت لابن الماجشون اعتبار ذلك بعد أن قررته قال: ” من استقاء من غير مرضٍ متعمداً فعليه القضاء والكفارة”(35).

الوجه الثالث: أنّه قياس مع الفارق، والفارق أنّهما متعاكسان، فالقيءإخراج للطعام أو الشراب، والأكل والشرب إدخال لهما، وقد نبّه إلى هذا المعنى أبو هريرة رضي الله عنه حين قال: ” إذا قاء فلا يفطر، إنما يُخرج ولا يولج” كما في صحيح البخاري(36).

وهكذا نجد أنّ على من أفطر متعمداً دون عذر أو رخصة أو سبب مبيحٍ القضاء والكفارة . والله تعالى أعلم..

الحواشي

  1. راجع: المحلى لابن حزم ج4 ص 384.
  2. أخرجه البخاري في صحيحه برقم 1935 ـ 1936،
  3. أخرجه ابن ماجة في السنن برقم 1671.
  4. الإفصاح عن معاني الصحاح، لابن هبيرة، ج1 ص 204.
  5. راجع: المحلى بالآثار لابن حزم، ج4 ص 309وما بعدها.
  6. مصنف ابن أبي شيبة ج3 ص 106 برقم 9878.
  7. النسائي في السنن الكبرى، برقم 3271.
  8. البيهقي في السنن الكبرى برقم 7856. والطبراني في الكبير برقم 9459.
  9. شرح السنة للبغوي، ج6 ص 290.
  10. معرفة الآثار والسنن للبيهقي، ج6 ص ص268، برقم 2613. ويراجع: المغني لابن قدامة، ج3 ص 133، المجموع شرح المهذب للنووي، ج6 ص 339، المحلى لابن حزم ج4 ص 384.وفتح الباري لابن حجر، ج4 ص 190 وما بعدها.
  11. شرح السنة للبغوي ج6 ص 290. ونقل الإجماع هذا يناقض القول الأول. والعلم عند الله.
  12. سبق تخريجه في أقضية المرض في مسألة القيء للصائم. وراجع الاستذكار لابن عبد البر ج10 ص 103، بدائع الصنائع ج2 ص 92، الهداي مع البناية ج3 ص 317ـ 319، الأم للشافعي ج5 ص 106، المجموع ج6 ص 279، والحاوي الكبير للماوردي ج3 ص 419، المغني لابن قدامة ج3 ص 117، كشاف القناع ج2 ص 371.
  13. سورة القدر الآية 3 .
  14. راجع: معرفة السنن والآثار للبيهقي ج6 ص 269 برقم 2614.
  15. سنن الدارقطني برقم 2335، ج6 ص 89.
  16. انظر: المغني لابن قدامة، ج3 ص 131.
  17. انظر: بداية المجتهد، ج2 ص 179-180، القوانين الفقهية، لابن جزي ص 83، مواهب الجليل ج2 ص 387، البناية شرح الهداية ج4 ص 53، العناية شرح الهداية ج3ص 293، المجموع شرح المهذب ج6 ص 330، فقه الأوزاعي ج1 ص 389،الاستذكار لابن عبد البر ج10 ص 100، سنن الترمذي ج3 ص 102.
  18. السنن الكبرى للنسائي حديث رقم 9069، ج8 ص 234.وبرقم 9118.
  19. أخرجه الدارقطني في سننه برقم 2306، ج3 ص 167.
  20. الآيات: 3 و4 .
  21. أخرجه الدارقطني برقم 2308.
  22. أخرجه البخاري في صحيحه برقم 1935 ـ 1936،
  23. أخرجه ابن ماجة في السنن برقم 1671.
  24. مسند البزار برقم 8074.
  25. موطأ الإمام مالك حديث رقم 620
  26. السنن الكبرى للنسائي برقم 3099.
  27. مسند أبي يعلى حديث رقم 4663. وقال المحقق حسين سليم أسد: إسناده صحيح.
  28. مسند أبي يعلى حديث رقم 5725. قال حسين أسد: رجاله ثقات.
  29. سنن الدارقطني حديث رقم 2396، والطبراني في المعجم الكبير برقم752.
  30. كتاب الفقيه والمتفقه للخطيب البغدادي، ج1 ص 113.
  31. أخرجه البيهقي في السنن الكبرى برقم 7863، والدارقطني في السنن برقم 2266، وابن حبان في صحيحه برقم 3521، وصححه الحافظ ابن حجر في بلوغ المرام أنظره بشرح سبل السلام، ج2 ص 660، وحسنه الألباني في صحيح الجامع برقم 6070وشعيب الأرناؤوط في صحيح ابن حبان ج8 ص 287.
  32. فتح القدير للشوكاني ج2 ص 351، تفسير أبي السعود ج2 ص 284، تفسير النسفي ج1 ص 304.
  33. سبق تخريجه في أقضية المرض في مسألة القيء للصائم. وراجع الاستذكار لابن عبد البر ج10 ص 103، بدائع الصنائع ج2 ص 92، الهداي مع البناية ج3 ص 317ـ 319، الأم للشافعي ج5 ص 106، المجموع ج6 ص 279، والحاوي الكبير للماوردي ج3 ص 419، المغني لابن قدامة ج3 ص 117، كشاف القناع ج2 ص 371.
  34. راجع: المسالك في شرح موطأ مالك لابن العربي ج4ص225، وحاشية العدويي، ج1 ص 447، وفتح الباري لابن حجر، ج4 ص 206. وقد أتى الحافظ بخلاف ما نقله ابن العربي في المسالك عن الأبهري في إيجاب الكفارة عن المستقيء عمداً ، ففي المسالك:”قال أبوبكر الأبهري: إن استقاء عامداً فعليه الكفارة” وفي الفتح قال الحافظ:” واستدل الأبهري بإسقاط القضاء عمن تقيأ عمداًبأنه لا كفارة عليه على الأصح عندهم”. وابن العربي أعرف بأقوال أئمة المذهب. والله أعلم.
  35. انظر: حاشية العدوي، ج1 ص 447.
  36. صحيح البخاري ج4 ص 205، بشرح فتح الباري.
أ.د. عبدالله الزبير عبدالرحمن
س

خروج المعتكف لصلاة الجمعة

فتاوى الصيام · · سأل: من كتاب «سؤالات الصائمين» — أقضية الاعتكاف

كنا جماعة معتكفين في مسجد حيّنا الذي تقام فيه الصلوات الخمس ولكن لا تُصلَّى فيه الجمعة، فوجدنا أنفسنا أننا لا بدّ أن نخرج لصلاة الجمعة حيث تقام في مسجد واحد في القرية على بعد كيلو مترين من الحيّ، فقال بعض المعتكفين لو خرجنا بطل اعتكافنا، فهل هذا صحيح؟.

جواب فضيلة الشيخ

من كان معتكفاً في مسجد لا تصلّى فيها الجمعة، فواجب عليه الخروج لصلاة الجمعة بلا خلاف يُعلم بين أهل الفقه، ولكن هل خروجه للجمعة مع لزومه يبطل به اعتكافه؟ في بطلان اعتكافه اختلف الفقهاء على قولين:

القول الأول: ما ذهب إليه الجمهور، وهو أنّ خروجه للجمعة واجب ولا شيء عليه فيه، واعتكافه باقٍ صحيحاً لا يبطل بذلك.

وهذا قول الجمهور، أبي حنيفة وأحمد ومالك في رواية ابن الجهم عنه، وبه قال ابن المنذر، والحسن البصري، والثوري، وابن المبارك، والحسن بن حي، وسعيد بن جبير، وعمرو بن حريث، والشعبي، وأبو سلمة وغيرهم، وهو اختيار ابن العربي وابن الماجشون من أئمة المالكية وصححه القرطبي في تفسيره (1).

القول الثاني: ما ذهب إليه المالكية في المشهور أنّه إنْ اعتكف في غير المسجد الذي يجمَّع فيه لزمه الخروج لصلاة الجمعة فيخرج ويبطل اعتكافه بخروجه(2).

ووافقهم الشافعية في الصحيح من مذهبهم في حالتين:

أ ـ إذا كان الاعتكاف تطوعاً.

ب ـ إذا كان نذراً متتابعاً (3).

وحجتهم: أنه كان يمكنه الاحتراز من الخروج للجمعة بالاعتكاف في المسجد الذي تصلى فيه الجمعة، فقصّر(4).

والراجح: ما ذهب إليه الجمهور، وهو الذي اختاره وصححه كثير من أئمة المالكية، وذلك:

أـ لقول عليّ رضي الله عنه: ” من اعتكف فلا يرفث في الحديث ولا يساب، ويشهد الجمعة والجنازة وليوصل أهله إذا كانت له حاجة وهو قائم لا يجلس عندهم” (5).

ب ـ لأنّ الاعتكاف مأذون في عموم المساجد لقوله تعالى آية كريمة من كتاب سؤالات الصائمين والألف واللام للاستغراق والعموم، فلزم من ذلك أن يخرج إلى مسجد الجمعة.

ج ـ أن من عليه الجمعة كان الخروج مما لا بد له منه، لأنه لا يتم له حضور صلاة الجمعة إلا بالخروج من معتكفه، فكان خروجاً للضرورة.

الحواشي

  1. راجع: تفسير القرطبي ج2 ص 219، المغني لابن قدامة ج3 ص 131- 132، بدائع الصنائع ج2 ص 114. الاستذكار لابن عبد البر ج10 ص 281 – 283. وسنن الترمذي ج3 ص 168 الحديث رقم 805، المصنف لابن أبي شيبة ج3 ص 88.
  2. تفسير القرطبي ج2 ص 219، تبيين المسالك ج2 ص191.
  3. المجموع شرح المهذب ج6 ص 501، تبيين المسالك ج2 ص 191.
  4. المصادر السابقة.
  5. أخرجه عبد الرزاق في مصنفه برقم 8049، وابن أبي شيبة برقم 9724. وانظر فقه الاعتكاف د. خالد المشيقح، ص 118، وص 152 – 154.
أ.د. عبدالله الزبير عبدالرحمن
س

الاختلاف في بداية شهر رمضان

فتاوى الصيام · · سأل: من كتاب «سؤالات الصائمين» — مسائل الأركان

دائماً في كل سنة يختلف الناس في بداية شهر رمضان وكذلك في العيد، وهذا طبعاً يؤرق كثيراً من المسلمين ويجعلهم لا يثقون بصومهم ولا بفطرهم، وبعضهم يظنّ أنّ العلماء يختلفون فيما بينهم كثيراً من أجل أن يختلفوا لا غير، لأنهم يرون أنّ الصحيح أنْ لا يختلفوا في مثل رمضان وشوال، فما رأيكم؟ وما سبب هذا الخلاف الذي غالباً ما يقع سنوياً فيصوم بلد يوماً ويصوم بلدٌ آخر في يوم آخر؟.

جواب فضيلة الشيخ

اسمح لي أخي السائل أنْ أفصّل في جواب هذا السؤال شيئاً ما لأهميته ولأن الجواب يحتاج بالفعل إلى بعض التفصيل، فنقول بتوفيق الله تعالى:

أولاً: إنّ من المعلوم عند الفقهاء أنه لا يجب صيام رمضان إلاّ إذا ثبت دخول الشهر الكريم، وقد حكى ابن عبد البر رحمه الله عن جمهور أهل العلم أنّ” الأصل أنّه لا يصام رمضان إلاّ بيقين من خروج شعبان، كما لا يقضى بخروج رمضان إلاّ بيقين ” (1).

إذَنْ وحتى يصوم الناس رمضان لا بدّ من التيقن بدخول رمضان وخروج شعبان، وهذا ما يفعله علماء المسلمين في كل بلد، يجتهدون ويتحرون الشهر بطرق تحريه ليثبتوا خروج شعبان ودخول رمضان.

ثانياً: إنّ اختلاف الناس في بداية الصوم ونهايته مقرٌّ غير منكر و ليس فيه شئ يؤاخذ به فريق منهم، فهو مقرٌّ منذ عهد الصحابة من سلف الأمة الأخيار والقرون الخيرة عليهم رضوان الله تعالى، فعن كريب أن أم الفضل بنت الحارث بعثته إلى معاوية بالشام قال: ” فقدمت الشام فقضيت حاجتها، واستهلّ عليّ هلال رمضان وأنا بالشام، فرأينا الهلال ليلة الجمعة، ثم قدمت المدينة في آخر الشهر، فسألني ابن عباس رضي الله عنهما: متى رأيتم الهلال؟ فقلتُ: رأيناه ليلة الجمعة. فقال: أنت رأيته ليلة الجمعة؟ فقلتُ: رآه الناس فصاموا وصام معاوية. فقال: لكن رأيناه ليلة السبت، فلا نزال نصوم حتى نكمل ثلاثين يوماً أو نراه. فقلتُ: ألا نكتفي برؤية معاوية وصيامه؟ قال: “هكذا أمرنا رسول الله ﷺ ” (2).

وقوله: “هكذا أمرنا رسول الله ﷺ ” يدلّ على أنّ الصحابة رضوان الله عليهم وبأمر النبي ﷺ كانوا يقرّون الاختلاف في بداية الصوم ونهايته دون إنكار بعضهم على بعض، أو تعنيف بعضهم لبعض، مما يؤكّد أنّ أمر اختلاف بدايات الصوم بين الدول اليوم شئ لا يقلق ولا يخيف بل هو اختلاف سائغ مشروع ولا يدخل في مظاهر الفرقة والتنازع الممقوت والمذموم.

ثالثــاً: مما يجب أن نعلمه ونعرفه في هذه المسألة: أنّ الاختلاف في بدايات الصيام بين الدول مبنيٌّ على ما يُعرف باختلاف المطالع، ولا خلاف بين العلماء في حقيقة اختلاف المطالع في نفسها، والخلاف بينهم إنما هو في اعتبار اختلاف المطالع لا في نفس اختلاف المطالع وحقيقته، ثم اتفقوا أيضاً على اعتبار اختلاف المطالع بين الأندلس وخراسان(3).

ومع أنّ المشهور في مذهب الجمهور عدم اعتبار المطالع، وأنه إذا ثبت الهلال في بلد لزم الجميع، فإنّ من الفقهاء من قال باعتبار اختلاف المطالع وجواز الأخذ به والعمل بموجبه، كبعض الحنفية، وبعض المالكية كالإمام القرافي وابن الماجشون، فيكون الصوم عندهم برؤية البلد وإن خالفت رؤية بلد آخر، إلاّ إذا أمر الإمام الأعظم [الحاكم ] بالصوم برؤية غير البلد ـ كما يرى ابن الماجشون ـ.

ـ والمشهور للشافعية اعتبار اختلاف المطالع في القرب في حدود 72 ميلاً أو 133 كلم.

ـ والصنعاني صاحب سبل السلام يرى اعتبار اختلاف المطالع في البلاد المنفصلة، ولا عبرة باختلافها في البلاد القريبة والمتصلة بها من الجهات التي على سمتها، ” أي خطوط الطول” (4).

رابعـاً: جاءت الإشارة إلى اعتبار اختلاف المطالع وبالتالي اختلاف الناس في بداية رمضان ونهايته في القرآن الكريم في موضعين:

الموضع الأول: عند قوله تعالىآية كريمة من كتاب سؤالات الصائمين والشهر ههنا هلاله، وهذا يعني أنه قد يشهد هلال الشهر أهل السودان ولا يشهده أهل موريتانيا، وقد يشهده الناس في بلاد المشرق ولا يشهدونه في بلدان المغرب، فمن شهد منهم الشهر مطالب بالصوم، وبدلالة مفهوم، “ومن لم يشهد منكم الشهر فليس مطالباً بالصوم” فيتسبّب ذلك في أنْ يتقدّم هؤلاء ويتأخر أولئك.

والموضع الثاني: وهو أصرح من الأول، عند قوله تعالىآية كريمة من كتاب سؤالات الصائمين ويلاحظ أن الله تعالى جعل الأهلة مواقيت الناس ـ في عباداتهم خاصة وعاداتهم عامة ـ ، بينما جعلها ميقاتاً واحداً للحج، ومعنى ذلك: أنّ الهلال أهلة كثيرة في المواقيت كلها بما فيها مواقيت الصيام تتعدد وتتفاوت وتختلف باختلاف المطالع، ولكنه بالنسبة للحج ميقات واحد، وهذا موافق تماماً لواقع الحال في الأمة في تاريخها حيث إنهم مهما اختلفوا في بدايات شهر الصوم؛ فإنهم يتوحّدون يوم الحج الأكبر ويوم عرفة من غير اختلاف أو إبداء أدنَى تنازع، ولله الحمد والمنّة.

خامساً: مما يجب التنبيه إليه في شأن اختلاف الناس في إثبات شهر الصوم، أنّ في هذا الاختلاف منافع شرعية عظيمة، فإنّه به يطول شهر الرحمة والمغفرة والعتق من النّار، وتطول الأيام على أبواب الجنة المفتّحة وأبواب النار المغلّقة ببقاء شهر رمضان، كما تطول أيام التعطّل عن الإغواء بالشيطان، والاحتواء للشياطين ومردتها حتى يكثر مريدو التوبة والأوبة إلى الله، وحتى يكثر العائدون إلى ربهم، والفارّون إلى الله، فكلّ هذا الخير لو كان المطلع واحداً، وأيام الشهر في سائر الدنيا موحّدة لا تقبل التمدّد بتأخّر يوم بين مطلع ومطلع؛ لقلّ هذا الخير وانحصر، والله تعالى هو الرّحمن الرّحيم وسعت رحمته كل شئ، يمنّ على عباده من النفع والنفح ما يدفعهم به إلى جناته بكرمه وفضله، فليس شراً ـ إذنْ ـ أنْ يختلف الناس في أول الشهر فيبدأ هؤلاء اليوم ويبدأ أولئك غداً، ولا داعي للقلق بشأن ذلك أبداً.

الحواشي

  1. الاستذكار لابن عبد البر ، ج10 ص 19 .
  2. أخرجه الترمذي في كتاب الصيام، حديث رقم 963 ، وقال : هذا حديث حسن صحيح.
  3. راجع حاشيه ابن عابدين ج2ص96، الاستزكار لابن البر ج10ص30
  4. يراجع: بدائع الصنائع ، للكاساني ، ج2 ص 79ـ80 ، الاستذكار لابن عبد البر ج10 ص 18 .
أ.د. عبدالله الزبير عبدالرحمن

لديك مسألةٌ تُشكل عليك؟ استفتِ الشيخ

اكتب سؤالك وسيصل مباشرةً إلى مكتب فضيلة الشيخ، ويصلك الجواب على بريدك.

الردّ خلال ٣–٧ أيام بياناتك محفوظة ولا تُنشر ١١٦ فتوى منشورة
استفتِ الشيخ
فتوى مختارة

الاحتجام للصائم

صائم احتاج إلى الحجامة والفصد ، فهل يفسد ذلك صومه ؟

اقرأ الجواب