الثلاثاء 22 سبتمبر 2026م
الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ

الرئيسيةبحوث ← قلب الدَّين وتطبيقاته المعاصرة

قلب الدَّين وتطبيقاته المعاصرة

المقدمة

) ، والصلاة والسلام على رسول الله الأمين وعلى آله وصحبه أجمعين،

وبعد:

فهذا بحثٌ عن: مسألة قَلْبِ الدَّينِ وبعض أحكامٍ لتطبيقاتٍ معاصرةٍ لقَلْب الدَّين، وهي مسألة تعددت صورها في تطبيقات المصارف والبنوك، وكذلك في بعض تصرفات الدولة وغير ذلك، فهي مسألة مهمّة قد لا تظهر إشكالياتها الشرعية ومآلاتها الربوية إلاّ بمثل هذه البحوث والأوراق.

لذلك؛ كان من المهمّ الكشف عن حقيقة قلب الدَّين وخطرها وما يحمل في طياته من المحظورات والمآثم الجمّة التي تخرج المعاملة المالية من الحلِّ والإباحة إلى المنع والحظر، ومن الإذن الأصلي للمعاملات إلى النهي والتحذير من ركوب متنه والتعامل به لا سيما في المصارف الإسلامية الحريصة على السلامة الشرعية، مع ذكر بعض الخيارات الفقهية التي تسلم من قلب الدَّين الممنوع .

ولقد كتبت هذا البحث في الأصل استجابةً لطلبٍ كريمٍ من سعادة الأمين العام لمجمع الفقه الإسلامي الدولي، لتقديمه للدروة الخامسة والعشرين للمجمع بجدة في رجب وشعبان 1444هـ ـ فبراير 2023م.

وللوفاء بمطلوبات المسألة المبحوثة؛ جعلت البحث في أربعة مباحث:

المبحث الأول: في تحديد المراد بقَلْب الدَّين.

والمبحث الثاني: في أحوال قَلْب الدَّين .

والمبحث الثالث: في طرق قَلْب الدَّين وتطبيقاته المعاصرة وبيان أحكامها.

والمبحث الرابع: في صور مقبولة لمعالجة التعثّر بطريق قَلْبِ الدَّين.

والله تعالى أسأله أن يوفقني إلى الحق والصواب، وأن يجنبني الخطأ والزلل، وأن يجعل عملنا كلّه صالحاً وأن يجعله لوجهه خالصاً، وأن لا يجعل لأحدٍ فيه شيئاً. والحمد لله رب العالمين.

راجي عفو ربّه

المبحث الأول: في تحديد المصطلح

هذا التصرف المالي المتعلق بالدَّين والتعامل فيه متعلّقٌ بثلاثة مسمّيات تعبّر عنه، هي: قلب الدَّيْن، وفسخ الدَّين في الدَّين، وبيع المعاملة. لذلك؛ كان من المهمّ تحديد معاني هذه الثلاثة في أصل اللغة وفي اصطلاح أهل العلم الذين اصطلحوه، على النحو الآتي:

[1] المراد بقَلْب الدَّين:

القلب في اللغة(1): تحويل الشيء عن وجهه، من قلَبَ يَقْلِبُ قلباً.

وقَلَبَ الشيءَ، وقَلَّبه: حوَّله ظهراً لبطن. وقلبْتُ الشيءَ فانقلبَ أي انكبَّ.

والقَلْب: صرفك إنسانًا، تَقْلِبه عن وجهه الذي يريده.

وقَلَّب الأمور: بحثها ونظر في عواقبها، وفي التنزيل العزيز ﴿وَقَلَّبُوا۟ لَكَ ٱلْأُمُورَ﴾ [التوبة: 48]..

والتَّقَلَّب في الأمور وفي البلاد: أنْ يتصرَّف فيها كيف يشاء. وفي التنزيل ﴿فَلَا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِى ٱلْبِلَـٰدِ﴾ [غافر: 4]..

ومن أمثال العرب: اقلب قلاّب، قال ابن الأثير $: « هذا مثل يضرب لمن تكون منه السقطة، فيتداركها بأن يقلبها عن جهتها، ويصرفها إلى غير معناها».

وهذا الذي قاله ابن الأثير هو الأقرب لمعنى قلب الدين ولعل العلماء الذين اصطلحوه في هذا الباب نظروا إلى هذا المعنى من قلب الدين وصرفه إلى غير مقصوده المشروع.

قَلْبُ الدَّيْن في الاصطلاح:

قَلْب الدَّين من اصطلاح متأخِّري الحنابلة ، وكأنّ أوّل من استعمله هو شيخ الإسلام ابن تيمية، ثم تلميذه ابن القيم، ثم انتشر على لسان فقهائهم نقلاً عن ابن تيمية رحمهم الله تعالى.

ولتحديد المصطلح والمراد به؛ يحسن الرجوع إلى من اصطلحوه ومرادهم منه، حتى نصل إلى حقيقته الفقهية.

حقيقة قَلْب الدًّين عند الشيخين:

بقراءة نصوص ابن تيمية وابن القيم رحمهما الله في مسألة قلب الدَّيْن، ” وهما أوّل من اصطلحه”؛ نجد أنه لا يخرج معناه عندهما عن الزيادة على المدين في دينه الذي عليه.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في ذلك: « وهذه المعاملات منها ما هو حرام بإجماع المسلمين مثل التي يجري فيها شرط لذلك، أو التي يباع فيها المبيع قبل القبض الشرعي أو بغير الشروط الشرعية، أو يقلب فيها الدَّين على المعسر، فإن المعسر يجب إنظاره ولا يجوز الزيادة عليه بمعاملة ولا غيرها بإجماع المسلمين»(2).

فظهر أنّ مراده بقلب الدَّيْن الزيادة على المدين بمعاملة أو غيرها.

وكذلك نراه يقول في موضع آخر: « وَأَمَّا إذَا حَلَّ الدَّيْنُ وَكَانَ الْغَرِيمُ مُعْسِرًا: لَمْ يَجُزْ بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ أَنْ يَقْلِبَ بِالْقَلْبِ لَا بِمُعَامَلَةٍ وَلَا غَيْرِهَا؛ بَلْ يَجِبُ إنْظَارُهُ وَإِنْ كَانَ مُوسِرًا كَانَ عَلَيْهِ الْوَفَاءُ فَلَا حَاجَةَ إلَى الْقَلْبِ لَا مَعَ يَسَارِهِ وَلَا مَعَ إعْسَارِهِ »(3).

فإن كان الموسر لا حاجة معه إلى القلب، وكان المعسر لا يجوز القلب عليه، فكان ذلك يعني الزيادة عليهما، والمنع في الحالين وفي حال الغريم المعسر أشدّ.

ويزيدنا ابن القيم رحمه الله تأكيداً أن المراد بقلب الدين هو الزيادة على المدين، بكلامه على ما قال شيخه ابن تيمية رحمه الله: «وَهَذِهِ الْمُعَامَلَاتُ: مِنْهَا مَا هُوَ حَرَامٌ بِالِاتِّفَاقِ، مِثْلُ الَّتِي يُبَاعُ فِيهَا الْمَبِيعُ قَبْلَ الْقَبْضِ الشَّرْعِيِّ، أَوْ بِغَيْرِ الشَّرْطِ الشَّرْعِيِّ، أَوْ يَقْلِبُ فِيهَا الدَّيْنَ عَلَى الْمُعْسِرِ، فَإِنَّ الْمُعْسِرَ يَجِبُ إنْظَارُهُ، وَلَا تَجُوزُ الزِّيَادَةُ عَلَيْهِ بِمُعَامَلَةٍ وَلَا غَيْرِهَا، وَمَتَى اسْتَحَلَّ الْمُرَابِي قَلْبَ الدَّيْنِ، وَقَالَ لِلْمَدِينِ: إمَّا أَنْ تَقْضِيَ، وَإِمَّا أَنْ تَزِيدَ فِي الدَّيْنِ وَالْمُدَّةِ: فَهُوَ كَافِرٌ»(4).

فكان قَلْبُ الدَّين هو: الزيادة على المدين بمعاملة أو غيرها، وقد أكّد هذا المعنى بعبارته: «ولا تجوز الزيادة عليه بمعاملة ولا غيرها».. وبعبارته الثانية: « ومتى استحلّ المرابي قَلْب الدَّين وقال للمدين: إما أن تقضي وإما أن تزيد في الدَّين والمدة ..».

ولم يخرج قَلْب الدَّيْن عن هذا المعنى عند الحنابلة ممن تكلموا فيه، وهم في الأصل نقلوه عن شيخ الإسلام رحمه الله (5).

[2] المراد بفسخ الدَّين في الدَّين:

ومن المصطلحات الفقهية الموافقة لمصطلح ” قلب الدَّين “: فسخ الدين في الدَّين، وهو الذي اصطلحه المالكية وقد سبقوا الحنابلةَ في ذلك، بتصوّر حالاتٍ يتحقق بها الزيادة على المدين في الدَّين الذي عليه، وصورها كثيرةٍ يسمونها « فسخ الدَّيْن في الدَّين» أو « فسخ الدَّين بالدَّين»، وهو من بيع الدين بالدين، الداخل في بيع الكالئ بالكالئ المنهي عنه(6). فهو مصطلح سابق لما اصطلحه متأخرو الحنابلة بعبارة: «قلب الدين ».

والفسخ في أصل اللغة من فَسَخَ يَفْسَخُ فَسْخَاً فانفسخ وتفسّخ، وقد وُضع في الأصل لمعان كثيرة، منها (7):

1ـ النقض، ومنه قولهم: فَسَخْتُ البيع والعزمَ والنكاحَ، فانفسخ، أي انتقض، وتفاسَخَت الأَقاويل: تَناقَضَت.

2ـ القطع، والفكّ والإزالة، ومنه قولهم: وتَفَسَّخَتِ الفأرة في الماء: تَقَطَّعَتْ وتَفَسَّخَ الرُبَعُ تحت الحمل الثقيل، وذلك إذا لم يُطِقه. وفَسَخْتُ يده أفْسَخُها فَسْخاً، وقولهم: وفسختُ يدَه أَفسَخُها فَسْخًا، بِغَيْرِ أَلف، إِذا فَكَكْتَ مَفْصِله مِنْ غَيْرِ كَسْرٍ. وفسخَ المَفْصلَ يفسَخه فسْخاً وفَسَّخَه فانْفَسَخَ وتفسَّخ: أَزاله عَنْ مَوْضِعِهِ.

3ـ الطرح، كقولهم: فَسَخْتُ عَنِّي ثَوْبِي إِذا طرحته.

4ـ النسيان، قال الفراء: أفْسَخَ الرجل القرآن، أي نسيه.

5ـ الفساد، ومنه قولهم: فَسِخَ رأْيُه فَسَخاً فَهُوَ فَسِخٌ: فَسَدَ. وفَسَخَه فَسْخاً: أَفسده.

6ـ الضعف، إذ الفَسْخ هو الضَّعِيفُ الَّذِي يَنْفَسِخُ عِنْدَ الشِّدَّةِ، والذي لَا يقوى على مقاومة الشدائد.

7ـ عدم الظفر بالشيء، فالذي لَا يظفر بحاجته يقال له: فَسِيخ.

وقد جمع كثيراً من معاني الفسخ الفيروزابادي رحمه الله في القاموس المحيط فقال: «الفَسْخُ: الضَّعْفُ، والجَهْلُ، والطَّرْحُ، وإفْسادُ الرَّاْيِ، والنَّقْضُ، والتَّفْرِيقُ، والضعيفُ العَقْلِ والبَدَنِ، كالفَسْخَةِ، ومن لا يَظْفَرُ بِحاجَتِهِ ولا يَصْلُحُ لأِمْرِهِ » (8).

وفي استعمال الشرع:

جاء بمعنى الإبطال والتبديل، كما في حديث ربيعة بن أبي عبد الرحمن، عن الحارث بن بلال، عن أبيه، قال: قلت: يا رسول الله، فسخ الحج لنا خاصة أم للناس عامة؟ قال: «بل لنا خاصة» (9).

وفسخُ الحجِّ هو ما جاء في حديث ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما، قَالَ: قَدِمَ رَسُولُ اللهِ ﷺمَكَّةَ وَأَصْحَابُهُ مُلَبِّينَ، – وَقَالَ عَفَّانُ: مُهِلِّينَ – بِالْحَجِّ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: ( مَنْ شَاءَ أَنْ يَجْعَلَهَا عُمْرَةً إِلَّا مَنْ كَانَ مَعَهُ الْهَدْيُ )، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، أَيَرُوحُ أَحَدُنَا إِلَى مِنًى وَذَكَرُهُ يَقْطُرُ مَنِيًّا؟ قَالَ: ( نَعَمْ )..

وَسَطَعَتِ الْمَجَامِرُ وَقَدِمَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ مِنَ الْيَمَنِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: ( بِمَ أَهْلَلْتَ؟ ) قَالَ: « أَهْلَلْتُ بِمَا أَهَلَّ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ»، قَالَ رَوْحٌ: فَإِنَّ لَكَ مَعَنَا هَدْيًا ، قَالَ حُمَيْدٌ: فَحَدَّثْتُ بِهِ طَاوُسًا فَقَالَ: ” هَكَذَا فَعَلَ الْقَوْمُ “. قَالَ عَفَّانُ: اجْعَلْهَا عُمْرَةً (10)..

وفسخ الحجّ الذي رخّص فيه النبي ﷺلأصحابه خاصّة هو: أن يكون نوى الحجّ أولاً، ثم يبطله وينقضه ويجعله عمرة ، ويُحلّ، ثمَّ يعود فيُحرم بحجة، وهو التمتع أو قريبٌ منه.

والفسخ في الاصطلاح:

هو: « رفعُ العقد على وصف كان قبله بلا زيادة ونقصان » (11).

وقال الكاساني رحمه الله: « وفسخ العقد: رفعه من الأصل كأن لم يكن»(12).

وقال القرافي رحمه الله: « الفسخ: قلبُ كل واحدٍ من العوضين لصاحبه»(13).

والمراد بفسخ الدَّين في الدَّين أو بالدَّين:

لا يخرج عند المالكية عن معنى ما ورد في حديث فسخ الحجّ، إذ هو في حقيقته خروجٌ عما كان من الدَّين وإبداله بآخر، وقد عرّفه الباجيّ رحمه الله بقوله: «معنى فسخ الدَّين في الدَّين أن يشغل الذمة على غير ما كانت عليه مشغولة به » (14).

وعرّفه الشيخ خليل رحمه الله في مختصره بأنه: « فسخ ما في الذِّمّة في مؤخر ولو معينًا يتأخر قبضه » .

وقال الخرشي رحمه الله في شرحه: « يعني أن فسخ الدَّين في الدَّين هو أن يفسخ ما في ذمة مدينه في أكثر من جنسه إلى أجل، أو يفسخ ما في ذمته في غير جنسه إلى أجل، كعشرة في خمسة عشر مؤخرة، أو في عرض مؤخر»(15).

وعرَّفه صاحب الرسالة ابن أبي زيد رحمه الله بقوله: « هو أن يكون لك شيء في ذمّته فتفسخه في شيءٍ آخر لا تتعجّله»(16).

وسيأتي بيان صور فسخّ الدّين وأحكامها في ثنايا البحث إنْ شاء الله.

[3] المراد ببيع المعاملة:

ومما هو في معنى قلب الدَّين ما عُرف عند متأخّري الحنفية صورة من صور المعاملة في الدّيون أطلقوا عليها مصطلح «بيع المعاملة»(17).

والمُعَاملة في اللغة :

معاملة بضم الميم الأولى وفتح الثانية؛ مفاعلةٌ مِن عاملتُ الرجلَ أعامله معاملةً، وعامله معاملة أي سامَهُ بعمل(18) أي مقابلة عمل بعمل، وعامله بمعاملة، أي قابله بتصرّفٍ مشابهٍ لتصرّفه، أو بَادَلَهُ ذات التصرف(19).

فالمعاملة في اللغة هي: فعل شيءٍ أو إحداثه بما له ارتباط بآخر، أو هي: اشتراك طرفين بعمل ما، أو هي: مقابلة عمل بعمل، أو هي عموماً: التعامل مع الغير(20).

والمعاملة في أصل الوضع قد تطلق على التعامل الإنساني، وقد تطلق على التعامل المالي؛؛..

ومن إطلاقها على التعامل الإنساني بين الناس؛ ما رواه كعب الأحبار رضي الله عنه قال: « أوحَى الله عزّ وجل إلى موسى عليه السلام: (يا موسى! إذا لقيت المساكين فعاملهم كما تعامل الأغنياء ، فإنْ لم تفعل ؛ فاجعل كل شيء علمتَ أو عملتَ تحت التراب )(21).

ومن إطلاق المعاملة على التعامل المالي؛ ما جاء في كلام أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقد روي أنّ جلاً قال له: إنّ فلاناً رجلُ صدقٍ” فقال له عمر: « هل سافرت معه؟». قال الرجل: لا. قال عمر: «هل ائتمنته على شيءٍ؟» قال الرجل: لا. قال عمر: « هل عاملته بالدينار والدرهم، أو هل كان بينك وبينه معاملة؟ » فقال : لا. فقال عمر رضي الله عنه: « أراكَ رأيتَه يرفع رأسه ويخفضه في المسجد فظننتَ به الصدق » (22).

فجعل عمر رضي الله عنه المعاملة في التعامل بالمال.

والمعاملة في الاصطلاح الفقهي هي: «كلُّ تصرّفٍ والتزامٍ متعلّق بالحقوق والأموال »..

أما بيع المعاملة فحقيقته عند الحنفية : شراء المقترض من المقرض الشيء اليسير بثمن غال لحاجة القرض، على أنه لو لم يشتر لطالبه بالقرض في الحال، أو نحو ذلك، إذ لولاه لما تحمّل المستقرض غلاء الثمن.

ومن صوره أيضاً: أن يستدين زيدٌ العشرة باثني عشر أو بثلاثة عشر(23).

ويجعله بعضهم أمراً واحداً هو وبيع الوفاء، فيرون أنّ بيع المعاملة من بيع الوفاء، ويسميه هؤلاء «ربح الدَّين»، إذ يشتري الدائن سلعة من المدين لينتفع به بمقابلة دينه.

وصورته:

أنْ يقول البائع للمشتري بعت منك هذا العين بما لك علي من الدين على أني متى قضيته فهو لي.

أو : أنْ يقول بعت منك على أن تبيعه مني متى جئت بالثمن (24).

وقد صرّح في مجمع الضمانات أنّ بيع المعاملة وبيع الوفاء فاسدٌ(25). ونصّ في جواهر الفتاوى أنه بيع باطل(26).

على كلٍّ فإنَّ المصطلحات الثلاثة تتداخل في صور وتتطابق، على أنّ قلب الدَّيْن عند الحنابلة متحقّق في صورٍ من فسخ الدَّين في الدَّين عند المالكية، كما أنّ بيع المعاملة عند الحنفية قد يكون صورةً من صور قلب الدَّين ومن فسخ الدَّين في الدَّين.

وبسبب هذا التداخل في المصطلحات الثلاثة؛ لن ينحصر الكلام عن قلب الدَّين وصوره وأحواله وطرقه على مراد من اصطلحوه، بل سيشمل صور فسخ الدَّين وغيره.

المبحث الثاني: حالات قَلْبِ الدَّيْن

لقَلْب الدَّيْن بالنظر إلى من يُقلب عليه، وهو المدين، حالتان، لأنّ المدين لا يخلو حاله من أمرين، إمّا أنْ يكون موسراً، عنده ما يفي دينه أو يزيد، وإمّا أن يكون معسراً ليس عنده ما يفي به الدَّيْن الذي عليه، ومع كل حالةٍ عند الفقهاء موقفٌ :

الحالة الأولى: قلب الدَّين على المدين المعسر:

وقد نصّ العلماء على إجماع المسلمين بمنع قلب الدين على المعسر بأي نوع القلب، قال ابن تيمية رحمه الله: « إذَا حَلَّ الدَّيْنُ وَكَانَ الْغَرِيمُ مُعْسِرًا: لَمْ يَجُزْ بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ أَنْ يَقْلِبَ بِالْقَلْبِ لَا بِمُعَامَلَةٍ وَلَا غَيْرِهَا؛ بَلْ يَجِبُ إنْظَارُهُ »(27).

فإذا قلب صاحب الدَّين على المدين المعسر دينه، إرغاماً وتهديداً له بالحبس أو نحوه، فالتزم المعسر مرغماً خائفاً؛ فالقلب غير لازم وتصبح المعاملة باطلة باتفاق المسلمين. قال البهوتي رحمه الله :« قال الشيخ: ويحرم على صاحب الدَّين أن يمتنع من إنظار المعسر، حتى يقلب عليه الدَّين، ومتى قال رب الدَّين إمّا أنْ تَقلب الدَّين وإمّا أن تقوم معي إلى عند الحاكم، وخاف أن يحبسه الحاكم لعدم ثبوت إعساره عنده وهو معسر فقلب على هذا الوجه؛ كانت هذه المعاملة حراماً غير لازمة باتفاق المسلمين. فإن الغريم مكره عليها بغير حق، ومن نسب جواز القلب على المعسر بحيلة من الحيل إلى مذهب بعض الأئمة فقد أخطأ في ذلك وغلط»(28).

لأنّ المعسر حقّه على دائنه الإنظار وجوباً بما جاء به القرآن في قوله تعالى وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ [البقرة: 280].

الحالة الثانية: قلب الدَّيْن على المدين الموسر:

والموسر هو الذي له ما يفي به دينه الذي عليه عند حلول الأجل، فإذا حلّ الأجل وطالبه الدائن بسداد دينه الذي عليه؛ فلا يجوز له أن يماطل في سداد ما عليه لصاحب الدين، فإنْ خُيِّر بين السداد وقلب الدَّين، لم يجز له إلا السداد، وإنْ قبل أن يُقلب عليه الدَّين مع يساره بزيادة قدر أو صفة أو نوع منفعةٍ؛ فهو مرابٍ آكَلَ الرِّبا ودخل في الوعيد بلا ريب.

ولكن فقهاء الحنابلة فرّقوا في قلب الدَّين بين المعسر والموسر، فاتفقوا ونقلوا الاتفاق والإجماع على منع قلب الدَّين على المعسر، وقالوا بما يُفهم منه الاختلاف والاحتمال في حكم القلب على الموسر.

يقول ابن تيمية رحمه الله: « .. أو يقلب فيها الدين على المعسر، فإن المعسر يجب إنظاره ولا يجوز الزيادة عليه بمعاملة ولا غيرها بإجماع المسلمين، ومنها ما قد تنازع فيه بعض العلماء، لكن الثابت عن النبي ﷺوالصحابة والتابعين تحريم ذلك كله»(29). فكلامه يُشعر أن قلب الدَّين على الموسر نازع فيه بعض العلماء، وهو مفهوم التنصيص على إجماع المسلمين في أمر المعسر.

وفي قول البهوتي رحمه الله: « ومن نسب جواز القلب على المعسر بحيلة من الحيل إلى مذهب بعض الأئمة فقد أخطأ في ذلك وغلط»(30). يُفهم أنّ جواز القلب على الموسر بحيلة من الحيل هو مذهب بعض الأئمة، لنفيه ذلك عن المعسر.

بل فرّق المتأخرون بوضوح بين المليء الباذل وبين المعسر في جواز القلب على المليء دينه، دون المعسر. بل نسب الشيخ عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب رحمه الله القول بذلك للأئمة الثلاثة أبي حنيفة والشافعي وأحمد رحمهم الله فقال: « وأما الأئمة الثلاثة أبو حنيفة والشافعي وأحمد فيفرّقون بين المليء الباذل والمعسر، فالمعسر لا يجوز قلب الدَّيْن عليه، والواجب إنظاره، قال الله تعالى ﴿وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍۢ فَنَظِرَةٌ إِلَىٰ مَيْسَرَةٍۢ﴾ [البقرة: ٢٨٠]، وأما المليء الباذل فظاهر كلامهم جواز السلم إليه ولو أوفاه من الدراهم التي أسلمها إليه إذا كان على غير وجه الحيلة» اهـ(31).

وبعضهم يرى أن قلب الدَّين على غير المعسر لا بأس به إذا كان ذلك برضَى الغريم، تخريجاً من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله وأنه إنما أدار المنع والتحريم للإكراه الذي وقع على المعسر، فهو لا قدرة له على السداد، ومع ذلك هُدّد، فكان مُكرهاً على القلب، كما نقل عنه البهوتي وغيره:« ..ومتى قال رب الدَّين إمّا أنْ تَقلب الدَّين وإمّا أن تقوم معي إلى عند الحاكم، وخاف أن يحبسه الحاكم لعدم ثبوت إعساره عنده وهو معسر فقلب على هذا الوجه؛ كانت هذه المعاملة حراماً غير لازمة باتفاق المسلمين. فإن الغريم مكره عليها بغير حق..»(32). والمعنى: إنْ كان المعسر مكرهاً على القلب؛ فالموسر غير مكره، مما يعني ـ على ما رأوه ـ أنه راضٍ بالقلب عليه في دينه، فيجوز القلب عليه، قال الشيخ عبد الله أبا بطين مفتي الديار النجدية في وقته: « وبعض أهل زماننا أخذ من قول الشيخ في المسألة أنه إذا كان ذلك برضى الغريم فلا بأس به »(33).

وعلى هذا؛ وبنصوص هؤلاء الأئمة؛ فقلب الدَّين جائز بثلاثة شروط:

الشرط الأول: أن يكون المدين موسراً، فإن كان معسراً فلا يجوز باتفاق المسلمين.

والشرط الثاني: أن يكون القلب برضَى المدين، فإنْ كان بإكراهه فلا يجوز.

والشرط الثالث: أن يكون القلب على غير وجه الحيلة، فإن كان على وجه الحيلة حرم القلب.

وهذا كلّه مخرّجٌ على كلام شيخ الإسلام رحمه الله، وغالب الظنّ بشيخ الإسلام أنه لا يرى جواز القلب على الموسر مع حرمته على المعسر، بل الراجح أنه يحرّم ذلك في كل حال، لأربعة أسباب:

السبب الأول:

أنّ هذا القلب يفضي إلى الربا، ولا فرق في حرمة الربا بين معسر وموسر، ولكن في المعسر الحرمة أشدّ لأنه يتعلق بحقّه واجب آخر هو الإنظار، ولأنّ المعسر يكون مكرهاً في قبول القلب عليه، فيكون مراد الشيخ رحمه الله أنّ حرمة القلب على المعسر أشدّ وإثمه أعظم، لا أنّ علة منع قلب الدين هي الإكراه، ومحل تعلّق الحكم بالإكراه إلزام المعاملة للمعسر، لا حكم القلب عليه، ولذلك حكم على المعاملة بأنها غير لازمة باتفاق المسلمين، معللاً عدم لزوم هذه المعاملة بقوله: « فإنّ الغريم مكره عليها بغير حق ». فظهر وجه التعليل.

السبب الثاني:

أنه رحمه الله سئل عن رجل له مع رجل معاملة فتأخر له معه دراهم فطالبه وهو معسر فاشترى له بضاعة من صاحب دكان وباعها له بزيادة مائة درهم حتى صبر عليه. فهل تصح هذه المعاملة؟ فأجاب: « لا تجوز هذه المعاملة؛ بل إن كان الغريم معسراً فله أن ينتظره. وأما المعاملة التي يزاد فيها الدين والأجل فهي معاملة ربوية وإن أدخلا بينهما صاحب الحانوت. والواجب أن صاحب الدين لا يطالب إلا برأس ماله لا يطالب بالزيادة التي لم يقبضها»(34).

فأبان رأيه أنّ المعاملة التي يزاد فيها الدَّين والأجل هي معاملة ربوية، وأنّ الواجب على صاحب الدَّين أن لا يطالب بالزيادة على دينه وأنْ لا يطالب إلا برأس ماله. وهذه الصورة هي التي يفعلها الدائنون والمدينون موسرين أو معسرين، فثبت أنّ قلب الدَّين الذي يزاد فيه الدَّين معاملة ربوية عند ابن تيمية ولا يجوز بحال لا مع معسر ولا مع موسر.

والسبب الثالث:

أنه نفى تنازع الصحابة رضوان الله عليهم في حرمة هذا الباب [ أن يزيد هذا في الأجل وهذا في المال ] ولو توسلوا بمعاملة أخرى، ولا يتصور أن يختلف ابن تيمية مع الصحابة فيما لم يختلفوا هم فيه أنه حرام فيجوّزه(35).

والسبب الرابع:

أنّ ابن تيمية رحمه الله لم يفرق بين اليسار والإعسار في دعوته إلى عدم القلب، حين قال: « وأما إذا حلّ الدين وكان الغريم معسراً؛ لم يجز بإجماع المسلمين أن يقلب بالقلب لا بمعاملة ولا غيرها، بل يجب إنظاره، وإن كان موسراً كان عليه الوفاء؛ فلا حاجة إلى القلب لا مع يساره ولا مع إعساره »(36). فاستوى عنده رحمه الله القلب بين اليسار والإعسار. فترجّح أنّ ابن تيمية مع الصحابة في تحريم كل هذا، وأنّ القلب المؤدّي إلى هذا لا يجوز لا مع الموسر ولا مع المعسر ، وإنْ كان مع المعسر أشدّ حرمة وأبعد جرماً.

وعليه : فإنْ كان تخريج التفريق بين القلب على المعسر والقلب على الموسر بتجويز القلب على الموسر وتحريمه على المعسر! إنْ كان تخريج هذا على قول ابن تيمية رحمه الله؛ فتخريجٌ على ما لم يُسلَّم به.

المبحث الثالث: طرقُ قَلْبِ الدَّيْن وأحكام تطبيقاتها

والطرق التي يتحقّق بها قلب الدَّين فيما ذكره من اصطلحه، طريقان: طريق القلب المباشر، وطريق القلب بالمعاملة. قال ابن تيمية رحمه الله: «وَأَمَّا إذَا حَلَّ الدَّيْنُ وَكَانَ الْغَرِيمُ مُعْسِرًا: لَمْ يَجُزْ بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ أَنْ يَقْلِبَ بِالْقَلْبِ لَا بِمُعَامَلَةٍ وَلَا غَيْرِهَا؛ بَلْ يَجِبُ إنْظَارُهُ وَإِنْ كَانَ مُوسِرًا كَانَ عَلَيْهِ الْوَفَاءُ فَلَا حَاجَةَ إلَى الْقَلْبِ لَا مَعَ يَسَارِهِ وَلَا مَعَ إعْسَارِهِ »(37).

ومقصوده بعبارة “: [ أن يقلب بالقلب ] أن يكون قلب الدَّين قلباً صريحاً مباشراً يرتّب زيادةً في الدّين. ويبدو أن مقصوده بعبارة: [ لا بمعاملة ولا غيرها ].. أن يكون القلب بطريق التحايل بمعاملةٍ ترتّب زيادةً في دَين المدين.

فالطريق الأول: قلب الدَّين المباشر:

ويكون بتأخير الدَّين الذي حلّ أجله عن المدين على الزيادة فيه مباشرة من غير وسيط سلعة أو خدمة ومن غير تحايل بمعاملة يقصد بها زيادة الدَّين، كأن يكون لشخصٍ على آخر ألف جنيه، فلمّا حلّ الأجل؛ قال المدين للدائن: أجّلني شهراً، وأعطيك ألفاً وعشرة، أو العكس بأن يقول الدائن للمدين: أجّلت لك الدَّين شهراً على أن تزيدني عشرة.

وهذا هو الأصل فيما يفعله المرابون عبر التاريخ، وهو الربا المعروف بربا الجاهلية الذي كان الجاهليون يفعلونه، وهو المعروف بـ ” أتقضي أم تربي؟ “، ” أخرني وأزدك”.

وأوّل ما يسعَى إليه الدائن الذي يقلب الدَّين على مدينه هو هذا، أن يقلب عليه الدَّين بالتأخير في المدّة والزيادة في الدَّين. ثم يقلب عليه بالحيل الأخرى.

ولقلب الدَّين المباشر صور وتطبيقات يحسن الوقوف عندها وما يُقبل منها وما يُردّ، وأحكام كل صورة وتطبيق..

فمن صور القلب المباشر وتطبيقاته: أعرض ستاً منها، وجدتها في التعامل المصرفي وغيره، وهي: القلب الصريح، وتجديد الدَّين، وجدولة الدَّين، وهامش تأجيل الدَّين، والفرصة البديلة، وغرامات التأخير.

الصورة الأولى: صريح قلب الدَّين:

وهو الذي يطلب فيه الدائن من المدين الزيادة على دينه إما بعرض الدائن تأجيل السداد على المدين، أو لطلب المدين من الدائن إنظاره في السداد.

وسماه الشيخ الدردير $ من أئمة المالكية: “صريح فسخ الدَّين في الدَّين”، ومثّل له بهذا القلب ، فقال: « ومثال صريحه: أن يطالبه بدينه فيفسخه في شيء يتأخر قبضه »(38).

وبيّنه الخرشي $: « فسخ الدَّين في الدَّين هو أن يفسخ ما في ذمة مدينه في أكثر من جنسه إلى أجل، أو يفسخ ما في ذمته في غير جنسه إلى أجل كعشرة في خمسة عشر مؤخرة، أو في عرض مؤخر »(39).

وقد قال المالكية رحمهم الله عن هذه الصورة بأنها: « أشدّ أقسام الكالئ بالكالئ حرمةً، لأنّه ربا الجاهلية، يقول ربّ الدَّين لمدينه: إمّا أن تقضيني وإمّا أن تربي لي فيه»(40).

ويرى الإمام أحمد $ هذه الصورة أنها الربا الذي لا شك فيه، فقد سئل رحمه الله عن الربا الذي لا شك فيه؟ فقال: « هو أن يكون له دَينٌ فيقول له: أتقضي أم تربي؟ فإن لم يقضه زاده في المال وزاده هذا في الأجل» (41).

فهذا هو الربا المجمع على تحريمه ومنعه، ومن استحلّه يكون كافراً، كما قال ابن القيم $: «وَمَتَى اسْتَحَلَّ الْمُرَابِي قَلْبَ الدَّيْنِ، وَقَالَ لِلْمَدِينِ: إمَّا أَنْ تَقْضِيَ، وَإِمَّا أَنْ تَزِيدَ فِي الدَّيْنِ وَالْمُدَّةِ: فَهُوَ كَافِرٌ، يَجِبُ أَنْ يُسْتَتَابَ، فَإِنْ تَابَ وَإِلَّا قُتِلَ، وَأُخِذَ مَالُهُ فَيْئًا لِبَيْتِ الْمَالِ.»(42).

الصورة الثانية: تجديد الدَّين:

ويكون باستبدال دين جديد بالدين الأصلي، عند عجز أو مماطلة المدين أو رغبته في تأجيل السداد لمنفعة يراها، فيفسخ الدين الأوّل ويتعاقد على دين جديد بمبلغ جديد زائد على مبلغ الدين الأول، بسبب تمديد الأجل.

ومن تطبيقات تجديد الدَّين في المصارف:

[1] ما عُرف لدى بعض البنوك بـما أطلقوا عليه: “تجديد المرابحة” حيث « يقوم العميل باستبدال شيكات جديدة بالشيكات التي كانت عليه ( محفوظة لدى البنك كضمان للسداد) بشيكات جديدة وبالأجل الجديد والمبلغ الجديد » (43).

[2] ومن ذلك: بطاقة الائتمان المتجدّد: وهي بطاقة أداة ائتمان بالإقراض بفائدة، في حدود سقف معيّن متجدّد على فترات يحدّدها مُصدر البطاقة، وهي أيضاً أداة وفاء. وهذه البطاقة تستعمل في سداد أثمان السلع والخدمات أو ضمانها، وفي السحب نقداً، في حدود سقف الائتمان الممنوح، ويُمنح حاملها فترة سماح يسدّد خلالها المستحق عليه بدون فوائد، كما يُسمح له بتأجيل السداد ( تجدّد الائتمان بالإقراض ) خلال فترة محددة مع ترتب فوائد عليه(44).

فهذه البطاقة تسمح لحاملها على تجديد الدين بإرادته واختياره أو عند عجزه عن السداد في فترة السماح على أن يرتّب على تجديد دينه فائدة، فهو على معنى ربا الجاهلية: يقضي أو يربي، فكان من صور تجديد الدّين التي هي من صميم قلب الدّين المباشر.

ولهذا:

1ـ منع المعيار الشرعي (61) من إصدار هذه البطاقة عموماً ( بطاقة الائتمان المتجدد بالإقراض الذي يسدده حامل البطاقة على أقساط آجلة بفوائد).

2ـ كما منعوا من جنسها : بطاقة التورّق اللاحق للاقتراض، وهي بطاقة ائتمان بأجل محدد لسداد المبلغ المستحق على حاملها والناشئ عن استخدامه لها، الثابت قرضاً في ذمّته للمُصدر، وله أن يسدد المبلغ من السيولة المتوافرة لديه، أو أن يتورّق بمرابحة من الـمصدر لسداد المبلغ المستحق عليه. وعلّلوا منع تصميم هذه البطاقة على أنها: « تقوم على إقراض المصدر لحاملها بدون فائدة ثم قلب دين القرض بتورق معه لسداد مبلغ القرض يرتّب قي ذمّة حامل البطاقة ديناً يزيد على دين القرض »(45).

3ـ في حين جوّز المعيار من بطاقة الائتمان المتجدد : بطاقة القرض الحسن مع الرسوم بشرط التقيّد في الرسوم بأن لا تزيد على التكلفة الفعلية المباشرة.

4ـ كما جوّزوا منها: البطاقة المغطاة: وهي التي يوفّر حاملها غطاءً نقدياً لها يودعه في حسابها ، ويستخدم البطاقة بالشروط الشرعية التي يُتفق عليها.

وجواز هذه البطاقة بشرطين:

الأول: أن يكون حامل البطاقة بالخيار في إيداع غطاء البطاقة بين أن يودعه في حساب جارٍ أو في حساب استثماري، ولا يُلزم بإيداع غطائها في حساب جارٍ.

والشرط الثاني: أن يُنصّ على عدم التزام مُصدر البطاقة بتخفيض أقساط مديونية التمويل، وإذا اختار الـمصدر تخفيض قسط من الأقساط ؛ فلا يلزمه تكرار ذلك في المستقبل(46).

ومن تطبيقات تجديد الدَّين في الأسواق: ما يمارس في أسواق السيارات إلى اليوم ويُعرف بــ ” تجديد الشيك “، وصورته: أنْ يشتري شخص سيارةً بثمن مؤجّل لثلاثة أشهر يحرر به شيكاً بمبلغ الثمن، فإذا حلّ أجل الشيك، يسارع المشتري إلى البائع ويطلب منه تمديد مدة السداد، إما لعجزه عن سداد ما عليه، أو لعدم رغبته في السداد لحاجته لمبلغ الشيك لتدويره في تجارته، أو لأي غرض آخر. فيأبى عليه البائع (الدائن ) ويطالبه بالسداد أو تقديم الشيك للنيابة أو المحكمة أو أن يجدّد له الشيك بتحرير شيك جديد بمبلغ جديد أزيد من مبلغ البيع الأول (الثمن) ولأجل جديد، فيقوم المشتري المدين بتجديد الشيك القديم بشيك جديد بأجل جديد مع زيادة المبلغ.

وهذا هو عين قلب الدَّين المباشر، المحقِّق لربا الجاهلية ” أتقضي أم تربي “، وقد زاد في مبلغ الدَّين مالاً، وفي أجل القضاء زماناً.

الصورة الثالثة: جدولة الدَّين وإعادتها:

وجدولة الدُّيون وإعادة جدولتها من صور القلب المباشر، وتكون بإعادة هيكلة المديونية وجدولتها على أساس تمديد الأجل مع الزيادة في الفوائد. والمصرفية التقليدية لا تتردد في جدولة الديون وإعادة هيكلتها على الدائنين، بل ذلك من صميم وظيفتها. بل هذا الصنيع تقوم به البنوك والصناديق الدولية مع الدول المدينة.

وهذا عين قلب الدّين المباشر الذي نصّ الفقهاء على الاتفاق على حرمته والإجماع على فساده.

ومن ذلك: أنّ نظام الرئيس جعفر محمد النُّميري $ في السودان حين أعلن تطبيق الشريعة الإسلامية في سبتمبر 1983م؛ واجهتهم مشكلة جدولة الديون للدول والصناديق الدائنة، فاستفتى وكيل النائب العام مجلس الإفتاء الشرعي عن: حكم جدولة ديون البنوك الأجنبية على حكومة السودان مقابل فوائد ربوية إضافية بحسب الأجل.

ومما أجاب به مجلس الإفتاء الشرعي: « لا يحلّ للمسلم أخذ الربا أو إعطاؤه إلا للضرورة… ويجوز حينئذٍ ارتكاب الحرام أو ترك الواجب أو تأخيره عن وقته دفعاً للضرر، أما الضرورة بالنسبة للدولة فضابطها أن يتحقق وليّ الأمر من وجود خطر حقيقي أو ضرر واضح أو حرج شديد أو فوات منفعة عامة بحيث تتعرض المصالح الحيوية للأمة للخطر… من الوسائل البديلة التي يجب على الدولة أن تسلكها لدفع الضرر وتجنب إعادة الجدولة المحرّمة أن تطلب من الدائنين الإمهال، فإذا تعذر ذلك؛ فعليها أن تحاول إقناع الدائنين بقبول الدولة بدون فوائد إضافية، فإذا لم تجد الدولة استجابة؛ فعليها أن تسعى لدى الدول الإسلامية والعربية والصديقة للحصول على قرض بدون فائدة، وأن تعمل على بيع كل ما يمكن أن تستغني عنه من ممتلكات الدولة ، فإذا لم يفِ ذلك؛ فينبغي أن تتجه الدولة إلى استنفار الشعب للمشاركة، وذلك بإصدار السندات أو الاقتراض من المواطنين القادرين والمؤسسات الوطنية وغير ذلك من الوسائل الممكنة. وما لم تتخذ الدولة الوسائل المقترحة؛ فإنها لا تكون قد بلغت مرحلة الضرورة التي تبيح جدولة الفوائد المحظورة» اهـ(47).

فهنا: لم يتحايل الدائن لقلب الدَّين على المدين بطريق معاملة ما، بل كان القلب مباشراً بأن أعاد جدولته بتمديد أجل الدّين مقابل فوائد ربوية.

وأكّد مجلس الإفتاء الشرعي حرمة هذه الجدولة المرتبة للزيادة على الدّين، ولم يجوِّزها إلا لضرورة تكون بعد استنفاد سائر الطرق والوسائل المانعة من الوقوع في الربا.

ومن تطبيقات جدولة الدين وإعادتها:

1ـ أنّ بعض المصارف كان يجدول الدَّين خاصة دين المرابحات فيما عُرف “بتجديد المرابحة” وهو إعادة جدولة دين المرابحات مع زيادة في مقابل الأصل. فأبطلت ذلك الهيئة العليا للرقابة الشرعية بالسودان(48).

2ـ كما أنّ مِن المصارف الإسلامية مَن يجدول الدّين على المدينين، ولكن بطريقة شرعية لا ترتّب زيادة على أصل الدَّين بسبب الجدولة، وقد أجازت لها هيئاتها الشرعية ذلك.

فقد عرض على هيئة الرقابة الشرعية لبنك بوبيان مذكرة من إدارة التمويل الاستهلاكي تستفسر عن سياسة إعادة الدولة وسياسة تحويل المديونية الاستهلاكية، فكان رأي الهيئة :« أنه لا مانع من اعتماد سياسة الجدولة وسياسة تحويل المديونية الاستهلاكية، مع مراعاة عدم جواز أي إضافة أو زيادة على الدين بسبب الجدولة، ولا مانع من تحصيل المصاريف الفعلية كرسوم التقاضي وأتعاب المحاماة»(49).

ولقد جعل المجمع الفقهي الإسلامي التابع لرابطة العالم الإسلامي من صور بيع الدين غير الجائزة “جدولة الدَّين”، فقالوا: «من صور بيع الدين غير الجائزة: بيع الدَّين للمدين بثمن مؤجل أكثر من مقدار الدَّين، لأنه صورة من صور الرّبا ، وهو ممنوع شرعاً، وهو ما يطلق عليه (جدولة الدَّين ) »(50).

وجاء في معيار المرابحة: «لا يجوز تأجيل موعد أداء الدَّين مقابل زيادة في مقداره (جدولة الدَّين ) سواء كان المدين موسراً أم معسراً»(51).

فنجد أنّ هؤلاء عبّروا عن قلب الدَّين بجدولة الدّيون بثلاث صور:

الصورة الأولى: إعادة جدولة الديون بترتيب فوائد وآجال جديدة.

والصورة الثانية: بيع الدَّين للمدين بثمن مؤجل أكثر من مقدار الدَّين.

والصورة الثالثة: تأجيل موعد أداء الدَين مقابل زيادة في مقداره.

الصورة الرابعة: هامش تأجيل الدَّين:

وهذه الصورة من صور قلب الدَّين المباشر قد تعامَلَ بها بعض المصارف، وذلك عندما يفشل العميل عن سداد أقساط المرابحة، فيقوم المصرف بتأجيل السّداد لفترة محددة حسب طلب العميل ، ويحسب عليه هامش التأجيل.

وقد شَكَتْ شركة (…) للأمن الغذائي بنك (…) في عام 1992م لوزير المالية والتخطيط الاقتصادي الذي أحال الشكوى للهيئة العليا للرقابة الشرعية على المصارف في السودان عندما قام البنك بخصم مبلغ من حساب الشركة لديه باعتباره هامش تأجيل على مرابحات الشركة. فأصدرت الهيئة قرارها ببطلان هذه المعاملة وأن البنك ليس له الحق في ملكية مبلغ ما يعرف بهامش التأجيل(52).

ولا تخرج هذه الصورة عن قلب الدَّين المباشر، لأنها عين ربا الجاهلية القائم على الزيادة في الدَّين وفي المدة.

الصورة الخامسة: غرامات التأخير:

وغرامة التأخير هي الأموال التي يغرمها المدين عند تأخّر سداد ما عليه من دَينٍ زيادة على مبلغ الدَّين الذي عليه، بعرفٍ أو باشتراطٍ أو اتفاقٍ أو وعدٍ، أو هي ما يحمّله الدائن المدينَ إذا تأخّر في سداد ما عليه، سواء أكان مماطلاً في أداء دينه أو غير مماطلٍ.

وهذه الغرامة التأخيرية ابتُلي بها كثير من المصارف الإسلامية ناهيك عن التقليدية(53).

وطالما كانت هذه الغرامات ترتّب زيادة على الدَّين بسبب تأخّر السداد؛ فهي من قلب الدَّين المباشر الذي هو في حقيقته من ربا الجاهلية المحرّم باتفاق، فتضافرت المجامع والهيئات الشرعية على تحريمها وأنها من ربا الجاهلية، وأصدرت في شأن غرامات التأخير قراراتها القاضية بمنعها..

فأصدر المجمع الفقهي الإسلامي التابع لرابطة العالم الإسلامي بمكة المكرمة في دورته الحادية عشرة في رجب 1409هـ بالإجماع قراره الثامن بشأن: هل يجوز للمصرف أن يفرض غرامة جزائية على المدين بسبب تأخره عن سداد الدين في المدة المحددة بينهما؟ فجاء القرار التالي: ( قرر مجلس المجمع الفقهي بالإجماع ما يلي: أنّ الدائن إذا شرط على المدين أو فرض عليه أن يدفع له مبلغاً من المال، غرامة مالية جزائية محددة، أو بنسبة معينة، إذا تأخر عن السداد في الموعد المحدد بينهما، فهو شرط أو فرض باطل، ولا يجب الوفاء به، بل ولا يحل، سواء كان الشارط هو المصرف أو غيره، لأن هذا بعينه ربا الجاهلية الذي نزل القرآن بتحريمه )(54).

ثم أصدر مجمع الفقه الإسلامي الدولي في دورة مؤتمره السادس في شعبان 1410هـ قراره رقم 51 (2/6) بشأن البيع بالتقسيط فقرر ما يلي: ( إذا تأخّر المشتري المدين في دفع الأقساط عن الموعد المحدد؛ فلا يجوز إلزامه أيّ زيادة على الدَّين بشرط سابق أو بدون شرط، لأنّ ذلك ربا محرّم)(55).

كما أصدر مجمع الفقه الإسلامي بالهند قراره رقم 43 (3/10 ) بشأن البيع بالتقسيط فجاء فيه: (خامساً: طلب زيادة شيءٍ في صورة عدم أداء الثمن أو القسط في المدة المعينة يأتي تحت حكم الربا، سواء كان ذلك مشروطاً عند إنجاز الصفقة أو يطالب به فيما بعد )(56).

وصدرت عن الهيئة العليا للرقابة الشرعية على المصارف بالسودان الفتوى رقم (15/92 ) والفتوى رقم (7/ 96 ) بشأن فرض غرامة على المدين المليء المماطل في الوفاء بدينه جاء فيهما: ( تقرر الهيئة عدم جواز فرض غرامة على المدين المماطل )(57).

وكذلك أصدرت ندوة البركة السادسة 1410هـ قرارها (6/11) عن عقد القرض الحسن واقتضاء غرامة التأخير فيه فجاء قرارها: ( لا يجوز تطبيق غرامة التأخير على القرض الحسن، أما إذا كانت القروض الحسنة بين بنوك؛ فيمكن معالجتها عن طريق تبادل الودائع بدون فوائد)(58).

وأيضاً أصدرت الهيئة الشرعية لبنك البركة السوداني في عام 1405هـ 1985م في موضوع: ” فرض غرامات تأخير في عمليات المرابحة الشرعية التي تتجاوز فتراتها الزمنية المحددة والمتفق عليها في العقد، فكانت الفتوى: « لا يجوز أن يتفق البنك مع العميل المدين على أن يدفع له مبلغاً محدداً أو نسبة من الدين الذي عليه في حالة تأخره عن الوفاء في المدة المحددة، سواء سُمِّي هذا المبلغ غرامة ، أو تعويضاً، أو شرطاً جزائياً، لأن هذا هو ربا الجاهلية المجمع على تحريمه » (59).

وإنْ لم تعلّل الهيئة العليا للرقابة الشرعية على المصارف وندوة البركة قرارهما بعدم جواز غرامة التأخير؛ فقد علّلت المجامع الفقهية الثلاثة أنها ربا يرتّب على الدَّين زيادةً، كما علّلت فتوى بنك البركة السوداني بأنه عين ربا الجاهلية، وهو الذي يحقّقه قلب الدَّين المباشر نفسه.

الصورة السادسة: الفرصة الضائعة:

وهذه الصورة تُعرف أيضاً بالفرصة البديلة، وبالكسب الفائت، وبربح المثل، وهي قريبة من غرامة التأخير إلاَّ أنّ الفرق بينهما: أنّ غرامة التأخير مبلغٌ معيّنٌ أو نسبةٌ من مبلغ الدَّين يفرض على المتأخّر عن سداد دينه، بينما الفرصة الضائعة تقدير ما يمكن أن يكون قد ضاع على الدائن من فرص الربح والكسب في فترة تأخّر السداد. كما أنّ الأولى غرامةٌ على التأخّر دون النظر إلى ما كان يمكن أن يربحه الدائن، والفرصة الضائعة تعويضٌ لصاحب الدَّين عما كان قد يربحه لو رجع إليه ماله في أجله وتجر فيه، ومن هذا سمّيت الكسب الفائت وربح المثل.

وتعويض الفرصة الضائعة عبارة عن فرض مبلغ أو نسبة من أصل الدَّين على المدين زيادة على مبلغ الدّين مقابل تفويت ما قد كان يمكن أن يربحه في فترة التأخّر عن السداد.

فهو إذَنْ: مقابل أمر احتمالي متوقّع قد يحصل وقد لا يحصل، وهذا أبعد في التسويغ وأدعى للمنع والتحريم، لأنّ الشرع ما رعَى في الردّ والقضاء والوفاء للديون والقروض إلا سلامة رأس المال دون زيادة عليه، فلم ينظر لا لاحتمال كسب ولا لضياع فرصةٍ فجعل أمر السداد قائماً على حالين لا ثالث لهما:

الأول: سداد ما عليه دون زيادة أو نقصان في حال اليسر وعدم العذر..

والثاني: الإنظار حتى اليسار في حال الإعسار. فقال تعالى ﴿وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَٰلِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ﴾ [البقرة: 279]. فلا مجال لزيادة على أصل الدَّين في الردّ والوفاء.

وقد سوّغ بعض فقهاء العصر للمؤسسات الدائنة اعتبار الفرصة الضائعة ومطالبة المدَّين المتأخّر في السداد بالتعويض عليها بشرط أنْ يكون المدين مماطلاً، تخريجاً على ثلاثة أمور:

الأول: أنه ظالم يستحق العقوبة.

والثاني: أنه كالغاصب.

والثالث: أنّ الدائن متضرر والقاعدة: الضرر يزال.

أما الأول: فمسلّم في الأصل مهدَّم في الفرع. فإن أصله حديث : (مَطْلُ الغَنِيِّ ظُلْمٌ )(60) وحديث: ( لَيُّ الْوَاجِدِ يُحِلُّ عِرْضَهُ وَعُقُوبَتَهُ) (61). ولأن الظالم مستحق للعقوبة، غير أن الفقهاء على شبه الإجماع والاتفاق على أنّ العقوبة لا تكون بالتعويض المالي، لأن فيه شبهة الربا وشبهة الربا ربا، ولم يأت نصٌّ يجوِّز العقوبة به، وقد نقل الجصّاص رحمه الله اتفاقهم على أنه لم يرد غير الحبس عقوبة للمطل، فقال: « فإنه متى امتنع منه كان له ظالماً، ولاسم الظلم مستحقاً، وإذا كان كذلك استحق العقوبة وهي الحبس… ومتى امتنع من أداء جميع رأس المال إليه كان ظالماً له مستحقاً للعقوبة. واتفق الجميع على أنه لا يستحق العقوبة بالضرب، فوجب أن يكون حبساً، لاتفاق الجميع على أنّ ما عداه من العقوبات ساقط عنه في أحكام الدنيا». وقال: « فجعل مطل الغني ظلماً، والظالم لا محالة مستحق العقوبة وهي الحبس، لاتفاقهم على أنه لم يرد غيره »(62).

فنقل الاتفاق على: أنه ما عدا الحبس من العقوبات ساقط عن المماطل في أحكام الدنيا، وعلى أنه لم يرد غيره من العقوبات.

وأما الثاني: جعله كالغاصب وقياسه عليه، فبينهما فارق مؤثر، وهو: أنّ الغاصب متعد في أصل أخذه لمال غيره، والمدين غير متعدٍّ بل أخذ مال الدائن برضا نفسه، وأنّ الغصب محرّم في الشرع، والقرض أو الاستدانة وفق الشرع جائز مباح. فكيف يقاس المحرّم على المباح، والمتعدِّي على سواه؟.

ثم إنْ قيل: إنما القياس في المماطلة، إذ المماطلة ظلم كما أن الغصب ظلم! قيل: صحيحٌ، غير أن ما ترتّب على القياس تخلّف في الأصل، فوجب أن يتخلّف في الفرع، تضمينه ما فات من ربح وما ضاع من فرصة. وقد نصّ البهوتي رحمه الله على ذلك في مطالب أولي النهى، قال: « ولا يضمن ربح فات على مالك بحبس غاصب مال تجارة مدة يمكن أن يربح فيها إذا لم يتجر فيه غاصب »(63). ولو جاز تضمينه منافع الأعيان، فالمقصود منافع الأعيان التي تعطلت بالغصب لا ما كان متوقعاً من تلك المنافع.

وبعض المالكية حين جعل المماطل كالغاصب استدركوا عليه : أن «الغاصب لا يُتجاوز معه ما غصب »، مع التنصيص على « أن مطل الدَّين لا يوجب زيادة في الدَّين وله طلبه عند الحاكم وأخذه منه جبراً»، وهم يرون أنه « لا فرق بين المماطل وغيره إلا في الإثم » (64).

وأما الثالث: فهو جبر ضرر الدائن بتأخّر المدين عن السداد، فهذا مسلّم به، إذ من المتفق عليه فقهاً أنّ الضرر يزال، ولكن! الضرر الذي يزال عن الدائن هو الضرر الفعلي الذي وقع عليه وليس ما فاته من احتمال الربح ولا ما ضاع عليه من الفرص التي كان يمكنه أن يكسب فيها.

وهذا الذي انتهت إليه المجامع والهيئات: عدم جواز مطالبة المدين وإنْ كان مماطلاً بالتعويض المالي لتأخره عن السداد، وعدم اعتبار الفرص الضائعة في تقدير التعويض، مع وجوب التعويض عن الضرر المادي الفعلي.

فجاء قرار مجمع الفقه الإسلامي الدولي رقم 51 (2/6 ) الفقرة رابعاً: ( يحرم على المدين المليء أن يماطل في أداء ما حلّ من الأقساط، ومع ذلك؛ لا يجوز شرعاً اشتراط التعويض في حالة التأخّر عن الأداء) (65).

وجاء في معيار المدين المماطل رقم (3): ( لا يجوز اشتراط التعويض المالي نقداً أو عيناً… على المدين إذا تأخّر عن سداد الدين، سواء نصّ على مقدار التعويض أم لم ينص، وسواء كان التعويض عن الكسب الفائت (الفرصة الضائعة) أم عن تغير قيمة العملة. لا تجوز المطالبة القضائية للمدين المماطل بالتعويض المالي نقداً أو عيناً عن تأخير الدين)(66).

فمنعوا الاتفاق على ذلك، وأن يكون التعويض الفرصة الضائعة، كما منعوا المطالبة بالتعويض بعد التأخّر.

فالفرصة الضائعة ترتيب للفائدة على تأخر زمان السداد، فتُحقِّق الزيادة على الدّين في ذمّة المدين، وهذا من صميم قلب الدَّين المباشر.

وقد طالب بنك (….) مشروع التاكسي التعاوني بدفع (فوائد) وبرّر البنك « أن كلمة فوائد التي جاءت في خطاب المطالبة تعني: تكلفة الفرصة الضائعة من جراء تمويلنا للعميل “مشروع التاكسي التعاوني” ، وهي بالتالي تعويض عن العائد الذي كان سيتحصّل عليه البنك من استثمار هذه الأموال».

فتقدّم السيد مدير مشروع التاكسي التعاوني باستفتاء للهيئة العليا للرقابة الشرعية ، فأفتت الهيئة بأنّه لا يجوز للمدعى عليه (البنك) مطالبة التاكسي التعاوني بدفع الفائدة المذكورة ، لأن الفائدة بهذا المعنى هي عين ربا الديون المحرم بصفة قطعية في الشريعة الإسلامية (67).

فكان التعويض عن الفرصة الضائعة أو فرض مالٍ على أنه تكلفة الفرصة الضائعة من الربا المحرم، لأنه يرتّب فائدة وزيادة على الدّين في ذمّة المدين بسبب التأخر في السداد، وهذا عين قلب الدّين المباشر.

ويلزم ههنا التنبيه إلى وجوب التفريق بين التعويض للفرصة الضائعة الذي هو من قلب الدّينٍ، وبين التعويض للضرر الفعلي الذي لحق بالدائن من تأخّر المدين على السداد الذي هو من إزالة الضرر الواجبة، فلا مانع من مطالبته بذلك بطرقه ووسائله التي تحمي الطرفين من الوقوع في براثن الرّبا.

فهذه بعض صور وتطبيقات قلب الدَّين المباشر الذي لا يتخذ حيلة ولا يركب ظهر معاملة غير مقصودة للوصول إلى قصده الحقيقي في زيادة الدَّين على المدين، بل يقلب عليه الدَّين ويزيد على دينه الربا والفائدة من غير وسيط معاملة أو غيرها.

وهذه الصور كلُّها تشترك في أنها جميعاً قائمة على زيادة الدَّين نفسه على المدين بزيادة الأجل أو بسبب تأخّر السداد عن أجله، لأيّ داعٍ من دواعي التأخّر، ولا تقوم على معاملة أو بيع يزيد الدائن بواسطته دَين المدين.

هذا هو الطريق الأول لقلب الدَّين، وهو القلب المباشر، ويقلب الدائن على المدين في هذا الطريق بست صور، هي: القلب الصريح، وتجديد الدَّين، وجدولة الدين، وهامش تأجيل الدَّين، وغرامة التأخير، والفرصة الضائعة..

أمّا الطريق الثاني فهو القلب بالمعاملة، وبيانه كما يلي:

الطريق الثاني: قلب الدَّين بالمعاملة:

وهو الطريق الأوسع والأكثر استخداماً لقلب الدَّين، لا يكون القلب صريحاً ولا مباشراً بأن يطلب الزيادة والربا بالتأجيل عند حلول أجل السداد، ولكن بحيلةِ إدخال معاملةٍ ما عبر سلعة أو منفعة؛ يحقّق له قلب الدَّين على مدينه «ويقصد بها بيع الدراهم بأكثر منها إلى أجل» وقد حكم عليها ابن تيمية رحمه الله بأنها معاملة فاسدة ربوية (68).

صور القلب بالمعاملة وتطبيقاته:

سنذكر من صور وتطبيقات قلب الدَّين بطريق المعاملة ما يدخل في قلب الدَّين على ما صوّره أهل الاصطلاح [الحنابلة ] ، وما يكون من بيع المعاملة الذي قاله الحنفية، وما يكون من فسخ الدَّين في الدَّين أو بالدَّين على ما صوّر المالكية. لأنّ كثيراً من ذلك في حقيقته قلب دينٍ، وما يسمّى بقلب الدَّين في بعض صوره يكون فسخ دين أو بيع معاملة، فكلّها متداخلة في الحقيقة والصورة.

فمن صور وتطبيقات قلب الدَّين بالمعاملة:

[1] قلب الدَّين بتوسيط سلعة:

وهذا طريقٌ يكثر التوسّل به إلى قلب الدّين على المدين، ويتخذ صوراً متعددة، منها:

الصورة الأولى:

أن يكون لرجل على رجل دنانير من قرض أو بيع أو معاملة، فيشتري المدين من الدائن سلعة بتلك الدنانير التي عليه. فحُكم هذه الصورة بحسبها(69):

1ـ إذا اشترى المدين تلك السلعة إلى أجل، والدَّين لم يُوَفَّ بعد، فهذا فسخ دين في دين، فلا يجوز، لأن مبلغ الدَّين يكون قد عاد إلى الدائن بالشراء منه، وبقي في ذمّة المدين أصل الدّين الذي اشترى به السلعة.

2ـ إذا كان الدَّين من قرض، وكان القرض إلى أجل، ولكن السلعة حالةٌ فقبضها، فهذا يجوز..

3ـ إذا كان الإقراض حالّاً، فاشترى به السلعة وقبضها فلا بأس..

جاء في المدونة: « قلت: فإن أسلفني دراهم أيصلح لي أن أشتري منه بتلك الدراهم سلعة من السلع مكاني حنطة أو ثياباً؟ فقال: إن كان أسلفك إياها إلى أجل واشتريت بها الحنطة يداً بيد فلا بأس بذلك، وإن كان أسلفك إياها حالة واشتريت بها منه حنطة يداً بيد أو إلى أجل فلا بأس به، وإن كان أسلفك إياها إلى أجل واشتريت بها منه حنطة إلى أجل فلا خير فيه وذلك الكالئ بالكالئ، لأنك إذا رددت إليه دراهمه بأعيانها مكانك وصار له عليك دنانير إلى أجل بطعام عليه إلى أجل فصار ذلك ديناً بدين» (70).

وقريب من صورة هذا القلب ما سُئل عنه ابن تيمية رحمه الله، غير أن الدائن اشترى للمدين السلعة من آخر ثم باعها له بزيادة، فسئل رحمه الله « عن رجل له مع رجل معاملة، فتأخّر له معه دراهم، فطالبه وهو معسر، فاشترى له بضاعة من صاحب دكان وباعها له بزيادة مائة درهم حتى صبر عليه. فهل تصحّ هذه المعاملة؟.

فأجاب: لا تجوز هذه المعاملة؛ بل إن كان الغريم معسراً فله أن ينتظره. وأما المعاملة التي يزاد فيها الدَّين والأجل فهي معاملة ربوية وإن أدخلا بينهما صاحب الحانوت. والواجب أن صاحب الدَّين لا يطالب إلا برأس ماله، لا يطالب بالزيادة التي لم يقبضها»(71).

فحَكَم عليها رحمه الله بالمنع وعدم الجواز على أنها معاملة ربوية.

الصورة الثانية:

أن يقرض رجلٌ رجلاً دنانير، ثم يشتري منه بها سلعة حاضرة أو غائبة.

ولهذه الصورة ثلاث حالات:

الحالة الأولى: أن تكون السلعة غائبة، فإذا كانت السلعة غائبة فلا يجوز البيع، سواء حلّ الأجل أو لم يحلّ، لأنّ هذا من فسخ الدّين في الدّين. فسخ دين السلعة في دَين الدنانير(72).

والحالة الثانية: أن تكون السلعة حاضرة فافترقا وقد انتقد منه وقبض، فهذا لا بأس به.

والحالة الثالثة: أن تكون السلعة حاضرة وافترقا قبل القبض؛ فهذا يدخله فسخ الدّين في الدّين. وقاعدة المالكية في ذلك قول ابن أبي سلمة رحمه الله: « كل شيء كان لك على غريم نقداً فلم تقبضه؛ أو إلى أجل فحلّ الأجل أو لم يحلّ؛ فلا تبعه منه بشيء وتؤخره عنه، فإنك إذا فعلت ذلك؛ فقد أربيت عليه» (73).

جاء في المدونة: « قلت: أرأيت إن أقرضت رجلاً حنطة إلى أجل، فلما حلّ الأجل بعته تلك الحنطة بدنانير أو بدراهم نقداً وافترقنا قبل القبض أيفسد ذلك أم لا؟ قال: لا يصلح إلا أن تنتقد منه أو يقول لك اذهب بنا إلى السوق فأنقدك، أو يقول لك: اذهب بنا إلى البيت فأجئك بها، فهذا لا بأس به، فأما إذا افترقتما وذهبتما حتى يصير يطلبك بذلك؛ فهذا لا خير فيه، لأنه يصير ديناً بدين »(74).

الصورة الثالثة:

أنْ يكون على عميل دينٌ للبنك، فيحلّ أجل سداده فلا يسدّد ما عليه في أجله، فيقوم البنك تلقائياً بشراء بضاعة عن العميل المدين وكالة أو فضالة أو بتوكيل مكتب خارجي، ويبيعونه إياها إلى أجل بفائدة شهرية مثلاً، يسدّدون بذلك الدَّين الأول، فإذا انتهى الشهر ولم يسدّد يجدّد معه ما فعلوه ببيع فضولي أو بوكيل خارجي، يسدّدون به الدَّين الثاني، ويجدّدون عليه الدَّين الجديد، وهكذا.

وقد يكون هذا الإجراء منصوصاً عليه في الاتفاق مع العميل، ويكون غير عالم بمآل ما اتفق عليه، ولا بحكم الشرع فيه، فيقع في براثن الربا، وهو يظن أنه قد هرب منه ونجا بالتعامل مع البنك الإسلامي على ثقة واطمئنان.

وقد سئل ابن تيمية رحمه الله عن مثل هذا القلب الذي يتكرّر ويرتّب كل مرة زيادة. فسئل: « عن رجل أراد الاستدانة من رجل فقال أعطيك كل مائة بكسب كذا، وتبايعا بينهما شيئاً من عروض التجارة، فلمَّا استحقّ الدَّين طلبه بالدَّين فعجز عنه. فقال: اقلب عليَّ الدَّين بكسب كذا وكذا في المائة، وتبايعا بينهما عقاراً، وفي آخر كلّ سنة يفعل معه مثل ذلك، وفي جميع المبايعات غرضهم الحلال، فصار المال عشرة آلاف درهم. فهل يحلّ لصاحب الدَّين مطالبة الرجل بما زاد في هذه المدة الطويلة؟ وهل لوليّ الأمر إنكار ذلك؟ أم لا؟ .

فأجاب: قول القائل لغيره: أدينك كل مائة بكسب كذا وكذا حرام، وكذا إذا حلّ الدَّين عليه وكان معسراّ، فإنه يجب إنظاره ولا يجوز إلزامه بالقلب عليه باتفاق المسلمين. وبكلّ حالٍ فهذه المعاملة وأمثالها من المعاملات التي يقصد بها بيع الدراهم بأكثر منها إلى أجل هي معاملة فاسدة ربوية(75). والواجب ردّ المال المقبوض فيها إن كان باقياً، وإن كان فانياً ردّ مثله، ولا يستحق الدافع أكثر من ذلك. وعلى وليِّ الأمر المنع من هذه المعاملات الربوية، وعقوبة من يفعلها، وردّ الناس فيها إلى رؤوس أموالهم دون الزيادات؛ فإن هذا من الربا الذي حرّمه الله ورسوله، وقد قال سبحانه وتعالى: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَذَرُوا۟ مَا بَقِىَ مِنَ ٱلرِّبَوٰٓا۟ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ فَإِن لَّمْ تَفْعَلُوا۟ فَأْذَنُوا۟ بِحَرْبٍۢ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ ۖ وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَٰلِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ﴾ [البقرة: 278-279]»اهـ(76).

فحُكم هذه الصورة أنها من الرّبا الذي حرّمه الله ورسوله ﷺ.

[2] قلب الديّن عن طريق التورّق:

وقلب الدّين بالتورّق يكون بطرقٍ ثلاثة:

الطريق الأول: القلب بالتورّق البسيط:

وصورته: أنْ يستورق المدين بشراء سلعة من الدائن إلى أجل بثمن أعلى من ثمنه في السوق وأكثر مما عليه من الدَّين فيبيعها إلى غيره بأقل مما اشترى به، فيسدد به الدّين الذي حلّ أجله.

هذه الطريقة كثيراً ما يتعامل بها الناس في الأسواق، حيث يذهب المدين للدائن عند حلول أجل الدّين فيستمهله ويستنظره، فيأبى عليه، ويقول له: ولكن أبيعك هذه السلعة بكذا على أن تبيعها في السوق وتسدّد لي ما عليك. أو يعرض عليه المدين عند حلول أجل الدَّين ابتداءً أن يشتري منه سلعة ليبيعها في السوق ويسدّد ما عليه.

فهنا قلب الدائن دينه على المدين، حيث ترتّب ببيعه للمدين السلعة بأكثر من ثمنه وهو أكثر من أصل الدين الذي كان عليه، دين جديد بقي في ذمته.

وهذا القلب منعه مالك $، وقد جاء في الموطأ: «قال مالك، في الرجل يكون له على الرجل مائة دينار، إلى أجل. فإذا حلت، قال له الذي عليه الدَّين: بعني سلعة يكون ثمنها مائة دينار نقداً، بمائة وخمسين، إلى أجل. قال مالك رحمه الله : هذا بيع لا يصلح، ولم يزل أهل العلم ينهون عنه. قال مالك: وإنما كره ذلك؛ لأنه إنما يعطيه ثمن ما باعه بعينه، ويؤخر عنه المائة الأولى إلى الأجل الذي ذكر له آخر مرة. أو يزداد عليه خمسين ديناراً في تأخيره عنه، فهذا مكروه لا يصلح. وهو أيضاً يشبه حديث زيد بن أسلم في بيع أهل الجاهلية، إنهم كانوا إذا حلَّت ديونهم، قالوا للذي عليه الدَّين: إما أن تقضي، وإما أن تربي. فإن قضى، أخذوا، وإلا زادوهم في حقوقهم، وزادوهم في الأجل »(77).

فجعل مالك $ هذه الصورة من بيع أهل الجاهلية المفضي إلى زيادة الدَّين مع زيادة الأجل الذي هو الربا المحرّم باتفاق.

وقد أدخل المجمع الفقهي الإسلامي مثل هذه الصورة في فسخ الدَّين في الدَّين المحرّم، فقال في قراره الثالث بشأن فسخ الدَّين في الدّين في دورته الثامنة عشرة 1427هـ _ 2006م: « يعدّ من فسخ الدَّين في الدَّين الممنوع شرعاً كل ما يفضي إلى زيادة الدَّين على المدين مقابل الزيادة في الأجل، أو يكون ذريعة إليه، ويدخل في ذلك الصور الآتية: .. فسخ الدَّين في الدَّين عن طريق معاملة بين الدائن والمدين تنشأ بموجبها مديونية جديدة على المدين من أجل سداد المديونية الأولى كلها أو بعضها، ومن أمثلتها: شراء المدين سلعة من الدائن بثمن مؤجل ثم بيعها بثمن حال من أجل سداد الدَّين الأول كله أو بعضه. فلا يجوز ذلك ما دامت المديونية الجديدة من أجل وفاء المديونية الأولى بشرطٍ أو عرفٍ أو مواطأةٍ أو إجراء منظّم؛ وسواء في ذلك أكان المدين موسراً أم معسراً.. » (78).

كما حرّم معيار بيع الدَّين كلّ ما يفضي إلى زيادة الدَّين في قدره أو قيمته، ومثلوا لذلك بمثل هذه الصورة، فقالوا: « إبرام عقدٍ بين الدائن والمدين ينشأ بموجبه دينٌ جديد على المدين من أجل الوفاء بالدَّين الأول كله أو بعضه، مثل شراء المدين سلعة من الدائن بثمن مؤجّل ثم بيعها للدائن أو لغيره بثمن حال من أجل الوفاء بالدَّين الأول كله أو بعضه..» (79).

وأجازه أبو حنيفة $، قال الشيباني رحمه الله في كتاب الحجة: «قال أبو حنيفة $ في الرجل يكون له على الرجل مائة دينار إلى أجل، فإذا حلّت؛ قال له الذي عليه الدّين: بعنى سلعة يكون ثمنها مائة دينار نقداً بمائة وخمسين إلى أجل. إن هذا جائز، لأنهما لم يشترطا شيئاً ولم يذكرا أمراً يفسد به الشراء» (80).

وناقش محمد بن الحسن الشيباني المالكية طويلاً يقرّر به مذهب إمامه أبي حنيفة رحمهم الله.

قال الشيباني $: « وقال أهل المدينة: لا يصلح هذا. قال محمد: ولـِمَ لا يصلح هذا؟ أرأيتم من كان له على رجل دَين فقد حرم الله عليه أن يبيعه منه شيئاً يربح عليه فيه؟. قالوا: لأنا نخاف أن يكون هذا ذريعة إلى الرَّبا. قيل لهم: وأنتم تبطلون بيوع الناس بالتخوُّف ما تظنون من غير شرطٍ اشترطه ولا بيع فاسد معروف فساده، إلا بما تظنون وترون؟ رجل كان يبايع رجلاً بيوعاً كثيرة وكان خليطاً له معروفاً بذلك وجب له عليه دينٌ، ثم باعه بعد ذلك سلعة تساوي بالنقد مائة دينار بمائة دينار وخمسين ديناراً إلى أجل، وهل هكذا يتبايع الناس لأنهم إذا أخّروا ازدادوا ما بأس بهذا؛ لئن حرم هذا على الناس! إنه لينبغي أن يكون عامة البيوع حراماً. قالوا: نرى أنه إنما باعه لمكان دَينهِ. قيل لهم: إنهما لم يتذاكرا الدَّين بقليل ولا كثير. قالوا: قد علمنا أنهما لم يتذاكرا الدَّين بقليل ولا كثير، ولكنا نخاف أن يكون البيع كان بينهما من أجْل ذلك. قيل لهم: أرأيتم لو أجزتم البيع كما نجيزه أَمَا كان لصاحب الدَّين أن يأخذ دَينه من صاحبه وقد حلَّ؟. قالوا: بلى له أن يأخذ دَينه. قيل لهم: فإذا كان له أن يأخذ دَينه؛ كان البيع جائزاً، فبأيّ وجهٍ أبطلتم بيعه؟ ينبغي لكم أن تقولوا: مَن كان له على رجل دَين؛ فليس ينبغي له أن يبايعه بشيء يربح عليه فيه، فأي أمر أقبح من هذا أن رجلاً يعامل الناس له عليهم ديون أنه لا يجوز أن يبيع منه متاعاً ولا جارية ولا شيئاً يربح عليه فيه، ما ينبغي أن يسقط هذا على مثلكم، ولا ينبغي أن تبطل البيوع بالظنون والظن يخطيء ويصيب » اهـ (81).

غير أنّ المالكية رحمهم الله لم يحرّموا هذا المعاملة تخوّفاً أو سدّاً للذريعة فقط، بل مع ذلك، كان لهم وجوه أربعة:

الوجه الأول: أنّ حقيقة المعاملة قلب للمائة الذي عليه بمائة وخمسين إلى أجل جديد، وهذا من صريح فسخ الدّين في الدّين.

والوجه الثاني: أنه يشبه بيع أهل الجاهلية الذي هو ربا الجاهلية المحرّم باتفاق الأمة، ووجهه: أنهم كانوا إذا حلّت ديونهم قالوا للذي عليه الدين: إما أن تقضي وإما أن تربي! .

والوجه الثالث: ما قاله الباجي $ أنه: « يدخل في بيع وسلف، لأنه ابتاع السلعة بمائة معجّلة وخمسين مؤجلة ليؤخره التي حلّت ووجوه من الفساد كثيرة، فإن وقع فسخ فإن فات فالقيمة..» (82).

والوجه الرابع: أنه مذهب أهل المدينة، ولذلك قال مالك: «هذا بيع لا يصلح، ولم يزل أهل العلم ينهون عنه ». وهذه من المراتب العالية في الاحتجاج بإجماع أهل المدينة.

الطريق الثاني: القلب بالتورّق المنظم:

وصورته: أن يكون العميل مديناً للبنك مثلاً بمائة ألف، فيحلّ أجل السداد، فيطلب تمويلاً بطريق التورّق من البنك الدائن، فتجرى له عملية التورّق، فيُشترَى له سلعة بمائة وخمسين ألفاً مؤجلة، فتباع نقداً بمائة ألف، قيمة الدَّين الذي للبنك في ذمّته، فصار دينه بهذا التورّق مائة وخمسين ألفاً، فيقوم البنك بسحب مبلغ الدَّين (المائة الألف) ثم يرتّب عليه مديونية جديدة بخمسين ألفاً إلى أجل جديد.

هذه صورتها كالسابقة في الحالة الأولى، غير أنّ الدائن الذي قلب الدَّين في الحالة الأولى فردٌ، والتورّق الذي استُخدم في القلب تورّق فردي بسيط، وهنا الدائن الذي قلب الدّين مؤسسة (مصرف ) والتورّق الذي استُخدِم في القلب تورّقٌ منظَّم.

والإشكال هنا من جهتين:

أ ـ من جهة القلب الذي أدَّى إلى زيادة الدَّين على المدين ( العميل)..

ب ـ ومن جهة المعاملة التي قُلِبَ بها الدّين على المدين ( العميل )..

أمَّا الإشكال الأول وهو القلب؛ فإنه طالما زاد الدّينَ على المدين، فهو القلب المحرّم، وقد سئل مالك $ عن الرجل يبيع السلعة بمائة دينار إلى أجل فإذا وجب البيع بينهما قال المبتاع للبائع: بعها لي من رجل بنقد فإني لا أبصر البيع، قال: « لا خير فيه ونهى عنه »(83).

وهذا القلب داخل في فسخ الدَّين في الدَّين الممنوع شرعاً، كما قرر المجمع الفقهي الإسلامي وغيره، وهو: «كل ما يفضي إلى زيادة الدَّين على المدين مقابل الزيادة في الأجل، أو يكون ذريعة إلى ذلك..» ولو كان : « عن طريق معاملة بين الدائن والمدين تنشأ بموجبها مديونية جديدة على المدين من أجل سداد المديونية الأولى كلها أو بعضها » (84). وما يكشف أنّ المعاملة قلب دين من أجل سداد المديونية الأولى: أن يكون الإجراء بشرطٍ أو عرفٍ أو مواطأةٍ أو إجراء منظّم.

وأمَّا الإشكال الثاني؛ وهو المعاملة التي قُلب بها الدَّين؛ فإنها التورّق المنظّم، والتورّق المنظّم في نفسه ممنوع لدى جماهير علماء العصر، وهو الذي منعت منه المجامع الفقهية، فصدر قرار مجمع الفقه الإسلامي الدولي رقم 179 (5/19 ) الذي حرّم التورق المنظّم الذي تجريه المصارف والمؤسسات وسواء أكان المستورق هو العميل أو المصرف وهو التورّق العكسي. كما أصدر المجمع الفقهي الإسلامي بمكة المكرمة قراره الثاني في دورته السابعة عشرة بعدم جواز هذا التورق المنظم الذي تجريه المصارف في الوقت الحاضر(85). وكذلك أصدرت الهيئة العليا بالسودان فتواها رقم (23/2017 ) بعدم جواز التعامل به مسببين منعه:

1ـ بأنه صورة من صور التحايل على الرِّبا، إذ هو نظام يرتّب تحصيل نقد حال بأكثر منه في الذمّة، وهو الربا.

2ـ أنّ فيه توطأً بين أطرافه، صريحاً كان أو ضمناً أو عرفاً، لتحصيل نقد حاضر بأكثر منه.

3ـ أن هناك تلازماً وترابطاً وثيقاً بين عقد البيع والشراء في هذه العملية بحيث تكون البيعة الأولى بأجل والبيعة الثانية بنقد حال أقلّ منه، وكل عقد من هذين العقدين مشروط في الآخر ضمناً أو عرفاً مما يجعله من بيعتين في بيعة.

ومنعه أيضاً هو الذي صدر به قرار دار الإفتاء الأردنية رقم (17/3/2012م) على أنه: « ما هو إلا صورة من صور التحايل على الربا، وأن المقصد الحقيقي من هذه العملية هو الحصول على المال مقابل زيادة… ».

فهذا التورّق المنظّم الذي منعته المجامع الفقهية والهيئات ودور الإفتاء، والذي كُيّف على أنه من صور التحايل على الرّبا، لا يمكن أن يصلح سبيلاً أو يصحّ طريقاً يباح به قلب الدّين على المدين، في المصارف والمؤسسات المالية الإسلامية.

ولكن!! إذا كان المدين مسلماً؛ وهو في بلد لم يجد فيه مصرفاً إسلامياً؛ وتثاقل عليه الدّين للبنك التقليدي، وليس أمامه خيار إمّا أن يقترض بالفائدة لسداد ما حلّ من دين عليه، وإمّا أنْ يدخل مع البنك التقليدي في عملية تورّق منظّم يسدّد به ما عليه وإنْ رتّب عليه ديناً في الذمّة، فأخف الضررين وأهون الشرين أن يدخل معهم في هذا التورّق بدل الاقتراض الربوي الصريح، لأنّ أصل التورّق(86) جائز عند جماهير العلماء، وإنْ اختُلِف في جوازه فالمختلف فيه يُرتكب دفعاً للمتفق على حرمته، ولأن من وجوه تحريمه سدّ الذريعة، وما حرم سداً للذريعة يباح للمصلحة الراجحة. والله أعلم.

الطريق الثالث: القلب ببطاقة التورّق اللاحق للاقتراض:

وهي بطاقة ائتمان، “تقوم طريقة عملها على إصدارها، وفي الأجل المحدّد لسداد المبلغ المستحق على حامل البطاقة، الناشيء عن استخدامه لها، الثابت قرضاً في ذمّته للمُصدر، يكون له أن يسدّد المبلغ من السيولة المتوافرة لديه، أو أن يتورق بمرابحة من المصدر لسداد المبلغ المستحق عليه، ويكون عليه عندئذٍ أن يسدد أقساط المرابحة التي اشترى بها السلعة من المصدر في آجالها، وقد ينفّذ المصدر التورّق بالمرابحة بالوكالة أو بالفضالة عن حامل البطاقة”.

وقد حكم المعيار الشرعي على هذه البطاقة أنه: « لا يجوز تصميم بطاقة تقوم على إقراض المصدر لحامل البطاقة بدون فائدة ثم قلب دَين القرض بتورّق معه لسداد مبلغ القرض يرتّب في ذّمة حامل البطاقة دَيناً يزيد على دَين القرض»(87).

[3] قلب الدَّين عن طريق عقد السلم:

ولهذا القلب صورٌ، منها:

[1] تبديل المسلم فيه مع الأجل:

وصورتها: أن يسلم شخص إلى آخر في قمح معلوم إلى أجل معلوم، وقبل حلول الأجل أو عند الأجل يعرض المسلم إليه [ البائع] على المسلم [المشتري] ذرة بدل القمح إلى أجل.

حكم هذه الصورة:

أ ـ المنع، في حالة أن يكون ذلك قبل الأجل، بتجديد أجل، لأنه فسخ دين في دين.

ب ـ المنع كذلك إذا كان بعد الأجل إلى أجل آخر.

ج ـ ولا يجوز إلا بعد الأجل مع القبض يداً بيد.

جاء في المدونة: « قلت: أرأيت لو أني أسلفت إلى رجل في محمولة إلى أجل، فلقيته قبل الأجل فقلت له: هل لك أن تحسن، تجعلها لي سمراء إلى أجل ففعل؟ قال: لا يجوز ذلك في قول مالك، لأنك تفسخ محمولةً في سمراء إلى أجل، فلا يجوز، ألا ترى أنك فسخت دَيناً في دَين !. قلت: فلو حلَّ الأجل لم يكن بذلك بأسٌ، أن آخذ من سمراء محمولةً أو من المحمولة سمراء؟ لا بأس به في قول مالك، إذا كان يداً بيد، لأنه يشبه البدل »(88).

وقال مالك $: « إذا أسلمت في طعم محمولةٍ فحلّ الأجل، فخذ به إن شئت سمراء وإن شئت شعيراً، وإن شئت سُلتاً مثل مكيلتك يداً بيد»(89).

وقال أبو بكر الصقلي $ في الجامع: « وإن أسلمت إلى رجل في محمولة إلى أجل فلقيته قبل الأجل فقلت له أحسن واجعلها في سمراء إلى أجلها ففعل لم يجز؛ لأنه فسخ محمولة في سمراء إلى أجل، ولو حل الأجل؛ جاز لك أخذ سمراء من محمولة أو محمولة من سمراء؛ لأنه بدل»(90). وإنْ لم يشترط عدم التأجيل فهو متضَمَنٌ، لأنه تأكيد لما جاء في المدونة.

وقال ابن تيمية $: « إذا اشترى قمحاً بثمن إلى أجل ثم عوض البائع عن ذلك الثمن سلعة إلى أجل لم يجز؛ فإنّ هذا بيع دَينٍ بدَين »(91).

[2] بيع المشتري المسلم فيه للبائع:

وصورته: أن يبيع المسلم [ المشتري ] السلعة [المسلم فيه] إلى المسلم إليه [البائع] قبل الأجل أو بعده بنقد أو بعرض.

حكم هذه الصورة:

المنع إن كان النقد أو العرض مؤجلاً، والجواز إن كان معجلاً بشرط القبض في المجلس(92).

وفي الموطأ قال مالك $: من سلّف ذهباً أو ورقاً في حيوان أو عروض إذا كان موصوفاً إلى أجل مسمى، ثم حلّ الأجل، فإنه لا بأس أن يبيع المشتري تلك السلعة من البائع قبل أن يحلّ الأجل، أو بعدما يحل، بعرض من العروض، يعجّله ولا يؤخّره، بالغاً ما بلغ ذلك العرض، إلا الطعام؛ فإنه لا يحل له أن يبيعه قبل أن يقبضه.. قال مالك: ومن سلّف في سلعة إلى أجل، وتلك السلعة مما لا يؤكل ولا يشرب، فإنّ المشتري يبيعها ممن شاء بنقد أو عرض، قبل أن يستوفيها، من غير صاحبها الذي اشتراها منه، ولا ينبغي له أن يبيعها من الذي ابتاعها منه إلا بعرض يقبضه ولا يؤخّره.. قال مالك رحمه الله: «وإن كانت السلعة لم تحلّ، فلا بأس بأن يبيعها من صاحبها بعرض مخالفٍ لها، بيّنٍ خلافُه يقبضه ولا يؤخّره »(93).

واشتراط القبض وعدم التأخّر ما علّل به مالك رحمه الله: «أنه إذا أخّر ذلك قبُح ودخله ما يكره من الكالئ بالكالئ » (94) .

وما قاله الباجي رحمه الله: « ومن شرط صحة هذا البيع؛ القبض قبل التفرّق، أو ما هو في حكم ذلك، لأنه يدخله قبل الأجل وبعده فسخُ دَيْن في دَين، وذلك ممنوع باتفاق » (95).

[3] أخذ المسلَم بدل المسلم فيه بزيادة :

وصورته: أن يسلم رجلاً دنانير في سلعة، فإذا حلت السلعة طالب المسلم [ المشتري ] المسلم إليه [البائع ] أن يعطيه دنانير مِن قيمة السلعة أوان الأجل أو مِن بيعها أو غير ذلك.

حكم هذه الصورة: المنع،

أ ـ لأن النقد أو الذهب أو الفضة لا يصلح أن يكون المسلم فيه ولا بدلاً من المسلم فيه، ما دام رأس مال السلم كان نقوداً.

ب ـ ولأنه كأنه أسلف دنانير في دنانير، ، وألغيت السلعة التي بينها..

ج ـ ولأنه ليس إقالة في المسلم فيه يسترد بها رأس المال، بل هو بيع لم يأخذ مثل ما أعطى..

د ـ ولأنه عند أجل السلم يأخذ أكثر مما أسلف، فكأنما أسلف دنانير إلى أجل بدنانير أكثر فتدخله شبهة الربا.

ولهذا، قال سحنون رحمه الله: « ولقد خاف عبد العزيز(96) في تسليف الدنانير في عرض، إنْ قال: ومما يشبه الربا؛ أن يسلف الرجل ذهباً أو ورقاً في إبل أو غنم أو سلعة غير ذلك، فإذا حلت سلعتك أخذت بها من بيعك ذهباً أو ورقاً أكثر مما كنت سلفته.. قال: وتفسير ما كره من ذلك أنك كأنك أسلفت ذهباً في ذهب أو ورقاً في ورق، وألغيت السلعة بين ذلك» (97).

ومنع ذلك معيار السلم أيضاً (98).

[4] جعل الدَّين رأس مال السلم:

وصورته: أن يكون لشخص أو لبنك على رجل أو عميل ديناً، فإذا حلّ الأجل، اتفقا على أن يُجعل مبلغ الدين الذي على العميل رأس مال سلم في سلعة موصوفة إلى أجل.

وحكم هذه الصورة المنع والتحريم، وذلك من جهتين:

الجهة الأولى:

أنّ عامة أهل الفقه والمذاهب الأربعة(99) منعوا أن يكون رأس مال السلم ديناً، بل نقل ابن قدامة وابن المنذر الإجماع على منعه.

قال ابن قدامة رحمه الله: « إذا كان له في ذمة رجل دينار، فجعله سلماً في طعام إلى أجل لم يصحّ… قال: لأن المسلم فيه دينٌ، فإذا جعل الثمن ديناً؛ كان بيع دين بدين، ولا يصحّ ذلك بالإجماع »(100).

وقال ابن المنذر رحمه الله: « وأجمعوا على منع أن يجعل الرجل ديناً له على رجل سلماً في طعام إلى أجل معلوم »(101).

وقال: « أجمع على هذا كل من أحفظ عنه من أهل العلم، منهم مالك، والأوزاعي، والثوري، وأحمد، وإسحاق، وأصحاب الرأي، والشافعي » (102).

الجهة الثانية:

أنّه يصير بذلك ديناً بدَين، فيدخله فسخ الدَّين في الدَّين وقلب الدَّين الممنوع، لأنه حين جعل الدَّين الذي له عليه رأس مال السلم، فإنه جعل دينه ثمناً للمسلم فيه، والمسلم فيه نفسه دين، فصار ديناً بدين، والغالب أن الدائن “خاصة إن كان مصرفاً أو مؤسسة” لا يقبل ذلك إلا إذا كان سيحصل أكثر من دينه. فيدخل هذا في [ أخّرني وأزيدك ].

وبعض متأخري الحنابلة أجازوا هذه الصورة من قلب الدَّين، بشروط ثلاثة(103):

الشرط الأول: أن يكون المدين مليئاً باذلاً.

والشرط الثاني: أن يكون ذلك على غير وجه الحيلة.

والشرط الثالث: أن يكون القلب برضىَ الغريم.

وإنما بنوا هذا الجواز على كلام ابن تيمية رحمه الله ولم يسعفهم كلامه كما قررناه من قبل(104).

واشتُهر عن ابن القيم رحمه الله أنه يرى جواز ذلك مطلقاً، نافياً ما نُقل من الإجماع على منعه، فقال في أقسام بيع الدَّين: « وأما بيع الواجب بالساقط فكما لو أسلم إليه في كرّ حنطة بعشرة دراهم في ذمّته فقد وجب له عليه دين وسقط له عنه دين غيره، وقد حكي الإجماع على امتناع هذا، ولا إجماع فيه. قاله شيخنا واختار جوازه، وهو الصواب، إذ لا محذور فيه، وليس بيع كالئ بكالئ فيتناوله النهي بلفظه، ولا في معناه فيتناوله بعموم المعنى.. »(105).

ونوجّه رأي ابن القيم رحمه الله بأمرين:

الأمر الأول: أننا عند التدقيق نجد أنّ ابن القيم رحمه الله فرّق بين بيع الدّين بالدّين، وبين بيع الكالئ بالكالئ، فجوّز بيع الدين بالدّين ومنع الكالي بالكالئ مثبتاً الاتفاق في عدم جوازه. فقال: « بيع الدَّين بالدَّين ليس فيه نصٌّ عام ولا إجماع، وإنما ورد النهي عن بيع الكالئ بالكالئ(106)، والكالئ: هو المؤخر الذي لم يقبض، كما لو أسلم شيئاً في شيء في الذمة، وكلاهما مؤخَّر، فهذا لا يجوز بالاتفاق، وهو بيع كالئ بكالئ » (107).

وهو في هذا متبعٌ لشيخه ابن تيمية رحمه الله، بل نصّه هذا هو نصّ شيخه رحمهما الله، وقد قال ابن تيمية: « بيع الدَّين بالدَّين ليس فيه نصٌّ عام ولا إجماع. وإنما ورد النهي عن بيع الكالئ بالكالئ، والكالئ هو المؤخر الذي لم يقبض بالمؤخر الذي لم يقبض وهذا كما لو أسلم شيئاً في شيء في الذمة، وكلاهما مؤخر، فهذا لا يجوز بالاتفاق، وهو بيع كالئ بكالئ »(108).

فعبارتهما متطابقة.

فهما إذنْ يفرّقان بين الدين بالدين وبين الكالئ بالكالئ، وفيما مثّلا للكالئ تدخل صورة جعل الدّين رأس مال السلم الذي نُقل الإجماع على منعه وتحريمه.

فقد قالا رحمهما الله: « والكالئ هو المؤخر الذي لم يقبض بالمؤخر الذي لم يقبض ». والدّين الذي جُعل رأس مال السلم؛ مؤخّرٌ لم يَقبضه صاحبه، جُعل في المسلم فيه الذي لم يُقبض بعد.

وقالا: « كما لو أسلم شيئاً في شيء في الذمّة وكلاهما مؤخّر ». فالدّين مؤخّر في ذمّة المدين لم يُردّ لصاحبه، والسلعة المسلم فيها مؤخّرة إلى أجلها.

فقالا عن هذا الوضع والحال: « فهذا لا يجوز بالاتفاق، وهو بيع الكالئ بالكالئ ».

ومع ذلك نصّ ابن القيم رحمه الله بصراحة جواز جعل الدين على المسلم إليه رأس مال السلم، فقال: « وأمّا إذا كان الدَّين في ذمّة المسلم إليه فاشترى به شيئاً في ذمّته فقد سقط الدَّين من ذمته وخلفه دين آخر واجب، فهذا من باب بيع الساقط بالواجب، فيجوز »(109).

الأمر الثاني: أنّ قوله: « قاله شيخنا واختار جوازه » . وهو ما نقلناه عن ابن تيمية رحمه الله في المسألة. والتحقيق أنّ ابن تيمية رحمه الله جعل مثل هذه الصورة بيع دَين بدَينٍ ونصّ على عدم جوازها وشدّد على منعها، حين « سئل: عن رجل اشترى قمحاً بثمنٍ معلوم إلى وقت معلوم، ثم إنه ما حصل لصاحب القمح شيء، ثم داره عقداً وارتهن عليه ملكاً، وأنه أخذ ذلك بيعاً وشراءً بذلك العقد، فهل البيع جائز؟ .

فأجاب: إذا اشترى قمحاً بثمن إلى أجل، ثم عوض البائع عن ذلك الثمن سلعة إلى أجل، لم يجز؛ فإن هذا بيع دَين بدَينٍ. وكذلك إن احتال على أن يزيده في الثمن ويزيده ذلك في الأجل بصورة يظهر رباها؛ لم يجز ذلك، ولم يكن له عنده إلا الدَّين الأوّل، فإن هذا هو الرِّبا الذي أنزل الله فيه القرآن؛ فإن الرجل يقول لغريمه عند محل الأجل: تقضي أو تربي، فإن قضاه وإلاّ زاده هذا في الدَّين وزاده هذا في الأجل، فحرّم الله ورسوله ذلك، وأمر بقتال من لم ينته. والله أعلم » (110).

وعليه؛ فيظهر لي:

1ـ أنّ محلّ المنع والتحريم متفق عليه بين الجميع في الجملة.

2ـ وأنّ ابن تيمية رحمه الله على التحقيق مانع من جعل رأس مال السلم ديناً..

3ـ وأنّ التمييز بين ما جوّزه ابن القيم وما حرّمه وتصوّر ذلك صعبٌ عسيرٌ، فعنده : « إذا كان رأس مال السلم ديناً في ذمّة المسلم، فهذا هو الممنوع منه بالاتفاق. وإذا كان الدّين في ذمّة المسلم إليه فاشترى به شيئاً في ذمته؛ فهذا الجائز » (111).

4ـ وفي مثل هذه الحالة يكون الأخذ برأي الجمهور أولَى من رأي ابن القيم رحمهم الله.

وهذا هو الذي أخذت به المجامع والهيئات المعاصرة..

فجاء في قرار مجمع الفقه الإسلامي الدولي رقم 85 (2/9 ) بشأن السلم وتطبيقاته المعاصرة: «لا يجوز جعل الدين رأس مال للسلم لأنه من بيع الدَّين بالدَّين »(112).

وجاء في قرار المجمع الفقهي الإسلامي بمكة المكرمة الثالث في الدورة الثامنة عشرة بشأن فسخ الدين في الدين من صور الفسخ الممنوع: «ويدخل في المنع جعل دين السلم رأس مال سلم جديد»(113).

وجاء في معيار السلم والسلم الموازي: « لا يجوز أن يكون الدَّين رأس مال السلم، مثل جعل القروض أو ديون المعاملات المستحقة التي للمؤسسة على العميل رأس مال السلم »(114).

وجاء في مرشد السلم والسلم الموازي الصادر عن الهيئة العليا للرقابة الشرعية على المصارف والمؤسسات المالية في أحكام عقد السلم: « أن لا يكون رأس مال السلم ديناً في ذمة المسلم إليه». وقالوا: « لا يجوز تحويل الالتزامات التي على رجال الأعمال من المصارف إلى رأس مال سلم »(115).

[5] سداد دَين السَّلم بمرابحة أو غيرها من المسلم:

ومن المعالجات التي اتخذها بعض المصارف حين يعجز العميل عن سداد دينه ، أو تأخّر فيه وماطل؛ إعادة التمويل. وصورتها : أنّ البنك دخل في عملية سَلَم مع أحد عملائه إلى أجل معلوم، وعندما حلّ أجل السداد عجز العميل ” المسلم إليه” عن الوفاء بالمسلم فيه، فطلب من البنك أن يبيعه المسلم فيه من مخزون البنك ( طعاماً كان أو أية سلعة أخرى ) مرابحةً إلى أجل بثمن أكثر من ثمن السلعة المسلم فيها، فوافق البنك شريطة أن يسلمه المبيع سداداً لدين السلم ( المسلم فيه).

وحكم هذه المعاملة أنها لا تجوز، لأنها من فسخ الدَّين في الدَّين الصريح، وهو من قلب الدَّين الممنوع باتفاق، وذلك أنهم فسخوا دين السلم في دين مرابحة مع المسلم نفسه في أكثر من الدين، فزادوا في الدّين والأجل.

وقد منع منها ابن تيمية وقد قال رحمه الله: « في رجلٍ أسلَفَ مائة درهم على حرير، فلمَّا حلّ الأجل لم يكن عنده بما يرضيه، فقال رَبُّ الدَّين: اشتر منّي هذا الحرير إلى أجل، وأحضَرَ حريراً بمائة وخمسين، ثم قال: أوْفني هذا الحرير عن السلف الذي عندك. فهو ربا حرام، وهذا المربي لا يستحقّ ما في ذمم الناس إلا ما أعطاهم أو نظيره » (116).

ومنع منها الشافعية إنْ كانت على شرط السداد بها، وقد قال الماوردي رحمه الله في الحاوي: «وإذا أسلم إلى رجل في طعام فحل الطعام فقال من عليه الطعام لمن له الطعام: بعني طعاماً مثل طعامك لأقضيك حقك بثمن حالّ أو مؤجّل. فإن عقد البيع على هذا الشرط كان باطلاً، وإن لم يكن عن شرط في العقد صح البيع، وكان مشتري الطعام بالخيار، إن شاء قضاه ذلك الطعام وإن شاء قضاه من غيره »(117).

والشرط قد يكون منصوصاً في العقد، وقد يكون معروفاً بعرف جارٍ، أو وعد سابقٍ، أو غير ذلك مما يدخل في معنى الاشتراط.

وقد منع المجمع الفقهي الإسلامي بمكة المكرمة هذه الصورة في قراره الثالث بشأن فسخ الدَّين في الدَّين في دورته الثامنة عشرة، فجاء في الصور الممنوعة لفسخ الدين: « أنْ يبيع الدائن في عقد السلم سلعة للمدين ” المسلم إليه ” مثل سلعته المسلم فيها مرابحةً إلى أجل بثمن أكثر من ثمن السلعة المسلم فيها، مع شرط أن يعطيه السلعة التي باعها له سداداً لدين السلم » (118).

ومنعت الهيئة العليا للرقابة الشرعية على المصارف هذه المعاملة في فتواها رقم (11/2004 )، فقالت: « هذه المعاملة بهذه الكيفية لا تجوز، لأن المدين فسخ دَين السلم في دَين مرابحة مع المسلم في أكثر من الدَّين، فصارت المعاملة فسخَ دَين في دَين، ولا عبرة بالسلعة، لأنّ ما خرج من اليد وعاد إليها لغوٌ ».

ثم أرشدت الهيئة في هذه الفتوى إلى البديل المشروع، وأنه يمكن أن تُصَحّح المعاملة بأحد طريقين:

الطريق الأول: أن المسلم إليه يشتري سلعة السلم من شخص آخر غير المسلم، إلى أجل ويعطيها المسلم، وفي هذا قضاء دَين بدَين لا فسخ دَين بدَين.

والطريق الثاني: أن يشتري المسلم إليه السلعة من المسلم بالأجل من غير شرط، وبسعر السوق أو بأقل منه من غير أن يعلم المسلم أنه يريد أن يقضي بالسلعة دين السلم(119).

[6] الإقالة في عقد السلم:

الإقالة في السلم جائزة بالإجماع(120)، واشترط مالك أن لا يدخلها زيادة ولا نقصان، وقد اشترطوا لئلا يدخل فسخ الدَّين أو قلب الدَّين فيها فقالوا: « شرط الإقالة في السلم: أن يتناجزا في رأس المال، ولا يجوز تأخيره ولا تأجيله لئلا يقع في فسخ دَين في دَين »(121).

وما يُدخل قلب الدَّين أو فسخ الدَّين في الدَّين في الإقالة في السلم صورٌ ثلاثة:

الصورة الأولى: أن المسلم إذا حلّ أجل السلم أقال المسلم إليه على أن أَخَذ البعض وأقال من البعض، فهذا لا يجوز عند مالك، قال ابن رشد: لا يجوز عنده ـ أي مالك ـ فإنه يدخله التذرع إلى بيع وسلف. وذلك جائز عند الشافعي وأبي حنيفة، لأنهما لا يقولان بتحريم بيوع الذرائع(122).

الصورة الثانية: أن يندم المشترى في السلم فيقول للبائع المسلم إليه: أقلني وأنظرك بالثمن الذي دفعت إليك.

فقال مالك وطائفة: ذلك لا يجوز، وقال قوم: يجوز.

وعلّة مالك رحمه الله في منع ذلك مخافة أن يكون المشتري لـمّا حلّ له الطعام على البائع؛ أخّره عنه على أن يقيله، فكان ذلك من باب بيع الطعام إلى أجل قبل أن يستوفى. وقوم اعتلوا لمنع ذلك بأنه من باب فسخ الدَّين بالدَّين(123).

قال مالك: لا يجوز أن يؤخّره ساعة ولا يفترقان حتى تقبض ذلك من صاحبك الذي أقلت.. وإلا صار ديناً بدين(124).

قال الشيخ الدردير رحمه الله: « الإقالة في السلم يمتنع فيها تأخير ردّ الثمن؛ لأنه يؤدي لفسخ دين في دين فهو كصريح فسخ الدَّين في الدَّين »(125).

والذين رأوه جائزاً رأوا أنه من باب المعروف والإحسان الذي حثّ عليه رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم فقال: (مَنْ أَقَالَ نَادِمًا بَيْعَتَهُ، أَقَالَ الله عثرته يوم القيامة)(126). وفي رواية: ( من أقال مسلماً أقال الله عثرته يوم القيامة)(127)..

الصورة الثالثة: الإقالة في السلم بزيادة، وصورتها: أنْ تقع الإقالة في السلم بزيادة في رأس مال السلم أو المسلم فيه، أو أنْ تكون الإقالة على بعض السلم مع بقاء الباقي في الذمّة. وكلّ هذه الحالات تفضي إلى زيادة في الدّين.

أما في رأس المال وفي المسلم فيه فواضحٌ، وقد نصّ الحنابلة على أن: «الإقالة في السلم بزيادة ممتنع»(128).

وفي مسائل ابن رشد رحمه الله: « يمنع من الإقالة في السلم بزيادة المسْلَمِ إليه »(129). وهو قلب دين صريح.

وأما في الإقالة في البعض؛ فلأنه « سلف بزيادة، لأنه أخذ عن بعض السلم والباقي في الذمّة زيادة لأجل السلف »، كما يرى اللخمي رحمه الله تعالى(130).

وفي رواية عن أحمد رحمه الله: لا يجوز الإقالة في البعض، ووجهه: « أنّ السلف في الغالب يزاد فيه في الثمن من أجل التأجيل، فإذا أقاله في البعض، بقي البعض بالباقي من الثمن وبمنفعة الجزء الذي حصلت الإقالة فيه، فلم يجز »(131).

وبهذا قال من أئمة السلف رضوان الله عليهم: ابن عمر، وسعيد بن المسيب، والحسن، وابن سيرين، والنخعي، وسعيد بن جبير، وربيعة، وابن أبي ليلى، وإسحاق (132).

[4] قلب الدَّين عن طريق القراض:

وصورته: أن يكون لشخص أو بنك على آخر أو عميل دينٌ، فيقول الدائن للمدين عند حلول أجل الدَّين أو قبل حلول أجله: ضارب بمبلغ ديني الذي عليك، وما يكون من ربحٍ فبيننا.

ووجه القلب هنا: أن رب الدَّين سيعود إليه دينه وزيادة على دينه.

فذهب الحنفية فيه إلى قولين: المنع والجواز.

ففي قول أبي حنيفة رحمه الله عدم الصحة، كما جاء في البحر الرائق: « المضاربة بدين إن كان على المضارب فلا يصحّ » (133). وفي الحاشية: « وأما المضاربة بدين؛ فإن على المضارب لم يجز، وإن على ثالث جاز » (134).

وأجازه أبو يوسف ومحمد رحمهما الله، فقالا: « الربح لرب الدين ويبرأ المضارب عن الدين » (135).

وأما المالكية؛ فعلى ثلاثة أقوال: منعه ابن القاسم، وكرهه أشهب، وأجازه ابن حبيب بمجرد إحضاره.

ووجه المنع ما قاله ابن رشد رحمه الله: « لأنه أنظره على أن يتجر له بنصف الربح، وذلك ربا ». وما قاله ابن عرفة: « لأنه فيها اغتزا للزيادة بتأخّر الدّين، إلا أن يقبض دينه ثم يرده عليه ».

واتفقوا أنه إن نزل مضى، ولكن ابن القاسم رحمه الله يجعل الربح والوضيعة عندئذ للعامل المضارب،. وأشهب رحمه الله يجعل الربح بينهما والخسارة على رب المال(136).

فابن القاسم يمضيه سلفاً لا قراضاً، وأشهب يمضيه قراضاً.

[5] قلب الدَّين عن طريق الحوالة:

وصورته: أن يفشل المدين من سداد مديونيته للمصرف، فيستعين بطرف ثالث يحيل عليه دينه، فيقبل المصرف، وقبل حلول أجل الدَّين الأول؛ يعيد ترتيب التعاقد الذي كان قائماً بشروط جديدة يرتّب زيادة للمصرف على أصل مبلغ الدّين.

وحكم هذه الصورة المنع. وذلك أنّ الحوالة بالدَّين إنما يصحّ بشرطين:

أحدهما: أن يكون دين المحال حالاً، لأنه إن لم يكن حالاً؛ كان بيع ذمة بذمة، فدخله ما نهي عنه من الدَّين بالدَّين.

والثاني: أن يكون الدَّين الذي يحيله به مثل الدَّين الذي يحيله عليه في القدر والصفة، لا أقل ولا أكثر ولا أدنى ولا أفضل، لأنه إن كان أقل أو أكثر أو مخالفاً له في الجنس والصفة كأن يكون الدَّين دراهم فيحيله بدنانير، أو كان دنانير فيحيله بدراهم ، لم تكن حوالة، وكان بيعاً على وجه المكايسة، فدخلها ما نهي عنه من الدَّين بالدَّين(137).

فلو طبقنا هذين الشرطين على ما مارسه بعض المصارف، نجده قلب دين صريح.

أولاً: أنّ الدَّين الذي أحيل به على ثالث لم يكن قد حلّ أجله، فخالف الشرط الأول، فصار بيع ذمّة بذمّة، فدخله ما نهي عنه من بيع الدّين بالدّين.

ثانياً: أنّ أصل الدَّين كان بعملة محلية، فجُعل في عقد الحوالة عملة أجنبية، ففقد الشرط في مثلية الدين في الجنس والصفة.

ثالثاً: أنّ الميلغ المحال به زاد عن أصل الدَّين، ففقد شرط المثلية في القدر. فصار في الحقيقة قلب دينٍ صريح يزيد للمصرف أكثر مما له من الدّين.

وقد وقع مثل هذه الصورة في بعض المصارف، فدرست الهيئة الشرعية بالمصرف الحالة وأفتت ببطلان عقد الحوالة، لترتب الزيادة التي تحيله إلى بيع الدَّين بالدَّين الممنوع شرعاً، ولأنّ تحوّل المديونية إلى عملة غير عملة الدّين المثبت في ذمّة العميل حول المعاملة إلى عملية صرف مؤجّل، وأيدتهم لجنة النظر في النزاعات بالهيئة العليا (138).

المبحث الرابع: صورٌ لمعالجة التعثّر بقَلْبِ الدَّين

من خلال ما عُرض من صور وحالات قلب الدّين، وما عُلّل به منعه؛ يمكن أن تكون هناك صورٌ وحالات تدخل في قلب الدّين أو فسخ الدّين في الدّين، ومع ذلك تكون مقبولة غير ممنوعة فقهاً، تُعالَـج بها حالات التعثّر في الديون. ومن ذلك ما يلي:

[1] فسخ الدَّين في مثله أو أدنى منه:

قال اللخمي رحمه الله في التبصرة: « ويجوز لمن له دنانير حالة أو إلى أجل أن يفسخها إلى أجل في مثلها في الوزن والجودة، وفي أدنى وزنًا وجودة » (139).

ويظهر من كلام اللخمي أنّ العبرة في منع قلب الدين أو فسخ الدين هي الزيادة في الدين على المدين، فإنْ خلا من الزيادة فلا إشكال.

ثم قوله « أن يفسخها إلى أجل»؛ يجعل التأجيل مما لا بأس به في معالجة الدَّين على المدين طالما كان تأخيراً من غير زيادة في الدّين، فمجرد التأجيل والتأخير لا مانع منه إنْ لم يرتّب زيادة، وقد نص الخرشي على معناه فقال: «لو أخر العشرة، أو حط منها درهماً وأخره بالتسعة؛ فليس من ذلك، بل هو سلف، أو مع حطيطة، ولا يدخل في قوله فسخ؛ لأنّ تأخير ما في الذمة، أو بعضه ليس فسخاً » (140).

وعلى هذا؛ يقيّد عبارة المالكية [في شيء مؤخر ] بأن مقصودهم بشيء مؤخر بزيادة على الدَّين، لا مجرد التأخير يجعله فسخ دين ممنوع. ومن ذلك:

1ـ ما جاء في شرح الخرشي: « من استهلك لرجل شيئاً من العروض أو من الحيوان أو من الطعام فصالحه على شيء مؤخر لم يجز لأنه فسخ دين في دين، إذ باستهلاكه لزم المستهلك القيمة حالة فأخذ عنها مؤخراً وقد علمت أن فسخ الدّين في الدّين إنما يمتنع في غير جنسه أو في جنسه بأكثر »(141). وها هو يفسّر أن فسخ الدّين الممنوع سواء في جنسه أو في غير جنسه أن يكون بأكثر.

2ـ وفسر الخرشي رحمه الله فسخ الدّين الممنوع فقال: « فسخ الدَّين في الدَّين هو أن يفسخ ما في ذمة مدينه في أكثر من جنسه إلى أجل، أو يفسخ ما في ذمته في غير جنسه إلى أجل كعشرة في خمسة عشر مؤخرة» (142). سواء أكان من جنسه أم كان من غير جنسه، في كلا الحالين فسخ الدّين الممنوع ما كان بزيادة.

3ـ وفي حاشية الدسوقي في المسألة أعلاه [1]: « ولا يجوز أن يصالح عنها بمؤجل إلا إذا كان المؤجل عيناً وكانت قدر القيمة فأقل » (143). فأثبت أنّ التأجيل إنْ لم يكن بزيادة جائز.

4ـ وفسّره في منح الجليل: « فسخ في مقابلة شيء مؤخر.. يلتزمه المدين في ذمته وهو من غير جنس الدّين المفسوخ كفسخ دينار في دينارين. وأمّا تأخير الدّين الحال أو المؤجل بأجل قريب إلى أجل بعيد وأخذ مساويه أو أقل منه من جنسه؛ فليس فسخ دين في دين»(144).

فمجرد التأخير أو التأجيل لا يجعل القلب أو الفسخ ممنوعاً، إلا بترتيب زيادة أو غلبة التهمة بقصد الزيادة لأن الغالب في التأجيل أو التأخير ترتّب الزيادة، فإنْ لم يُقصد بالتأجيل وتأخّر القبض الزيادة، ولم يكن التصرف فيما يدخله الصرف، وكان عوض الدّين مما يجوز تأجيل قبضه؛ فقد زال المانع.

وكذلك نلاحظ التقييد في منع قلب الدّين عند من اصطلحوه، ومن عبارة ابن تيمية رحمه الله: « ولا يجوز الزيادة عليه بمعاملة ولا غيرها». وعبارة ابن القيم رحمه الله: « ولا تجوز الزيادة عليه بمعاملة ولا غيرها، ومتى استحلَّ المرابي قلب الدَّين وقال للمدين: إما أن تقضي وإما أنْ تزيد في الدَّين والمدّة..»(145). فتجوز القلب عليه من غير زيادة عليه.

[2] فسخ دَين في عين:

وقد تكون العين حاضرة وقد تكون غائبة.

فإن كان على شخص دينٌ حال أو إلى أجل، فابتاع به من المدين سلعة حاضرة يقبضها، من غير تأخير؛ فهذا فسخٌ للدين، ولكن ليس فسخ دَين في دَين، بل هو فسخُ دَين في عين، وقد اتفقت كلمة المالكية في جواز ذلك، وقد مثّل له مالك بالثمرة إذا استجدت أو الزرع إذا استحصد ولا تأخير لهما»(146).

وإنْ كان له على الشخص دين حالٌّ أو إلى أجل فابتاع به من المدين سلعة غائبة على الصفة أو ثمرة يتأخر جدادها؛ منع ذلك ابن القاسم واستثقله مالك(147) وأجازه أشهب ومحمد بن مسلمة رحمهم الله. وكثيرٌ من محققي المذهب اختاروا الجواز.

قال ابن يونس رحمه الله: « وأجازه أشهب لأنهما معيّنان لا في الذمّة ديناً»(148).

وفي الذخيرة للقرافي رحمه الله: « وأجازه أشهب، لأن الدين لا يكون إلا في الذمم دون الأعيان» (149).

وقال اللخمي رحمه الله: « والصواب ههنا جوازه، لأنها سلعة معيّنة فلا يدخله فسخ دين في دين » (150).

وقال ابن عبد البر رحمه الله: « وهو القياس عندي والنظر الصحيح » (151).

وقال القاضي عبد الوهاب رحمه الله: « فأما فسخ الدَّين إذا حلَّ في عين بتأخر قبضِها وتكون مضمونة على بائعها؛ فمنعه مالك وابن القاسم وأجازه أشهب وغيره وذلك كثمرة يجتنيها أو سلعة غائبة.. أو ما أشبه ذلك؛ قال: ووجه الجواز أنه فسخ دين في عين كالمقبوض »(152).

والجواز مخرَّجٌ على مذهب الحنابلة؛؛.

قال ابن قدامة رحمه الله في أقسام وفاء الحق وإسقاطه: « الثاني: أن يعترف له بعروض، فيصالحه على أثمان، أو بأثمان فيصالحه على عروض، فهذا بيع يثبت فيه أحكام البيع. وإن اعترف له بدين، فصالحه على موصوف في الذمة، لم يجز التفرق قبل القبض؛ لأنه بيع دين بدين»(153).

وهو مخرّج أيضاً على مذهب الحنفية؛؛.

قال الكاساني رحمه الله في الشراء بالدين ممن عليه الدين: « إن كان ـ أي الدَّين ـ دراهم أو دنانير، فاشترى به شيئاً بعينه؛ جاز الشراء، وقبْضُ المشترى ليس بشرط؛ لأنه يكون افتراقاً عن عين بدين، وأنه جائز فيما لا يتضمّن ربا النساء، ولا يتضمن ههنا. » (154).

فالمعيّن لا إشكال فيه، وقبضه ليس شرطاً مفسداً، والموصوف في الذمّة شرط فسخ الدَّين به؛ القبضُ قبل التفرّق، لئلا يصير بيع دين بدين.

[3] قلب الدَّين في منفعة (إجارة أو خدمة):

وذلك إذا حلّ الدَّين أو لم يحلّ، فيعرض الغريم لصاحب الدَّين داراً يسكنها، أو أرضاً يزرعها، أو سيارة يحمل عليها، أو عاملاً له يستعمله، أو يؤاجر نفسه له، أو نحو ذلك، وكل ذلك لمدة معلومة عوضَ دينه الذي عليه.

فهذا أجازه أشهب ومحمد بن مسلمة رحمهما الله، وهو رواية عن مالك (155)، وصحّحه المتأخرون، ورجّحه ابن يونس، وأفتى به ابن رشد في نوازله مخالفاً ابن القاسم مع علمه بمذهبه(156)، كما صحّحه وصوّبه الحافظ ابن عبد البر، رحمهم الله تعالى.

بل نصّ خليل رحمه الله في التوضيح على أن المذهب جوازه، وأنه هو الذي صحّحه المتأخرون، فقال: « وصحّح المتأخرون قول أشهب، لأنه لو كانت منافع المعين كالدين يمتنع فسخ الدين فيها لامتنع اكتراء الدواب واستئجار العبد وشبهه بدين، والمذهب جوازه » (157).

ويرى ابن عبد البر رحمه الله قلب الدين في منفعة إجارة أو خدمة هو القياس والنظر الصحيح، فيقول: « ومن الدَّين بالدَّين عند أكثر أصحاب مالك أن يتحوّل بما حلّ من الدَّين في دار يسكنها أو عبد يخدمه أو دابة يركبها أو ثمرة يجذها في أيام كثيرة أو أمة يستبرئها، ومن أصحاب مالك طائفة منهم أشهب ومحمد بن مسلمة لا يرون هذا من باب الدَّين بالدَّين، وهو القياس عندي والنظر الصحيح، لإجماعهم على جواز بيع السلم، وبيع السلم بالنسيئة » (158).

وقال ابن رشد الجدّ معلّلاً مذهب أشهب رحمهما الله في الجواز: « وأما على مذهب أشهب؛ فذلك جائز؛ لأنه يجوز له أن يتحوّل من دَين له إلى خدمة عبدٍ بعينه أو كراء دابةٍ بعينها، ولا يرى ذلك من فسخ الدَّين في الدَّين؛ لأنه إنما تحوّل إلى الانتفاع بشيء معيّن فجُعل قبضه إياه لاستيفاء المنافع منه قبض لجميع المنافع » (159).

وجعله ابن رشد الحفيد رحمه الله قياس الكثيرين من المالكية، ونسب القول به إلى الشافعي وأبي حنيفة فقال: «وكان أشهب يجيز ذلك ويقول: ليس هذا من باب الدَّين بالدَّين، وإنما الدَّين بالدَّين ما لم يشرع في أخذ شيء منه، وهو قياس عدد كثير من المالكيين، وهو قول الشافعي، وأبي حنيفة » (160).

وعند الحنابلة أيضاً جائز ويأخذ عندهم حكم الإجارة، وهو القسم الثالث من أقسام وفاء الحق وإسقاطه. قال ابن قدامة في ذلك: « الثالث: أن يصالحه على سكنى دار، أو خدمة عبْدٍ، ونحوه، أو على أن يعمل له عملاً معلوماً، فيكون ذلك إجارة لها حكم سائر الإجارات » (161).

وأجازه المالكية جميعاً بما فيهم مالك وابن القاسم في ثلاث حالات:

الحالة الأولى: في حالة الضرورة، بحيث يخشى على نفسه أو ماله الهلاك فيقبل ذلك ويمضيه، وفي حاشية البناني: « قال ابن رشد في هذا: إنما يمنعه ابن القاسم في الاختيار، وأما في الضرورة فهو عنده جائز، مثل أن يكون في صحراء ولا يجد كراء ويخشى على نفسه الهلاك فيجوز له أخذ منافع دابة عن دينه»(162).

والحالة الثانية: إذا كانت الإجارة يسيرة المدة، كاليوم واليومين(163).

والحالة الثالثة: إذا كانت الخدمة أو الإجارة من غير شرط، قال ابن سراج: « ومنه يستفاد جواز من له عند شخص دين فيقول له احرث معي اليوم أو تنسج اليوم وأعطيك مما عليك من الدين في نظير هذا درهمًا وكذا إذا استعمله في زمن كثير على غير شرط أن يقتطع له أجرة مما عليه فله أن يقاصد مما ترتب له في ذمته من الأجرة من الدين الذي له عليه »(164).

وفي شرح الزرقاني: « الظاهر أن ابن القاسم لا يخالف في هذه حيث لا شرط ولا عرف ولا نوى الاقتطاع » (165).

فالأمر عندهم قد يتّسع.

ومذهب أشهب ومن وافقه هنا هو الرّاجح، لثلاثة أوجه:

الوجه الأول: أنّه ليس ديناً بِدَين، بل هو دَين بعين، للاتفاق على جواز تأخير أجرة المنافع، ولو كانت المنفعة دَيناً لامتنع، ولكان من بيع الكالئ بالكالئ، فثبت كونه ليس بدَين.

والوجه الثاني: أنّ المنفعة لا يمكن قبض جميعها دفعة واحدة، والمنطق الفقهي أنْ يكون قبض بعضه كقبض جميعه، وقبض أوّله كقبض أواخره، حتى لا يشقّ الأمر على الناس وتتعطل معاملاتهم، وهو الموافق لمقصود الشارع فيه. وجاء في الفروق: « قَبْضَ الْأَوَائِلِ مِنْ الْأَثْمَانِ يَقُومُ مَقَامَ قَبْضِ الْأَوَاخِرِ وَهُوَ الْقِيَاسُ عِنْدَ كَثِيرٍ مِنْ الْمَالِكِيينَ وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَأَبِي حَنِيفَةَ»(166).

والوجه الثالث: أنّه فعل عمر رضي الله عنه من غير نكير من الصحابة رضوان الله عليهم فصار كالإجماع من الصحابة رضي الله عنهم، وذلك « أنّ أُسيد بن حضير رضي الله عنه توفي وعليه ستة آلاف درهم ديناً، فدعَا عمر بن الخطاب رضي الله عنه غرماءه فقبَّلهم أرضه سنتين وفيها النخل والشجر» (167). وهذه القصة ـ كما قال ابن تيمية رحمه الله : « لا بدّ أن تشتهر، ولم يبلغنا أن أحداً أنكرها، فيكون إجماعاً» (168).

ونلاحظ هنا أنّ عمر رضي الله عنه فَسَخَ دَين أُسيدٍ رضي الله عنه في ثمار شجرِهِ أو تمر نخلِهِ أو في إجارة أرضه لسنتين قادمتين. وهو ذات مسألتنا.

قال ابن كثير رحمه الله: « وقد ذهب الى معناه بعض العلماء ونصرة ابن عقيل وغيره من متأخري أصحاب الإمام أحمد رحمه الله » (169).

[4] القلب قبل الأجل:

مثل أن يكون لرجل أو مصرف على آخر أو عميل جنيهات ديناً إلى سنة، فيأخذ بها عشرة أثواب مثلاً قبل حلول أجل الدَّين.

وهذا مختلف فيه عند المالكية على قولين: الجواز، والمنع، والجواز هو الأظهر كما قال صاحب كفاية الطالب الرباني، قال: « أن يكون لك عليه عشرة دنانير إلى سنة فتفسخها في عشرة أثواب مثلاً، فإن كان الفسخ إلى الأجل أو دونه فقولان: الجواز وهو أظهر في النظر، والمنع وهو أشهر»(170).

والراجح الجواز ، على ما ظهّره أبو الحسن رحمه الله في النظر، ولوجوه:

1ـ أنّ منشأ الخلاف كما ذكر صاحب الكفاية: « هل النهي عن فسخ الدَّين في الدّين معلل أو لا؟ فمن علّل بالزيادة أجاز، إذ لا زيادة في هذه الصورة، ومن رأى أنه غير معلل قال بالمنع »(171). وقلب الدّين معلل بالزيادة، وفسخ الدّين كذلك، وهما إنما مُنعا وحُرّما لإفضائهما إلى الربا، والربا تَحقُّقُه بالزيادة، فإنْ لم تكن زيادة فلا ربا حقيقة.

وقد تقرّر أن قلب الدّين الممنوع عند من اصطلحوه هو الذي يرتّب زيادة على دين المدين(172). وكذلك فسخ الدّين في الدَّين، حقيقته ما رتّب الزيادة في الدّين على ما عرّفه أهله، فنجد الشيخ الدردير رحمه الله يعرّفه بأنه: « فَسْخُ مَا فِي ذِمَّةِ الْمَدِينِ فِي مُؤَخَّرٍ قَبَضَهُ عَنْ وَقْتِ الْفَسْخِ حَلَّ الدَّيْنُ أَمْ لَا، إنْ كَانَ الْمُؤَخَّرُ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ أَوْ مِنْ جِنْسِهِ بِأَكْثَرَ مِنْهُ »(173). والخرشي رحمه الله يعرّفه بقوله: « أن يفسخ ما في ذمة مدينه في أكثر من جنسه إلى أجل، كعشرة في خمسة عشر مؤخرة…» (174). وفي الفواكه الدواني: « إذا أخذ صاحب الدَّين ممن عليه الدَّين سلعة في دينه، ثم يردّها له بشيءٍ مؤخّر من جنس الدين، وهو أكثر .. فإنه حرام؛ لأنّ ما خرج من اليد وعاد إليها يُعدّ لغواً، وكأنه فسخ دينه ابتداءً في شيء لا يتعجّله، وهو حقيقة فسخ الدين في الدين، وهو حرام»(175).

فأصل قلب الدّين وفسخ الدّين أنْ يتحقق عند وجود الزيادة، وهذا هو الأصحّ الأظهر في النظر الفقهي، وكما قال صاحب كفاية الطالب الربّاني.

2ـ ونصّ اللخمي رحمه الله على قاعدة يترجّح به الجواز ، وهو أنه : « إذا اتفق الأجل لم يراع اختلاف الثمن» (176). فطالما كان الفسخ أو القلب في الأجل أو قبله، فلا إشكال ولو زاد الثمن أو قلّ، على مقتضى القاعدة.

3ـ وقال ابن جزي رحمه الله في القوانين: « ويجوز أن يعطيه في دينه عرضاً قبل الأجل، وإنْ كان يساوي أقل من دينه » (177). وكأن المعنى: وإن كان يساوي دينه أو كان أكثر من دينه.

[5] قلب الدَّين من المدين:

وهذا معكوس من جهة القالب، لأنه قلبٌ من المدين لا من الدائن على المدين، وتسميته بذلك لتصرّف المدين بنوع قلبٍ من أجل سداد ما عليه من الدَّين، ومن ذلك: أن يقوم المدين المسلم إليه، حين يعجز عن قضاء دين السلم بشراء السلعة من المسلم بالأجل من غير شرط، وبسعر السوق أو بأقل منه من غير إعلام صاحب الدين أنه يريد أن يقضي له بذلك دينه الذي عليه.

فالذي يفسد هذه المعاملة أن يكون العقد الثاني مشروطاً بسداد دَين العقد الأول، وفي هذا ربطٌ بين العقدين، واشتراط فيه بذلك، فإن لم يكن مشروطاً، أو معلوماً للدائن، أو متواطَأً بينهما بنوع تواطئٍ؛ فلا إشكال فيه.

وبهذا نصحت الهيئة العليا للرقابة الشرعية فقالت: تكون المعاملة صحيحة لو اشترى المسلم إليه السلعة من المسلم بالأجل من غير شرط، وبسعر السوق أو بأقل منه من غير أن يعلم المسلم أنه يريد أن يقضي بالسلعة دين السلم(178).

وهو الذي صحّحه الشافعية، وقد جاء عن الماوردي رحمه الله في الحاوي: « وإذا أسلم إلى رجل في طعام فحلَّ الطعام، فقال من عليه الطعام لمن له الطعام: بعني طعاماً مثل طعامك لأقضيك حقك بثمن حالّ أو مؤجّل. فإن عَقَدَ البيع على هذا الشرط؛ كان باطلاً، وإن لم يكن عن شرط في العقد صحَّ البيع، وكان مشتري الطعام بالخيار، إن شاء قضاه ذلك الطعام وإن شاء قضاه من غيره »(179).

فأدار رحمه الله البطلان في هذه المعاملة على الشرط، بأن يكون البيع قد عُقد على اشتراط قضاء حق البائع بالمبيع، أما إذا لم يكن عن شرطٍ في العقد، فتصحّ عندهم المعاملة.

[6] الصلح على تعجيل بعض الدَّين:

وهو شبيه بقاعدة “ضَعْ وتَعَجّلْ” التي أجازها ابن عباس وزيد بن ثابت وزفر وإبراهيم النخعي وطاووس والزهري وأبو ثور رضي الله عنهم، وأخذ بها مجمع الفقه الإسلامي الدولي(180)، وأجازها مجمع الفقه الإسلامي بالهند في الجملة(181)، وهو أحد قولي الشافعي رحمه الله، فقال رحمه الله في موضع: (وضع وتعجيل لا يجوز)، وقال في موضع آخر: (وضع وتعجيل يجوز). قال المزني: « قال أصحابنا: ليست على قولين، وإنما هي على حالين: فالموضع الذي قال: (لا يجوز) أراد: إذا كان بشرط البراءة. والموضع الذي قال: (يجوز) أراد: إذا عجل بغير شرط البراءة » (182).

أ ـ وهذا الإجراء: وهو « الصلح على تعجيل بعض الدَّين قبل أجله وتأخير الباقي إلى أجلٍ آخر » خيرٌ من: ” ضع وتعجّل” ، لأنّ الثاني فيه نقص من الحق وتنازل منه، والأول فيه كمال الحقّ مع التنازل عن الوقت. فالضرر أَلْـحَقُ بالدائن أو المقرض في ضع وتعجّل أكثر لانتقاص حقّه الذي له، بينما لا يلحقه ضررٌ ملحوظٌ بعجّل وتأخّر، إذ حقه محفوظ كاملاً إلا زمان التأجيل، وهو من اليسير الملغي اعتباره في أوزان المصالح والمفاسد.

ب ـ ثم إنّ هذا الصلح على تعجيل بعض الدَّين لا يدخله دَيْنٌ بدَيْنٍ، لأنه نفس الدَّين، ولا دين آخر يترتب به، ولا زيادة على الدّين بالتأخير.

ج ـ كما أنه لا يدخله فسخ الدَّين في الدَّين، لأنه تأخير بعض ما في الذمّة، والفسخ إنما يتحقق بالانتقال عما في الذمّة إلى غير ما فيها، كما جاء ضبطه في حاشية الدسوقي وحاشية الصاوي: « تأخير الدَّين أجلاً ثانياً من غير زيادة أو مع حطيطة بعضه فهو جائز، ولو كان الدَّين طعاماً من بيع أو كان نقداً من بيع أو من قرض.. قال: إذ ليس هذا من فسخ الدَّين في الدَّين.. قال: ولا يدخل في قول المصنف “فسخ ما في الذمّة”؛ لأن تأخير ما في الذمّة أو بعضه ليس فسخاً؛ لأنّ حقيقة الفسخ الانتقال عمّا في الذمّة إلى غيره »(183).

د ـ كذلك هذا الصلح على تعجيل بعض الدَّين ليس هو سلفاً جرّ منفعة، لأنّ منفعة الدّين أظهر في المدين بتمديد الأجل.

هـ ـ ولا هو من الربا، إذ لا توجد أية زيادة في مقابلة الأجل الثاني.

و ـ كما أنّ فيه من معنى الإنظار والتيسير المستحب في الشرع، ما يجعله مستحباً أكثر من أن يكون مجرّد جائز.

فإنْ صالح مصرفٌ عميلَه بتعجيل بعض ما عليه، وتأخير الباقي إلى أكثر من الأجل المضروب(184)؛ صحّحه ابن تيمية وابن القيم، وعزاه ابن تيمية إلى أحمد في رواية، وإلى الشافعي في قولٍ. وعزاه ابن القيم إلى ابن عباس رضي الله عنهما.

وفي الأم للشافعي رحمه الله: « وإن أعطاه أقل مما له عليه فالباقي عليه دين ولا بأس أن يؤخره أو يعطيه به شيئا مما شاء مما يجوز أن يعطيه بدينه عليه»(185).

وأجاز مثله ابن القاسم رحمه الله من أئمة المالكية، قال في الذخيرة: «ولو صالحه البائع على تسعين يأخذها منه ويؤخّر عشرة ؛ فيجوز عند ابن القاسم، لأنه عقد ثان على العبد بتسعين نقداً وعشرة مؤجلة» (186).

وقال ابن تيمية رحمه الله: « ويصحّ الصلح عن المؤجّل ببعضه حالاً، وهو رواية عن أحمد، وحُكي قولاً للشافعي »(187).

وناقشه ابن القيم رحمه الله مرجّحاً صحّته، فقال: « لأنّ هذا عكس الرّبا؛ فإن الرّبا يتضمن الزيادة في أحد العوضين في مقابلة الأجل، وهذا يتضمن براءة ذمته من بعض العوض في مقابلة سقوط الأجل، فسقط بعض العوض في مقابلة سقوط بعض الأجل، فانتفع به كل واحد منهما، ولم يكن هنا ربا لا حقيقة ولا لغة ولا عرفا، فإن الربا الزيادة وهي منتفية ههنا، والذين حرموا ذلك إنما قاسوه على الربا، ولا يخفى الفرق الواضح بين قوله: « إما أن تربي وإما أن تقضي » وبين قوله: عجّل لي وأهب لك مائة، فأين أحدهما من الآخر؟ فلا نصّ في تحريم ذلك، ولا إجماع، ولا قياس صحيح » (188).

ولا بأس عند الجميع إذا حلّ الأجل أنْ يأخذ بعضه ويؤخر الباقي إلى أجل آخر(189). وهو معالجة أخرى للديون المتعثرة.

خلاصةُ البحث وخاتمته

الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، وأصلي وأسلم على سيد المرسلين وخاتم النبيين وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:

فقد تناول هذا البحث حقيقة قلب الدّين وصوره وتطبيقاته المعاصرة وحكم كلّ صورة وتطبيق، وخلص إلى ما يلي:

[1] قلب الدَّين مصطلح فقهي اصطلحه ابن تيمية ثم ابن القيم وتبعهما متأخري الحنابلة، ويتداخل في صورٍ ويتطابق مع ما يسمّيه المالكية ” فسخ الدّين في الدَّين” كما أنّ ما يسميه متأخرو الحنفية “بيع المعاملة” صورة من صوره.

والمراد بقلب الدّين عند مصطلحيه لا يخرج عن: ترتيب الزيادة على المدين بمعاملة أو بغيرها، وهو غالب مدلول ” فسخ الدّين في الدّين” عند المالكية، وإنْ جاءت بعض عباراتهم بالتأخير مطلقة عن الزيادة، فأُوِّل على الزيادة أو تهمة قصد الزيادة.

[2] لقلب الدَّين حالتان بالنظر إلى من يُقلب عليه، وهو المدين، لأنّ المدين لا يخلو حاله أن يكون معسراً أو يكون موسراً، فإنْ كان معسراً؛ فالثابت في حقه وجوباً على الدائن الإنظار إلى الميسرة، وإنْ كان موسراً؛ فالواجب عليه حقاً للدائن الوفاء دون مماطلة.

وقد فرّق بعض متأخري الحنابلة بين المليء الباذل وبين المعسر في حكم قلب الدّين، فأجازوا القلب على الموسر دون المعسر: إذا كان القلب عليه برضاه، وإذا كان القلب على غير وجه الحيلة.

[3] قلب الدَّين قد يكون مباشرة من غير توسيط سلعة أو خدمة، وقد يكون بوساطة معاملة. أما القلب المباشر فقد وقفت على ست صورة من تطبيقات المصارف وغيرها، هي: القلب الصريح، وتجديد الدَّين، وجدولة الدّيون وإعادتها، وهامش تأجيل الدَّين، وغرامات التأخير، والفرصة الضائعة. وكلها ممنوعة لأنها جميعاً حقيقتها: “أتقضي أم تربي” ، و “أخّرني أزيدك”.

أما القلب بطريق المعاملة، فهو الأكثر استخداماً ، ومن تطبيقاته:

القلب بتوسيط سلعة، وله صور متعددة.

والقلب عن طريق التورّق؛ بسيطاً كان التورّق، أو منظماً، أو كان ببطاقة التورق اللاحق للاقتراض..

والقلب عن طريق السلم، ويكون بـ :

أ ـ تبديل المسلم فيه مع الأجل.

ب ـ بيع المشتري المسلم فيه للبائع.

ج ـ أخذ المسلم بدل المسلم فيه بزيادة.

د ـ جعل الدّين رأس مال السلم.

هـ ـ سداد دين السلم بمرابحة أو غيرها .

و ـ الإقالة في عقد السلم..

4ـ والقلب عن طريق القراض..

5ـ والقلب عن طريق الحوالة..

[4] ضابط قلب الدّين أو فسخ الدَّين الممنوع من غير الممنوع: ترتيب الزيادة على المدين في دينه، فإنْ خلا القلْب عن ترتيب الزيادة، فقد زال المانع، وكذلك التأجيل والتأخير، إنْ لم يقصد به الزيادة، ولم يكن من قبيل الصرف، وكان عوض الدّين مما يجوز تأجيل قبضه، فلا إشكال حينئذ في أيّ إجراء يعالَـج به تعثّر الدّيون.

وقد استخرج البحث ستّ صورٍ لقَلْب الدَّين يمكن أن تُعالـَجَ به تعثّرات الدّيون في المؤسسات المالية وغيرها، وهي: فسخ الدّين في مثله أو أدنى منه، وفسخ الدَّين في عين، وقلب الدَّين في إجارة أو خدمة، وقلب الدّين قبل حلول الأجل، وقلب الدّين من المدين، وقلب الدّين بطريق ” عجِّل وتأخَّر”.

والله أعلم بالصواب، وأسأله تعالى القبول والرضا، وصلى الله وسلم على سيدنا محمد النبي الكريم ﷺ وعلى آله وصحبه أجمعين، والحمد لله رب العالمين،،.

الهوامش

  1. راجع: لسان العرب لابن منظور، 685 – 686، الصحاح ، ج1 ص 204ت 205، ومعجم مقاييس اللغة ، لابن فارس، ج5 ص 17 – 18.
  2. مجموع الفتاوى لابن تيمية، ج28 ص 74 .
  3. مجموع الفتاوى نفسه ، ج29 ص 419.
  4. الطرق الحكمية لابن القيم، ص 203.
  5. راجع كلام البهوتي في كشاف القناع ج3 ص 186، والحجاوي في الإقناع ج2 ص 77 ، والرحيباني في مطالب أولي النهى ج3 ص 62 ، والنجدي في حاشية الروض المربع ج4 ص 523،
  6. راجع: شرح مختصر خليل للخرشي ، ج5 ص 76.
  7. راجع: الصحاح ، ج1 ص 429، لسان العرب، ج3 ص 44 – 45، المعجم الوسيط، ج2 ص 688،
  8. القاموس المحيط للفيروزابادي، ص 257.
  9. أخرجه أحمد في المسند برقم 15853، قال شعيب الأرناؤوط(25/ 183): ” إسناده ضعيف لجهالة حال الحارث بن بلال، فقد انفرد ربيعة بن أبي عبد الرحمن- وهو المعروف بربيعة الرأي- في رواية هذا الحديث عنه فيما ذكر الذهبي في “الميزان”.
  10. أخرجه أحمد في مسنده برقم 4822. وصححه شعيب الأرناؤوط ( 8/438).
  11. التعريفات الفقهية، للبركتي ، ص 164 .
  12. بدائع الصنائع للكاساني، ج5 ص 182.
  13. الفروق للقرافي، ج3 ص 269 .
  14. المنتقى شرح الموطأ ، للباجي، ج5 ص 33.
  15. شرح مختصر خليل للخرشي، ج 5 ص 76 .
  16. الرسالة لابن أبي زيد القيرواني بشرح كفاية الطالب الرباني، لأبي الحسن المصري، ج3 ص 29.
  17. انظره في: المحيط البرهاني، لبرهان الدين بن مازة، ج7 ص 139- 140، مجمع الضمانات، للبغدادي، ص242، حاشية ابن عابدين، ج5ص167، وص276.
  18. تاج العروس، مادة عمل، ج30 ص58 .
  19. لسان العرب ، مادة عمل، ج11 ص 475.
  20. وانظر معجم لغة الفقهاء ، القلعجي، ص 438.
  21. الترغيب والترهيب لقوام السنة، لأبي القاسم الأصبهاني، برقم 1703، ج2 ص 332 .
  22. المجالسة وجواهر العلم، ج3 ص 87 برقم 708.
  23. الدر المختار مع رد المحتار ، حاشية ابن عابدين، ج5 ص 167.
  24. المصدر السابق نفسه، ج5 ص 276.
  25. مجمع الضمانات، ص 242.
  26. حاشية ابن عابدين، ج5 ص 276، عن حاشية الفصولين.
  27. مجموع الفتاوى نفسه ، ج29 ص 419.
  28. كشاف القناع عن متن الإقناع، للبهوتي، ج3 ص 186، وانظر أيضاً الإقناع، ج2 ص 77 .
  29. الحسبة لابن تيمية ، ص 20 .
  30. كشاف القناع ، للبهوتي، ج3 ص 186 .
  31. الدرر السنية ج5 ص 63، نقله الشيخ عبد الله المنيع في: حكم قلب الدين على المدين.
  32. كشاف القناع ، للبهوتي، ج3 ص 186، الإقناع، ج2 ص 77 .
  33. الدرر السنية ج5 ص 67، عن حكم قلب الدين على المدين، للمنيع.
  34. مجموع الفتاوى لابن تيمية ، ج29 438 – 439
  35. انظر: مجموع الفتاوى ج29 ص 418 – 419.
  36. مجموع الفتاوى ، نفسه ، ج29 ص 419.
  37. مجموع الفتاوى نفسه ، ج29 ص 419.
  38. الشرح الكبير على مختصر خليل للشيخ الدردير، مع حاشية الدسوقي ، ج3 ص 158 .
  39. شرح الخرشي على مختصر خليل ، ج5 ص 76.
  40. انظر: شرح الخرشي لمختصر خليل ، ج5 ص 76، الشرح الكبير للدردير ، ج3 ص 61، الفواكه الدواني، ج2 ص 101.
  41. أعلام الموقعين لابن القيم، ج2 ص 103 .
  42. الطرق الحكمية لابن القيم، ص 203.
  43. راجع فتاوى الهيئة العليا للرقابة الشرعية على المصارف، السودان، ج1 ص 20 .
  44. انظر: المعيار الشرعي رقم 61، الفقرة (3/4 ) خصائص بطاقة الائتمان المتجدد
  45. راجع: المعيار 61 الفقرة 6/3/ 2 .
  46. راجع معيار بطاقات الدفع (المعدّل ) رقم (61 ) الفقرات: 4/ 4، 5/1/1 ، 6 ، 6/1، 6/2 ، 6/ 3.
  47. انظر: ضرورات الدولة تأصيلاً وتنزيلاً ، عبد الله الزبير ، ص 138 – 141، عن: فتاوى مجلس الإفتاء الشرعي.
  48. فتاوى الهيئة العليا للرقابة الشرعية على المصارف والمؤسسات المالية ، السودان ، ج1 ص 21.
  49. فتاوى وقرارات هيئة الرقابة الشرعية بنك بوبيان، (2004 ـ 2019)، ص 63 فتوى رقم62.
  50. قرارات المجمع الفقهي الإسلامي بمكة المكرمة ، ص 365 – 366، القرار الأول بشأن موضوع بيع الدين، الدورة 16.
  51. المعايير الشرعية لأيوفي، معيار المرابحة رقم (8) الفقرة 5/7 ، ص 216 .
  52. انظر: الفتوى رقم (5/1992) في فتاوى الهيئة العليا للرقابة الشرعية على المصارف بالسودان ، ج1 ص 20- 22 .
  53. ذكر الشيخ الدكتور علي القره داغي حفظه الله أنهم أجروا دراسة عن مواقف البنوك الإسلامية حول فرض غرامات التأخير، وأن عدداً كبيراً من هذه البنوك تطبق هذه الغرامات ، وبعضها تنص في عقودها على غرامات التأخير. راجع بحثه: مشكلة الديون المتأخرات وكيفية ضمانها في البنوك الإسلامية، دراسة فقهية لغرامات التأخير والبدائل ص 102 – 110 ضمن كتابه: ( بحوث في فقه البنوك الإسلامية دراسة فقهية واقتصادية) .
  54. قرارات المجمع الفقهي الإسلامي بمكة المكرمة، ص 297 .
  55. قرارات وتوصيات مجمع الفقه الإسلامي الدولي، الدورات 1ـ 14، ص 178 – 179.
  56. قرارات وتوصيات مجمع الفقه الإسلامي بالهند، ص191 – 194 الفقرة خامساً.
  57. فتاوى الهيئة العليا للرقابة الشرعية على المصارف ج1 ص 74 – 76 ، ج2 ص 111 –112 .
  58. قرارات وتوصيات ندوات البركة للاقتصاد الإسلامي ، ص 48 .
  59. قضايا ورؤى في الصيرفة الإسلامية، د. أحمد علي عبد الله، ص 110.
  60. أخرجه مالك في الموطأ برقم 575، والبخاري في صحيحه برقم 2287، و2288، و2400، ومسلم في صحيحه برقم 1564، والترمذي برقم 1308، وأبو داود برقم 3345، وابن ماجة برقم 2404، وغيرهم.
  61. أخرجه أحمد في مسنده برقم 19456، و 17946، وابن أبي شيبة في المصنف برقم 22402، ومسند ابن أبي شيبة برقم 912، وأبو داود في سننه برقم 3628، وابن ماجة برقم 2427، وابن حبان في صحيحه برقم 5089، وذكره البخاري في صحيحه ج3 ص 118، وحسّن شعيب الأرناؤوط إسناد ابن حبان، وحسّن الألباني إسنادي أبي داود وابن ماجة.
  62. أحكام القرآن للجصاص ، ج1 ص 575.
  63. مطالب أولي النهى في شرح غاية المنتهى، للبهوتي، ج4 ص 8 .
  64. انظر: شرح الزرقاني على مختصر خليل مع حاشية البناني، ج5 ص 107، منح الجليل شرح مختصر خليل ، للشيخ عليش، ج4 ص 532.
  65. قرارات وتوصيات مجمع الفقه الإسلامي الدولي، ص 179.
  66. المعايير الشرعية ، معيار المدين المماطل رقم (3) الفقرة : 2/1/2 ، 2/1/3 .ص 93 .
  67. راجع الفتوى والمكاتبات في فتاوى الهيئة العليا للرقابة الشرعية، ج1 ص 36 – 47.
  68. مجموع الفتاوى لابن تيمية ، ج29 ص 438.
  69. راجع: بعض أحكام الديون ومعالجتها، أ.د. الصديق الضرير ، ص 200.
  70. المدونة الكبرى ، ج3 ص 11.
  71. مجموع الفتاوى، لابن تيمية ، ج29 ص 438 – 439 .
  72. بعض أحكام الديون ومعالجتها، الصديق الضرير، ص 201 – 202 .
  73. المدونة ، ج3 ص 171.
  74. المدونة ، ج3 ص 178 .
  75. ويلاحظ هنا أن المدين هو الذي طلب بإرادته واختياره ودون إكراه أن يُقلب عليه الدّين، ومع ذلك جعل شيخ الإسلام هذه المعاملة من المعاملات التي يقصد بها بيع الدراهم بأكثر منها إلى أجل، وحكم عليها أنها معاملة فاسدة ربوية. وقوله ” وبكل حال” بعد ذكر المعسر، يعمّم حكمه على المعاملة بما يدخل الموسر.
  76. مجموع الفتاوى لابن تيمية ، ج29 ص 437 – 438 .
  77. موطأ مالك ، بشرح الزرقاني، ج3 ص 412، والقبس في شرح الموطأ، لابن العربي ، ج3 ص 306.
  78. قرارات المجمع الفقهي الإسلامي بمكة المكرمة، ص 457 – 458.
  79. المعيار الشرعي رقم (59 ) بيع الدين، الفقرة 4/1/3/6/ ب .
  80. كتاب الحجة على أهل المدينة ، لمحمد بن الحسن الشيباني، ج2 ص 694 .
  81. كتاب الحجة على أهل المدينة ، نفسه، ج2 ص 694ـ 696 .
  82. المنتقى للباجي، ج5 ص 64، شرح الزرقاني للموطأ ج3 ص 412.
  83. المدونة ، ج3 ص 167 -0 168 .
  84. القرار الثالث بشأن فسخ الدين في الدين للمجمع الفقهي الإسلامي ، راجع قرارات المجمع الفقهي ، ص 457 -458 .
  85. راجع: القرار رقم 179 (5/19 ) لمجمع الفقه الإسلامي الدولي الصادر في دورته التاسعة عشرة 1430هـ 2009م. والقرار الثاني بشأن التورق كما تجريه بعض المصارف في الوقت الحاضر الصادر من المجمع الفقهي الإسلامي بمكة المكرمة في دورته السابعة عشرة 1425هـ 2003م. انظر: قرارات المجمع الفقهي الإسلامي بمكة المكرمة ، ص 426 – 427 .
  86. أي التورّق الذي كان في الأصل، وو التورّق الفردي غير المنظم وغير الذي تمارسة البنوك والمؤسسات اليوم.
  87. المعيار الشرعي رقم (61 ) معيار بطاقات الدفع المعدل، الفقرة: 6/3 ، 6/3/1، 6/3/2.
  88. المدونة الكبرى، ج4 ص 131.
  89. المدونة ، ج4 ص 39 .
  90. الجامع لمسائل المدونة، لأبي بكر الصقلي، ج12 ص 679 . دار الفكر.
  91. مجموع الفتاوى لابن تيمية ، ج29 ص 429، وانظر: مختصر الفتاوى المصرية، ص324.
  92. بعض أحكام الديون، للصديق الضرير، ص 205.
  93. موطأ الإمام مالك، بشرح الزرقاني، رقم 1042، ج3 ص 392 – 394 .
  94. الموطأ بشرح الزرقاني، الموضع السابق نفسه. ج3 ص 392.
  95. المنتقى شرح الموطأ، للباجي، ج5 ص 32 .
  96. هو عبد العزيز بن أبي سلمة الماجشون، والد عبد الملك بن الماجشون.
  97. المدونة ، ج4 ص 39.
  98. راجع المعيار الشرعي رقم (10) السلم والسلم الموازي، ص 271 وما بعدها، الفقرات: 3/2/4 ، 4/2 .
  99. يراجع المذاهب في: بدائع الصنائع ، ج5 ص 201، 204، الكافي في فقه أهل المدينة ج2 ص 738، البيان والتحصيل ، ج8 ص 350، نهاية المحتاج ج4 ص 180، كشاف القناع، ج3 ص 265، الإنصاف للمرداوي ج5 ص 44 .
  100. المغني لابن قدامة ، ج4 ص 224 .
  101. الإجماع ، لابن المنذر ، دار الكتب العلمية ، ص 54 – 55، برقم 498، و 495.
  102. المغني لابن قدامة، ج4 ص 224، ومنار السبيل في شرح الدليل ج1 ص 345، والشرح الكبير على المقنع بتحقيق التركي، ج12 ص 281.
  103. راجع: الدرر السنية ج5 ص 63، 64، 67، وانظر: بحث الشيخ عبد الله المنيع في حكم قلب الدين على المدين، وراجع: فقرة قلب الدين على المدين الموسر، من هذا البحث.
  104. يُنظر مناقشتنا ذلك في فقرة: قلب الدين على المدين الموسر من هذا البحث.
  105. اعلام الموقعين عن رب العالمين، لابن القيم، ج2 ص 243 .
  106. وهو حديث ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي ﷺ نهى عن بيع الكالئ بالكالئ، وقد أخرجه الحاكم في المستدرك برقم 2342، والدارقطني في سننه برقم 3061، والبيهقي في السنن الكبرى برقم 10536، وقال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي ( 2/ 65 )، واختلف في تصحيحه وتضعيفه لاختلافهم في راوٍ هل هو موسى بن عقبة؛ أم هو موسى بن عبيدة الرَّبَذي، والثاني ضعيف عندهم.
  107. اعلام الموقعين ، ج2 ص 252.
  108. مجموع الفتاوى لابن تيمية ، ج20 ص 512 .
  109. اعلام الموقعين، ج4 ص 308.
  110. مجموع الفتاوى ، ج29 ص 429 – 430، وانظر: مختصر الفتاوى المصرية، ص 324- 325.
  111. اعلام الموقعين لابن القيم، ج4 ص 308 .
  112. كتاب قرارات وتوصيات مجمع الفقه الإسلامي الدولي ، ص 288، الفقرة : أولاً ـ ح ـ .
  113. كتاب قرارات المجمع الفقهي الإسلامي بمكة المكرمة ، ص 458، الفقرة (4) .
  114. المعايير الشرعية ، المعيار الشرعي رقم (10) السلم والسلم الموازي، ص 277 ، الفقرة:3/1/2 .
  115. المراشد الفقهية الصادرة عن الهيئة العليا للرقابة الشرعية ، المرشد الفقهي لبيع السلم والسلم الموازي، ص 34 – 35، الفقرة: 2/2/3.
  116. مختصر الفتاوى المصرية ، ص 345، وعرض لمثل هذه المعاملة في مجموع الفتاوى ، ج29 ص 436 – 437 .
  117. الحاوي الكبير للماوردي، ج5 ص 235.
  118. كتاب قرارات المجمع الفقهي الإسلامي بمكة المكرمة ، ص 457 – 458 . الفقرة ( 5 ) .
  119. فتاوى الهيئة العليا للرقابة الشرعية، الكتاب الرابع، ص 81.
  120. قال ابن قدامة في الكافي في فقه الإمام أحمد (2/58 ): « الإقالة في السلم تجوز إجماعاً ».
  121. شرح التلقين ، للإمام المازري، ج2 ص 42 .
  122. بداية المجتهد ونهاية المقتصد، لابن رشد الحفيد، ج3 ص 394.
  123. بداية المجتهد ونهاية المقتصد، لابن رشد، ج3 ص 395 .
  124. التبصرة للخمي، ج7 ص 3053.
  125. الشرح الكبير على مختصر خليل، مع حاشية الدسوقي، ج3 ص 158 بتصرف يسير.، وانظر: الكافي لابن عبد البر ، ج2 ص 733.
  126. أخرجه ابن حبان في صحيحه، برقم 5029، وعبد الرزاق في مصنفه برقم 2469، والبزار في مسنده برقم 8967 .
  127. أخرجه أبو داود في سننه برقم 3460، و ابن ماجة في سننه برقم 2199، والبزار في مسنده برقم 9130، وصحح الشيخان الألباني والأرناؤوط إسناد أبي داود.
  128. المحرر في الفقه على مذهب الإمام أحمد بن حنبل ج1 ص 380.
  129. مسائل أبي الوليد بن رشد، ج2 ص 1103 .
  130. راجع: التبصرة للخمي، ج7 ص 3060 – 3061.
  131. الشرح الكبير على المقنع، بتحقيق التركي، ج12 ص 301 – 302 .
  132. الشرح الكبير نفسه.
  133. البحر الرائق شرح كنز الدقائق ، ج7 263 .
  134. حاشية ابن عابدين، ج5 ص 647 .
  135. قرة عين الأخيار ، لعلاء الدين الحسيني، ج8 ص 416 .
  136. راجع بتوسع: المختصر الفقهي لابن عرفة، ج7 ص 496 – 497.
  137. المقدمات الممهدات ، لابن رشد الجد، ج2 ص 404، وانظر: الحاوي الكبير للماوردي، ج6 ص 419، وكذلك الإقناع للماوردي ص 107.
  138. راجع: فتوى هيئة الرقابة الشرعية لمصرف التنمية الصناعية مع مذكرتهم، وقرار لجنة النظر في النزاعات بالهيئة العليا للرقابة الشرعية في اجتماعها رقم (1/2017م) بتاريخ 8 /12/1438هـ 30/8/2017م. .
  139. التبصرة للخمي، ج9 ص 4193.
  140. شرح خليل للخرشي ، ج5 ص 76.
  141. شرح مختصر خليل للخرشي، ج6 ص 15.
  142. شرح الخرشي، ج5 ص 76.
  143. حاشية الدسوقي على الشرح الكبير، ج3 ص 323 .
  144. منح الجليل شرح مختصر خليل، للشيخ عليش، ج5 ص 43 .
  145. راجع النصّين في: مجموع الفتاوى لابن تيمية ، ج28 ص 74، الطرق الحكمية لابن القيم، ص 203 .
  146. انظر: المدونة ، ج3 ص 128، الجامع لمسائل المدونة، ج12 ص 677 ، التبصرة للخمي، ج9 ص 4193 – 4194.
  147. قاله اللخمي في التبصرة (9/4195)، قال: “واستثقله مالك في كتاب محمد، وهو قوله في المدونة، لأنه قال: وإنه من أشياء ينهى عنها، يريد أنه ليس بالحرام البين”. ونصه في المدونة: وإنه ليقرب أشياء ينهى عنها (المدونة 3/128 ).
  148. الذخيرة للقرافي، ج5 ص 303 .
  149. الذخيرة للقرافي ، ج5 ص 278 .
  150. التبصرة ، ج9 ص 4195.
  151. الكافي في فقه أهل المدينة لابن عبد البر ، ج2 ص 738 .
  152. المعونة على مذهب عالم المدينة ، للقاضي عبد الوهاب البغدادي، ج2 ص 62 .
  153. المغني لابن قدامة ، ج4 ص 362 .
  154. بدائع الصنائع ، للكاساني، ج5 ص 236.
  155. المنتقى للباجي، ج5 ص 23 .
  156. انظر: شرح الزرقاني على مختصر خليل مع حاشية البناني، ج5 ص 146 _ 147 .
  157. التوضيح في شرح مختصر ابن الحاجب، للخليل بن إسحاق، ج5 ص 342 .
  158. الكافي لابن عبد البر ، ج2 ص 738 .
  159. المقدمات الممهدات، لابن رشد الجد، ج2 ص 186 .
  160. بداية المجتهد ونهاية المقتصد لابن رشد، ج3 ص 283.
  161. المغني لابن قدامة ، ج4 ص 362 .
  162. حاشية البناني مع شرح الزرقاني على مختصر خليل ، ج5 ص 146.
  163. راجع المدونة ، ج3 ص 445، في الأجير يفسخ إجارته في غيرها.
  164. شرح الزرقاني على خليل ، ج5 ص 147، وانظر: التاج والإكليل، ج6 ص 233 .
  165. شرح الزرقاني نفسه.
  166. الفروق للقرافي، ج3 ص 273، وانظر: الذخيرة للقرافي، ج5 ص 387، بداية المجتهد ج3 ص 175، التاج والإكليل، ج7 ص 551، شرح الخرشي على المختصر، ج5 ص 203، الشرح الكبير للدردير، ج3 ص 62، التوضيح لخليل ، ج5 ص 342، روضة المستبين شرح التلقين، لابن بزيزة، ج1 ص 746، إيضاح المسالك إلى قواعد الإمام مالك، للغرياني، ص 360.
  167. أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف برقم 23260، ج5 ص 14، وابن كثير في مسند الفاروق برقم422، ج2 ص 45، وابن سعد في الطبقات، ج3 ص 606، والبخاري في التاريخ الصغير برقم 141 ، ج1 ص 401، وأبو نعيم في معرفة الصحابة برقم 116، ج1 ص 258، وقال ابن كثير في مسند الفاروق: هذا إسناد جيد، وإنْ كان فيه انقطاع..
  168. مجموع الفتاوى ، ج29 ص 65 .
  169. مسند الفاروق الموضع السابق.
  170. كفاية الطالب الرباني، ج3 ص 29.
  171. كفاية الطالب الرباني، الموضع السابق نفسه.
  172. راجع: الحسبة في الإسلام لابن تيمية ، ص 19 – 20، مجموع الفتاوى له، ج28 ص 74، وج29 ص 418، الطرق الحكمية لابن القيم، ص 203، الإقناع في فقه الإمام أحمد للحجاوي، ج2 ص 77، كشاف القناع للبهوتي، ج3 ص 186، مطالب أولي النهى ، ج3 ص 62، الشرح الممتع لابن عثيمين، ج8 ص 447، الملخص الفقهي للفوزان، ج2 ص 37 ، 41 .
  173. الشرح الكبير على مختصر خليل للدردير بحاشية الدسوقي، ج3 ص 61 – 62 .
  174. شرح مختصر خليل للخرشي ، ج5 ص 76.
  175. الفواكه الدواني شرح رسالة ابن أبي زيد القيرواني، ج2 ص 101.
  176. التبصرة للخمي، ج9 ص 4171.
  177. القوانين الفقهية ، لابن جزي الكلبي ، ص 277.
  178. فتاوى الهيئة العليا، الكتاب الرابع، ص 81، فتوى رقم (11/2004 ) وانظر: كتاب شيخنا الصديق الضرير: بعض أحكام الديون ومعالجتها، ص 210 .
  179. الحاوي الكبير للماوردي، ج5 ص 235.
  180. كتاب قرارات وتوصيات مجمع الفقه الإسلامي الدولي، طبعة وزارة الأوقاف القطرية ، ص 222، قرار رقم 64 (2/7) الفقرة رابعاً.
  181. كتاب قرارات وتوصيات مجمع الفقه الإسلامي بالهند، ص 192، قرار رقم 43 ( 3/10).البند الرابع عشر.
  182. البيان في مذهب الإمام الشافعي، لأبي الحسين العمراني، ج8 ص 469 .
  183. حاشية الدسوقي على الشرح الكبير للدردير، ج3 ص 62، وانظر: حاشية الصاوي على الشرح الصغير ، ج3 ص 96.
  184. راجع: القوانين الفقهية لابن جزي، ص 277، والتفريع في فقه الإمام مالك، للجلاب، ج2 ص 114، وجواهر العقود للأسيوطي، ج1 ص 116، وإنْ منعه الجمهور.
  185. كتاب الأم، للشافعي، ج3 ص 34 .
  186. الذخيرة للقرافي، ج5 ص 370.
  187. المستدرك على مجموع الفتاوى، ج4 ص 23، والفتاوى الكبرى ، ج5 ص 396 .
  188. أعلام الموقعين، لابن القيم، ج4 ص 333 – 337.
  189. المصادر السابقة: القوانين الفقهية، والتفريع للجلاب، وجواهر العقود لشمس الدين الأسيوطي، المواضع نفسها.