نبذة الكتاب
رسالةٌ في معرفة النفس: أقسامها وأحوال الناس معها، وصفاتها التي بها تستجيب لنداء الرحمن أو تتهيّأ لغوايات الشيطان، ثم طرائق معالجتها وتطبيبها من أمراض التديّن وعلله. أصلها محاضرةٌ ألقاها فضيلة الشيخ بصنعاء، ثم راجعها ووثّق نصوصها وخرّج أحاديثها، فجاءت في مدخلٍ وثلاثة فصول.
مُقَدِّمَة ص ٥ — ٩
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
إنَّ الحمدَ لله، نحمدُه ونستعينُه ونستغفرُه ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهدِه الله فلا مُضلَّ له، ومن يُضلِلْ فلا هاديَ له، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأنَّ محمداً رسول الله.
اللهم صلِّ وسلِّم وبارك وأنعم على سيدنا وحبيبنا رسول الله، وعلى آله الأطهار وأصحابه الأخيار وجميع المرسلين.
أمَّا بعدُ:
فإنَّ من أَوْلى مهامِّ المؤمن بالله: إلزامَ نفسِه الاستقامةَ على دين الله، والتزامَ طاعته، ولا يكون ذلك إلا بالتعرُّف على نفسه التي بين جنبيه، فيعرف محبوبها ومكروهها، ويتعرَّف على مواطن الضعف فيها، وأسباب الانهيار والانهزام، وعلى أيِّ شيءٍ تقوى وتصمد، وبأيِّ شيءٍ تخور وتضعف، ولأيِّ شيءٍ تنقاد وتستسلم؟
ولا بدَّ أن يتتبَّع نفسَه ويستقرئ أحوالَها ليتعرَّف على صفاتها، وذلك حتى يشخِّص أمراضها، ويقف على صفاتها؛ فما كان منها مطلوباً عمِل على صيانته والمحافظة عليه، وما كان منها مكروهاً عمِل على إزالته وتنزيه النفس عنه، حتى تُفضِيَ إلى الفلاح.
ومن لم يعرف نفسَه لم يقدِرْ على تزكيتها، ولا يُتصوَّر منه إزالةُ مكروه صفاتها، كمن لم يعرف الثوبَ لا يُتصوَّر منه إزالةُ وسخِه. وفي الكتب القديمة: اعرِفْ نفسَك يا إنسان تعرِفْ ربَّك (١). وفي الأثر: أعرفُكم بنفسه أعرفُكم بربِّه (٢).
فالنفس البشريَّة خُلقت أمَّارةً بالسوء، ميَّالةً إلى الشرِّ، فرَّارةً من الخير، والمؤمن مأمورٌ بتزكيتها وتقويمها، ومنعها عن شهواتها، وفطامها عن لذَّاتها، وسَوْقِها بحبال الإلزام وسلاسل الإقهار إلى عبادة ربِّها وخالقها عزَّ وجلَّ، إن أبَتْ أو استجابت.
فإن أهملها المؤمن جمحت وتمرَّدت وانفلتت، ولم يظفر بها بعد ذلك؛ لأنها تجنح للهوى وتميل إلى الشهوة، فإذا أهملها سهُل عليها مقارفةُ المعاصي وأنِسَتْ بها، وسكنت إليها، واعتادت عليها، وعسُر عليه عندئذٍ فطامُها عنها، وكان ذلك سببَ هلاكه وشقائه.
أمَّا إن لازمها بالمجاهدة والمراقبة، والإجهاد والمحاسبة، زكَتْ وتنقَّتْ من تعلُّقات الهوى وجاذبات الشهوة، حتى يدخل بها في زمرة عباد الله راضيةً مرضيَّة.
لذلك كانت هذه الرسالة: وفيها تعريفٌ بالنفس وأنواعها وأقسام الناس معها، وتعريفٌ لصفاتها التي بها تستجيب لنداء الرحمن، أو بها تتهيَّأ لغوايات الشيطان وتضليله وتسويله، ثم بيانُ الطرق التي بها نعالج أنفسنا ونطبِّبها من أمراض التديُّن وعلله، والتي بها نحرِّر أنفسنا من الأسر الشهواني، ونحميها من النَّزْغ الشيطاني.
فاستدعت أن نجعلها في ثلاثة فصولٍ ومدخل:
- المدخل: في أقسام النفس وأحوال الناس مع النفس.
- الفصل الأول: عن صفات النفس الرحمانية.
- الفصل الثاني: عن صفات النفس الشيطانية.
- الفصل الثالث: في طرق معالجة النفس.
وقد أنكر عليَّ بعضُ إخواننا الأخيار أنِّي نسبتُ النفس إلى الرحمن [وسمَّيتُها النفس الرحمانية]، ولكن وجهُ ذلك يتَّضح من أمورٍ ثلاثة:
الأمر الأول: أنَّ الله تعالى في قرآنه العزيز قابَل بين الشيطان والرحمن، فدلَّ أنه لا مانع من ذلك؛ ومثاله قوله تعالى في سورة مريم: يَا أَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ ۖ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَٰنِ عَصِيًّا (٣)، وقوله تعالى: يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَن يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِّنَ الرَّحْمَٰنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا (٤)، وقوله تعالى في سورة الزخرف: وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ الرَّحْمَٰنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ (٥). فليس مستنكراً إذن أن تُنسب النفس إلى الرحمن.
الأمر الثاني: في قوله تعالى: وَعِبَادُ الرَّحْمَٰنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا (٦)، فإنَّ أوَّل معنى يتبادر إلى الذهن هو: أنَّ نفس عباد الرحمن هي النفس الرحمانية.
الأمر الثالث: أنَّ مثل هذه النسبة مقبولٌ غيرُ منكور، ومعهودٌ مستعملٌ في مصطلحات أهل العلم وعباراتهم، وقد وجدنا ابن القيم رحمه الله قد قسَّم في شرحه لكلام الهروي الكشفَ إلى كشفٍ رحماني وكشفٍ شيطاني، فقال: والكشف الرحماني من هذا النوع: هو مثل كشف أبي بكر لمَّا قال لعائشة رضي الله عنهما: إنَّ امرأته حاملٌ بأنثى … وأضعافُ هذا من كشف أولياء الرحمن (٧).
فابنُ القيم سمَّى كشفَ أولياء الرحمن بالكشف الرحماني، ولم يُنكِرْ عليه أحدٌ فيما نعلم، فما المانع أن نُسمِّي نفسَ عباد الرحمن وأوليائه بالنفس الرحمانية؟ لا مانع إن شاء الله!
ألا وإنَّ هذه الرسالة هي في أصلها محاضرةٌ قُدِّمت مرَّةً فاستحسنها الحاضرون، وطُلبت من صاحبها مرَّاتٍ عديدة، في آخرها قام بعض طلابه النابهين بنسخها ونقلها من شريط التسجيل إلى الورق بغرض نشرها، فاستجبتُ للطلب، فراجعتُ وأضفتُ، ووثَّقتُ نصوصها، وخرَّجتُ أحاديثها بالعزو لمُخرِجيها ورواتها، حتى انتهت إلى هذه الصورة التي بين يديك.
واللهَ أسألُه القبولَ والسداد، وأن يقيَنا شرَّ نفوسنا، ويعيننا عليها، ويعيذنا من شرِّ الشيطان ومن نفثه ونفخه وحضوره، ومن نزغه وإغوائه، إنه القويُّ القديرُ خيرُ المستعان وعليه التُّكلان.
الفقير إلى مرضاة ربِّه
عبد الله الزبير عبد الرحمن
صنعاء — ١٥ ذو الحجة ١٤١٥هـ / ١٥ مايو ١٩٩٥م