بعد الحمد والثناء على الله تعالى، والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم،
أما بعد:
لك الحمد يا مولاي في السر والجهرعلى عزّة الإسلام والفتح والنصر
جنود رمت في كوكبان خيامهالها الهمم العليا إلى أشرف الذكر
ملوكٌ تساموا للعلا وخلائفٌأولو العزم في أزمانهم وأولو الأمر
لهم في كراسي الملك أصلٌ مؤثّلٌتلقَّوه عن أسلافهم سادةٍ غُرِّ
شيوخٌ بفيض النور يمحون غيهباًمن الكفر، منهم يُستمد ضيا البدر
شبابٌ يلوذ المسلمون بظلهمطوال الرِّماح السمهرية والبتر
حموا حوزة الدِّينِ الحنيفي بالقنا وبيض المواضي والمثقفة السُّمر ().
هذه العزّة الشريفة التي قررها القرآن للمؤمنين ولرسوله الأمين معه جلَّ سبحانه وعلا وتعالى فقال: ﴿ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ ﴾ [المنافقون: 8].
فبالله ـ إذَنْ ـ وبرسوله صلى الله عليه وسلم عزّتنا..
وبالإيمان والدِّينعِزُّنا..
فلو لجأنا إلى غير الله ذللنا..
ولو قصَّرنا في حقّ نبيّنا صلى الله عليه وسلم ذللنا..
ولو تخلينا عن مقتضيات إيماننا ومطلوبات ديننا ذللنا..
وقد قال حكيمنا: « من لجأ إلى الله تعالى تَمَّ عزُّه وغناه » [ المحبة لله، لأبي إسحاق الختلي، برقم 42، ص 28].
وقال إبراهيم الخوّاص رحمه الله: « على قدر إعزاز المؤمن لأمر الله؛ يُلبسه الله من عزِّه ويقيم له العزّ في قلوب المؤمنين» ثم قال: « فذلك قوله تعالى﴿ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ ﴾ [المنافقون: 8] » [ حلية الأولياء، 10/327].
فعزِّنا إذَنْ بديننا..
وهذا الذي قرّره صِدّيق الأُمّة رضي الله عنه في فتنة الإفك حين طالت بيته وابنته الحصان الرزان رضي الله عنها فقال: « والله ما قيل لنا هذا في الجاهلية، فكيف وقد أعزَّنا الله بالإسلام؟!!» [ معجم الطبراني الكبير 23/125].
وهو الذي قرّره فاروق الأُمّة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه حين قدم الشام فلقيه الجند وعليه إزار وخفّانِ وعمامة، وهو آخذ برأس راحلته يخوض الماء، وقد خلع حُفِّيهِ وجعلهما تحت إبطيه، ” وهو رضي الله عنه أمير المؤمنين رئيس أعظم دولة في الأرض، وحاكم أعظم أمة في الكون “..
« فقالوا له: يا أمير المؤمنين ! الآن تلقاك الجنود وبطارقة الشام وأنت على هذه الحالة؟..
فقال رضي الله عنه: « إنَّا قوم أعزَّنا الله بالإسلام، فلن نلتمس العِزَّة بغيره » [مصنف ابن أبي شيبة برقم 33847، 34444، المجالسة وجواهر العلم برقم 418، المستدرك للحاكم برقم 208].
وكأنِّي والفاروق عمر رضي الله عنه ينشد مع محمد منلا غزيل:
نحن للحق وللإيمان جند مسلمون
نحن لا نخشى أذى الظلم ولا ريب المنون
عِزَّة الإسلام في الأنفس تأبى أن تهون
وترى أنّ المعالي للميامينِ تكون..
هذه العزّة هي التي قرّرها فعلاً وموقفاً سعد بن معاذ رضي الله عنه، عندما رمتهم العرب عن قوس واحدة، فقال صلى الله عليه وسلم: ( نهادن غطفان بشطر تمر المدينة )، فيقول له سعدٌ رضي الله عنه بعزّة المسلم المؤمن: « يا رسول الله! والله لقد كنّا في ذُلِّ الكفر، وما نعطيهم من هذا التمر إلاّ قرى الضيف، أَمَا وقد أعزنا الله بالإسلام فلا نعطيهم إلا السيف » فسُرَّ النبي صلى الله عليه وسلم [ أحكام القرآن الجصاص 3/91، البدر المنير لابن الملقن 9/222].
فعزّة المسلم بالإسلام.. هو عزيزٌ لأنه مسلم !!..
المسلمون أعزّة بإسلامهم لا باقتصاد، أو بترول، أو معادن، أو كروم، أو حسن سياسة وعلاقات دول !!..
ما داموا مسلمين ثابتين على مباديهم مقيمين على عرى إسلامهم؛ تبقى عزّتهم، وإلاّ ذلّوا..
فلا يحق لكائن من كان منهم أن يتسبب في التفريط عن عزّة الإسلام.. ولا يجوز لمن يلي أمرهم ويدير شأنهم ويقود جندهم ويرأس دولتهم أن يبتغي العزّة في غير المؤمنين، وإلاّ أضاع هيبة الإسلام في نفوس العالمين فكنا فتنة للذين كفروا، والصالحين من سادة أمم التوحيد قالوا: ﴿ رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ [الممتحنة: 5].. ﴿ رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ﴾ [يونس: 85]..
وإلاّ مَالَ مَيْلة نفاق ـ عصمنا الله وقادتنا من ميلات النفاق ـ، والله تعالى يقول تصريحاً: ﴿ بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا ﴾ [النساء: 138]..
لِمَ؟! وبم نافقوا؟ وماذا صنعوا؟ وكيف نافقوا، ومن هم؟.
الجواب: ﴿ الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا ﴾ [النساء: 139]..
معاشر المسلمين:
عزة المسلم بعزّة دولته..
غلاء الأسعار لا يسلب عزّة المؤمن بدولته..
سوء الأحوال لا ينقص عزّة المؤمن في دولته..
ضيق المعايش لا يقلّل من عزّة المؤمن في دولته..
اضطرب الأحوال لا يمنع بقاء عزّة المؤمن بدولته..
مهما يكن من حالٍ؛ بقاء عزّة المؤمن ببقاء عزّة دولته.. دولة المسلمين عزيزة!! فالمسلم عزيز.. فإنْ ذلّت ذلّ المؤمن..
فليتق الله أمراء المسلمين وقادتهم وليبقوا دولة المسلمين عزيزة حتى يبقى المسلم في ظلها عزيزاً يشعر بعزّة دينه، وعزّة انتمائه، وعزة ولائه..
لذلك لا يجوز له بحالٍ أن يوالي الكفار طلباً للعزة عندهم مهما أعطوه ووعدوه وأغدقوا عليه من الوعود الرغائب والوعود الأماني وهم شياطين أو عبدة شياطين وهل يعد الشطان أولياءه إلا غروراً ﴿ يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا ﴾[النساء: 120] ـ كما هو الواقع الآن مع سياسيِّي الفنادق من أبناء بلدنا الذين باعوا أهلهم وشعبهم وبلدهم للعدو الكافر ـ..
كعب بن مالك رضي الله عنه من الثلاثة الذين خُلِّفوا وضاقت عليهم الأرض بما رحبت وضاقت عليهم أنفسهم؛؛ (50) يوماً بلياليه مقاطعة كاملة لا يكلمهم أحد ولا ينظر إليهم أحد ولا يسلّم عليهم أحد، بل منعوا حتى من أهليهم وزوجاتهم وهم شيوخ كبار رضي الله عنهم، فعاشوا الضيق والهجران والتخلّي عنهم ونبذهم ومقاطعتهم..
فصار رضي الله عنه يبكي الليل النهار: تخلت عنه الدولة.. تنكّر له إخوانه وجيرانه وأصدقاؤه.. جافاه القائد الذي يحبّه ويعظِّمه.. مُنع منه حتى زوجته وأهله وهو في أمسّ الحاجة إليها.. فماذا بقي له ليبقى في هذه البلدة وتحت هذه الراية؟؟..
الجواب: بقيت له عزّة المسلم في بلده..
فانتبه أخي الكريم:
وهو في هذه الحالة الصعبة من الضيق والهجران والمقاطعة والتخلّي؛ تأتيه دعوة أكبر ملوك الأرض يومئذ « ملك غسّان»، فيأتيه سفير مملكة غسان يحمل رسالة ملكية خاصة لإعزازه من كافر..
فهل استجاب؟؟!!.. هل قال: «بركة الجات منكم» ثم انطلق يبتغي العزة التي جاءته في طبق من ذهب عند كافر؟؟!!..
لا والله.. هو مؤمن صحابي جليل عزيز بدينه وإيمانه وانتمائه لا يمكن أن يبيع ولاءه للكافر ولو بملء الأرض ذهباً ولو عظّموه أو كافَؤُوه أو وزّروه عندهم..
فلنسمع من سيدنا كعب بن مالك رضي الله عنه قصته وموقف العزة منه:
قال رضي الله عنه: « فَبَيْنَا أَنَا أَمْشِي بِسُوقِ المَدِينَةِ، إِذَا نَبَطِيٌّ مِنْ أَنْبَاطِ أَهْلِ الشَّامِ، مِمَّنْ قَدِمَ بِالطَّعَامِ يَبِيعُهُ بِالْمَدِينَةِ، يَقُولُ: مَنْ يَدُلُّ عَلَى كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ، فَطَفِقَ النَّاسُ يُشِيرُونَ لَهُ، حَتَّى إِذَا جَاءَنِي دَفَعَ إِلَيَّ كِتَابًا مِنْ مَلِكِ غَسَّانَ، فَإِذَا فِيهِ: أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّهُ قَدْ بَلَغَنِي أَنَّ صَاحِبَكَ قَدْ جَفَاكَ وَلَمْ يَجْعَلْكَ اللَّهُ بِدَارِ هَوَانٍ، وَلاَ مَضْيَعَةٍ، فَالحَقْ بِنَا نُوَاسِكَ، فَقُلْتُ لَمَّا قَرَأْتُهَا: وَهَذَا أَيْضًا مِنَ البَلاَءِ، فَتَيَمَّمْتُ بِهَا التَّنُّورَ فَسَجَرْتُهُ بِهَا » [ صحيح البخاري برقم 4418، مسلم برقم 2769].
إنه اختبار العزّة، امتحان الإيمان والولاء، فكان فرجه وتوبة الله عليه بكرمه ومَنِّه ورحمته فأنزل ربهم الرحمن الرحيم جل وعلا على نبيّه الكريم صلى الله عليه وسلم: ﴿ وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ﴾ [التوبة: 118].
عزّة المسلم وعزّة الإسلام من عزّة دولته، من عزّة الدولة والدبلوماسية، لا بدّ من الدّبلوماسية العزيزة..
عزّة دولة المسلمين أعلنها عمر الفاروق رضي الله عنه «نحن قوم أعزنا الله بالإسلام، فمهما ابتغينا العزة بغير ما أعزنا الله به أذلنا الله». [الأساس في التفسير 1/ 179].. « إِنَّا قَوْمٌ أَعَزَّنَا اللَّهُ بِالإِسْلامِ فَمَنْ يَلْتَمِسِ الْعِزَّ بِغَيْرِهِ يُذِلَّهُ اللَّهُ» [ الأحاديث المائة الشريحية، ص 111].
ولذلك: حَافَظَ الأخيار من حكام المسلمين وسلاطينهم وملوكهم وخلفائهم وقادتهم عزّة المسلمين بإعزاز دولتهم:
خالد بن الوليد رضي الله عنه:
وسيدنا خالد رضي الله عنه في جبهة فارس حين حاولوا الإساءة لأمة الإسلام ودولة المسلمين، أراهم عزّة القيادة، فخاطبهم بكتاب ينطق بالعزّ، وفيه: « الحمد لله الذى حلّ نظامكم، ووهن كيدكم، وفرق كلمتكم، وأوهن بأسكم، وفلّ حدّكم، وكسر شوكتكم، وسلب ملككم، وأزال عزّكم، فإذا أتاكم كتابي هذا؛ فأسلموا تسلموا أو اعتقدوا منا الذمّة وأجيبوا إلى الجزية، فإن لم تفعلوا فو الله الذي لا إله إلا هو لأسيرنَّ إليكم بقومٍ يحبون الموت كحبكم الحياة، ويرغبون في الآخرة كما ترغبون في الدنيا » [ مصنف ابن أبي شيبة برقم 33728، تاريخ الطبري 3/370، المنتظم لابن الجوزي 4/105، الاكتفاء للكلاعي 2/388].
هارون الرشيد رحمه الله:
أهان الرشيد رحمه الله دولة بيزنطة حين أخضعهم بعزّة الإسلام فكانت تدفع الجزية للمسملين في بغداد تحملها من روما، فانقلب الوزير “نقفور” على الإمبراطورة “إيرين” فكتب إلى هارون رحمه الله: « من نقفور ملك الروم إلى ملك العرب، أما بعد: فإن الملكة التي كانت قبلي، أقامتك مقام الرخ، وأقامت نفسها مقام البيدق، فحملت إليك من أموالها ما كنت حقيقا بحمل أمثالها إليها، لكن ذاك ضعف النساء وحمقهن، فإذا قرأت كتابي فاردد ما حصل قبلك من أموالها، وافتد نفسك بما يقع به المصادرة لك، وإلا فالسيف بيننا وبينك»..
فلمّا قرأ الرشيد الكتاب، استفزه الغضب فقلب الرسالة وكتب على ظهر الكتاب: « بسم الله الرحمن الرحيم من هارون أمير المؤمنين إلى نقفور كلب الروم، قد قرأت كتابك يا ابن الكافرة، والجواب ما تراه دون أن تسمعه والسلام».
فشخص من يومه، وسار بجحافل العزّة ورجال الكرامة حتى أناخ بباب هرقلة، ففتح وغنم، واصطفى وأفاد، وخرّب وحرّق، واصطلم فطلب “نقفور” الموادعة على خراج يؤديه في كل سنة، فأجابه إلى ذلك، وفيه يقول الحجاج بْن يوسف التيمي:
نقض الذي أعطيته نقفوروعليه دائرة البوار تدور
أبشر أمير المؤمنين فإنهغنم أتاك به الإله كبير
فلقد تباشرت الرعية أن أتىبالنقض عنه وافد وبشير
ورجت يمينك أن تعجل غزوةتشفي النفوس مكانها مذكور
أعطاك جزيته وطأطأ خدهحذر الصوارم والردى محذور
[ تاريخ الطبري 8/307 -308 ].
المعتصم رحمه الله: وحين أساء حاكم عمورية إلى امرأة مسلمة شريفة ولطمها على وجهها، فصاحت: « وا معتصماه».. فبلغ المعتصم وهو في مجلسه وكأس الماء في يده فلبّى من فوره: « لبيك يا ابنة العمّ» وقال: « والله ما شربته إلا بعد فك الشريفة من الأسر وقتل العلج»، فخرج بجيش العزّة وجحافل الكرامة لإعزاز مسلمة واحدة في أهينت في بلاد الكفار وهو يردد ﴿ وَسَيَعْلَمُ الْكُفَّارُ لِمَنْ عُقْبَى الدَّارِ ﴾ [الرعد: 42].فدخل عمورية وحرّر المسلمة وأعزّها ونكأ بالروم رحمه الله تعالى [شذرات الذهب في أخبار من ذهب، 3/ 129، تاريخ ابن خلدون 3/327، المنتظم لابن الجوزي 11/29، الأنباء في تاريخ الخلفاء ص 106].
إنها عزّة دولة المسلمين..
يوسف بن تاشفين رحمه الله:
قائد المرابطين في إفريقيا، حين تسلّط أذفونش الأسباني [ ألفونسوا السادس] على مسلمي الأندلس، ثم طلب من ابن تاشفين التعاون التجاري والاقتصادي وهو لا يزال يتسلط على المسلمين؛ فتحرك ابن تاشفين بجيش العزّة والكرامة فعبر البحر إلى أرض الأندلس فكتب إلى أذفونش: « بلغنا يا اذفونش أنك دعوت إلى الاجتماع بنا، وتمنيّت أن تكون لك سفن تعبر بها البحر إلينا، فقد عبرنا إليك، وقد جمع الله تعالى في هذه السّاحة بيننا وبينك، وسترى عاقبة دعائك: ﴿ وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلاَّ فِي ضَلالٍ ﴾ [غافر: 50 ].
ثم خيّره بين الإسلام والجزية والحرب، وقال له: « وإني يا ألفونسو أعرض عليك الإسلام أو الجزية عن يد وأنت صاغر أو الحرب، ولا أؤجلك إلا ثلاثاً ».
فتسلم ألفونسو السادس الرسالة فاغتاظ بشدة، فأرسل رسالة يهدد فيها يوسف بن تاشفين فقال له: فإني اخترت الحرب فما ردك على ذلك، فأخذ يوسف بن تاشفين الرسالة وكتب عليها من ورائها: الجواب ما تراه بعينك لا ما تسمعه بأذنك، والسلام على من اتبع الهدى.».
فقتّلوهم ونكلوا بهم شر نكاية في معركة الزلاقة العظيمة رحمهم الله تعالى..[ الزلاقة معركة من معارك الإسلام الحاسمة في الأندلس ص 191، الأندلس من الفتح إلى السقوط 9/10 ].
إنها عزّة دولة الإسلام..
وهكذا صنع قطز رحمه الله مع هولاكو.. وهكذا كان يصنع الحاجب المنصور العظيم رحمه الله مع ملوك أسبانيا وبلاد البشكنس..
هذه هي عزّة الدولة المسلمة، وهذه هي الدبلوماسية الإسلامية العزيزة، بدونها نُذلُّ أو نُهان..
الخطبة الثانية:
أما بعد:
عزّة دولة المسلمين يجب أن تبقى ما دامت للمسلمين دولة، ولو فقروا وقلّ مالهم، ولو كسروا وقلّ سلاحهم، ولو حوصروا أو هُدِّدوا، لتبق عزّتهم في قراراتهم.. في مواقفهم..
يبنون سياستهم الخارجية على عزّة الأُمّة والملّة..
ويوجهوا دبلوماسيتهم في العالم على عزّة الإيمان والإسلام..
وينظّموا علاقاتهم الدولية على عقد العزّة الإسلامية..
وقد سرّنا موقف قائد الكرامة الفريق البرهان حفظه الله حين ساوموه في تأشيرة حضور الجمعية العامة للأمم المتحدة قبل أيام، لجلسات الدورة 81 في 28سبتمبر 2026م، بالتوقيع الذليل على الهدنة مع المتمردين أعداء الأمة السودانية، فأبت عزّته ذلك واتخذ سبيل العزّ وموقف الكرامة نصرّة لجيش الكرامة جزاه الله عنا خير الجزاء فكان نصراً على نصر، وعزاً فوق عزّ، والحمد لله رب العالمين..
ثم زادنا فرحاً وسرواً الدبلوماسية العزيزة التي أعتزّ بها السودان وأهله بموقف مندوب السودان في الأمم المتحدة الحارث إدريس حفظه الله وزاده رفعة وعزّاً ونصراً وفوزاً ونجاحاً، وهو يرمي بأعداء السودان ممن يدّعون إخوتنا وهو يقتلون أهله وينهبون أموالهم ويعتدون على أرضهم وأعراضهم، فرمى بهم في مستنقع الخسران والبوار لم ينالوا إلا الكره والبغض من شعوب الإسلام، يقول لهم « عليكم أن تخسؤوا وتبوؤوا بشِسع نعل كُليب ».
وغيرهم من القحاطيط يبتغون العزّة عندهم ﴿ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا ﴾ [النساء: 139]، وفي مثلهم يُتمثّل:
هذا زمان سفاهة الأحلام وسيادة الغلمان والأقزام
هذا زمان الذُّلِّ دِيست عنده حرية الأحرار بالأقدام
ما عاد فيهم نخوة عربية ما عاد فيهم عِزَّة الإسلام
كم راكعٍ كم ساجدٍ متألِّهٍ لحثالة البلدان والأقوام
فأذنْ إلهي غارةً نمحو بها عن جبهة الإسلام كل قتام
ونعيد للإسلام عِزَّته التي ديست بفعل جماعة الأقزام
والحمد لله العزيز الحكيم.