الجمعة 28 أغسطس 2026م
الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ

الرئيسيةبحوث ← حكم ترائي الهلال والآليات المطلوبة في ترائيه اليوم

حكم ترائي الهلال والآليات المطلوبة في ترائيه اليوم

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضلّ له ومنْ يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أنّ محمداً عبده ورسوله، أرسله بالهدي ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون. اللهم فصلّ وسلّم وبارك عليه، وعلى آله الطيبين الطاهرين وأصحابه الغرّ الميامين الذين شادوا الدين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

أما بعد:

فهذا بحثٌ كُتب بطلب من الأمانة العامة للمجمع الفقهي الإسلامي التابع لرابطة العالم الإسلامي بمكة المكرمة، سعيت فيه لتحقيق أهدافه التي طُلب من أجلها، فأجبت على السؤالين اللذَيْنِ كوِّن منهما موضوع البحث: حكم ترائي الهلال، والآليات المطلوبة في ترائيه اليوم.

فجعلت لكل منهما مبحثاً:

ـ المبحث الأول في حكم ترائي الهلال. فبحثت عن حكم الترائي في النصوص الشرعية من الكتاب ومن السنة القولية والفعلية والتقريرية، وفي أقوال الصحابة وأفعالهم رضوان الله عليهم، وعند التابعين، ومن تبعهم بإحسان ممن بعدهم. ثمّ وقفت على أقوال الفقهاء من المذاهب الأربعة المتبوعة رحمهم الله تعالى.

ـ والمبحث الثاني في الآليات المطلوبة في ترائي الهلال اليوم. فجعلت لكل آلية من الآليات الأربع مطلباً.

فربي الكريم أسأله أن يجعل هذا البحث موفقاً وقولي فيه سديداً وعملي فيه مقبولاً. وما توفيقي إلا بالله العلي العظيم، والحمد لله رب العالمين.

التمهيد: في ترائي الهلال – تعريفه وتاريخه

المطلب الأول: تعريف ترائي الهلال:

ترائي الهلال مركب إضافي مكوّن من جزأين الأول الترائي والثاني الهلال، وعادة أهل الفقه أن يعرفوا كل جزء على حدة ثم التعريف للمركب.

أولاً: تعريف الترائي:

الترائي مصدر تَراءى يتراءى ترائياً ، ويأتي في اللغة بأكثر من معنىً..

1ـ فالترائي من الرؤية عن قرب، إذا رأى بعضهم بعضاً(1)، ومنه قول الله تعالى ﴿ فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ. قَالَ كَلاَّ إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الشعراء : 61 ، 62]، وفي الحديث 🙁 إِنِّي بَرِيءٌ مِنْ كُلِّ مُسْلِمٍ يُقِيمُ بَيْنَ ظَهْرَانَيِ الْمُشْرِكِينَ)، قَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ! وَلِمَ ؟ قَالَ: ( لا تَرَاءَى نارَهُمَا)(2) أي: لا يتجاور المسلم والمشرك بل يتباعد عنه منزلة بحيث لو أوقد ناراً ما رآها (3).

2ـ والترائي من الرأْي وقبوله، ومنه قولهم: وفلان يَتَراءىَ برأي فلان إذا كان يرى رأيه ويميل إليه ويقتدي به(4).

3 والترائي من المراءاة والتصنع طلباً للرياء والسمعة ( 5 ) .
4 والترائي من الظهور عجباً أو طلباً للشهرة، ومن ذلك قول بعضهم:

لدجلة خبٌّ ليس لليمّ، إنها ترائي بحلم تحته جهل واثب(6).

وكقول الآخر:

وقامت ترائي يوم جمع فأفتنت برؤيتها من راح من عرفات(7).

5ـ والترائي من طلب الرؤية، ومنه قولهم: تراءى الناس الهلال، إذا طلبوا رؤيته، وهذا المعنى هو المقصود في هذا البحث.

ثانياً: تعريف الهلال :

الهلال في أصل اللغة من هلّ يهلّ إذا فرح، وهلّ يهلّ إذا صاح، وأهّل الرجل نظر إلى الهلال، وأهللنا هلال شهر كذا واستهللناه؛ رأيناه، وأهللنا الشهر واستهللناه رأينا هلاله المحكم، وأهلّ الشهر و استهلّ ظهر هلاله وتبين، وتقول العرب: انطلق بنا حتى نهل الهلال أي ننظر أنراه، وأتيتك عند هِلّة الشهر و هلّه و إهلاله؛ أي استهلاله(8).

والهلال هو غرّة القمر حين يهلّه الناس في غرة الشهر.

وفيمَ يسمى الهلال هلالاً أقوالٌ عدة، منها:

1ـ قيل: يسمَّى هلالاً لليلتين من الشهر ثم لا يسمى به إلى أن يعود في الشهر الثاني..

2 وقيل: يسمَّى به ثلاث ليالٍ ثمّ يسمّى قمراً..
3 وقيل: يسمّى هلالاً حتى يحجر..

4ـ وقيل: يسمّى هلالاً إلى أن يبهر ضوؤه سواد الليل، وهذا لا يكون إلاَّ في الليلة السابعة.

5ـ وقيل: يسمَّى هلالاً لليلتين من أول الشهر، ولليلتين من آخر الشهر ست وعشرين وسبع وعشرين هلالاً ويسمى ما بين ذلك قمراً.

6ـ وقيل: سمِّي الهلال هلالاً لأنّ الناس يرفعون أصواتهم بالإخبار عنه(9).

وعلى هذا يكون المراد من ترائي الهلال:« طلب رؤية الهلال والتماسه في الأفق في أول كل شهر قمري » .

المبحث الأول: في حكم ترائي الهلال

البحث في حكم الترائي سيكون بتوفيق الله تعالى وعونه من خلال مطلبين، هما:

ـ مشروعية ترائي الهلال في الجملة.

ـ المذاهب الفقهية في حكم الترائي.

المطلب الأول: مشروعية ترائي الهلال:

مشروعية ترائي هلال شهر رمضان وشوال وذي الحجة لا شك في مشروعيته، بل لا يتصور أن أحداً من أهل العلم يذهب إلى عدم مشروعيته.

والموجب للاتفاق بين الأئمة على مشروعية ترائي الهلال النقل والعقل.

أولاً: أدلة النقل:

أما النقل؛ فبثلاثة نقول تثبت مشروعية الترائي: السنة النبوية، والآثار الصحابية، والمنقول من أحوال الأمّة في سائر الأعصار وجميع الأمصار.

1 السنن الدَّالة على مشروعية الترائي:

من أقوى ما يدلّ على مشروعية الترائي سنن النبي الصحاح والحسان القولية والفعلية والتقريرية..

أ فمن السنن القولية الدالة على مشروعية الترائي :

1ـ حديث عبد اللَّهِ بن عُمَرَ رضي الله عنهما أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ذَكَرَ رَمَضَانَ فقال: (لا تَصُومُوا حتى تَرَوْا الْهِلالَ ولا تُفْطِرُوا حتى تَرَوْهُ فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَاقْدُرُوا له)(10).

2ـ حديث عبد اللَّهِ بن دِينَارٍ عن عبد اللَّهِ بن عُمَرَ رضي الله عنهما أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ قال: (الشَّهْرُ تِسْعٌ وَعِشْرُونَ لَيْلَةً فلا تَصُومُوا حتى تَرَوْهُ فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَأَكْمِلُوا الْعِدَّةَ ثَلاثِينَ)(11).

3ـ حديث أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قال: قال النبي : (صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ فَإِنْ غُبِّيَ عَلَيْكُمْ فَأَكْمِلُوا عِدَّةَ شَعْبَانَ ثَلاثِينَ)(12).

فهذه الأحاديث الثلاثة جمعت في الدلالة على مشروعية الترائي بين الأمر والنهي، الأمر بالصوم للرؤية ـ كما في حديث أبي هريرة ـ والنهي عن الصوم إلا بالرؤية ـ كما في حديثي ابن عمر رضي الله عنهما ـ فدل ذلك على أنّ الرؤية مشروعة مطلوبة حتى يقع الصوم بموجب الرؤية، وإلا إنْ لم تكن الرؤية مطلوبة ومشروعة لن يكون الصوم مطلوباً، والنصّ الصريح الطالب للصوم وارد في كتاب الله تعالى في قوله سبحانه ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ ﴾ [البقرة : 183]. فقوله ( صوموا لرؤيته ) و ( لا تصوموا حتى تروا الهلال ) دلاّ على أن ترائي الهلال وطلب رؤيته من أجل الصوم والفطر مشروع مطلوب.

4ـ حديث أبي هريرة أن النبي قال: ( أَحْصُوا هِلالَ شَعْبَانَ لِرَمَضَانَ )(13) وفي رواية: (أحصوا هلال شعبان لرؤية رمضان ) (14).

ومما قاله شُرَّاح هذا الحديث في معناه:

ـ قال في مرقاة المفاتيح : يعني أطلبوا هلال شعبان وأعلموه وعدوا أيامه لتعلموا دخول رمضان.

ـ وقال الطيبي: الإحصاء أبلغ من العد في الضبط لما فيه من أنواع الجهد في العد. ومن ثم كنى عنه بالطاقة في قوله استقيموا ولن تحصوا.

ـ وقال ابن حجر: أي اجتهدوا في إحصائه وضبطه بأن تتحروا مطالعه وتتراءوا منازله لأجل أن تكونوا على بصيرة في إدراك هلال رمضان على حقيقة حتى لا يفوتكم منه شيء.

ـ وقال العراقي: يحتمل أنّ المراد أحصوا استهلاله حتى تكملوا العدة إن غم عليكم، أو المراد تحرّوا هلال شعبان وأحصوه لرمضان ليترتب عليه الاستكمال أو بالرؤية (15).

فالمراد إذَنْ ترقب استهلال هلال شهر شعبان وتحريه لإحصاء شعبان من أجل صيام شهر رمضان، فجاء في معنى (أحصوا) فيما نقلناه: أطلبوا هلال شعبان واعلموه.. تحروا مطالعه.. تراءوا منازله.. تحرّوا هلال شعبان وكلها طالبة لترائي الهلال، مما يعني أن النبي طلب منا أن نتراءى الهلال ونتحراه ونطلب رؤيته ونجتهد في ذلك، وهذا من أدلّ الدلائل على مشروعية ترائي الهلال بأمره عليه الصلاة والسلام، خاصة أنه إنما أمر بإحصاء هلال شعبان من أجل رؤية هلال رمضان، فكان واضح الدلالة على مشروعية الترائي وأنه أمر مطلوب شرعاً.

ب ومن السنن الفعلية الدالة على مشروعية الترائي:

حديث عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قالت:« كَانَ رَسُولُ اللهِ يَتَحَفَّظُ مِنْ شَعْبَانَ مَا لاَ يَتَحَفَّظُ مِنْ غَيْرِهِ، ثُمَّ يَصُومُ لِرُؤْيَةِ رَمَضَانَ، فَإِنْ غُمَّ عَلَيْهِ عَدَّ ثَلاَثِينَ يَوْمًا ثُمَّ صَامَ »(16). وفي رواية ابن حبان وابن خزيمة بلفظ: ( كَانَ رَسُولُ اللَّهِ يَتَحَفَّظُ مِنْ هِلالِ شَعْبَانَ مَا لا يَتَحَفَّظُ مِنْ غَيْرِهِ ..)(17).

والتحفظ من الحفظ، والحاء والفاء والظاء أصلٌ واحدٌ يدلّ على مراعاة الشيء(18).

والتحفظ قلَّة الغفلة حذراً من السقطة في الكلام وسائر الأمور(19)، والتحفظ هو التوقِّي(20)، أي التوقّي من الوقوع في الخطأ أو الخطيئة، وفيه معنى التحرِّي والاجتهاد والضبط، ومن ذلك قول معنٍ في الإمام مالك رحمهم الله تعالى، قال معنٌ: « كان مالك يتحفظ من الياء والتاء في حديث رسول الله » (21) . أي يتحرى ويجتهد حتى لا يغفل عن حرفٍ واحدٍ حذراً من الخطأ في كلام رسول الله فيجتهد في ضبط كل حرف فيه. ومنه أيضاً قول يعقوب بن عطاء في أبيه رحمهم الله تعالى ، قال: « ما رأيت أبي يتحفظ في شيء ما يتحفظ في البيوع »(22). أي يتحرى الحلال، ويحتاط لنفسه من الوقوع في بيع محرم، ونحو ذلك.

ومن هذا تتضح دلالة ما كان يفعله النبي من التحفظ والتحري لهلال شعبان ليصحّ له صوم رمضان من أول يوم فيه، فكان بفعله وحاله يدعو إلى ترائي هلال هذه الشهور المباركة.

قال في مرقاة المصابيح: « كان رسول الله يتحفظ من شعبان أي يتكلَّف في عدِّ أيام شعبان لمحافظة صوم رمضان ما لا يتحفظ من غيره لعدم تعلّق أمر شرعي بغيره إلا شهر الحج وهو نادر لا يحتاج إليه كل أحد في كل سنة، مع أنّ ضبطه قد يبتنى على ضبطه»(23).

ج ومن السنن التقريرية الدالة على مشروعية الترائي:

خبر عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، قال: « تَراءَىَ النَّاسُ الهلالَ فأخبرت رسول الله أني رأيته فصامه وأمر الناس بصيامه »(24).

فهذا الترائي كان على عهده الشريف ، وقد علم بما فعل الناس من ترائيهم الهلال ولم ينكر عليهم، بل أقرّهم على الترائي وأخذ بما أخبر به ابن عمر رضي الله عنهما وأثبت دخول الشهر فصامه وأمر بصيامه.

فكان ذلك إقراراً منه بترائي الهلال. فثبتت مشروعية الترائي بسننه الثلاث: القولية والفعلية والتقريرية، ولله الحمد والمنة.

2 الترائي في عهد الصحابة :

وبذات الاهتمام الذي وجدناه في سنن المصطفى نجد أصحابه الكرام رضوان الله تعالى عليهم، فكانوا يجتهدون في التحرِّي لهلال شعبان ورمضان وذي الحجة، ويضبطونه، بطلبه وترائيه اعتناءً بالعبادات المرتبطة بابتدائه وانتهائه، وقد هدينا بفعلهم إلى مشروعية الترائي وأنه أمرٌ مطلوبٌ في شرعنا حقه أن نتبعهم فيه بإحسان رضي الله عنهم.

وقد فهم الصحابة رضي الله عنهم أمر النبي : (صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته) وأمره عليه الصلاة والسلام: (إذا رأيتم الهلال فصوموا وإذا رأيتموه فأفطروا) وربطه الصوم والفطر برؤيته دون غيرها في قوله:(إِنَّمَا الشَّهْرُ تِسْعٌ وَعِشْرُونَ، فَلاَ تَصُومُوا حَتَّى تَرَوْهُ، وَلاَ تُفْطِرُوا حَتَّى تَرَوْهُ) فهموا عن رسول الله ذلك فبادروا إلى ترائي الهلال حتى يصوموا برؤيته ويفطروا برؤيته.

ـ فعن البراء بن عازب أنّ عمر بن الخطاب كان ينظر إلى الهلال فرآه رجل فقال عمر : «يكفي المسلمين أحدهم». فأمرهم فأفطروا أو صاموا(25).

ـ وروي عن ابن عمر رضي الله عنهما أنّه كان إذا حلّت ليلة الثلاثين من شعبان يتحرَّى رؤية هلال رمضان.

قال نافع مولى ابن عمر: « كان ابن عمر رضي الله عنهما إذا مضى من شعبان تسع وعشرون نُظر له فإنْ رُئيَ فذاك، وإنْ لم يُرَ، ولم يحل دون منظره سحابٌ ولا قترة؛ أصبح مفطراً، وإنْ حال دون منظره سحاب أو قترة أصبح صائماً »(26).

وفي التمهيد لابن عبد البر عن نافع: « كان ابن عمر يبعث مساء ثلاثين من شعبان من ينظر» (27).

وفي سنن الدارقطني قال محمد بن مرشد: « كان ابن عمر إذا مضى شعبان تسعاً وعشرين يبعث من ينظر فإنْ رأَىَ فذاك، وإنْ لم يُرَ ولم يحل دون منظره سحاب ولا قتر؛ أصبح مفطراً، وإن حال دون منظره سحاب أو قتر؛ أصبح صائماً، وكان لا يفطر إلاَّ مع الناس»(28).

وعن أنس بن مالك قال: « كنا مع عمر بين مكة والمدينة، فتراءينا الهلال، وكنت رجلا حديد البصر فرأيته، وليس أحد يزعم أنه رآه غيري. قال: فجعلت أقول لعمر: أما تراه؟ فجعل لا يراه. قال: يقول عمر: سأراه وأنا مستلق على فراشي» الحديث(29).

فكلّ هذا يدلّنا على اهتمام الصحابة رضوان الله عليهم بالترائي، مما يعني أن الترائي كان من سنن أصحاب النبي .

3 الترائي في عهد التابعين:

ولما كان ذاك حال أصحاب رسول الله من الاهتمام والاعتناء بترائي الهلال؛ كان التابعون لهم بإحسان تابعين لهم في أمر الترائي لهم بإحسان، فعُلم من حالهم أنهم كذلك كانوا يتراءون الهلال رحمة الله تعالى عليهم.

فها هو أبو البَخْتَريّ سعيد بن فيروز الطائي أحد فقهاء الكوفة (ت 83هـ) يخبرنا عن ترائيهم الهلال. قال رحمه الله: « خَرَجْنَا لِلْعُمْرَةِ فَلَمَّا نَزَلْنَا بِبَطْنِ نَخْلَةَ، تَرَاءَيْنَا الْهِلاَلَ، فَقَالَ بَعْضُ الْقَوْمِ: هُوَ ابْنُ ثَلاَثٍ. وَقَالَ بَعْضُ الْقَوْمِ: هُوَ ابْنُ لَيْلَتَيْنِ. فَلَقِينَا ابْنَ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما فَقُلْنَا: إِنَّا رَأَيْنَا الْهِلاَلَ فَقَالَ بَعْضُ الْقَوْمِ: هُوَ ابْنُ ثَلاَثٍ، وَقَالَ بَعْضُ الْقَوْمِ: هُوَ ابْنُ لَيْلَتَيْنِ. فَقَالَ: أَىَّ لَيْلَةٍ رَأَيْتُمُوهُ؟ قَالَ: فَقُلْنَا: لَيْلَةَ كَذَا وَكَذَا. فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ « إِنَّ اللَّهَ مَدَّهُ لِلرُّؤْيَةِ فَهُوَ لِلَيْلَةِ رَأَيْتُمُوهُ »(30).

وبهذا يكون الترائي من سنن السلف الصالح رضوان الله تعالى عليهم، إذا كان هو حال المسلمين في عهد النبوة الميمون ثم كان كذلك في عهد الخلافة الراشدة ثم استمر الحال في ترائي الهلال إلى عهد التابعين لأصحاب النبي ﷺ بإحسان، فلا أدلّ على مشروعية الترائي من كل هذا، والحمد لله رب العالمين.

4 الترائي في عهود ما بعد التابعين:

ومن بعد التابعين لم يترك المسلمون ترائي الهلال إلى يومهم هذا، ففي كل عام عندما تُزفُّ الأيام بشرى وشوك قدوم شهر رمضان الكريم ؛ يستعد الناس لتحري رؤية الهلال حتى يعرفوا دخول الشهر وبدايته، ثم عند قرب انتهائه يتحرون رؤيته لمعرفة انتهائه.

وتدعوا المحاكم الشرعية المسلمين في كل بلد إسلامي لتحري الهلال، ويتلقون الشهادات وأخبار الترائي. وكان الناس يتحرون رؤية الهلال في آخر شعبان وآخر رمضان وآخر ذي القعدة من عند أنفسهم، حتى أصبحت من العادات الجارية في بلاد المسلمين، إلاّ أن ابن لهيعة في زمانه لما كان قاضياً وموسى بن علي بن رباح المحدث الثقة على الإمارة سنّ سنّة رسمية حين وقعت حادثة وهو على القضاء ، وهي أنّ الناس طلبوا هلال شهر رمضان؛ فلم يره أحد، وأتى رجلان وزعما أنهما رأيا الهلال، فبعث بهما الأمير موسى بن علي بن رباح إلى ابن لهيعة؛ فسأل عن عدالتهما فلم يُعرفا، واختلف الناس وشَكُّوا، فلمَّا كان العام المقبل خرج عبد الله بن لهيعة بنفسه في نفرٍ من أهل المسجد عُرفوا بالصلاح؛ فطلبوا الهلال وكانوا يطلبونه بـ”الجيزة”، ثم تعدوا الجسر في زمن هشام بن أبي بكر البكري وطلبوا الهلال في جنان بن أبي جبيش.(31)

وبهذا سنَّ ابن لهيعة لمن بعده من القضاة هذه السُّنة الحسنة؛ فكانوا يخرجون إلى جامع (عبود) بسفح المقطم لترائي الهلال في شهري رجب وشعبان احتياطاً لإثبات هلال رمضان. ولتحقيق هذا الغرض أُعدت للقضاة دكة عُرفت بـ “دكة القضاة” بجبل المقطم ترتفع عن المساجد يجلسون عليها لنظر الأهلة منها، وقد بُني في العهد الفاطمي مسجد مكان هذه الدَّكة، استمرت هذه السنة الرسمية لقضاة الدولة حتى أبطل الخلفاء الفاطميون ترائي القضاة للأهلة، وجعلوا الشهور الرمضانية شهرًا تسعة وعشرين يومًا، وشهراً ثلاثين؛ فإذا وقع رمضان في أحدهما أمضوه كما هو، وأصبح ركوب الخليفة الفاطمي أول رمضان يقوم مقام الرؤية عندهم، ولكن الخليفة الفاطمي الحاكم بأمر الله أباح صوم رمضان بالرؤية لمن يريد، وقد ترك القضاة في العهود الأخيرة الخروج للرؤية، وتحول ذلك إلى المفتين الذين يقومون بهذه المهمة (32)، ولكن دون خروج بالناس للترائي، واكتفوا عن ذلك لتلقي الأخبار بالرؤية ممن يتراءون الهلال في هذه الليالي.

وعلى كلٍّ: ثبتت مشروعية ترائي الهلال، بالنقل عن رسول الله وعن أصحابه الكرام رضوان الله عليهم وعن من اتبعوهم بإحسان ثم عن من بعدهم، حتى كان الترائي سنة ماضية وعادة إسلامية يقرّها الشرع ويدعوا إليها الإسلام. وبقي أن نرى هل العقل يدل كذلك على مشروعية الترائي.

ثانياً: دليل العقل:

إن جملة من العبادات الواجبة ارتبطت بالأهلة ابتداءً وانتهاءً، فلولا تراءاها الناس وتحروا بدايته ونهايته لضاعت واجبات ولم يتحقق الامتثال ولا الاستجابة لله رب العالمين، إذ هي مرتبطة بزمان يثبت بالأهلة، قال الله تعالى ﴿ يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ ﴾ [البقرة : 189].

والأهلة هي التي تثبت بها الشهور، والشهور القمرية ترتبط بها مواقيت لمنافع وعبادات دينية ومنافع شرعية دنيوية، أما العبادات والمنافع الدينية:

فأوّلها الصوم، قال تعالى ﴿ شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِى أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ ﴾[البقرة 185].

وثانيها الحج، قال تعالى ﴿ الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ ﴾[البقرة 197].

وثالثها عدة المتوفى عنها زوجها، قال تعالى ﴿ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾[البقرة 234].

ورابعها النذور التي تتعلق بالأوقات.

وأما المنافع الدنيوية المرتبطة بالشهور القمرية فكالمداينات والإجارات وكمدة الحمل والرضاع كما في قوله تعالى ﴿ وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاَثُونَ شَهْراً ﴾[الأحقاف، 15] وغيرها(33).

فكل ذلك مما لا يسهل ضبط أوقاتها إلا بإثبات الشهر، والشهر لا يمكن أن يثبت إلا برؤية الهلال، فكان من المطلوب عقلاً أن يشرع الترائي للهلال.

وبهذا تعاضد النقل والعقل في الدلالة على مشروعية ترائي الهلال، فلننظر إلى مواقف المذاهب الفقهية من حكم الترائي.

المطلب الثاني: المذاهب الفقهية في حكم ترائي الهلال:

بعد أن ثبتت مشروعية الترائي في الجملة وبما لا يتصور معه وقوع خلاف في مشروعيته؛ ذهب الأئمة في المذاهب الفقهية المتبوعة وغيرها في الحكم التكليفي لترائي الهلال مذاهب، لكنها جميعاً لا تخرج عن المشروعية بالطبع. وبيان ذلك فيما يلي:

أولاً: حكم الترائي عند الحنفية:

نصّ الحنفية في كتبهم على حكم الترائي، ذاهبين ـ من غير خلاف بينهم يُعرف ـ إلى أنّ الترائي فرض على الكفاية، يجب على الأمّة أن يتراءوا فإنْ قام بهذا الواجب جماعة يستكفي بهم الناس فتراءوا الهلال بدرجة يطمئنون لترائيهم وما انتهوا إليه؛ سقط الفرض عن البقية، وإلا أثم الجميع إنْ تركوا الترائي أو لم يستكفوا بمن يتراءى الهلال.

ـ قال برهان الدين المرغيناني في البداية: « وينبغي للناس أن يلتمسوا الهلال في اليوم التاسع والعشرين من شعبان فإن رأوه صاموا وإن غم عليهم أكملوا عدة شعبان ثلاثين يوما ثم صاموا»(34).

قال في الهداية شرح البداية(35): « لقوله ﷺ : ( صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته، فإنْ غُمَّ عليكم الهلال فأكملوا عدة شعبان ثلاثين يوماً» اهـ.

ـ وجاء في الفتاوى الهندية(36): « يجب أن يلتمس الناس الهلال في التاسع والعشرين من شعبان وقت الغروب فإن رأوه صاموه، وإن غم أكملوه ثلاثين يوماً.. وكذا ينبغي أن يلتمسوا هلال شعبان أيضاً في حق إتمام العدد » اهـ.

ـ وجاء في شرح فتح القدير(37): « وينبغي للناس أي يجب عليهم وهو واجب على الكفاية قوله لقوله عليه الصلاة والسلام في الصحيحين (صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته فإن غم عليكم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين يوماً) ..»اهـ.

ـ و في الاختيار لتعليل المختار(38): « “ويجب أن يلتمس الناس الهلال في التاسع والعشرين من شعبان وقت الغروب” وهو المأثور عنه عليه الصلاة والسلام وعن السلف، “فإن رأوه صاموا، وإن غمّ عليهم أكملوه ثلاثين يوماً ” لقوله عليه الصلاة والسلام: (صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته، فإن غمّ عليكم فعدوا شعبان ثلاثين يوماً ) ولأنّ الشهر كان ثابتاً فلا يزول إلا بدليل، وهو الرؤية أو إكمال العدة ، وهكذا الحكم في كل شهر»اهـ.

ويستفاد مما نقلناه عنهم:

1 أن ترائي الهلال والتماسه واجب على الكفاية عند الحنفية.

2ـ أن الوجوب الكفائي مؤقت بوقت الغروب من ليلة الثلاثين من شهر شعبان لأنه المأثور عن النبي وعن السلف .

3ـ أن هذا الوجوب ليس فقط لإثبات شهر رمضان وشوال، بل لإثبات شهر شعبان كذلك، بل لإثبات الشهور كلها ويشهد له قول الموصلي: « وهكذا الحكم في كل شهر ».

4ـ أنّ كلمة [ ينبغي ] في كلام بعض الحنفية يعني الوجوب الكفائي عندهم، قال في البحر الرائق: «لا شك في وجوبه على الناس وجوب كفاية، و”ينبغي” في كلام بعضهم بمعناه»(39)، أي بمعنى وجوب الكفاية، وفي الجوهرة النيرة:« قوله:( وينبغي للناس أن يلتمسوا الهلال في اليوم التاسع والعشرين من شعبان ) أي يجب »(40).

5 أنهم استدلوا على وجوب الترائي بثلاثة أمور:

أ ـ بقوله 🙁 صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته، فإنْ غُمَّ عليكم؛ فأكملوا عدة شعبان ثلاثين يوماً ).

ب ـ بالمأثور عن النبي وعن السلف رضوان الله عليهم أنهم كانوا يلتمسون هلال شعبان عند غروب يوم التاسع والعشرين من شعبان.

ج ـ بالأصل في أنّ الشهر يكون باقياً ولا يثبت خروجه إلا برؤية أو إكمال، فكان الترائي واجباً لتتم الرؤية وإلا فالإكمال.

ثانياً: حكم الترائي عند المالكية:

لم يرد عن المالكية تصريح بحكم الترائي، ولا وقفنا على بحث لهم للمسألة في كتبهم ومصادر مذهبهم ـ فيما نظرنا فيها ـ ولكن كان بعض مشايخنا الذين درسنا عليهم بعض كتب المالكية أيام الطلب في هذه المسألة يقولون: «تحرِّي الهلال ليلة التاسع والعشرين من شعبان فرض كفاية بالنسبة للأمة وسنة للعامة»، وأيضاً حدثني كثير من إخواننا أنّ شيوخهم الذين درّسوهم هذه المسألة ذكروا أن التماس الهلال فرض كفاية على الأمّة وسنة للعامّة.

ولعل ما ذكره أولئك الشيوخ رحمة الله تعالى عليهم هو المذهب، أي سنية الترائي، واستحباب التماس الهلال ليلة التاسع والعشرين من شعبان، وذلك للآتي:

أولاً: إنّ فقهاء المذهب المالكي لم يروا ضرورة التنصيص على حكم الترائي في كتبهم لأنّ الناس بأنفسهم حريصون على ترائي هلال رمضان وشوال، وإنْ كان ذلك حالهم؛ فلا يحتاجون إلى تذكير ولا إلى تنصيص بحُكْمه، لأنهم يقيمون الحكم ويمتثلون الأمر، فها هو النفراوي رحمه الله يقول : «جميع الناس تحرص على رؤية الهلال» (41). ولا يتحقق هذا الحرص على رؤية الهلال بلا تراءٍ للهلال وبلا طلبٍ لالتماسه.

ثانياً: قال الإمام الباجي رحمه الله في شرحه لحديث: (الشَّهْرُ تِسْعٌ وَعِشْرُونَ لَيْلَةً، فلا تَصُومُوا حتى تَرَوْهُ فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَأَكْمِلُوا الْعِدَّةَ ثَلاثِينَ)(42) قال: «يحتمل أن يريد بقوله: (الشهر تسع وعشرون ) التنبيه على ترائي الهلال لتسع وعشرين من شعبان وتسع وعشرين من رمضان»(43).أي أن قوله :(فلا تصوموا حتى تروه) يلزم أن يترائى الناس الهلال ليلة تسع وعشرين حتى يعرفوا هل وُجد سبب وجوب الصوم أم لا. ولا يكون ذلك إلا بالترائي، فكان الترائي ـ إذنْ ـ في هذه الليلة واجباً على الكفاية، لأنّه مما لا يتم واجب الصوم إلاَّ به.

ثالثاً: إنَّهم في كلامهم عن قبول شهادة الواحد بالرؤية، يفرّقون بين المحل الذي يُعتنَى فيه بأمر الهلال وبين المحل الذي لا يُعتنَى فيه بأمر الهلال، فيقبلون بشهادة الواحد في المحل الذي لا يُعتنَى فيه بأمر الهلال بينما يبقى اشتراطهم في ثبوت الشهر بشهادة الاثنين في المحل الذي يُعتنَى فيه بأمر الهلال. وهذا التفريق فيه دلالة على اعتبارهم أن الاعتناء بأمر الهلال واجبٌ أو مستحبٌ على أقل تقدير، لأنّ الهلال أمره شرعيٌ، فيكون الاعتناء به مطلوبٌ شرعيٌ، والمطلوب الشرعي الذي يتطلب الاعتناء به أقل أحكامه الاستحباب.

رابعاً: قال ابن الماجشون : إذا كان الناس مع إمام يضيع أمر الهلال فلا يدعوا ذلك من أنفسهم (44).

هذا الكلام فيه إشارة ظاهرة إلى أنّ أمر الهلال ينبغي أن لا يضيع، والذي يضيع هو الحق أو المصلحة الواجبة التحصيل، فيبدو أن ترائي الهلال يجب عندهم على الكفاية.

وفي قوله: ( فلا يدعوا ذلك من أنفسهم) يظهر لي أنه بالتحريك (يَدَعُوا ) والمعنى على هذا: فلا يجوز لهم أن يَدَعوا أي يتركوا أمر الهلال من أنفسهم بل يجب عليهم ترائيه.

خامساً: وبعد بحثٍ وجدت للقاضي أبي بكر بن العربي رحمه الله في كتابه: (المسالك في شرح موطأ مالك) كلاماً واضحاً في وجوب الترائي على الناس في حالة ما إذا ضيّع الإمام أمر الهلال فقال: «مسألة: فإذا ضيّع الإمام أمر الهلال، وجب على الناس أن يتفقدوا ذلك من أنفسهم عند أهل القطر ومن يُقتدَى به، لأن صوم رمضان من فروض الأعيان لا من فروض الكفايات»(45).

وفي كلامه هذا تفصيلٌ جيّد في حكم الترائي، فيما فهمناه:

أ ـ أنّ ترائي الهلال واجب على الإمام ولا يجوز له أن يضيعه. وعلى هذا يستحب في حقّ غيره من العامّة.

ب ـ أنّه إذا ضيّع الإمام واجبَ الترائي وتكاسل عن القيام به؛ لا يُعفى عامة الناس عن ترائيه، ولا يجوز لهم أن يضيّعوه معه، بل ينتقل حينئذ الوجوب فيشملهم معه على التعيين، لأنّ ترائي الهلال متعلق به واجب عيني هو صيام شهر رمضان.

فيظهر ـ والله أعلم ـ أن الترائي عند المالكية على التفصيل بالحالات الأربع الآتية:

1ـ أنه فرض كفاية على الأمّة حتى يستكفوا من يترائى الهلال حتى تثبت الرؤية ويثبت دخول الشهر أو عدمه.

2 أنّه مستحب مسنون بالنسبة للأفراد طالما حصلت الكفاية.

3ـ أنّ المعنِيّ بهذا الواجب هو الإمام، فلا يجوز له أن يضيع أمر الهلال ويتكاسل في التماسه.

4ـ أنه لو ضيع الإمام أمر الهلال وتكاسل في طلب ترائيه؛ ارتفع الاستحباب في حق الناس إلى الوجوب فلا يجوز لهم أن يتركوا ترائيه والتماسه لأن الإمام تركه وأهمله، بل يجب عليهم ترائيه والتماسه في ليلة التاسع والعشرين. والحمد لله رب العالمين.

ثالثاً: حكم الترائي عند الشافعية:

أصبح من المعروف لدى كثيرٍ من الباحثين في حكم الترائي أنّ الشافعية رحمهم الله تعالى لم يتحدثوا عن ذلك ولم ينصوا أو يصرحوا بحكم الترائي في شيء من كتبهم. وقد وقفت على عدد من البحوث التي ذكر أصحابها أنّ الشافعية لم يذكروا حكم الترائي، ولكنني وبعد بحث طويل وصلت إلى ما يدلني على رأي الشافعية في أمر الترائي وحكمه.

فالإمام السبكي رحمه الله ينقل لنا كلاماً مهماً عن المواقيت التي تحتاج إلى الهلال تفسيراً لقوله تعالى ﴿ يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ ﴾ [البقرة : 189]. ينتهي فيه إلى أن من المهم صرف بعض العناية إلى معرفة دخول الشهر شرعاً.

وهذا يعني أن أمر ترائي الهلال وتحري دخول الشهر ـ ولا يكون إلا بذلك ـ أمرٌ شرعيٌ مهم ينبغي أن يصرف بعض العناية إليه، بما يفيد أن الترائئ حكمه الاستحباب أو الإيجاب، لأن الأمر الشرعي المهم أقله الاستحباب.

ففي فتاوى السبكي: « قال الشيخ الإمام رحمه الله: قال الله سبحانه ﴿ يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ ﴾ والمواقيت التي تحتاج إلى الهلال ميقات صلاة العيد والزكاة وصدقة الفطر وصيام رمضان والفطر منه وصيام الأيام البيض وعاشوراء وكراهية الصوم بعد نصف شعبان وصيام ست من شوال ومعرفة سن شاة الزكاة وأسنان الإبل والبقر فيها والاعتكاف في النذر والحج والوقوف والأضحية والعقيقة والهدي والآجال والسلم والبلوغ والمساقاة والإجارة واللقطة وأجل العنة والإيلاء وكفارة الوقاع والظهار والقتل بالصوم والعدة في المتوفى عنها وفي الآيسة والاستبراء والرضاع ولحوق النسب وكسوة الزوجة والديات وغير ذلك فكان من المهم صرف بعض العناية إلى ذلك ومعرفة دخول الشهر شرعاً »(46).

ولو اطلعنا على كثير من كتب المذهب نجد أنهم يهتمون بأمر ترائي الهلال ويعتبرون الاهتمام به مطلوباً شرعياً.

ففي قليوبي وعميرة : « ولو كانت السماء مصحية وتراءى الناس الهلال فلم يتحدث برؤيته فليس بيوم شك ، وقيل هو يوم شك ، ولو كان في السماء قطع سحاب يمكن أن يرى الهلال من خلالها وأن يخفى تحتها ، ولم تتحدث الناس برؤيته ، فقيل : هو يوم شك ، وقيل : لا قال في الروضة : الأصح ليس بشك»(47).

وفي شروح المنهاج نجد ذلك، كما في شرح المحلي ونهاية المحتاج .

قال في شرح المحلي: «ولو كانت السماء مصحية وتراءى الناس الهلال فلم يتحدث برؤيته فليس بيوم شك، وقيل هو يوم شك، ولو كان في السماء قطع سحاب يمكن أن يرى الهلال من خلالها وأن يخفى تحتها، ولم تتحدث الناس برؤيته، فقيل: هو يوم شك، وقيل: لا قال في الروضة: الأصح ليس بشك»(48).

فنجدهم في ذلك كله يجعلون يوم الشك هو اليوم الذي تكون فيه السماء مصحية وأن يكون الناس قد تراءوا الهلال ثم لم يتحدث أحدٌ برؤيته. بل حتى لو كان في السماء بعض سحب وغيم بحيث يمكن أن يُرى الهلالُ من خلالها يعتبر يوم شك إذا لم يره أحد أو لم يتحدث برؤيته أحد.

وصورة الترائي ههنا تتطلب اجتهاداً وتحرياً وبحثاً، فكان الترائي في هذه الصور قوياً قد بُذل فيه جهد واضح، مما يدل على أنّ أمر الترائي ـ عند الشافعية ـ مطلوب شرعي أقل أحواله الاستحباب إنْ لم يكن الوجوب والإلزام.

بل الشافعية رحمهم الله تعالى يجعلون القعود عن الترائي تقصيراً يقابله الحكم بوجوب القضاء على الفور إذا لم يتراء الناس الهلال وكان يوماً من رمضان.

فقد سئل ابن حجر الهيتمي رحمه الله تعالى عن قضاء يوم ثلاثين شعبان إذا ثبت كونه من رمضان وليس يوم شك لكونه لم يتحدث الناس برؤيته هل يجب قضاؤه فوراً كما قيل به في يوم الشك أم لا يجب؟ فأجاب بقوله: « ملحظ وجوب الفورية في ذلك إنما هو تقصيرهم بعدم الاعتناء بترائي الهلال مع أنه موجودٌ، بدليل ثبوت وجوده، ولا عبرة بوجود نحو غيم مانع، لندرته في خصوص ليلة رمضان، وإذا تقرّر أنّ هذا هو ملحظ وجوب الفورية الذي لا محيص عن اعتباره في إيجابهم الفورية؛ اتجه أنّ المراد بيوم الشك هنا هو يوم ثلاثين شعبان سواء تحدث الناس برؤيته أم لا، لأنّ التحدّث بذلك لا مدخل له هنا في إيجاب الفورية، وإنما موجبها ما قررته »(49).

ولو تفهمنا جوابه رحمه الله؛ نعرف أنّ ترائي الهلال في آخر شعبان ـ عنده ـ مطلوبٌ شرعاً، وبالتالي يلزم الاعتناء بترائيه، وعدم الاعتناء بترائيه تقصير يوجب فورية القضاء، وهذا لا يكون إلا إذا كان الترائي واجباً لمريدي الصوم.

والشافعية فرقوا بين من نسي النية في الصوم وبين من يترائى الهلال أول ليلة من الشهر ثم ثبت أنه كان من الشهر ، فأوجبوا القضاء على الفور في عدم الترائي بخلاف نسيان النية فالقضاء فيه على التراخي.

جاء في حاشية الجمل: « في الصوم من نسي النية لا يجب عليه القضاء فوراً، وعليه فيمكن الفرق بين هذا وبين ما لو لم ير الهلال أول ليلة من الشهر؛ فإنه يجب فيه القضاء على الفور، بأنه في تلك يجب عليه التحري إما بإمعان النظر أو بالبحث عنه فإذا لم يره ولا أخبر به، ثم تبيَّن أنه من الشهر؛ نُسب إلى تقصيرٍ في الجملة»(50).

ويكفيني دلالة على مذهبهم في إيجاب الترائي هذا التصريح بوجوب التحري بأحد طريقين: إما بإمعان النظر أو بالبحث عنه، كما قال: «عليه التحري إما بإمعان النظر أو بالبحث عنه فإذا لم يره ولا أخبر به، ثم تبيَّن أنه من الشهر؛ نُسب إلى تقصيرٍ في الجملة».

وابن حجر الهيتمي رحمه الله لَمَّا سئل عن مصلٍّ وَقْتَ ترائي الهلال هل ينظر إلى محل سجوده في صلاته عملاً بإطلاقهم تحصيل السنة أو إلى مطلع الهلال؛ لأنّ ترائيه فرض كفاية والقياس على رؤية المصلي عند الكعبة إليها عند من اختاره قياس أولى إن لم يكن مساوياً لأن نظرها سنة والترائي فرض كفاية، حتى لو قيل به على المعتمد من نظر المصلي محل السجود ولو عندها لم يكن يعيد الفريضة(51) الترائي أو يفرق بأن ترائي الهلال في الصلاة فيه تفرقة ليست في نظر الكعبة، ويزيد الفرق بأنهم لم يستثنوا حالة الترائي في عموم قولهم: ينظر إلى محل السجود، مع الجزم بأن هذه الحالة لا تعزب عنهم، وهو الذي يتبادر إلى رأي الفقيه بل المتفقه. فأجاب بقوله: « النظر للسماء في الصلاة مكروهٌ إلا لحاجة، فإن فرض احتياجه لترائي الهلال لانحصاره فيه مثلاً؛ لم يكره، وإلا كره، ولا نظر لكونه فرض كفاية، لما تقرر أن الفرض عدم انحصاره فيه، فلم تعم الحاجة إليه وهذا التفصيل ظاهر لا غبار عليه فلا يعول على غيره، والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب»(52).

ومن السؤال وجواب الشيخ الهيتمي رحمه الله يستفاد أمران:

الأمر الأول: أن ترائي الهلال عند الحاجة إليه فرض كفاية، وكونه فرض كفاية لا إشكال فيه عند الشافعية.

الأمر الثاني: أنّ وجوب ترائي الهلال الكفائي يعني عدم انحصار الفرض فيه، وفائدة عدم انحصار الكفائي: أن الترائي في حالة عدم احتياجه إليه وعدم عموم الحاجة إليه يكون مستحباً في حقه، وإذا صار مستحباً؛ كُرِهَ له أن ينظر إلى مطلع الهلال ويترك محل السجود أثناء الصلاة.

وبهذا نجد أنّ الترائي عندهم تعتريه ثلاثة أحكام تكليفية:

أولها: أنه فرض كفاية عند عموم الحاجة إليه وإذا احتاج هو إليه.

ثانيها: أنه مستحبٌ عند عدم الحاجة إليه أو عدم عموم الحاجة إليه.

ثالثها: أنه يكره الترائي أثناء الصلاة بالتحري والنظر إلى مطلع الهلال، وترك النظر إلى محل السجود، لأن الحاجة إلى الاشتغال بأفعال الصلاة أولى في هذه الحالة.

بل وجدنا التصريح بحكم الترائي عن أئمتهم، حيث نقل الشيخ سليمان البجيرمي في حاشيته على شرح المنهاج عن محمد الشوبري تصريحه بوجوب الترائي.

ففي الحاشية: «وسئل شيخ الإسلام الشيخ محمد الشوبري بما صورته تعهد رؤية هلال رمضان أول ليلة هل تسن أو تجب؟ وإذا قلتم بالسنية أو الوجوب؛ فهل يكون على الكفاية أو الأعيان؟ وهل مثله تعهد هلال شوال لأجل الفطر أم لا ؟ وهل يكون هلال شعبان لأجل الاحتياط لرمضان مثل هلال رمضان أم لا ؟ فأجاب: ترائي هلال شهر رمضان من فروض الكفاية وكذا بقية الأهلة لما يترتب عليها من الأحكام الكثيرة والله أعلم »(53).

وقال في بغية المسترشدين: « فائدة ترائي هلال رمضان كغيره من الشهور فرض كفاية لما يترتب عليها من الفوائد الكثيرة »اهـ(54).

وعليه: فخلاصة القول في حكم الترائي عند الشافعية أنه:

1ـ فرضٌ على الكفاية ، وقد ذكر هذا الحكم منهم: ابن حجر الهيتمي والشوبري وسليمان الجمل، ولكن الوجوب الكفائي يكون في حال عموم الحاجة إليه، وهذا في الغالب يكون في هلال شهر رمضان وشوال وذي الحجة، لأن الحاجة في هذه الأهلة عامة للمسلمين، لارتباط صوم رمضان والفطر منه وحج بيت الله الحرام.

2 يستحب في حق من لا يحتاج إليه.

3ـ ويكره ترائي الهلال للمصلي أثناء صلاته بالانشغال بالنظر إلى مطلع الهلال عن النظر إلى محل السجود، لأن كليهما سنة غير أن الأولى النظر إلى محل السجود عندهم.

رابعاً: حكم الترائي عند الحنابلة:

من المشهور المعروف أن مذهب الحنابلة استحباب ترائي الهلال، وقد جاء التنصيص على ذلك في كثير من كتبهم، والنقل عن علمائهم وأئمتهم:

قال أبو القاسم الخرقي:« وإذا مضى من شعبان تسعة وعشرون يوماً طلبوا الهلال، فإن كانت السماء مصحية لم يصوموا ذلك اليوم».

قال موفق الدين بن قدامة في المغني في شرح عبارة الخرقي: «وجملة ذلك: أنه يستحب للناس ترائي الهلال ليلة الثلاثين من شعبان وتطلبه ليحتاطوا بذلك لصيامهم ويسلموا من الاختلاف، وقد روى الترمذي عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: ( أحصوا هلال شعبان لرمضان) فإذا رأوه وجب عليهم الصيام إجماعاً»(55).

وقال شمس الدين بن قدامة في الشرح الكبير:«ويستحب للناس ترائي الهلال ليلة الثلاثين من شعبان ليحتاطوا لصيامهم ويسلموا من الاختلاف..»(56).

وقال في كشاف القناع: « ويستحب ترائي الهلال احتياطاً للصوم، وحذاراً من الاختلاف»(57).

وهذا يعني أنّ الناس غير واجب عليهم ـ بأفرادهم وجماعاتهم ودولهم ـ أنْ يتحرّوا الرؤية أو يطلبوا دخول الشهر، وأنهم لا يأثمون بعدم الترائي، ولو أدّى ذلك إلى صوم أو عدم صوم يوم من رمضان، وغير ذلك مما قد يترتب على عدم الترائي.

استبعدت أن يكون حكم الترائي عند الحنابلة مجرد الاستحباب وفي كل الأحوال وفي حقّ كل الأمة، ولذلك لجأت للبحث عن موقفهم إلى علمائهم المعاصرين، فوقفت على الآتي:

1ـ سئل الشيخ العلامة ابن عثيمين رحمه الله تعالى: هل يأثم المسلمون جميعاً إذا لم يتراء أحد منهم هلال رمضان دخولاً أو خروجاً؟ فأجاب: «ترائي هلال رمضان أو هلال شوال أمرٌ معهودٌ في عهد الصحابة ، لقول ابن عمر رضي الله عنهما: ( ترائَى الناس الهلال فأخبرت النبي أني رأيته فصامه وأمر الناس بصيامه). ولا شك أن هدي الصحابة أكمل الهدي وأتمه، والذي يظهر أن ترائي هلال رمضان وشوال وذي الحجة واجب على الكفاية لأنه يتعلق بذلك ركنان من أركان الإسلام: الصوم والحج »(58).

2ـ وتكلم الشيخ الدكتور بكر عبد الله أبوزيد رحمه الله مفصِّلاً القول في حكم الترائي فقال: « إنّ ترائي الهلال مشروع لهذه الأمّة لضبط مواسم تعبدها، فإن كانت العبادة واجبة كصيام رمضان، وحجَّ بيت الله الحرام، كان الترائي واجباً كفائياً، وما لا يتمّ الواجب إلا به فهو واجب، وإنْ كانت مسنونة كان الترائي مسنوناً، إذ الوسائل لها أحكام الغايات»اهـ المراد نقله(59).

3ـ وصرّح الشيخ العلاَّمة محمد بن محمد المختار الشنقيطي حفظه الله في شرح زاد المستنقع بفرضية الترائي على الكفاية ومدللاً على فرضيته فقال: «رؤية الهلال فرض كفاية، ورؤية الهلال من الأمور المهمة التي ينبغي أن يحافظ الناس عليها؛ وذلك لأن الأحكام الشرعية تتوقف على هذه الرؤية، ومن هنا قال العلماء: إن رؤية هلال الشهور – كرمضان وذي الحجة ونحوها- تعتبر من فروض الكفاية، فلو قصر أهل بلد فيه أثموا جميعاً. فتساهل الناس في رؤية الهلال يعتبر من المنكرات، وينبغي على طلاب العلم أن يحيوا هذه السنة؛ فقد كان الناس -إلى عهد قريب- إذا كان يوم التاسع والعشرين وليلة الثلاثين خرجوا إلى الصحراء؛ لإحياء هذه السنة. وحبذا لو يسألون أهل الخبرة ويعرفون منازل القمر قبل مغيبه في الأيام التي تسبق أيام الرؤية، حتى يكون عندهم إلمام ومعرفة، ثم بعد ذلك يخرجون لرؤية الهلال، ويعرفون درجاته ومنازله حتى يمكنهم أن يثبتوا هذا الأمر؛ لأنه إذا لم يقوموا بذلك فإنه قد يوجد الهلال ولا يتراءاه الناس، فيضيع حق الله ، وصيام هذه الأيام مركب على وجود هذه الرؤية. وبناءً على ذلك قال العلماء: لا ينبغي التساهل في رؤية الهلال، بل إذا تساهل الناس أو انشغلوا فينبغي توصية أناس ولو بالأجرة؛ لأن فروض الكفايات إذا لم يوجد من يقوم بها شرع إعطاء الأجرة لمن يقوم بها؛ لكي يثبت به حق الله من صيام الأيام المفروضة »(60).

فتبيّن أنّ الحنابلة يفصّلون حكم الترائي إلى فرض كفاية ومستحب، وجعلوا فرض الكفاية في ترائي الهلال الذي ترتبط به العبادات الواجبة وهو هلال رمضان وشوال وذي الحجة، والمستحب في ترائي الهلال الذي ترتبط به العبادات المسنونة كما فصّل ذلك الشيخ بكر أبو زيد رحمة الله تعالى عليه.

المبحث الثاني: الآليات المطلوبة في ترائي الهلال اليوم

حدّد الإخوة الكرام ـ جزاهم الله خيراً ـ الآليات المطلوبة في ترائي الهلال اليوم في خطاب استكتابنا بأربع آليات هي: تحديد المناطق، والتحري الجماعي، وتشكيل اللجان الرسمية، واعتماد المراصد الفلكية.

وقد جعلت لكل آلية من هذه الآليات الأربع مطلباً، كما سنرى ذلك.

المطلب الأول: في الآلية الأولى – تحديد المناطق

من المهمّ لتحقيق الترائي بالصورة التي تؤدي إلى النتائج القطعية أو القريبة من القطعية تحديد مناطق للترائي. وما أدّاني إليه نظري وتأمّلي في هذه الآلية هو: أن يكون تحديد المناطق باعتبارات أربعة:

الأول: تحديد مناطق للترائي بالاعتبار الجغرافي في كل بلد إسلامي..

الثاني: تحديد المناطق باعتبار المطالع..

الثالث: تحديد المناطق باعتبار البيئة (أثر المدنية الحديثة والأضواء والأبخرة).

الرابع: تحديد المناطق باعتبار لزوم الرؤية..

أولاً: تحديد مناطق الترائي بالاعتبار الجغرافي:

منذ زمنٍ بعيدٍ يقدّر المسلمون إمكان رؤية الهلال بمناطق جغرافية معينة، ومن ذلك:

1ـ ارتفاع المنطقة: إذ المرتفعات الأرضية تجعل تمدد الأبصار ممكناً بدرجة أكبر من غيرها، إذ الفضاء يتسع كلما كان الرائي على ارتفاع أرضي.

2ـ الجبال الشاهقة: وكذلك يعتبر الناس الجبال العالية الشاهقة أكثر رجاءً في رؤية الهلال من غير الجبال. ولذلك نجد في بعض البلدان جبالاً قد اشتهرت أنها ممكّنة من رؤية الهلال، مثل الجبل المعروف بجبل النبي شعيب غربي صنعاء في اليمن، ومثل جبلي النهود في غربي السودان، ونحوهما.

3ـ السهول الممتدة: كالصحاري الكبيرة، لأنّها تمكّن الناظر من مدّ بصره في الأفق حتى يلامس نظره مولد الشفق فيظهر له الهلال إنْ كان موجوداً.

4ـ السواحل الشرقية للبحار والمحيطات: لأنها أكثر تمكيناً للناظرين من رؤية الهلال، إذ هي في الغالب تكون مسطحة، فيبدو الفضاء جلياً والأفق بيِّناً لاسيما إذا كانت السماء صحواً.

ثانياً: تحديد مناطق الرؤية باعتبار المطالع:

لا خلاف بين أهل العلم من الشرعيين وفقهاء الدين ومن الفلكيين أنّ للهلال والقمر وللشمس مطالع مختلفة، وهي مشارق الشمس والقمر ومغاربهما. ومن ذلك قوله تعالى ﴿فَلاَ أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ إِنَّا لَقَادِرُونَ ﴾ [المعارج:40]. وقوله :﴿وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا﴾ [الأعراف:137].

وقد قرّر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله أن المطالع مختلفة عند أهل العلم والمعرفة بالفلك فقال: « تختلف المطالع باتفاق أهل المعرفة بهذا» (61). كما نقل اتفاق أهل العلم الشرعي ابنُ عابدين الحنفي في حاشيته على الدر المختار فقال:« اعلم أنّ نفس اختلاف المطالع لا نزاع فيه، بمعنى أنه قد يكون بين البلدتين بُعْدٌ بحيث يطلع الهلال ليلة كذا في إحدى البلدتين دون الأخرى، وكذا مطالع الشمس، لأن انفصال الهلال عن شعاع الشمس يختلف باختلاف الأقطار حتى إذا زالت الشمس في المشرق لا يلزم أن تزول في المغرب وكذا طلوع الفجر وغروب الشمس بل كلما تحركت الشمس درجة فتلك طلوع فجر لقوم وطلوع شمس لآخرين وغروب لبعض ونصف ليل لغيرهم..»(62).

وعلى هذا ذهب بعض العلماء إلى تحديد مناطق مختلفة يتحدّ فيها مطلع الهلال، وقد وضع الإمام النووي رحمه الله وتبعه أبو مخرمة قاعدة اتحاد المطلع واختلافه بالنسبة لرؤية الهلال بقوله: « إذا كان بين غروبي الشمس بمحلين قدر ثمان درجات فأقل فمطلعهما متفق بالنسبة لرؤية الأهلة، وإن كان أكثر ولو في بعض الفصول فمختلف أو مشكوك فيه فهو كالمختلف»(63).

ووضع التاج التبريزي من الشافعية حدّاً لاتحاد المطالع واختلافها بمسافةٍ هي أربعة وعشرون فرسخاً، وبالزمن مسيرة ثلاثة أيام. فما كان أقلّ من هذه المسافة لا تختلف مطالعها، وما كان أكثر اختلفت مطالعها، وقد حدّدوا هذه المسافة والأيام التي يستغرق مسيرها بناءً على الاستقراء(64).

ومن هذا وذاك حدّد صاحب بغية المسترشدين عبد الرحمن باعلوي مناطق باعتبار اتحاد المطالع واختلافها، حيث يرى أنّ:

ـ مطلع تريم ودوعن واحدٌ بالنسبة للأهلة والقبلة إلا بتفاوت يسير لا بأس به..

ـ وعدن وزيلع وبربرة وميط وما قاربها مطلع..

ـ وعدن وتعز وصنعاء وزبيد إلى أبيات حسين وإلى حلى مطلع..

ـ وزيلع وواسة وهرورة وبر سعد الدين وغالب بر الصومال فيما أظن إلى بربرة وما هناك مطلع..

ـ ومكة والمدينة وجدة والطائف وما والاها مطلع..

ـ وصنعاء وتعز وعدن وأحور وحبان وجردان والشحر وحضرموت إلى المشقاص مطلع..

ـ وذكر طاهر بن هاشم أن مطلع تريم ومكة واحد، لأن غاية البعد بينهما في الميل الجنوبي سبع درجات .

قال: ولا يتوهم من قولنا الشحر وعدن مطلع مع قولنا عدن وزيلع مطلع أن تكون الشحر وزيلع مطلعاً، بل إن عدن وسط، فإذا رؤي فيها لزم أهل البلدين، أو في أحدهما لزم أهل عدن (65).

ثالثاً: تحديد مناطق الترائي باعتبار البيئة:

ومن المهمّ عند تحديد مناطق للترائي وطلب الهلال التنبّه إلى أثر المدنية الحديثة من الأضواء الساطعة من الإنارات التي اتسمت بها المدن في هذا العصر، وكذلك إلى الأبخرة الكثيفة والخفيفة المتصاعدة من المصانع المختلفة و(عادمات السيارات). فلا شكّ من أنّ هذه الأضواء وتلك الأبخرة تحول دون تحقيق طلب الهلال في ليالي الترائي.

وعليه من المهمّ أن يؤمر الناس وينبّهوا إلى الابتعاد عن أضواء المدن وأبخرتها والخروج إلى الصحاري والسهول لالتماس الهلال.

رابعاً: تحديد مناطق الرؤية بلزوم الرؤية:

من الفقهاء من حدّد مناطق لترائي الهلال أو لرؤيته باعتبار ما يلزم من رؤيته في بلد رؤيته في بلد آخر.

والذي يلزم من رؤية الهلال في بلد برؤية بلدٍ ما؛ سببان:

السبب الأول: الرؤية في البلدان الشرقية:

فبعض الفقهاء يرى أنّ رؤية الهلال في المناطق الشرقية يلزم منه رؤيتُهُ في المناطق الغربية، ومِنْ هؤلاء جماعة من أئمة الشافعية، كالسبكي ومن تبعه، حيث قالوا: “يلزم من رؤيته في البلد الشرقي رؤيته في البلد الغربي” ولا عكس(66).

ومثّلوا لذلك أنّ رؤيته في مكة المشرّفة يلزم منها رؤيته في مصر.

ومستندهم في ذلك أمران:

أحدهما: أن البلاد الغربية يكون الزوال فيها بعد الزوال في البلاد الشرقية، والغروب فيها بعد الغروب في البلاد الشرقية.

والأمر الثاني: حديث كريب وقول ابن عباس رضي الله عنهما : ” لكنا رأيناه ليلة السبت فلا نزال نصوم حتى نكمل ثلاثين أو نراه” فلما سأله كريب: أوَ لا تكتفي برؤية معاوية وصيامه؟ قال: لا ، هكذا أمرنا رسول الله (67).

فقالوا: فإن الشام غربية بالنسبة إلى المدينة، فلا يلزم من رؤيته في الشام رؤيته في المدينة(68).

إلاّ أنّ صاحب بغية المسترشدين لم يوافق السبكي وأتباعه على هذا فقال:” وقول السبكي: يلزم من الرؤية في البلدة الشرقية الرؤية في الغربية منتقد لا يوافق عليه”(69).قال: واعتمد كلام السبكي ابنُ حجر في الفتاوى وردّه في التحفة(70).

السبب الثاني: تساوي طول البلدين:

فإنّ بلدين لو تساوى طولهما واختلف عرضهما يلزم من رؤيته في واحد منهما الرؤية في البلد الآخر، أمَّا إنْ تساوى عرضهما واختلف طولهما ففي هذه الحالة لا يلزم من رؤيته في بلد رؤيته في الآخر.

جاء في حاشية إعانة الطالبين: « فمتى تساوَىَ طول البلدين لزم من رؤيته في أحدهما رؤيته في الآخر، وإن اختلف عرضهما، أو كان بينهما مسافة شهور. ومتى اختلف طولهما امتنع تساويهما في الرؤية » اهـ(71).

ولعلّه من هذا القبيل ما ذكره ابن العربي المالكي رحمه الله: « لو ثبت أنّه أهلّ ليلة الجمعة بأغمات(72)، وأهلّ بإشبيلية(73) ليلة السبت فيكون لأهل كل بلد رؤيتهم، لأنّ سهيلاً (74)يكشف من أغمات ولا يكشف من أشبيلية»(75).

فرعٌ: حكم الأخذ برؤية بلدٍ آخر:

ما يلزم من رؤية بلد آخر إما أن يكون لزوماً حقيقياً، بأنْ يلزم من رؤية الهلال في بلد ما رؤيته في البلد الآخر، وإما أنْ يكون لزوماً حكمياً، بمعنى أن يلزم من رؤية الهلال في بلد من البلدان الإسلامية اعتباره رؤية حكمية أي كأنه رؤي فيأخذ حكم الرؤية، فيلزم الصوم أهل البلاد كافة برؤية ذلك البلد، وقد بيّنا سببي لزوم الرؤية حقيقةً فبقي أن نبيّن لزوم الرؤية حكماً، ويكون ـ كما قررنا ـ بلزوم الأخذ بتلك الرؤية، فما حكم الأخذ برؤية بلد آخر وما هي آراء الفقهاء ومواقفهم في الأخذ برؤية البلد الآخر؟.

فكان من المهمّ البحث في حكم الأخذ برؤية بلد آخر.

وأرى أن يكون البحث في هذا الفرع المهمّ من خلال المسائل الآتية:

ـ الخلاف في حكم الأخذ برؤية بلد آخر في الجملة..

ـ أسباب الاختلاف فيه..

ـ إمكان الوفاق وآثاره..

المسألة الأولى: الخلاف في حكم الأخذ برؤية بلد آخر في الجملة :

اختلف العلماء في حكم الأخذ برؤية بلد آخر إذا أخبر مخبر عن رؤية بلد، أو عُرف ذلك بأي طريق من الطرق إلى ثمانية أقوالٍ:

القول الأول: إنه يعتبر لأهل كل بلد رؤيتهم ولا يلزمهم رؤية غيرهم، سواء أقربت البلاد أم بعدت، حَكَى هذا القول ابن المنذر عن عكرمة والقاسم بن محمد وسالم وإسحاق، وحكاه الترمذي عن أهل العلم ولم يحك سواه إذ قال في التعليق على حديث ابن عباس: «والعمل على هذا الحديث عند أهل العلم أنّ لكل أهل بلد رؤيتهم»، وحكاه الماوردي وجهاً للشافعية، وقال ابن عبد البر: وروي عن ابن عباس أنه قال: « لكل قوم رؤيتهم »، وإليه أشار الإمام مسلم في صحيحه حيث بوَّب: « بيان أن لكل بلد رؤيتهم وأنهم إذا رأوا الهلال ببلد لا يثبت حكمه لما بعُد عنهم»(76).

القول الثاني: إذا رُؤي ببلدٍ لزم أهل البلاد كلها، وهو القول المشهور في المذهب المالكي، فقد روى ابن وهب وابن القاسم عن الإمام مالك رحمه الله أنّ أهل البصرة إذا رأوا هلال رمضان ثم بلغ ذلك إلى أهل الكوفة والمدينة واليمن أنه يلزمهم الصيام أو القضاء إنْ فات الأداء(77). وقال بذلك الشافعي وأحمد والليث بن سعد والكوفيون والمزني(78).

القول الثالث: إذا رؤي في بلد رؤية مستفيضة وثبت ذلك بأمر شائع ذائع، يلزم غيرهم من أهل البلاد، أما إذا ثبت ذلك بشهادة شاهدين أو نحوه فلا يلزم ذلك غيرهم من أهل البلاد، إلا إذا ثبت ذلك عند أمير المؤمنين ( الإمام الأعظم ) لأن البلاد في حقه كالبلد الواحد إذ حكمه نافذ في الجميع، وهذا مروي عن ابن الماجشون من أئمة المالكية والمغيرة وابن دينار منهم، ونسبه ابن الماجشون إلى مالك وقال: « هذا قول مالك »، ورواه كذلك المدنيون عنه(79).

القول الرابع: يلزم كل بلد لا يتصور خفاؤه عنهم بلا عارض، ولا يلزم أهل بلد يتصور خفاؤه دون عارض، وهذا قول السرخسي(80).

القول الخامس: إن العبرة في لزم رؤية بلد لأهل بلد آخر قرب البلاد وبعدها، لأنه إذا أخبر مخبر عن رؤية بلد فلا يخلو إما أن تتقارب البلاد أو تتباعد، فإذا تقاربت البلاد فالحكم واحد، فيلزم أهل البلاد القريبة الصوم بتلك الرؤية، وإنْ تباعدت فلا يلزم ولا يجب الصوم على أهل البلد الآخر وهو قول أكثر الشافعية واختاره الشيخ أبو حامد الغزالي وصححه الرافعي، وذهبت طائفة منهم إلى وجوب الصوم حتى لو تباعدت واختاره أبو الطيب والصيمري والدارمي (81).

والعبرة في التباعد والتقارب لهؤلاء وغيرهم من وجوه(82):

أولها: أن العبرة في التباعد اختلاف المطالع، وهو قول العراقيين من الشافعية وصححه النووي وغيره.

ثانيها: أن العبرة في التباعد والتقارب مسافة القصر، وهو قول البغوي والذي صححه الرافعي.

ثالثها: أن العبرة فيهما اختلاف الأقاليم، فكل إقليم عليه والٍ يعتبر به البعد عن الإقليم الآخر.

القول السادس: وهو متفرعٌ عن القول الخامس بأن العبرة بالقرب والبعد، أنّ البلاد لو كانت متباعدة بعداً شاسعاً نائياً لا يلزم الصوم إلا برؤية كل بلد، وقد نقل الاتفاق على ذلك الحافظ ابن عبد البر فقال: « قد أجمعوا أنه لا تراعى الرؤية فيما أخر من البلدان كالأندلس من خراسان وكذلك كل بلد رؤيته إلا ما كان كالمصر الكبير وما تقاربت أقطاره من بلاد المسلمين» (83).

القول السابع: إن الاعتبار في لزوم الصوم برؤية بلد آخر و عدم لزومه ببلوغ العلم بالرؤية في وقت يفيد، وهو أن يبلغهم الخبر بتلك الرؤية في نفس الليلة أو قبل غروب شمس اليوم التالي للرؤية في تلك البلاد، فأما إذا بلغتهم رؤية بلد آخر بعد غروب الشمس فلا يلزمهم صوم ذلك اليوم ولا قضاؤه.

وهذا القول هو قول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، قال في فتاويه: « الاعتبار ببلوغ العلم بالرؤية في وقت يفيد، فأما إذا بلغتهم الرؤية بعد غروب الشمس؛ فالمستقبل يجب صومه بكل حال، لكن اليوم الماضي هل يجب قضاؤه؟ فإنه قد يبلغهم في أثناء الشهر أنه رُؤي بإقليم آخر ولم يُر قريباً منهم، الأشبه أنه إنْ رُؤي بمكان قريب وهو ما يمكن أن يبلغهم خبره في اليوم الأول؛ فهو كما لو رُؤي في بلدهم ولم يبلغهم. وأما إذا رُؤي بمكان لا يمكن وصول خبره إليهم إلاَّ بعد مُضيّ الأول؛ فلا قضاء عليهم، لأن صوم الناس هو اليوم الذي يصومونه ولا يمكن أن يصوموا إلاَّ اليوم الذي يمكنهم فيه رؤية الهلال، وهذا لم يكن يمكنهم فيه بلوغه فلم يكن يوم صومهم وكذلك في الفطر والنسك» اهـ(84).

القول الثامن: إذا رُؤي ببلد آخر لا يلزم الصوم إذا اختلف البلدان ارتفاعاً وانحداراً، كأن يكون أحدهما سهلاً والآخر جبلاً، أو كان كل بلد في إقليم، وهذا القول للزيدية محكيٌّ عن الإمام يحيى والهادوية(85).

المسألة الثانية: أسباب الاختلاف فيه :

الذي أوقع الخلاف في مسألة لزوم الأخذ برؤية بلد آخر حتى أوصل الأقوال فيها إلى ثمانية أقوال أسباب أجملها القاضي ابن رشد الحفيد رحمه الله تعالى في بداية المجتهد فقال: «والسبب في هذا الخلاف تعارض الأثر والنظر، أما النظر فهو أن البلاد إذا لم تختلف مطالعها كل الاختلاف؛ فيجب أن يحمل بعضها على بعض لأنها في قياس الأفق الواحد، وأما إذا اختلفت اختلافاً كثيراً فليس يجب أن يحمل بعضها على بعض. وأما الأثر فما رواه مسلم عن كريب: أَنَّ أُمَّ الْفَضْلِ بِنْتَ الْحَارِثِ بَعَثَتْهُ إلى مُعَاوِيَةَ بِالشَّامِ قال فَقَدِمْتُ الشَّامَ فَقَضَيْتُ حَاجَتَهَا وَاسْتُهِلَّ عَلَيَّ رَمَضَانُ وأنا بِالشَّامِ فَرَأَيْتُ الْهِلالَ لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ ثُمَّ قَدِمْتُ الْمَدِينَةَ في آخِرِ الشَّهْرِ فَسَأَلَنِي عبد اللَّهِ بن عَبَّاسٍ رضي الله عنهما ثُمَّ ذَكَرَ الْهِلالَ فقال مَتَى رَأَيْتُمْ الْهِلالَ فقلت رَأَيْنَاهُ لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ فقال أنت رَأَيْتَهُ فقلت نعم وَرَآهُ الناس وَصَامُوا وَصَامَ مُعَاوِيَةُ فقال لَكِنَّا رَأَيْنَاهُ لَيْلَةَ السَّبْتِ فلا نَزَالُ نَصُومُ حتى نُكْمِلَ ثَلاثِينَ أو نَرَاهُ فقلت أَوَ لا تَكْتَفِي بِرُؤْيَةِ مُعَاوِيَةَ وَصِيَامِهِ فقال: لا، هَكَذَا أَمَرَنَا رسول اللَّهِ (86)، فظاهر هذا الأثر يقتضي أن لكل بلد رؤيته قرب أو بعد، والنظر يعطي الفرق بين البلاد النائية والقريبة، وبخاصة ما كان نأيه في الطول والعرض كثيراً، وإذا بلغ الخبر مبلغ التواتر لم يحتج فيه إلى شهادة »(87).

أمَّا على التفصيل فيكون الكلام فيهما على ما يلي:

السبب الأول: اختلاف المطالع بين الاعتبار وعدمه :

المطالع جمع مطلِع بكسر اللام، والمطلع مكان الطلوع والطلوع الظهور والبدو من علٍ، من طلع يطلع إذا بدا وظهر وبرز، قال ابن فارس: « الطاء واللام والعين أصل واحد صحيح يدل على ظهور وبروز، يقال: طلعت الشمس طلوعاً ومطلعاً، والمطلع: موضع طلوعها، قال الله تعالى ﴿ حَتَّى مَطْلَِعِ الْفَجْرِ ﴾ [القدر: 5] فمن فتح اللام أراد المصدر ومن كسر أراد الموضع الذي تطلع منه »(88).

فالمطلع إذا جاء بكسر اللام يراد به موضع الطلوع وإذا جاء بفتح اللام قُصد به ذات الطلوع كما في قوله تعالى ﴿ سَلامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ ﴾ [القدر: 5]. مع أن بعض القراء قرأها بالكسر وهو الإمام الكسائي، وكذلك قرأ عبيد من رواة أبي عمرو بن العلاء بالكسر، قال الفراء: « وأكثر القراء على مطلَع ـ بالفتح ـ وهو أقوى في قياس العربية لأن المطلع بالفتح هو الطلوع و المطلع بالكسر هو الموضع الذي تطلع منه »(89).

وقد استعمل المطلِع في القرآن الكريم في حق الشمس لا القمر كما في قوله تعالى ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَطْلُعُ عَلَى قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِهَا سِتْرًا ﴾ [الكهف:90] إلا أن العرب تقول للهلال إذا ظهر طلع، وللشمس إذا ظهر أشرق، والطالع عندهم هو الهلال(90).

ولذلك خصّ العلماء الهلال بالمطلع دون الشمس، فصار مما لا خلاف فيه أن المراد بالمطالع مطالع القمر، وبالتالي فاختلاف المطالع يقصد به اختلاف مطالع القمر.

وقد صار من المعلوم عند الفقهاء جميعاً أنّ نفس اختلاف المطالع أمرٌ مسلم لا خلاف فيه بينهم، وقد نقل الاتفاق وعدم الخلاف ابن عابدين الحنفي في حاشيته حيث قال:« اعلم أنّ نفس اختلاف المطالع لا نزاع فيه بمعنى أنه قد يكون بين البلدتين بُعْدٌ بحيث يطلع الهلال ليلة كذا في إحدى البلدتين دون الأخرى، وكذا مطالع الشمس، لأن انفصال الهلال عن شعاع الشمس يختلف باختلاف الأقطار حتى إذا زالت الشمس في المشرق لا يلزم أن تزول في المغرب وكذا طلوع الفجر وغروب الشمس بل كلما تحركت الشمس درجة فتلك طلوع فجر لقوم وطلوع شمس لآخرين وغروب لبعض ونصف ليل لغيرهم.. »(91).

وهذا الذي قرره شيخ الإسلام رحمه الله بقوله: « تختلف المطالع باتفاق أهل المعرفة بهذا» (92).

وعلى هذا فلا خلاف في حقيقة اختلاف المطالع، وإنما الخلاف بين الفقهاء في اعتبار اختلاف المطالع، بمعنى هل يجب على كل قوم اعتبار مطلعهم فيثبت الشهر عند كل قوم بحسب مطلعهم ولا يلزم أحد بمطلع غيره أم لا يعتبر اختلاف المطالع فيجب العمل بالأسبق رؤية فأينما رُئي الهلال وثبت ذلك عند أهله؛ وجب الصوم والفطر بذلك على الجميع دون اعتبار لمطلع كل قوم.

ـ ففي المذهب الحنفي وقع الخلاف بين مشايخهم هل لاختلاف المطالع اعتبار أم لا؟ فذهب جمهورهم وهو ظاهر الرواية وعليه الفتوى في المذهب إلى عدم اعتبار اختلاف المطالع وأن الواجب اللازم إذا ثبتت رؤية بلد أن يصوم غير أهله مع أهله دون اعتبار لاختلاف المطالع، ولكن صاحب التحرير الكمال بن الهمام ومن وافقه ذهبوا إلى أن لكل بلد رؤيتهم ولا يلزم الصوم برؤية بلد أهل البلد الآخر وقد اعتمد ذلك الزيلعي(93).

ـ وفي المذهب المالكي خلاف ضعيف في اعتبار اختلاف المطالع، فذهب جماهير المالكية إلى عدم اعتبار اختلاف المطالع ونُقل ذلك عن الإمام مالك وأئمة المذهب، وفي الخلاصة الفقهية على مذهب السادة المالكية أنّ الصوم يعمّ الأقطار في ست صور :

1 إذا نقلت جماعة مستفيضة عن جماعة مستفيضة مثلها خبر الرؤية.
2 وإذا نقل عدلان عن مستفيضة.
3 وإذا نقل عدلان عن عدلين مثلهما.
4 وإذا نقل عدلان عن مستفيضة.

5 ـ وإذا نقل العدل الواحد عن حكم الحاكم بثبوت الشهر برؤية العدلين أو برؤية المستفيضة ولا يعتبر نقله عن العدلين ولا عن المستفيضة.

6 ـ وإذا ثبت الشهر برؤية العدل الواحد وحكم به مخالفٌ لنا يرى الاكتفاء برؤيته فيلزم الصوم ويعم(94).

ولكن الإمامين ابن العربي وابن عبد البر رحمهما الله تعالى يُفهم من كلامهما أنهما يريان اعتبار اختلاف المطالع.

فابن العربي يرى أن الأقطار مختلفة في المطالع وأن اعتبار ذلك هو الصحيح، حيث أورد في معنى رد ابن عباس على كريب في حديثه احتمالين: أحدهما أنه ردّه لأنه خبر واحد، والثاني: أنه رده لأنّ الأقطار مختلفةٌ في المطالع قال: وهو الصحيح(95).

وأما الحافظ ابن عبد البر يُفهم من قول له أنه يرى التفصيل في ذلك على النحو الآتي:

أ ـ أنه يعتبر باختلاف المطالع إذا تباعدت البلدان تباعداً نائياً كما بين الأندلس وخراسان. بل نقل الاتفاق على مراعاة ذلك.

ب ـ يعتبر اختلاف المطالع ما تباعدت الأقطار ولو لم يكن التباعد كتباعد الأندلس وخراسان بحيث يكون لكل بلد رؤيته.

ج ـ أنه لا يعتبر باختلاف المطالع إذا تقاربت الأقطار كما لو كانت كالمصر الكبير(96).

ـ وفي المذهب الشافعي خلاف أيضاً في اعتبار اختلاف المطالع وعدمه، فذهب جماعة منهم الإمام النووي إلى اعتبار المطالع فنتج عن ذلك القول بعدم وجوب الصوم على أهل البلد الآخر، وذهب إمام الحرمين والغزالي والبغوي وغيرهم إلى عدم اعتبار المطالع بحجة أن اعتباره يحوّج إلى تحكيم المنجمين واعتماد الحساب وقواعد الشرع تأبى ذلك، مع أنهم قائلون بعدم وجوب الصوم إلا أنّ العبرة عندهم ليس اختلاف المطالع وإنما اعتبار مسافة القصر للتفريق بين البلد الذي يلزمه الصوم بالرؤية والبلد الآخر الذي لا يلزمه الصوم برؤية ذلك البلد(97).

ـ وفي المذهب الحنبلي كلام في اعتبار المطالع وعدمه، فابن تيمية رحمه الله يرى اعتبار المطالع وقد نقل عنه صاحب الفروع فقال: « وقال شيخنا: تختلف المطالع باتفاق أهل المعرفة بهذا، قال: فإن اتفقت لزم الصوم وإلا فلا »(98). بينما المذهب على عدم اعتبار المطالع وعندهم إذا رأى الهلال أهل بلد لزم جميع البلاد الصوم(99).

فلا شك أنّ هذا الخلاف في اعتبار اختلاف المطالع قد أنتج خلافاً في لزوم صوم الجميع برؤية أي بلد أو لا.

السبب الثاني: اختلافهم في معنى حديث كريب :

وحديث كريب هو الذي أخرجه الإمام مسلم في صحيحه عن كريب: أَنَّ أُمَّ الْفَضْلِ بِنْتَ الْحَارِثِ بَعَثَتْهُ إلى مُعَاوِيَةَ بِالشَّامِ قال فَقَدِمْتُ الشَّامَ فَقَضَيْتُ حَاجَتَهَا وَاسْتُهِلَّ عَلَيَّ رَمَضَانُ وأنا بِالشَّامِ فَرَأَيْتُ الْهِلالَ لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ ثُمَّ قَدِمْتُ الْمَدِينَةَ في آخِرِ الشَّهْرِ فَسَأَلَنِي عبد اللَّهِ بن عَبَّاسٍ رضي الله عنهما ثُمَّ ذَكَرَ الْهِلالَ فقال مَتَى رَأَيْتُمْ الْهِلَالَ فقلت رَأَيْنَاهُ لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ فقال أنت رَأَيْتَهُ فقلت نعم وَرَآهُ الناس وَصَامُوا وَصَامَ مُعَاوِيَةُ فقال لَكِنَّا رَأَيْنَاهُ لَيْلَةَ السَّبْتِ فلا نَزَالُ نَصُومُ حتى نُكْمِلَ ثَلاثِينَ أو نَرَاهُ فقلت أَوَ لا تَكْتَفِي بِرُؤْيَةِ مُعَاوِيَةَ وَصِيَامِهِ فقال: لا، هَكَذَا أَمَرَنَا رسول اللَّهِ ، وشكّ يحيى بن يحيى في : نكتفي أو تكتفي(100).

فبعض العلماء أعملوا الحديث أخذاً بظاهر الخبر فذهبوا إلى أنّ لكل بلد رؤيته، كبعض الشافعية ومن وافقهم، ولكن أكثر العلماء لم يأخذوا بظاهر الخبر ولا عملوا بالحديث، بل ذهبوا في معناه مذاهب، وأَوَّلَ مرادَه أكثر من فقيه بما يخرجه عن ظاهره، وتركوا العمل به وردوا الاستدلال به، ومن ذلك مثلاً:

1 إيرادات الشوكاني:

فالشوكاني رحمه الله أورد على كلام ابن عباس ( هكذا أمرنا رسول الله ) جملة من الإيرادات، منها:

أ ـ أنّ الحجة إنما هي في المرفوع من رواية ابن عباس لا في اجتهاده الذي فهم عنه الناس والمشار إليه بقوله: (هكذا أمرنا رسول الله ) هو قوله: فلا نزال نصوم حتى نكمل ثلاثين، والأمر الكائن من رسول الله هو ما أخرجه الشيخان وغيرهما بلفظ: (لا تصوموا حتى تروا الهلال ولا تفطروا حتى تروه، فإنْ غُمَّ عليكم فأكملوا العدة ثلاثين)(101). وهذا لا يختص بأهل ناحية على جهة الانفراد، بل هو خطاب لكل من يصلح له من المسلمين.

ب ـ الاستدلال به على لزوم رؤية أهل بلد لغيرهم من أهل البلاد أظهر من الاستدلال به على عدم اللزوم، لأنه إذا رآه أهل بلد؛ فقد رآه المسلمون، فيلزم غيرهم ما لزمهم، ولو سلم؛ توجّه الإشارة في كلام ابن عباس إلى عدم لزوم رؤية أهل بلد لأهل بلد آخر لكان عدم اللزوم مقيداً بدليل العقل، وهو: أن يكون بين القطرين من البعد ما يجوز معه اختلاف المطالع، وعدم عمل ابن عباس برؤية أهل الشام مع عدم البعد الذي يمكن معه الاختلاف عمل بالاجتهاد، وليس بحجة، ولو سلم عدم لزوم التقييد بالعقل؛ فلا يشك عالم أن الأدلة قاضية بأن أهل الأقطار يعمل بعضهم بخبر بعض وشهادته في جميع الأحكام الشرعية والرؤية من جملتها، وسواء كان بين القطرين من البعد ما يجوز معه اختلاف المطالع أم لا فلا يقبل التخصيص إلا بدليل.

ج ـ ولو سلم صلاحية حديث كريب هذا للتخصيص؛ فينبغي أن يقتصر فيه على محل النص إن كان النص معلوماً، أو على المفهوم منه إن لم يكن معلوماً، لوروده على خلاف القياس.

د ـ أن ابن عباس لم يأت بلفظ النبي ولا بمعنى لفظه حتى ننظر في عمومه وخصوصه، إنما جاءنا بصيغة مجملة أشار بها إلى قصةٍ هي عدم عمل أهل المدينة برؤية أهل الشام على تسليم أن ذلك المراد، ولم نفهم منه زيادة على ذلك حتى نجعله مخصصاً لذلك العموم. فينبغي الاقتصار على المفهوم من ذلك الوارد على خلاف القياس وعدم الإلحاق به. فلا يجب على أهل المدينة العمل برؤية أهل الشام دون غيرهم ويمكن أن يكون في ذلك حكمة لا نعقلها(102).

وفي الدراري المضية أكّد اعتراضه على الاحتجاج بحديث كريب في الاستدلال بقول ابن عباس على أن لكل بلد رؤيتهم فقال:«أما استدلال من استدل بحديث كريب عند مسلم وغيره… فغير صحيح، لأنه لم يصرّح ابن عباس بأن النبي أمرهم بأنهم لا يعملوا برؤية غيرهم من أهل الأقطار، بل أراد ابن عباس أنه أمرهم بإكمال الثلاثين أو يروه ظناً منه أن المراد بالرؤية رؤية أهل المحل، وهذا خطأ في الاستدلال أوقع الناس في الخبط والخلط حتى تفرقوا في ذلك على ثمانية مذاهب..»اهـ (103).

2 إيراد موفق الدين بن قدامة:

وابن قدامة رحمه الله في المغني أورد على حديث كريب قائلاً: « فأمَّا حديث كريب فإنَّما دلّ على أنَّهم لا يفطرون بقول كريب وحده، ونحن نقول به، وإنَّما محل الخلاف وجوب قضاء اليوم الأول وليس هو في الحديث، فإن قيل: فقد قلتم: إنّ النّاس إذا صاموا بشهادة واحد ثلاثين يوماً، ولم يروا الهلال، أفطروا في أحد الوجهين. قلنا: الجواب عن هذا من وجهين ؛ أحدهما: أننا إنما قلنا يفطرون إذا صاموا بشهادته ، فيكون فطرهم مبنيا على صومهم بشهادته ، وهاهنا لم يصوموا بقوله ، فلم يوجد ما يجوز بناء الفطر عليه. الثاني: أنّ الحديث دل على صحة الوجه الآخر »اهـ(104).

3 إيراد القاضي عياض :

والقاضي عياض رحمه الله كذلك أورد على حديث كريب وكلام ابن عباس ( لا هكذا أمرنا رسول الله ) احتمالات(105):

أ ـ أنه يحتمل أن يكون مذهبه أن لكل قوم رؤيتهم، ولذلك كان عدم اعتداده برؤية معاوية بناءً على مذهبه..

ب أو لأنه لم يقبل خبر الواحد..
ج أو لأمر يعتقده..
د أو لاختلاف أفقهم..
ه أو لأن السماء كانت مصحية بالمدينة فلما لم يروه ارتابوا في الخبر..
4 إيراد الإمام المازري:

والمازري يرى أن كلام ابن عباس رضي الله عنهما في حديث كريب يحتمل أمرين معاً:

أحدهما: أنه إذا ثبت الهلال عند الإمام لزم سائر الأمصار لأنها جميعاً بحكمه فهي كبلد واحد..

وثانيهما: أنه إذا ثبت بمدينة ـ لا عند الإمام ـ فهل يلزم غير أهلها أو لايلزمهم؟ قال: والحديث يحتمل الأمرين(106).

5 اعتراض الإمام القرافي:

والإمام القرافي رحمه الله اكتفى في إيراده واعتراضه على حديث كريب بذكر ما اعتمده المذهب من الإجابة عن الحديث « بأن المدينة كانت مصحية، ولم يُر فيها، فقدّمت المشاهدة على خبر كريب، ويكون ذلك معنى قوله: ( هكذا أمرنا رسول الله )، أي لا نرجع عن اليقين إلى الظنّ»(107)

قال ابن طاهر: أي إن ابن عباس رضي الله عنهما لم يهتم بمضمون ما أخبره به كريب، وإنما نظر إلى طريق نقل الخبر إليه فرآه آحاداً لا يفيد القطع(108).

6 اعتراض آخر:

ويرى بعض الفقهاء أن كلام ابن عباس رضي الله عنهما إذا حُمل على معنى عدم لزوم رؤية قطر سائر الأقطار؛ يتعارض مع أمرين(109):

الأمر الأول: تعارضه مع قوله ( صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته )(110) فهو خطاب عام لجميع المسلمين لا يختص بجماعة منهم دون غيرهم.

الأمر الثاني: تعارضه مع قواعد الشريعة الدالة على لزوم عمل المسلمين بشهادة وأخبار بعضهم، ولو تناءت الأمصار.

فوقع الخلاف في المراد بالحديث وفي معنى كلام ابن عباس فتسبب ذلك في وقوع الخلاف بين العلماء في حكم الأخذ برؤية بلد آخر كما رأيت.

الفرع الثالث: إمكان الوفاق وآثاره:

يتطلّع كثيرٌ من أفراد الأمّة إلى زمانٍ يأتي عليهم والمسلمون صومهم في يوم واحد وفطرهم في يوم واحد، كما أنّ وقوفهم بعرفة في يوم واحد، فيرتفع الخلاف ويتحقق الوفاق والاتفاق، وهذا لن يكون بالطبع ما لم يتفق الفقهاء على وجوب الأخذ برؤية أي بلد من بلاد الإسلام، بل على وجوب الأخذ برؤية أي بلد فيه مسلمون. أو يتواضع أهل السياسة وولاة أمر المسلمين في سائر البلدان على لزوم الأخذ برؤية أي بلد من البلاد.

أما تواضع ولاة الأمر على ذلك فهذا ما نرجوه وهو ممكن جداً.

وأما اتفاق الفقهاء على وجوب الأخذ برؤية بلد آخر فهذا ممكن أيضاً إذا ما راعى الفقهاء مصلحة الدين والآثار الحميدة لوفاق المسلمين وتحقّق منافع الاتحاد في الأمة.

ويكفي أنّ جمهور علمائنا قد ذهبوا إلى ذلك، فلو أنّ المجامع الفقهية وهيئات الإفتاء ودورها الرسمية أخذوا برأي الجمهور، ثم رفعوه إلى ولاة الأمر مع رصد ما يحققه هذا القول من المنافع والمصالح الشرعية في هذا الزمان الذي تزداد الأمّة اختلافاً وبعداً عن الوفاق؛ لأمكن توحّد المسلمين في صومهم وفطرهم في المشارق والمغارب، ولكان ذلك أدْعَى لإعجاب العالمين بنا وأقوى لإقناع حكماء الأمم غيرنا بالإسلام وأسرع لاعتناقهم به.

والأسباب التي تمكّن الأمة من تحقيق هذا الحلم هي:

1ـ أن النبي صام برؤية واحد من الأمة، فإن كان هو فعل ذلك فكل واحد منا الأولى به أن يفعل ما فعله ، الذي في جزيرة العرب والذي في أقصى الغرب والذي في أقصى الشرق.

2ـ أنّ رسول الله لم ينصّ لا تصريحاً ولا تلميحاً أو إشارة إلى اعتبار المطالع والأخذ باختلافها، بل جعل مناط الإيجاب الرؤية، وقد تحققت الرؤية وثبتت عند مسلمين، اختلفت المطالع أو اتفقت، فالأخذ بما أمر به صاحب الشرع لا ريب أولى وأصحّ وأسلم.

3ـ أن علماء الأمّة جميعاً يقرّون بوجود الاختلاف في المطالع في الواقع، ولكن جمهورهم لا يعتبرون هذا الاختلاف، فلغوا أثر وجود اختلاف المطالع في التسبب للصوم والفطر، فقالوا : لا عبرة باختلاف المطالع. ومما تعنيه هذه القاعدة أنّ الوجود الحقيقي غير الاعتبار الشرعي، وبالتالي يمكن أن لا يكون له أثر في الحكم الشرعي.

4ـ من أصحّ ما توصّل إليه شيخ الإسلام ابن تيمية بعد استعراض سائر الأقوال في موجب اللزوم وعدمه هل هو مجرد اختلاف المطالع؟ أم هو تباعد مسافات البلاد وتقاربها؟ أم هو مسافة القصر؟ أم هو خطوط الطول والعرض؟ أم هو الارتفاع والانحدار؟ أم هو اختلاف الأقاليم ؟ وغير ذلك، وتضعيف هذه الموجبات كلها، حيث توصّل إلى أن الموجب للزوم وعدمه بلوغ العلم بالرؤية في وقت يفيد، وهو أصدق معيار وأصحّ موجب، فمن بلغه أنه رؤي ثبت في حقه من غير تحديد بمسافة أو إقليم أو ارتفاع أو انخفاض(111).

وهذا المعيار الموجب مما يمكن الأخذ به، لا سيما اليوم يستطيع كل المسلمين أن يبلغهم خبر رؤية الهلال في أي بلد من البلدان في ساعة أو أقل، بينما كان الخبر لا يبلغ أهل المدينة من الشام قبل أيام، وبين خراسان والأندلس قبل شهر على الأقل.

وعليه، فمن الأصلح لحال الأمة والأنفع للمسلمين أن يأخذ علماؤهم بهذا المعيار الضابط المقدور ومعه يتحقق حلم الكثيرين باتفاق الأمة في صومهم وفطرهم، كما اتفقوا في حجهم ووقوفهم بعرفات.

5ـ أنّ الأمّة اليوم تواضع حكامها وأمراؤها وعامة المسلمين في التوافق على يوم عرفة وأيام الحج بإثبات الشهر في المملكة العربية السعودية، وهذا يعني أنّ بالإمكان التوافق على التزام يوم واحد بين المسلمين دون إشكال شرعي يقع لا في العبادة المرتبطة بثبوت الشهر ولا في العابدين من المسلمين صوّاماً ونسّاكاً، فكما توافقوا على شهر الحج فليتوافقوا على شهر الصوم، وطالما اتفقوا على الأيام المعلومات [ أيام الحجّ] فما المانع أن يتفقوا على الأيام المعدودات [أيام الصوم ].

المطلب الثاني: في الآلية الثانية – التحري الجماعي

التحرِّي هو الطلب والتوخّي والتثبت والاجتهاد في تحصيل الأحرى والأَولَى، ومنه قوله تعالى ﴿فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُولَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَدًا ﴾ [الجن : 14].

قال في زاد المسير: «تَوَخَّوْه ، وأَمَّوْه ». وقال البغوي: «قصدوا طريق الحق وتوخَّوه». وقال البيضاوي: «توخوا رشداً عظيماً يبلغهم إلى دار الثواب». وقال ابن كثير: «أي طلبوا لأنفسهم النجاة». وقال النسفي: «طلبوا هدى والتحري طلب الأحرى أي الأولى»(112).

فالتحري هو: طلب شيءٍ من العبادات بغالب الرأي عند تعذُّر الوقوف على الحقيقة(113). أو هو كما قال في طلبة الطلبة: ” التثبت في الاجتهاد لطلب الحق والرشاد عند تعذر الوصول إلى حقيقة المطلوب والمراد” (114).

ففيه معنى: الطلب والتوخّي والتثبت والاجتهاد بتغليب الظن على أمرٍ يتعذر الوصول فيه إلى الحقيقة الكاملة المطابقة للواقع.

وهو في شأن ترائي الهلال وطلب رؤيته معمول به محتاج إليه في بعض الأحيان.

التحــرّي حجــة ضروريـــــة:

لا يُعلم خلاف بين أهل العلم في مشروعية التحرّي للتحقق من أسباب العبادات وشروطها، وسائر أهل الفقه يقرون أنه طريق موصل إلى أداء العبادات، ولكن هو في الحقيقة دليل ضروري وحجته ضرورية يُلجأ إليه عند فقد الأدلة والبراهين الواضحة ودخول الشبهة والتردد في أسباب الوجوب والأداء.

والدليل على كون التحرّي دليلاً مقبولاً عند أهل الشرع أثريٌّ ونظريٌّ:

أما الدليل الأثري: فقوله في حديث ابن مسعود : «وإذا شَكَّ أحدُكُم في صلاتِهِ فلْيَتَحَرَّ الصَّوابَ ثُمَّ ليَبْنِ عليه»(115)، فهذا دليل أثريٌّ اعتبار الشرع التَّحرِّي طريقاً لأداء العبادة في حالات الاشتباه والتردد.

وأما الدَّليل النَّظري: فهو أنَّ من القواعد المقرَّرة عند أهل العلم أنَّه إذا تعذَّر اليقين رُجع إِلى غلبة الظنِّ، وهنا تعذَّر اليقينُ فنرجع إِلى غلبة الظنِّ وهو التحرِّي(116).

وكما جاء في البحر الرائق: « غلبة الظن تعمل عمل اليقين في حق وجوب العمل، وإن لم تعمل في حق الاعتقاد كما في التحرّي في القبلة وكما في دفع الزكاة لمن غلب على ظنه فقره وكما إذا غلب على ظنه نجاسة الماء أو طهارته، ومنه تحري القبلة وتحري الحلال عند الاشتباه، وتحري الصواب بتوخيه وطلبه كما قال تعالى ﴿فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُولَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَدًا ﴾ [ الجنّ:14] »(117).

قال علاء الدين البخاري رحمه الله: «التحرّي دليل جائز العمل عند الضرورة ».. وقال أيضاً: «التحرّي حجة ضرورية فلا يظهر إلا عند فقد التحصيل من كل وجه»(118).

وقال السرخسي رحمه الله:« التحرّي مدرك من مدارك التوصل إلى أداء العبادات ، وإن كانت العبادة لا تثبت به ابتداء»(119).

وقال المقرّي في كلياته: « كل من اشتبه عليه أمره؛ فحكمه التحري، فإنْ لم يجد الاحتياط»(120).

فالتحرّي إذنْ: أصلٌ شرعي معتبر وطريق مشروع يوصل إلى أداء العبادات في حال الاشتباه والتردد.

ولا شك أنّ العبادات التي يتوقّف أداؤها على سببٍ هو دخول الشهر وثبوت الهلال بالرؤية أو الإكمال، فإذا فُقدت الرؤية أو وُجد مانعٌ من موانع رؤيته؛ لا بدّ أن يلجأ الناس إلى التحرّي سبيلاً لإثبات الشهر.

أحـــــوال التحــرِّي وأحكامـــه :

فالتَّحـرِّي من حيث الحاجة إليه وجوازه ووجوبه له أربع حالات:

الحالة الأُولَى: أنْ يبلغ ولي الأمر ممن يُعتدّ به أنّ هلال الشهر قد رُئِيَ، ففي هذه الحالة لا حاجة إلى التحرّي، ولا يجب على أحدٍ أنْ يتحرَّى الهلال في محيط الرؤية.

الحالة الثانية: أنْ تكون السماء في ليلة الترائي مغيّمة غير مصحية، فعندها يجب التحرّي وجوباً كفائياً، بأنْ يقوم جماعة من أهل العلم بالفلك والحساب وأهل الشريعة بتقدير ما يجب أنْ يكون على ضوء التقارير والحسابات الفلكية. لأنّ محل التحرّي العجزُ عن تحصيل حقيقة المطلوب بسبب اشتباهٍ أو وجود مانعٍ غير قاطعٍ، كانطماس الأعلام وتراكم الظلام وتضام الغمام، ونحو ذلك(121).

الحالة الثالثة: أنْ يكون المسلم ممنوعاً من الترائي، ولا يبلغه خبر الرؤية وثبوت الشهر بأي طريق أو وسيلة، ولا يجد من يثق به ممن يخبره برؤية الهلال أو دخول الشهر ، كالأسير والمحبوس، فهذا يجب عليه التحري وجوباً عينياً، لأنه لا سبيل له إلا التحرّي لمعرفة شهر رمضان الذي يجب عليه أن يصومه، ولمعرفة يوم الفطر الذي يجب عليه أن يفطر فيه، وما لا يتمّ الواجب إلا به فهو واجب.

قال في المهذب: « وإنْ اشتبهت الشهور على أسير لزمه أن يتحرّى ويصوم، كما يلزمه أن يتحرى في وقت الصلاة وفي القبلة..»(122).

قال في الحاوي: « وصورتها في رجل من المسلمين حبسه المشركون في مطمورة فاشتبهت عليه الشهور وأشكل عليه شهر رمضان، فعليه أن يتحرَّى فيه ويجتهد ثم يصوم على غالب ظنه كما يجتهد في القبلة»(123).

وفي المبسوط للسرخسي: « وإن اشتبه شهر رمضان على الأسير تحرَّى وصام شهراً بالتحرِّي، لأنه مأمور بصوم رمضان، وطريق الوصول إليه التحرِّي عند انقطاع سائر الأدلة، كأمر القبلة، فإنْ تبيَّن أنه أصاب شهر رمضان؛ أجزأه، لأنه أدرك ما هو المقصود بالتحرِّي، وإنْ تبيَّن أنه صام شهراً قبله؛ لم يجزه، لأنه أدَّى العبادة قبل وجود سبب وجوبها فلم تجزه، كمن صلَّى قبل الوقت.. وإنْ تبيَّن أنه صام شهراً بعده؛ جاز بشرطين: إكمال العدة، وتبييت النية لشهر رمضان، لأنَّه قاضٍ لما وجب عليه بشهود الشهر، وفي القضاء يعتبر هذان الشرطان»(124).

الحالة الرابعة: أنْ تكون السماء في ليلة الترائي مصحية لا غيم فيها ولا مانع من الرؤية للهلال بسببٍ من الأسباب، مما ينفي الشك في وجود الهلال في الأفق، فهذه الحالة هي التي توجب إكمال الشهر ثلاثين ضرورة، وعندئذ لا يجوز التحرّي إذ محلّه حالات الشبهة والتردد، وههنا انقطع التردد وانتهى الأمر إلى التبيّن بوجوب الإكمال، ولا يجوز غيره لانتفاء الاحتمال.

التحــــرّي الجماعـــي:

وممّا سبق فالحاجة إلى التحرّي الجماعي إنّما تقوم في حالة واحدة هي: أنْ تكون السماء في ليالي الترائي مغيّمةً غير مصحية، فيقع التردّد والاشتباه في وجود الهلال وراء الغيم وعدم وجوده وراءه من جهة، وفي إمكان اعتباره موجوداً وبالتالي القول بالصوم في اليوم الذي يليه أو إكمال الثلاثين.

عندئذ يجب التحرّي وجوباً كفائياً، فيقوم جماعة من أهل العلم بالفلك والحساب وأهل الشريعة بتقدير ما يجب أنْ يكون، معتمدين في ذلك على أدوات التحرّي لهذه الحالة وهي فيما نرى:

1 التقدير:

استناداً إلى حديث النبي : ( فإنْ غُمَّ عليكم فاقْدروا له )(125).وقد جاءت في معنى التقدير أقوال وتفاسير(126):

فمنهم من فسّر معناه بالتضييق، جمعاً بين الحديث وقول الله تعالى ﴿ وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ ﴾ [الفجر: 16]، وقوله سبحانه ﴿ لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ ﴾[الطلاق : 7]، وقوله عز وجل ﴿اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ ﴾[الرعد : 26].

والمعنى: أنْ يُضيّق الشهر بسبب الغيم فيُجعل تسعة وعشرين يوماً، وهو قول عائشة وأسماء ابنتي الصديق وابن عمر رضي الله عنهم.

ومنهم من جعل معنى (فاقدروا له ) من القَدْر وهو العدّ، على أن المراد: عدّوا الشهر حتى تكملوا عدة شعبان ثلاثين، حيث فسّروا قوله ( فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَاقْدُرُوا لَهُ)(127) بقوله : ( فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَأَكْمِلُوا الْعِدَّةَ ثَلاَثِينَ)(128) وبقوله ( فَإِنْ غُبِّيَ عَلَيْكُمْ فَأَكْمِلُوا عِدَّةَ شَعْبَانَ ثَلاَثِينَ)(129). وهذا التفسير هو الذي عليه الجمهور.

ومنهم من فسّر (فاقدروا له ) بالنظر والتدبّر، من قدّرت الأمر إذا نظرت فيه وتدبرته، على أن المعنى: انظروا في الشهور السابقة لشعبان، فإن كان توالى ثلاثة أشهر كاملة، يقدَّر شعبان ناقصاً أي تسعة وعشرون يوماً، فيصبح الناس صياماً، وإذا كان توالى ثلاثة أشهر قبل شعبان ناقصة قدّر شعبان كاملاً أي ثلاثون يوماً.

ومنهم من فسّر (فاقدروا له ) بحساب المنازل، أي قدّروا الشهر بمنازل القمر جمعاً بين الحديث وقوله تعالى في شأن القمر ﴿ هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ ﴾[يونس : 5]، وهو قول بعض الحنفية كما ذكر ابن عابدين في رسالته [ تنبيه الغافل والوسنان في أحكام هلال رمضان] وهو الذي ذهب إليه مطرّف بن عبد الله الشخير وابن قتيبة من المحدثين، وغير واحد من أهل الفقه السابقين والمعاصرين.

2 التسرية:

وهي طريقة يستعين بها بعض أهل بلادنا في السودان احتياطاً لشهر رمضان وشهر شوال وشهر ذي الحجة.

وصورتها: أن يراقب جماعة من الناس من المصلين تواعداً وتنادياً، وكذلك ربات البيوت من سطوح البيوت أو أفنيتها القمر في صباح السابع والعشرين والثامن والعشرين، فيتحرون ظهوره بالشرق، فبحسب حجم القمر وسمكه وبحسب ظهور أو اختفائه يقدّرون أول الشهر وبدايته، فإنْ رؤي الهلال ليلة التاسع والعشرين كفاهم الله مؤونة التحرّي والتقدير، وإلا؛ غَلَّبوا الظن بدخول الشهر أو حكموا بإكمال شعبان ثلاثين، بمقتضى هذه التسرية.

ولعلّ المراد بهذا الاصطلاح [ التسرية] أو معناه: أنّ القمر سرى بليلة الأمس ليظهر عند الغروب اليوم التاسع والعشرين ولذلك اختفى في أفق الشرق صباح ذلك اليوم، فإنْ ظهر لم يسرِ، وإن اختفى فقد سرى. والله أعلم.

3 اعتبار الرؤية النهارية:

ومما يستعان به على التحرّي لتحصيل غلبة الظن بدخول الشهر أو خلافه؛ أنْ يُرَى الهلال نهاراً، فإنّ هذه الرؤية يعين على تغليب الظن بدخول الشهر أو عدم دخوله.

والهلال قد يُرى في النهار، وهذه الرؤية قد تكون قبل الزوال وقد تكون بعد الزوال، وللعلماء في ذلك اختلاف، وإنْ كان جمهورهم يذهب إلى جعل هذه الرؤية لليلة المقبلة، فإنْ رؤي في نهار التاسع والعشرين يجعلون الثلاثين فطراً من رمضان وصياماً من شعبان، وإنْ رؤي نهار الثلاثين فهو زيادة تأكيد على استكمال الشهر، ويمكن استعراض موقف المذاهب الأربعة في ذلك.

أولاً: الحنفية:

جاء في البحر الرائق: « لو رؤي في التاسع والعشرين بعد الزوال؛ كان كرؤيته ليلة الثلاثين اتفاقاً، وإنما الخلاف في رؤيته قبل الزوال يوم الثلاثين، فعند أبي حنيفة ومحمد هو للمستقبلة، وعند أبي يوسف هو للماضية، والمختار قولهما»(130).

وجاء في الاختيار لتعليل المختار:« وإذا رأى هلال رمضان أو شوال نهارا قبل الزوال أو بعده فهو لليلة الآتية، وقال أبو يوسف كذلك إن كان بعد الزوال، وإن كان قبله فللماضية، يروى ذلك عن عمر وعائشة رضي الله عنهما ، والأول يروى عن علي وابن مسعود وابن عمر وأنس وعن عمر أيضا»(131).

فاتفق أئمة المذهب إذا كانت الرؤية بعد الزوال أن الهلال لليلة المقبلة، أما إذا رؤي قبل الزوال، فأبو يوسف رحمه الله ذهب إلى أنه لليلة السابقة. والمختار في المذهب هو قول أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله تعالى أنه لليلة المقبلة في كل الأحوال سواء رؤي قبل الزوال أو بعد الزوال.

ثانياً: المالكية:

جاء في إرشاد السالك: «ورؤيته نهارا للمستقبل ولو قبل الزوال وثبوته يوجب إمساك بقيته»(132).

وقال عيسى بن دينار: «سألت ابن القاسم عن قوم صاموا شهر رمضان صاموا ثلاثين يوماً ، فلما كان في تسعة عشرين كان غيمٌ ، فلمّا أصبحوا تمام ثلاثين ، رأى الناس الهلال في نصف النهار، أو عند الزوال؛ هل ترى على من أفطر تلك الساعة شيئاً؟ وكان صيامهم قبل ذلك في غيم أيضاً ؟. قال ابن القاسم: لا يجوز لأحد أن يفطر حتى الليل، فإنما الهلال لليلة القابلة ، فمن أفطر، فإنما عليه القضاء، لأنه إنما أفطر على تأويل .

قال محمد بن رشد : هذا مذهب مالك وجميع أصحابه، أنّ الهلال إذا رُئي قبل الزوال أو بعده ، أنه لليلة القادمة؛ إلا ابن وهب فذكر عنه ابن مزين في تفسيره للموطأ، أنه إذا رئي قبل الزوال، فهو لليلة الماضية؛ وإن رئي بعد الزوال فهو لليلة القادمة ؛ وأخذ بذلك عيسى بن دينار، وإليه ذهب ابن حبيب، وحكاه – مفسراً عن عمر بن الخطاب؛ وقال ابن الجهم إن ذلك لا يصح عن عمر ، والذي رواه عنه رجل مجهول، وليس في رواية مالك عنه للزوال ذكر، ولا فرق بين ذلك ؛ وهو قول ابن مسعود، وابن عمر، وعثمان بن عفان، وعلي بن أبي طالب، وغيرهم من الصحابة، والتابعين، رضي الله عنهم أجمعين»(133).

وقال الشيخ الدردير: «(ورؤيته) أي الهلال (نهاراً) ولو قبل الزوال (للقابلة) فيستمر مفطراً إن كان في آخر شعبان، وصائماً إن كان في آخر رمضان»(134).

وقال ابن عبد البر في الكافي: « والهلال يرى قبل الزوال أو بعده سواء هو لليلة القابلة ولذلك لا يفطر من رأى هلال شوال نهاراً ويجب فيمن رأى هلال رمضان نهاراً»(135).

فالمذهب بإمامهم وجمهورهم على أن الرؤية النهارية سواء أكانت قبل الزوال أم كانت بعده؛ لليلة المقبلة، وخالف ابن وهب ووافقه عيسى بن دينار وابن حبيب رحمهم الله تعالى ففرقوا بين الرؤية قبل الزوال والرؤية بعد الزوال، فإنْ كانت قبل الزوال فلليلة الماضية وإنْ كانت بعد الزوال فلليلة القادمة، فوافقوا بذلك أبا يوسف رحمه الله تعالى من الحنفية.

ثالثاً: الشافعية:

قال الإمام الشافعي رحمه الله:« إذا لم ير الهلال ولم يشهد عليه أنه رئى ليلاً لم يفطر الناس برؤية الهلال في النهار كان ذلك قبل الزوال أو بعده، وهو والله أعلم هلال الليلة التي تستقبل»(136).

وقال الشيخ زكريا الأنصاري رحمه الله: «رؤية الهلال نهاراً يوم الثلاثين ولو قبل الزوال لليلة المستقبلة لا الماضية، فلا يفطر إن كان في ثلاثين رمضان، ولا يمسك إن كان في ثلاثين شعبان… وأما رؤيته يوم التاسع والعشرين فلم يقل أحدٌ أنها للماضية، لئلا يلزم أن يكون الشهر ثمانية وعشرين »(137).

وجاء في الحاوي الكبير للماوردي: « إذا رأى الناس الهلال في نهار يوم الشك، أو شهد رؤيته عدلان، فهو لليلة المستقبلة سواء كان رؤيته قبل الزوال أو بعده، وقال ابن أبي ليلى وسفيان الثوري وأبو يوسف: إن رئي قبل الزوال فهو لليلة السالفة، وإن رئي بعد الزوال فهو للمستقبلة، وقال أحمد بن حنبل في هلال رمضان: بقولهم، وفي هلال شوال بقولنا احتياطاً واستظهاراً»(138).

فنجد المذهب الشافعي لا يختلف في جعل الرؤية النهارية لليلة المقبلة بإطلاق.

رابعاً: الحنابلة:

جاء في الشرح الكبير لعبارة الخرقي:( وإذا رأى الهلال نهاراً قبل الزوال أو بعده فهو لليلة المقبلة): « المشهور عن أحمد أنّ الهلال إذا رؤي نهاراً قبل الزوال أو بعده، وكان ذلك في آخر رمضان لم يفطروا برؤيته، وهذا قول عمر وابن مسعود وابن عمر وأنس والأوزاعي ومالك والليث وأبي حنيفة والشافعي وإسحاق، وحُكي عن أحمد أنه إنْ رُؤي قبل الزوال؛ فهو للماضية، وإنْ كان بعده فهو لليلة المقبلة، وروي ذلك عن عمر رواه سعيد، وبه قال الثوري وأبو يوسف»(139).

وفصّل الشيخ العثيمين رحمه الله تعالى في المسألة عند شرح عبارة زاد المستنقع: (وإن رئي نهاراً فهو لليلة المقبلة) فقال: قوله: «وإن رئي نهاراً فهو لليلة المقبلة» الضمير يعود على الهلال، والمؤلف لم يرد الحكم بأنه لليلة المقبلة، ولكنه أراد أن ينفي قول من يقول: إنه لليلة الماضية، فإن بعض العلماء يقول: إذا رئي الهلال نهاراً قبل غروب الشمس من هذا اليوم فإنه لليلة الماضية، فيلزم الناس الإمساك. وفصل بعض العلماء بين ما إذا رئي قبل الزوال أو بعده. والصحيح أنه ليس لليلة الماضية، اللهم إلا إذا رئي بعيداً عن الشمس بينه وبين غروب الشمس مسافة طويلة، فهذا قد يقال: إنه لليلة الماضية، ولكنه لم ير فيه لسبب من الأسباب، لكن مع ذلك لا نتيقن هذا الأمر.

وقوله: «لليلة المقبلة» ليس على إطلاقه أيضاً؛ لأنه إن رئي تحت الشمس بأن يكون أقرب للمغرب من الشمس؛ فليس لليلة المقبلة قطعاً؛ لأنه سابق للشمس، والهلال لا يكون هلالاً إلا إذا تأخر عن الشمس. فمثلاً: إذا رئي قبل غروب الشمس بنصف ساعة، وغرب قبل غروبها بربع ساعة، فلا يكون للمقبلة قطعاً، لأنه غاب قبل أن تغرب الشمس، وإذا غاب قبل أن تغرب الشمس؛ فلا عبرة برؤيته؛ لأن العبرة برؤيته أن يرى بعد غروب الشمس متخلفا عنها»اهـ(140).

فابن عثيمين رحمه الله تعالى له تفسيرات للرؤية النهارية بثلاث حالات هي:

1ـ إذا رُئي الهلال نهاراً؛ فإن كانت الرؤية قبل غروب الشمس بنصف ساعة وغرب القمر قبل غروب الشمس بربع ساعة فلا يكون لليلة المقبلة قطعاً، لأنه غاب قبل الشمس والعبرة بغروبه بعد الشمس.

2ـ إن رُئي تحت الشمس بأن يكون أقرب للمغرب من الشمس؛ فليس لليلة المقبلة قطعاً؛ لأنه سابق للشمس، والهلال لا يكون هلالاً إلاّ إذا تأخر عن الشمس.

3ـ إذا رُئي بعيداً عن الشمس، بينه وبين غروب الشمس مسافة طويلة، فهذا قد يكون لليلة الماضية.

والحنابلة لهم أكثر من رواية عن إمامهم رحمه الله:

1ـ رواية موافقة لرأي الجمهور أن الرؤية النهارية لليلة المقبلة سواء كانت الرؤية قبل الزوال أم كانت بعد الزوال. وهذا هو مشهور المذهب.

2ـ ورواية ثانية: موافقة لرأي الثوري وابن أبي ليلى وأبي يوسف وابن وهب وابن حبيب رحمهم الله تعالى أن الرؤية قبل الزوال لليلة السابقة وبعد الزوال لليلة القادمة.

3ـ ورواية ثالثة: إذا رئي بعد الزوال آخر الشهر فهو لليلة المقبلة ، أما إذا رئي في آخره قبل الزوال فهو للماضية قولاً واحداً، وإن كان بعد الزوال فعلى روايتين.

4ـ ورواية رابعة: إذا رئي قبل الزوال وبعده آخر الشهر فهو لليلة المقبلة وإلا لليلة الماضية(141).

وعلى هذا:

أولاً: الرؤية النهارية معتبرة عند الجميع متفق على اعتبارها بين العلماء لا نعلم خلافاً بينهم فيما وقفنا عليه.

ثانياً: الخلاف وقع بينهم في الهلال الذي رئي؛ لأي ليلة يكون؟:

ـ فمنهم من ذهب إلى أنه يكون لليلة المقبلة مطلقاً، وهم الجمهور.

ـ ومنهم من ذهب إلى أن الرؤية إذا كانت قبل الزوال فالهلال هلال الليلة الماضية وإنْ رئي بعد الزوال فالهلال هلال الليلة القادمة، وهو قول للإمام أحمد بن حنبل، وقال به الثوري وابن أبي ليلى من الأئمة، وأبو يوسف من الحنفية، وابن وهب وابن حبيب وعيسى بن دينار من المالكية، واختاره أبو بكر والقاضي أبو يعلى من الحنابلة.

ـ ومنهم من ذهب إلى التفريق بين أول الشهر وآخره، كالإمام أحمد رحمه الله فذهب إلى أن الرؤية إذا كانت بعد الزوال في آخر الشهر يكون الهلال لليلة المقبلة وإذا رؤي الهلال في آخر الشهر قبل الزوال فالهلال لليلة الماضية. وفي رواية يرى أن الرؤية في آخر الشهر لليلة المقبلة سواء أكانت الرؤية قبل الزوال أم كانت بعده، وإذا رؤي الهلال أول الشهر كان الهلال لليلة الماضية سواء أكانت الرؤية قبل الزوال أم كانت بعده.

الترجيــــح:

والراجح هو ما ذهب إليه الجمهور، من أن الرؤية النهارية تكون لهلال الليلة القادمة، والدليل على ذلك أمور، منها:

1ـ خبر عثمان رضي الله عنه ، ففي الموطأ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ بَلَغَهُ ، أَنَّ الْهِلاَلَ رُئِيَ فِي زَمَانِ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ بِعَشِيٍّ فَلَمْ يُفْطِرْ عُثْمَانُ حَتَّى أَمْسَى وَغَابَتِ الشَّمْسُ.(142).

2ـ كتاب عمر رضي الله عنه، كما روى أَبُو وَائِلٍ رحمه الله قَالَ: (أَتَانَا كِتَابُ عُمَرَ بِخَانِقِينَ إِنَّ الأَهِلَّةَ بَعْضُهَا أَعْظَمُ مِنْ بَعْضٍ فَإِذَا رَأَيْتُمُ الْهِلاَلَ مِنْ أَوَّلِ النَّهَارِ، فَلاَ تُفْطِرُوا حَتَّى يَشْهَدَ شَاهِدَانِ أَنَّهُمَا رَأَيَاهُ بِالأَمْسِ)(143).

فالتحري يكون باعتبار هذه الرؤية النهارية وتغليب الظن في الهلال الذي رئي هل هو لليلة الماضية أو لليلة القادمة.

المطلب الثالث: في الآلية الثالثة – تشكيل اللجان الرسمية

لابدّ أنّ يُجعل أمر الترائي لا سيَّما للشهور التي فيها العبادات الركنية والمكتوبة كالصيام الذي يكون في شهر رمضان وكالحج الذي يكون في شهر ذي الحجة وغيرهما؛ لا بدّ أن يُجعل ترائي الهلال في هذه الشهور أمراً سلطانياً يتولّى سلطان البلاد شأنها، لسببين مهمين:

السبب الأول: أنه مما لا يتم واجب أداء الصيام والحجّ إلا به، ومثل هذه العبادات وأدائها من أظهر ما تكون به إقامة الدين وحراسته، وأُولَى مهام السلاطين وولاة أمر المسلمين: ( حراسة الدين ) ولقد نصّ فقهاء السياسة الشرعية من أئمتنا على المقصد الأعظم الذي وُضعت لتحقيقه الإمامة فقالوا: ( الإمامة موضوعة لخلافة النبوة في حراسة الدين وسياسة الدنيا به) (144). وقال في بدائع السلك: ( الملك الديني، مندرج في الخلافة التي هي نيابة عن الشارع في حراسة الدين وسياسة الدنيا به)(145). وكلام عامة علماء العقائد والفقهاء من جميع مذاهب أهل السنة لا يخرج عن هذا المعنى(146).

السبب الثاني: أنّ إثبات دخول الشهر لا يتصوّر تركه للأفراد، وإلا لصام كل واحد في غير اليوم الذي يصوم فيه الآخر، ولخالفت الطوائف والجماعات والقبائل والقرى المجاورة بعضها بعضاً، ولا يمكن حسم مثل هذا الخلاف إلا بتدخّل الخلفاء والأمراء والحكّام والسلاطين، فلو لم يتولوا أمر ترائي الهلال وإثبات الشهر، لأدّى ذلك إلى وقوع الفوضى في العبادات، وهذا بلا ريب يجب أن يُمنع، ولن يُمنع إلا بتولّي السلاطين أمرها.

عليه: فالترائي يجب أن يكون أمراً سلطانياً لا فردياً.

ولقد كان النبي هو الذي يقرّر ثبوت الشهر بإمامته، وكذلك الخلفاء الراشدون المهديون من بعده رضوان الله عليهم. وعلى سبيل المثال:

1ـ خبر عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، قال:« تَراءَىَ النَّاسُ الهلالَ فأخبرت رسول الله ﷺ أني رأيته فصامه وأمر الناس بصيامه».

2ـ كتاب عمر ، كما روى أَبُو وَائِلٍ رحمه الله قَالَ: « أَتَانَا كِتَابُ عُمَرَ بِخَانِقِينَ إِنَّ الأَهِلَّةَ بَعْضُهَا أَعْظَمُ مِنْ بَعْضٍ فَإِذَا رَأَيْتُمُ الْهِلاَلَ مِنْ أَوَّلِ النَّهَارِ، فَلاَ تُفْطِرُوا حَتَّى يَشْهَدَ شَاهِدَانِ أَنَّهُمَا رَأَيَاهُ بِالأَمْسِ».

3ـ أنّ الْهِلاَلَ رُئِيَ فِي زَمَانِ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ بعَشِيٍّ فَلَمْ يُفْطِرْ عُثْمَانُ حَتَّى أَمْسَى وَغَابَتِ الشَّمْسُ.(147).

إذا ثبت هذا؛ نقول: إنّ على كل دولة إسلامية تشكيل اللجان الرسمية بأمر سلطاني تقوم هذه اللّجان بتفويض من السلطان الحاكم مقامه في إثبات الشهر واعتماد الشهادة بالرؤية ونحو ذلك.

وإذا كان الترائي من فروض الكفاية ـ كما تقرر في المبحث الأول ـ ، فإنّ تشكيل هذه اللجان وسيلة من وسائل تحقيق هذا الفرض وتشكيلها فأقل أحواله أن يكون تشكيلها مستحباً لتحقيق ذلك. والله أعلم.

مهام اللجان الرسمية:

بما سبق يمكن أن نحدّد بعض مهام هذه اللجان في الآتي:

1ـ أنْ تقوم مقام ولي الأمر في دراسة أوضاع الأفق ليلة الترائي والتحرّي، وحصول الاقتران، وولادة القمر، وإمكان الرؤية، وعدمه، بحسب إفادات علماء الفلك المسلمين الموثوقين، ونحو ذلك، ليتم الترائي على علمٍ.

2ـ أنْ تقوم مقام ولي الأمر في دعوة الجماهير بالتوجيه الرَّسمي عبر الدّوائر الدّعوية والعدلية والإعلامية، الحكومية والمدنية، على مستوى المحافظات والإدارات المنتشرة في ربوع كلّ بلد لتحري الرؤية وترائي الهلال في تلك الربوع والقُرَى.

3ـ أنْ تشكِّل لجان الترائي والتحرّي الرسمية الفرعية على مستوى المحافظات والمديريات لتسهم في تنبيه النّاس لأهمية الترائي فيبادرون بالمتابعة والتحري.

4ـ أنْ تتلقي اللجان الفرعية الإفادات المتعلقة بالرؤية ، والرفع بها للجنة الرسمية المركزية بعد تعديل الشهود والتحري في الشهادة، لتعمِّم الأمر على الناس وتعلن ثبوت الشهر أو عدم ثبوته بما تطمئنّ له نفوسهم.

المعيار فـي تشكيل اللجان:

المعيار المرعي في تشكيل لجان الترائي الرسمية: مَنْ يتحقّق به مهام اللجنة ومطلوباتها.

فنحن نحتاج إلى علماء في الفلك والفيزياء، ونحتاج إلى أهل الفقه في الشرع، ونحتاج إلى قضاة يتحرون عن الشهود والشهادة، وعليه:

أ ـ الأَوْلَى أنْ يتولى هذه المهام المجامع الفقهية المكونة من الحكومات الإسلامية.

ب ـ في الدول الإسلامية التي ليست بها مجامع فقهية تابعة للحكومات؛ يتولّى مهام اللجان الرسمية:

1 المجالس العليا للقضاء.

2ـ دور الإفتاء بالتنسيق مع الهيئة القضائية ومراكز البحوث الفيزيائية والفلكية ووسائل الإعلام.

3ـ لجان تشكّل كل عام من قِبل ولي الأمر لهذه المهمة يراعىَ في تشكيلها الأطراف المختلفة المذكورة أعلاه.

المطلب الرابع: في الآلية الرابعة – اعتماد المراصد الفلكية

تعريف المراصد الفلكية:

المرصد من رصد يرصد رصداً وإرصاداً فهو راصد ومرصد من المراقبة، والراصد بالشيء هو الراقب له، ويرصده رصداً ورَصَداً: يرقبه، والترصد الترقب(148).

وجاء في معجم مقاييس اللغة: الراء والصاد والدال أصلٌ واحد، وهو التهيُّؤُ لِرِقْبةِ شيءٍ على مَسْلكِه، ثم يُحمَل عليه ما يشاكلُه، يقال أرصدتُ لـه كذا، أي هيّأْتُه له، كأنّك جعلتَه على مَرصَده، وقال الكسائيّ: رصدتُه أرصُدُه، أي ترقَّبتُه؛ وأرصَدْت لـه، أي أعدَدْت، والمَرْصَد موقع الرَّصْد(149).

أما الفلك فهو مدار النجوم والجمع أفلاك.. و فلك كل شيء مستداره ومعظمه، وفلك البحر موجُهُ المستدير المتردد، وفي قول الله تعالى ﴿ لاَ الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلاَ اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ ﴾ [يس: 40]. قال أبو عبيد: الفلك الذي تعرفه العامة فإنه فلك السماء الذي تدور عليه النجوم، وقال الفراء: الفلك استدارة السماء(150).

فالمرصد مكان الرصد وموقعه، والفلك مدار النجوم والكواكب في السماء، فيكون تعريف المرصد الفلكي في مراد المعاصرين: مبنى أو معهد علمي يعمل فيه علماء فلكيُّون لدراسة الشمس والكواكب والنجوم والأجرام السماوية الأخرى الموجودة في الكون، كما يفحص هؤلاء العلماء الصور المختلفة للطاقة التي تنتشر في الفضاء على هيئة إشعاع، بما في ذلك موجات الرَّاديو والأشعة السينية، ويدرس علماءُ الفلك أيضًا سلوك الذرات في الفضاء الفسيح بين النجوم، وكذلك سلوكها تحت تأثير درجات الحرارة المرتفعة في باطن النجوم نفسها(151).

وهناك نوعان رئيسيان من المراصد:

المراصد البصـرية، تستخدم تلسكوبات بصرية لدراسة الضوء، تستخدم التلسكوبات البصرية أدوات كالمرايا والعدسات للحصول على صور مُكَبَّرة واضحة للأجرام البعيدة، مستعينة في ذلك بآلات التصوير لتسجيل ما تشاهده بالتلسكوبات.

مراصد راديوية، تعتمد على تلسكوبات راديوية لدراسة موجات الراديو ورصدها ، فتستخدم الهوائيات الضخمة لالتقاط موجات الراديو من الفضاء 0

وتحوي المراصد أيضًا آلات تصوير وأجهزة كشافة إلكترونية تُسجل المعلومات التي تجمعها التلسكوبات البصرية والراديوية، وتقوم أجهزة الحاسوب في معظم الأحيان بتوجيه التلسكوبات وتجميع البيانات وتحليلها للحصول على المعلومات، وتُشيَّد المراصد في الأماكن التي تتوافر فيها شروط الرؤية الواضحة والرصد الجيّد بعيدًا عن الأضواء المُبهرة، وعن التقلّبات الجوية الحادة التي تعكر صفو الجو وتبدِّد هدوءه، مثل الضباب والعواصف التي تُثير الغبار والدُّخان وغير ذلك من مُلوِّثات الهواء، ومن أجل ذلك، تقام المراصدُ البصريّة غالبًا على قمم الجبال العالية، حيث السماء صافية في معظم الأوقات، أما المراصد الراديوية فتوجد عادةً في الوديان حيث تعمل المرتفعات المحيطة بها على حمايتها من تداخل موجات الإذاعة والتلفاز التي تنتشر بكثرة في المدن والأماكن المأهولة بالسكان(152). وتستخدم هذه المراصد نوعين رئيسيين من التلسكوبات البصرية:

تلسكوبات عاكسة، تعتمد على مرآة أو مجموعة من المرايا المقوّسة لتجميع الضوء القادم من الأجرام السماوية وتكوين صور واضحة لها .

تلسكوبات كاسرة ، تكوِّن صورًا بانكسار الضَّوء.

وتعتمد في ذلك على مجموعة من العدسات، وتستخدم معظم المراصد البصرية التلسكوبات العاكسة التي تكون عادةً أكبر من التلسكوبات الكاسرة.

وهناك: المراصد الفلكية السيارة، والمراصد الفلكية الطائرة. وقد استُخدمت طائرات أف18 المقاتلة وقاذفة القنابل المعدلة بي52 كمراصد فلكية طائرة، اتخذ علماء فلك أمريكيون من الطائرات الحربية مراصد لمراقبة الظواهر الفلكية على نحوٍ أكثر دقة وقد مكن هذا الأسلوب الجديد العلماء من التحليق فوق السحب لرصد النجوم والكواكب من مواقع لم يسبق مشاهدة السماء منها، كالمناطق الواقعة في وسط المحيطات، وقد تم تزويد هذه الطائرات بأجهزة علمية جعلت منها مراصد طائرة(153).

أهمية المراصد الفلكية في رؤية الأهلة:

أهمية المراصد الفلكية في إثبات الأهلة ورؤيتها يحددها علماء الفلك، وقد أخبرنا الدكتور محمد عبد الرحمن البابطين عن هذه الأهمية فقال: “يقوم المنظار المقرب (التلسكوب ) بتحديد موقع الهلال ( القمر ) بدقة متناهية من حيث:

ارتفاع الهلال والقمر فوق الأفق بعد غروب الشمس ( لحظة التحري ) في موقع التحري .

تحديد البعد الزاوي بين مركز القمر ومركز الشمس لحظة غروب الشمس.

تحديد شدة إضاءة الهلال ( اللمعان ) لحظة غروب الشمس في ليلة التحري في موقع التحري.

تقريب الهلال ( القمر ) للراصد ( المتحري ) مما يعني وضوح الهلال أكثر للراصد ( المتحري ) .

تحديد موعد غروب الشمس لحظة التحري.

تحديد موعد غروب القمر في موقع التحري.

تحديد موقع الهلال ( القمر ) في الأفق الغربي لحظة التحري في موقع التحري بالدرجات من الشمال الجغرافي والشمال المغناطيسي(154).

وفي المقابل ومع ما ذكر د. البابطين من أهمية وميزة للمراصد الفلكية فإن الدكتور محمد بخيت المالكي عالم الفلك يرى أن الاستعانة بالمراصد الفلكية في رصد الهلال غير ممكن حالياً حسب الإمكانيات الموجود عالمياً، إلا في حالات يمكن للعين البشرية أن ترى فيها الهلال ببساطة، مما يجعلها قليلة الجدوى.

ويذكر الدكتور فضل محمد نور رئيس مشروع المرصد الوطني في ذلك الحين(155)، أنهم فشلوا في رصد الهلال وهو على ارتفاع سبع درجات، ونجحوا وهو على ارتفاع سبعة عشرة درجة، ولكنه كان واضحاً في السماء لكل ذي عينين مبصرتين(156).

رأي الفقهاء في اعتماد المراصد:

لم أقف على رأيٍ للفقهاء في أمر الاعتماد على المراصد إلا ما جاء في قرار هيئة كبار العلماء بالمملكة العربية السعودية رقم 108 بتاريخ 2 / 11 / 1403هـ بشأن إنشاء مراصد يستعان بها عند رؤية الهلال: الحمد لله والصلاة والسلام على عبد الله ورسوله محمد وعلى آله وصحبه وبعد : ففي الدورة الثانية والعشرين لمجلس هيئة كبار العلماء المنعقدة بمدينة الطائف ابتداء من العشرين من شهر شوال حتى الثاني من شهر ذي القعدة عام 1403 هـ بحث المجلس موضوع إنشاء مراصد يستعان بها عند تحري رؤية الهلال بناء على الأمر السامي الموجه إلى سماحة الرئيس العام لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد برقم 4 / ص / 19524 بتاريخ 18 / 8 / 1403 هـ والمحال من سماحته إلى الأمانة العامة لهيئة كبار العلماء برقم 2652 / 1 / د وتاريخ 1 / 9 / 1403هـ واطلع على قرار اللجنة المشكلة بناء على الأمر السامي رقم 6 / 2 وتاريخ 2 /1/1403هـ والتي درست موضوع الاستعانة بالمراصد على تحري رؤية الهلال وأصدرت في ذلك قرارها المؤرخ في 16/5/ 1403هـ المتضمن أنه اتفق رأي الجميع على النقاط الست التالية:

1– إنشاء المراصد كعامل مساعد على تحري رؤية الهلال لا مانع منه شرعاً.

2– إذا رُئي الهلال بالعين المجردة فالعمل بهذه الرؤية وإن لم ير بالمرصد.

3– إذا رُئي الهلال بالمرصد رؤية حقيقية بواسطة المنظار تعين العمل بهذه الرؤية ولو لم ير بالعين المجردة؛ وذلك لقول الله تعالى ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾[سورة البقرة: 185] ولعموم قول رسول الله :( لا تصوموا حتى تروه ولا تفطروا حتى تروه فإن غم عليكم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين يوماً )(157) ، ولقوله عليه الصلاة والسلام ( صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته فإن غم عليكم )(158) الحديث، حيث يصدق أنه رئي الهلال سواء كانت الرؤية بالعين المجردة أم بها عن طريق المنظار ولأن المثبت مقدم على النافي.

4– يطلب من المراصد من قبل الجهة المختصة عن إثبات الهلال لتحري رؤية الهلال في ليلة مظنته بغض النظر عن احتمال وجود الهلال بالحساب من عدمه.

5– يحسن إنشاء مراصد متكاملة الأجهزة للاستفادة منها في جهات المملكة الأربع تعين موقعها وتكاليفها بواسطة المختصين في هذا المجال.

6– تعميم مراصد متنقلة لتحري رؤية الهلال في الأماكن التي تكون مظنة رؤية الهلال مع الاستعانة بالأشخاص المشهورين بحدة البصر وخاصة الذين سبق لهم رؤية الهلال.

وبعد أن قام المجلس بدراسة الموضوع ومناقشته ورجع إلى قراره رقم [2] الذي أصدره في دورته الثانية المنعقدة في شهر شعبان من عام 1394 هـ في موضوع الأهلة قرر بالإجماع الموافقة على النقاط الست التي توصلت إليها اللجنة المذكورة أعلاه بشرط أن تكون الرؤية بالمرصد أو غيره ممن تثبت عدالته شرعاً لدى القضاء كالمتبع وألا يعتــــــمد على الحساب في إثبات دخول الشهر أو خروجه، وبالله التوفيق وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم (159).

فيتضح من فتوى هيئة كبار العلماء:

1ـ أنه يجوز الاعتماد على الرؤية بطريق المراصد الفلكية، إذا كانت رؤية حقيقية بواسطة المنظار.

2 أنْ تكون الرؤية بالمراصد ممن تثبت عدالته شرعاً لدى القضاء.

3ـ أنْ لا يُعتمد في ذلك على الحساب الفلكي لإثبات دخول الشهر أو خروجه.

والراجح فيما نرى:

1ـ أنه إذا كانت الرؤية رؤية بصرية بحاسة العين من خلال المناظير والتلسكوبات في المراصد الفلكية فهذه الرؤية معتبرة شرعاً ويعتمد عليها، وهي في الحقيقة من الرؤية البصرية التي جاءت في أمر صاحب الشريعة: ( صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته).

2ـ لا يكفي في إثبات الشهر إمكان الرؤية دون الرؤية، إذ السبب في وجوب الصوم حصول الرؤية لا إمكان الرؤية.

3ـ الصحيح في أمر إثبات الشهور الاستعانة بالمراصد الفلكية لا الاعتماد على المراصد الفلكية!!..

وعلى هذا؛ فالواجب أن لا يُكتَفَى بالتحرّي بواسطة المراصد، بل يجب أن يُتحرَّىَ عن رؤية الهلال بكل سبيل وطريق موصل إلى رؤيته وإثبات دخول الشهر أو خروجه، فإذا ثبتت الرؤية بأي سبيل قُبِل سواء أكان ذلك بالعين المجردة أو بالنظر من خلال المناظير والمراصد الفلكية، خاصة وأنّ بعض علماء الفلك كالدكتور محمد بخيت المالكي وفضل محمد نور قد شكَّكَا في جدوَى الاستعانة بالمراصد على أنها غير مجدية وغير مفيدة ولا تزيد البصر في الرؤية شيئاً، وأنّ الرؤية بالمرصد كالرؤية بالعين المجردة، إذ عجزت المراصد من رصد الأهلة في أقل من الدرجات التي ترى فيها بالعين المجردة.

فإنْ كان أمر المراصد هكذا؛ فلا معنى للاستعانة بها بلْهَ الاعتماد عليها.

والله الموفق لما يحب ويرضى،،

.. والحمد لله رب العالمين ..

الهوامش

  1. (?) القاموس المحيط، للفيروزابادي، ص 1658ـ 1659.

    ↩︎

  2. (?) أخرجه أبو داود برقم 2647، والترمذي برقم 1604 والنسائي برقم 4780، والبيهقي في معرفة الآثار والسنن برقم 5235، والطبراني في المعجم الكبير برقم 2215، وصححه الألباني في تعليقه على الترمذي والنسائي.

    ↩︎

  3. (?) القاموس الموضع السابق نفسه .

    ↩︎

  4. (?) كتاب العين ج8 ص 310.

    ↩︎

  5. (?) راجع: المحيط في اللغة ، ج1 ص 56 .

    ↩︎

  6. (?) جمع الجواهر في الملح والنوادر ، ج1 ص 113، ( الشاملة).

    ↩︎

  7. (?) التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد، لابن عبد البر، ج22 ص 200.

    ↩︎

  8. (?) راجع: لسان العرب، ج11 ص 703 .

    ↩︎

  9. (?) يراجع: لسان العرب ، ج11 ص 703.

    ↩︎

  10. (?) أخرجه البخاري برقم 1807، ومسلم برقم 2495.

    ↩︎

  11. (?) أخرجه البخاري برقم 1808. ومسلم برقم 2502.

    ↩︎

  12. (?) أخرجه البخاري برقم 1810 ومسلم برقم 2511.

    ↩︎

  13. (?) أخرجه الترمذي برقم 687، والبيهقي في السنن الكبرى برقم 7729، والدارقطني في سننه برقم 28، وعبد الرزاق في المصنف برقم 7303 عن الحسن مرسلاً، والحاكم في المستدرك ج1ص 425 وصححه الحاكم ووافقه الذهبي، وأشار صاحب تحفة الأحوذي (2/224) إلى صحته، وحسنه الألباني في صحيح الجامع الصغير برقم 198.

    ↩︎

  14. (?) أخرجه الطبراني في المعجم الأوسط برقم 8242.

    ↩︎

  15. (?) مشكاة المصابيح للتبريزي، مع شرحه مرقاة المفاتيح لأبي الحسن المباركفوري، ج6 ص 876.

    ↩︎

  16. (?) أخرجه أبو داود برقم 2325، وابن الجارود في المنتقى من السنن المسندة برقم 377، والحاكم في المستدرك برقم 1540، وقال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود ج2 ص 298. ومن قبله صححه الدارقطني وقال في عون المعبود شرح سنن أبي داود (6 / 444) قال المنذري: قال الدارقطني: هذا إسناد صحيح هذا آخر كلامه. ورجال إسناده كلهم محتج بهم في الصحيحين على الاتفاق والانفراد ، ومعاوية بن صالح الحضرمي الحمصي قاضي الأندلس وإن كان قد تكلم فيه بعضهم فقد احتج به مسلم في صحيحه وقال البخاري قال علي يعني ابن المديني : كان عبد الرحمن بن مهدي يوثقه ويقول نزل الأندلس، وقال أحمد بن حنبل : كان ثقة ، وقال أبو زرعة الرازي : ثقة .

    ↩︎

  17. (?) صحيح ابن حبان ج8 ص 228، حديث رقم 3444. وصحيح ابن خزيمة ج3 ص 203 حديث رقم 1910.

    ↩︎

  18. (?) معجم مقاييس اللغة، لابن فارس، ج2 ص 87 .

    ↩︎

  19. (?) راجع كتاب العين لسيبويه، ج3 ص 198 ، وتهذيب اللغة ج4 ص 265،.

    ↩︎

  20. (?) أساس البلاغة، للزمخشري، ج1 ص 133، المعجم الوسيط، ج1 ص 158.

    ↩︎

  21. (?) تذكرة الحفاظ، للذهبي ، ج1 ص 212.

    ↩︎

  22. (?) الطبقات الكبرى لابن سعد، ج5 ص 468 .

    ↩︎

  23. (?) مرقاة المصابيح، لعلي القاري، ج4 ص 413.

    ↩︎

  24. (?) أخرجه أبو داود برقم 2342، الحاكم في 91، والبيهقي في السنن الصغرى برقم 1331، والطبراني في الأوسط برقم 3877. قال الحاكم: صحيح على شر المستدرك برقم 1541، وابن حبان في صحيحه برقم 3447، والدارقطني برقم 1 في كتاب الصيام وقال . والدارمي برقم 16ط مسلم ولم يخرجاه ، ووافقه الذهبي المستدرك بتعليقه ج1 ص 585. وقال الدارقطني في السنن (2/156): تفرد به مروان بن محمد عن ابن وهب وهو ثقة . وصححه حسين سليم أسد في تحقيق سنن الدارمي ج2 ص 9.

    ↩︎

  25. (?) المحلى بالآثار لابن حزم ، ج4 ص 377.

    ↩︎

  26. (?) السنن الكبرى للبيهقي ، ج4 ص 204.

    ↩︎

  27. (?) التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد، لابن عبد البر، ج14 ص 348.

    ↩︎

  28. (?) سنن الدارقطني ، ج3 ص 108، عند الحديث رقم 2168.

    ↩︎

  29. (?) أخرجه مسلم برقم 7402، وأحمد في المسند برقم 182، وأبو يعلى في مسنده برقم 140.

    ↩︎

  30. (?) أخرجه الإمام مسلم في صحيحه برقم 2524، وابن أبي شيبة في المصنف برقم 9120.

    ↩︎

  31. (?) رؤية هلال رمضان: من العين المجردة إلى الأقمار الصناعية، أحمد أبوزيد، موقع المختار الإسلامي، http://islamselect.com. وقد حاولت أن أوثق هذه المعلومة فلم أقدر بعد بحث طويل.

    ↩︎

  32. (?) رؤية هلال رمضان: من العين المجردة إلى الأقمار الصناعية، نفسه.

    ↩︎

  33. (?) تفسير الرازي للآية الكريمة، (التفسير الكبير) ج5 ص 105.

    ↩︎

  34. (?) بداية المبتدي في فقه الإمام أبي حنيفة، لبرهان الدين الفرغاني المرغيناني،ج1 ص 39.

    ↩︎

  35. (?) الهداية شرح البداية (بداية المبتدي) للمرغيناني، ج1 ص 119.

    ↩︎

  36. (?) الفتاوى الهندية نظام الدين البلخي وآخرين، ج1 ص 197.

    ↩︎

  37. (?) شرح فتح القدير، ج2 ص 313.

    ↩︎

  38. (?) الاختيار لتعليل المختار، للموصلي ، ج1 ص 166.

    ↩︎

  39. (?) البحر الرائق شرح كنز الدقائق ج2 ص 284.

    ↩︎

  40. (?) الجوهرة النيرة ، ج2 ص 19 .

    ↩︎

  41. (?) الفواكه الدواني شرح رسالة ابن أبي زيد القيرواني ، ج1 ص 303 .

    ↩︎

  42. (?) سبق تخريجه في البخاري برقم 1808. وفي مسلم برقم 2502.

    ↩︎

  43. (?) المنتقى شرح الموطأ ، للباجي، ج2 ص 153 .

    ↩︎

  44. (?) التاج والإكليل ، للمواق، ج2 ص 173 .

    ↩︎

  45. (?) المسالك في شرح موطأ مالك، لابن العربي ، ج4 ص 165.

    ↩︎

  46. (?) فتاوى الإمام السبكي ج 1ص 207 .

    ↩︎

  47. (?) حاشيتي قليوبي وعميرة ج5 ص 322.

    ↩︎

  48. (?) شرح المحلي على المنهاج، ج1 ص 122، ونفس النصّ موجود في نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج، ج9 ص 405.

    ↩︎

  49. (?) الفتاوى الفقهية الكبرى، لابن حجر الهيتمي، ج2 ص 73 ـ 74.

    ↩︎

  50. (?) حاشية الجمل على شرح المنهاج، ج1 ص 424. بتصرف يسير جداً.

    ↩︎

  51. (?) هكذا هو في الأصل، وربما المراد لم يكن يعيد الفريضة للترائي، والله أعلم.

    ↩︎

  52. (?) الفتاوى الفقهية الكبرى نفسه ج 1ص 214 215.

    ↩︎

  53. (?) حاشية البجيرمي على المنهاج، سليمان بن عمر البجيرمي ، ج2 ص 67 ، ونقل عنه أيضاً باعلوي في بغية المسترشدين تلخيص فتاوى بعض الأئمة من العلماء المتأخرين، ص 223 .

    ↩︎

  54. (?) بغية المسترشدين ي تلخيص فتاوى بعض الأئمة من العلماء المتأخرين، عبد الرحمن باعلوي، ص 223.

    ↩︎

  55. (?) المغني لابن قدامة ، ج3 ص 67 .

    ↩︎

  56. (?) الشرح الكبير مع المغني، لشمس الدين بن قدامة، ج3 ص 5 .

    ↩︎

  57. (?) كشاف القناع، للبهوتي، ج2 ص 300.

    ↩︎

  58. (?) 48 سؤالاً في الصوم، سؤال رقم 21، ويراجع موقع : الإسلام سؤال وجواب، www.islamqa.com

    ↩︎

  59. (?) فقه النوازل، للشيخ د. بكر أبوزيد، ج2 ص 197 198 .

    ↩︎

  60. (?) شرح زاد المستقنع ، للشنقيطي (12/100) (المكتبة الشاملة).

    ↩︎

  61. ↩︎

  62. (?) حاشية ابن عابدين، رد المحتار على الدر المختار، ج2 ص 96.

    ↩︎

  63. (?) انظر: بغية المسترشدين، عبد الرحمن باعلوي، ج1 ص 226.

    ↩︎

  64. (?) انظر: حاشية إعانة الطالبين، للبكري الدمياطي، ج2 ص 247، فتح المعين بشرح قرة العين للمليباري، ج2 ص 219.

    ↩︎

  65. (?) راجع بتوسع: بغية المسترشدين، ج1 ص 226.

    ↩︎

  66. (?) حاشية إعانة الطالبين، ج2 ص 247. بغية المسترشدين ج1 ص 226، حواشي الشرواني والعبادي ج3 ص 382، فتح المعين بشرح قرة العين، للمليباري، ج2 ص 219.

    ↩︎

  67. (?) الحديث أخرجه مسلم في صحيحه برقم 2523 ج7 ص 197 مع شرح النووي.

    ↩︎

  68. (?) حاشية إعانة الطالبين، ج2 ص 247.

    ↩︎

  69. (?) بغية المسترشدين ج1 ص 226 .

    ↩︎

  70. (?) المرجع السابق نفسه.

    ↩︎

  71. (?) حاشية إعانة الطالبين، ج2 ص 247.

    ↩︎

  72. (?) أغمات ناحية في بلاد البربر قرب مراكش.

    ↩︎

  73. (?) وأشبيلية مدينة معروفة من مدن الأندلس، ردها الله إلى المسلمين قريباً.

    ↩︎

  74. (?) وسهيل كوكب معروف لأهل العلم بالكواكب.

    ↩︎

  75. (?) أحكام القرآن لابن العربي ، ج1 ص 85.

    ↩︎

  76. (?) انظر: صحيح مسلم بشرح النووي ج7 ص197، وفتح الباري، ج4ص147، وسنن الترمذي ج2ص161 في الحديث رقم 693، ونيل الأوطار ج4ص272 273، و تفسير القرطبي ج3ص157، والاستذكار لابن عبد البر ج10ص 29، والمغني لابن قدامة،ج3ص10.

    ↩︎

  77. (?) تفسير القرطبي نفسه وفتح الباري نفسه.

    ↩︎

  78. (?) انظر: الاستذكار لابن عبد البر ج10 ص 29، والقرطبي في تفسيره نفس الموضع.

    ↩︎

  79. (?) تفسير القرطبي نفسه ، وفتح الباري نفس الموضع السابق.

    ↩︎

  80. (?) انظر:المجموع شرح المهذب للنووي، ج6 ص 276، فتح الباري الموضع السابق نفسه، ونيل الأوطار للشوكاني ج4 ص 273 .

    ↩︎

  81. (?) انظر: المجموع شرح المهذب للنووي ج6 ص 275، وفتح الباري الموضع السابق نفسه.

    ↩︎

  82. (?) راجع في ذلك: شرح النووي لصحيح مسلم ج7 ص 197، وفتح الباري ج4 ص 147 148 ، ونيل الأوطار ج4 ص 272 273.

    ↩︎

  83. (?) الاستذكار ، ج10 ص 30.

    ↩︎

  84. (?) مجموع الفتاوى لابن تيمية ، ج25 ص 106 .

    ↩︎

  85. (?) نيل الأوطار ج4 ص 273 .

    ↩︎

  86. (?) أخرجه مسلم في صحيحه في باب بيان أن لكل بلد رؤيتهم، برقم 2523 ج7 ص 197 بشرح النووي.

    ↩︎

  87. (?) بداية المجتهد ونهاية المقتصد، ابن رشد الحفيد، ج2 ص 148 149.

    ↩︎

  88. (?) معجم مقاييس اللغة ، لابن فارس ، ج3 ص 419.

    ↩︎

  89. (?) لسان العرب ، لابن منظور، ج8 ص 235.

    ↩︎

  90. (?) القاموس المحيط، للفيروزابادي، ص 961.

    ↩︎

  91. (?) حاشية ابن عابدين، رد المحتار على الدر المختار، ج2 ص 96.

    ↩︎

  92. (?) مطالب أولي النهى، للرحيباني، باب ميراث الغرقى ( الشاملة ).

    ↩︎

  93. (?) انظر: البحر الرائق شرح كنز الدقائق، لابن نجيم ،ج2ص291، تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق، للزيلعيج4ص61.

    ↩︎

  94. (?) الخلاصة الفقهية على مذهب السادة المالكية، محمد العربي القروي، ص 187 . دار الكتب العلمية.، وهو هكذا في الأصل ولكن يلاحظ أن الصورة الرابعة والصورة الثانية هي هي، فتكون على هذا خمس صور لا ست.

    ↩︎

  95. (?) أحكام القرآن لابن العربي ، ج1 ص 8485 .

    ↩︎

  96. (?) راجع الاستذكار ج10 ص 30 فقرة 13803.

    ↩︎

  97. (?) راجع: المجموع للنووي، ج6 ص 275.

    ↩︎

  98. (?) الفروع لابن مفلح ج4 ص 426.

    ↩︎

  99. (?) المغني لابن قدامة، ج3 ص10 فقرة 2002.

    ↩︎

  100. (?) صحيح الإمام مسلم ، كتاب الصيام، باب بيان أن لكل بلد رؤيتهم، برقم 2523 ج7 ص 197 بشرح النووي.

    ↩︎

  101. (?) أخرجه مالك في الموطأ برقم 783، البيهقي في معرفة السنن والآثار برقم 2590، وقال: رأيته في نسخ عن البخاري، الشافعي في السنن المأثورة برقم 345، وأغلب ألفاظ الصحيحين ( فإن غُمَّ عليكم فاقدروا له) البخاري حديث رقم 1906، ومسلم حديث رقم 2550.

    ↩︎

  102. (?) الشوكاني في نيل الأوطار ج4 ص 273 274 .

    ↩︎

  103. (?) الدراري المضية شرح الدرر البهية في المسائل الفقهية، للشوكاني ، ج1 ص 377378 ، ومن التوافق أني لم أكن قد وقفت على من جمع الأقوال في الأخذ برؤية البلد الآخر من قبل، ولم أكن أعرف أن الأقوال فيه ثمانية أقوال حتى بحثتها بنفسي، وما اطلعت على كلام الشوكاني إلا عند قراءتي في كتابه الدراري المضية الآن، والحمد لله الموفق.

    ↩︎

  104. (?) المغني لابن قدامة، ج3 ص 1213 .

    ↩︎

  105. (?) إكمال الإكمال،ج3 ص226 عنه تبيين المسالك لتدريب السالك إلى أقرب المسالك، للشبياني ج2 ص146.

    ↩︎

  106. (?) إكمال الإكمال ج3 ص 220، نقلاً عن الفقه المالكي وأدلته للحبيب بن طاهر، ج2 ص 81 .

    ↩︎

  107. (?) الفقه المالكي وأدلته لابن طاهر ج2 ص 81 عن الذخيرة للقرافي م1 ورقة 142.

    ↩︎

  108. (?) الفقه المالكي وأدلته لابن طاهر ج2 ص 81 .

    ↩︎

  109. (?) راجع: الفقه المالكي وأدلته، نفسه، ج2 ص 81 .

    ↩︎

  110. (?) أخرجه أحمد في مسنده برقم 1985، والبخاري في صحيحه برقم 1909، ومسلم برقم 2567، والترمذي برقم 684، والنسائي برقم 2116.

    ↩︎

  111. (?) راجع: مجموع فتاوى ابن تيمية، ج25 ص 103 وما بعدها.

    ↩︎

  112. (?) انظر: زاد المسير لابن الجوزي، ج8 ص 376، وتفسير البغوي، ج4 ص 403، وتفسير البيضاوي، ج5 ص 399، وتفسير ابن كثير ج4 ص 431، وتفسير النسفي، ج4 ص 287 .

    ↩︎

  113. (?) انظر: قواعد الفقه للبركتي، ص 70 .

    ↩︎

  114. (?) طلبة الطلبة في الاصطلاحات الفقهية، ص 252، وراجع: معجم لغة الفقهاء ج1 ص 122.

    ↩︎

  115. (?) أخرجه الشيخان، البخاري برقم 401، ومسلم برقم 572.

    ↩︎

  116. (?) راجع: الشرح الممتع على زاد المستنقع، للشيخ ابن عثيمين، ج1 ص 62.

    ↩︎

  117. (?) البحر الرائق شرح كنز الدقائق، ج2 ص 123.

    ↩︎

  118. (?) كشف الأسرار عن أصول فخر الإسلام البزدوي، ج3 ص 170.

    ↩︎

  119. (?) المبسوط للسرخسي، ج10 ص 186 .

    ↩︎

  120. (?) الكليات الفقهية للمقري، ج1 ص 4.

    ↩︎

  121. (?) راجع هذا المعنى في: البحر الرائق شرح كنز الدقائق، ج3 ص 135.

    ↩︎

  122. (?) المهذب للشيرازي بشرح المجموع، ج6 ص 288.

    ↩︎

  123. (?) الحاوي الكبير للإمام الماوردي، ج3 ص 459.

    ↩︎

  124. (?) المبسوط للسرخسي، ج3 ص 106.

    ↩︎

  125. (?) أخرجه مسلم في صحيحه كتاب الصيام باب وجوب صوم رمضان لرؤية الهلال، حديث رقم 2502.

    ↩︎

  126. (?) راجعها في: شرح النووي لصحيح مسلم، ج7 ص 189، التمهيد لابن عبد البر ج14 ص 348، مصنف عبد الرزاق ج4 ص 161، العذب الزلال للمراكشي ، ج1 ص 294، حاشية ابن عابدين ج2 ص 91939697، فتح الباري ج4 ص 146147، الاستذكار لابن عبد البر ج10 ص 1819، أوائل الشهور العربية، أحمد محمد شاكر، الكتاب كله، فقه الصيام للقرضاوي ص 89، الفتاوى الشرعية محمد سلامة جبر ص 5658، فتاوى علي الطنطاوي ص 221.

    ↩︎

  127. (?) أخرجه البخاري برقم 1906.

    ↩︎

  128. (?) أخرجه البخاري برقم 1907.

    ↩︎

  129. (?) أخرجه البخاري برقم 1909.

    ↩︎

  130. (?) البحر الرائق شرح كنز الدقائق، ج2 ص 284.

    ↩︎

  131. (?) الاختيار لتعليل المختار للموصلي، ج1 ص 139.

    ↩︎

  132. (?) إرشاد السالك إلى أشرف المسالك، ص 74.

    ↩︎

  133. (?) البيان والتحصيل لابن رشد الجد، ج2 ص 329 .

    ↩︎

  134. (?) الشرح الكبير للدردير، ج1 ص 512.

    ↩︎

  135. (?) الكافي في فقه أهل المدينة لابن عبد البر، ج1 ص 335.

    ↩︎

  136. (?) كتاب الأم للشافعي، ج2 ص 95.

    ↩︎

  137. (?) أسنى المطالب في شرح روض الطالب، ج1 ص 411.

    ↩︎

  138. (?) الحاوي الكبير للماوردي، ج3 ص 885.

    ↩︎

  139. (?) الشرح الكبير لشمس الدين بن قدامة، ج3 ص 6 .

    ↩︎

  140. (?) الشرح الممتع على زاد المستنقع، للشيخ العثيمين، ج6 ص 307 .

    ↩︎

  141. (?) راجع الإنصاف للمرداوي، ج3 ص 193.

    ↩︎

  142. (?) الموطأ ، خبر رقم 784، ج1 ص 387 .

    ↩︎

  143. (?) أخرجه عبد الرزاق في المصنف برقم 7331، وابن أبي شيبة في المصنف برقم 9553، والبيهقي في السنن الكبرى برقم 8239، وفي معرفة السنن والآثار برقم 2596، والدارقطني برقم 2197، وخانقين: بلدة بالعراق قريبة من بغداد.

    ↩︎

  144. (?) الأحكام السلطانية، للماوردي ص 5.

    ↩︎

  145. (?) بدائع السلك في طبائع الملك، لابن الأزرق الأندلسي، ج1 ص 29.

    ↩︎

  146. (?) انظر: الخلافة، للشيخ محمد رشيد رضا، ص 17.

    ↩︎

  147. (?) هذه الأخبار سبق تخريجها.

    ↩︎

  148. (?) لسان العرب، لابن منظور، مادة رصد، ج3 ص 177.

    ↩︎

  149. (?) معجم مقاييس اللغة لابن فارس، ج2 ص 400.

    ↩︎

  150. (?) لسان العرب ، ج10 ص 478.

    ↩︎

  151. (?) الرؤية الشرعية للمراصد الفلكية، محمد بن فنخور العبدلي، ص 53.

    ↩︎

  152. (?) المرجع السابق نفسه.

    ↩︎

  153. (?) المرجع السابق نفسه.

    ↩︎

  154. (?) نقله عنه محمد بن فنخور العبدلي في بحثه الرؤية الشرعية للمراصد الفلكية المرجع السابق.

    ↩︎

  155. (?) كما وصفه د. المالكي، المرجع السابق نفسه.

    ↩︎

  156. (?) يراجع: الرؤية الشرعية للمراصد الفلكية، ص 81.

    ↩︎

  157. (?) أخرجه البخاري برقم 1909 ومسلم برقم 1081 والترمذي برقم 684 والنسائي برقم 2119 وابن ماجه برقم 1655 وأحمد في مسنده ج2 ص497 والدارمي في سننه برقم1685.

    ↩︎

  158. (?) أخرجه البخاري برقم 1907 و مسلم برقم 1080 والنسائي برقم 2122 وأبو داود برقم 2320 وابن ماجة برقم 1654 وأحمد في المسند ج2 ص 5 ومالك في الموطأ برقم 634 والدارمي برقم1684.

    ↩︎

  159. (?) موقع الرئاسة العامة للبحوث. http://www.alifta.com. عن الرؤية الشرعية للمراصد الفلكية، ص 85 .

    ↩︎