السبت 22 أغسطس 2026م
الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ

الرئيسيةكتب ومؤلَّفات ← مقدمة كتاب مناصحة الحكام

مقدمة كتاب مناصحة الحكام

مقدمة كتاب مناصحة الحكام

البيانات

  • التصنيف: كتاب

أحمد الله ربّ العالمين، وأُصلي وأُسلِّم على نبيّه الأمين وجميع المرسلين. وبعد:

فلمَّا أحسّ المسلمون بضياعهم وتخلُّفهم وراء الأمم والشعوب، وعزموا على التنافس والسباق؛ هرعوا إلى تراثهم لو يجدون من أقوال العلماء وكتابات الفقهاء ما يعينهم على المنافسة والصراع، فوجدوا في كل باب ما يلبي المطلوب ويفيض، إلاَّ في باب السياسة والحُكْم: قلَّ فيه الموجود وعزّ المطلوب، وهو ذا الذي أوقف النصر والتمكين هذه السنين.

فإنَّ كلَّ فقه نال الحظّ الوفير من التدوين والتقعيد والاجتهاد في كلِّ الأعصار والأجيال، وأُهمل “الفقه السياسيّ” على مرّ العصور ومختلف الأوضاع، ذبلت أوراقه أبداً مهما ازدهر الفقه وربا (ولا تمكُّن في الأرض دون اعتلاء عروش السلطة وتحكيم الكتاب في كلّ شأن).

لذلك أحسَّ العاملون للإسلام بضرورة التقعيد والتدوين للفقه السياسي، ورأوا وجوب الإسهام فيه على كلِّ قادر حسب قدرته وعمله. فكان هذا الكتاب إسهاماً منّا على قلّة الزاد ووهن الراحلة.

تجيء أهمية هذا الموضوع ـ مناصحة الحُكَّام ـ من أنَّ الدولة ـ كما اتّفق كلّ عليم ـ مسؤولية الجميع لتستقر وتنهض وتقوى. وما الحاكم فيها إلَّا فرد كلَّفته الرعية لتنفيذ ما تريده هي، إراحة للعباد وحفاظاً للبلاد، ليكون تسيير أمورها مسؤولية تكاملية بين “الحاكم” و”المحكوم”، وبين “الراعي” و”الرعية”.

ولذلك فالحاكم إذا استشار أُشير إليه بالرأي، وإن لم يستشر يُبَادَر له بالمشورة ويُلْقَى له بالنصح؛ لأنَّ الصلاح لن يكون إلَّا بذلك.

وقد نشأت فكرة الكتابة في هذه المسألة من شيخنا الكريم والأستاذ الفاضل/حمد عثمان الزبير. تولَّدت في الخاطر بعد أن تزيَّن التاريخ ببعض حُكّامنا المجاهدين، الذين ما لبثوا أن أعلنوا فرارهم إلى الله، وتابت على أيديهم السياسة لتحرس الدين، وقد طال عليها الأمد تحرس الأمجاد والعشائر والأحزاب. تولَّدت في هذا الظرف وترعرعت، فنضجت من تلقاء أمور:

أولها: تلاحظ الأخطاء التي ترتكب في الدولة وتقع من بعض المسؤولين، وقد احتكمت الدولة إلى الإسلام، فماذا يكون موقف علماء الإسلام منها؟ أيسكتون؟ أم ينتقدون؟ أم ينصحون؟ فكان لا بُدَّ من الاهتداء إلى المطلوب.

ثانيها: تعقُّد وسائل النصح وبذله؛ بسبب تعقُّد مراسم الدولة الحديثة وطرائق الحُكْم، من اتّخاذ الدواوين والوزارات والإكثار منها، واتّخاذ أمناء المكاتب والحُجَّاب، الحاجب تلو الحاجب، وتحديد برنامج الحاكم بالساعة والثانية، وانغماس الحُكَّام في أعمال يقلّ الزمن لها. فلا وقت لديهم ولا فرصة ـ إذاً ـ للنصح العام لهم.

ثالثها: الفروق البيّنة بين حاضرنا السياسي وماضي المسلمين في تعامل الحُكَّام مع الناس، والناس مع الحُكَّام. فالحاكم في الماضي كان قريباً من الناس، موجوداً بينهم، يسكن في داره بين الرعية. أمَّا الآن فهو بعيد من عامة الناس، يعيش وسط الحُرَّاس والأمن. والحاكم في الماضي كان وجوده الدائم في المسجد الذي للجميع الحقّ في الحضور إليه، ومن ثم التلاقي معه وبذل النصح له، بلا كلفة أو عناء أو حرج. أمَّا الآن فلا وقت لديه، بل ليله ونهاره محسوبان باللحظة والثانية. ينام بأمر، ويصحى بأمر، فأنَّى للمناصح أن يجد فرصة معه لينصحه؟

هذا كلّه دعانا للكتابة في هذا الموضوع، خاصة وأنَّ الكتابات السابقة التي تناولته قليلة جدّاً، بل نكاد نقول معدومة إلَّا من كاتب أو كاتبيْن؛ لأنَّ كل الكتب التي حملت اسم: “نصيحة الملوك”، ما هي إلَّا عبارة عن جملة نصائح يُقدّمها العلماء إلى الحُكَّام، مثل:

١/ كتاب: “التبر المسبوك في نصيحة الملوك” للإمام الغزاليّ رحمه الله، فهو عبارة عن نصائح قدَّمها لسلطان بلاده محمد بن السلطان السلجوقيّ.

٢/ كتاب: “سراج الملوك” للطرطوشيّ، هو أيضاً مجموعة نصائح للسلاطين والملوك إلَّا قليلاً.

٣/ كتاب: “السياسة الشرعية في إصلاح الراعي والرعية” لابن تيمية، فهو كذلك مجموعة نصائح وإرشادات للحُكَّام في ترتيب الدواوين.

وهكذا؛ فإنَّ القضية لم تكن تأصَّلت من قبل، بمعنى لم يكتب كاتب بالتفصيل المطلوب في فقه مناصحة الحُكَّام، من حيث: بذلها، وآدابها، وطُرُقها، وشروطها، وحُكمها، ومراتبها.. وما إلى ذلك. والوحيد الذي كتب في فقه بذل النصيحة للحُكَّام بقدر محمود ـ حسب علمي ـ هو أبو عبد الله بن الأزرق (ت 896 هـ) في كتابه: “بدائع السلك في طبائع الملك”، وأخذ منه الأستاذ/سعيد حوي في كتابه: “فصول في الإمرة والأمير” نحواً من صفحتين.

لهذا؛ فإنَّ هذا الكتاب ـ بإذن الله تعالى ـ يقوم بتأصيل لفقه مناصحة الحُكَّام، ويُقدِّم ـ بتوفيق الله ـ الإرشادات والفقه اللازم لمن أراد أن ينصح أو يستنصح.

وحتَّى يفي الكتاب بالمطلوب؛ فقد استدعى أن يُجْعَل في بابيْن ومُقَدِّمة وخاتمة:

أمَّا الباب الأول؛ فقد أصَّل مفهوم النصيحة، من حيث المعنى والفضل وضرورتها للحُكَّام، وحُكْمها بحسب أحوالها الثلاث: الصادرة منه، والطالب لها، والمبذولة له.

وأمَّا الباب الثاني؛ فقد فصَّل في طُرُق بذل النصيحة للحُكَّام، وآداب ومنجحات النصيحة التي بها تُقْبَل وبتأثيرها يعمل بها وتنفذ.

هذا والله أسال القبول والرضا، اللهم اجعل عملي كلّه صالحاً، واجعله لوجهك خالصاً، ولا تجعل لأحدٍ فيه شيئاً.