المقدمة
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله الأمين ،
وبعد:
فإنّ هذا الموضوع يحتاج في تحريره أنْ نبدأ بمسألة اجتماع البيع والسلف نحرّرها، ثم ننظر أهو متحقّق في خدمات السفر أم لا؟ ومن بعد ذلك نرى أثره في حكمها، وذلك من خلال الفقرات الآتية:
الفقرة الأولى: في النصوص الشرعية الحاكمة لمسألة اجتماع البيع والسلف.
والفقرة الثانية : في تفسير الأئمة معنى اجتماع البيع والسلف.
والفقرة الثالثة: في الأسباب والعلل في منع بيعٍ وسلف.
والفقرة الرابعة : في أقوال الفقهاء في حكم اجتماع البيع والسلف.
والفقرة الخامسة: في اجتماع البيع والسلف في خدمات السفر.
والفقرة السادسة : في أثر اجتماع البيع والسلف في خدمات السفر.
والله أسأله أنْ يفتح علينا وأن ينفع بهذه الورقات .
الفقرة الأولى: النّصوص الشّرعية الحاكمة للمسألة
النصوص التي تحكم المسألة خمسة أحاديث شريفة:
الحديث الأول: حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال: قال رسول الله ﷺ: (لا يحلّ سلفٌ وبيع، ولا شرطان في بيعٍ، ولا ربح ما لم تضمن، ولا بيع ما ليس عندك)(1).
والحديث الثاني: حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال : « نهى رسول الله ﷺعن بيعتين في بيعة وعن بيع وسلف وعن ربح ما لم يضمن وعن بيع ما ليس عندك» (2).
الحديث الثالث: حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما أنه قال: يا رسول الله! إنا نسمع منك أحاديث أفتأذن لنا أن نكتبها ؟ قال : (نعم ) فكان أول ما كتب كتاب النبي ﷺإلى أهل مكة : (لا يجوز شرطان في بيع واحد، ولا بيع وسلف جميعاً، ولا بيع ما لم يضمن، ومن كان مكاتباً على مئة درهم فقضاها إلا عشرة دراهم؛ فهو عبد، أو على مئة أوقية فقضاها إلا أوقية فهو عبد )(3).
الحديث الرابع: حديث ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله ﷺلعتاب بن أسيد رضي الله عنه: ( إني قد بعثتك إلى أهل الله وأهل مكة، فانههم عن بيع ما لم يقبضوا، أو ربح ما لم يضمنوا، وعن قرض وبيع، وعن شرطين في بيع، وعن بيع وسلف )(4).
والحديث الخامس: من بلاغات مالك رحمه الله تعالى : « أنّ رسول الله ﷺنهى عن بيع وسلف» (5).
هذه هي النصوص التي وردت في النهي عن اجتماع البيع والسلف، ولكن ما المراد بهذا الاجتماع نبحث عنه في تفسير الأئمة والفقهاء لمعناه ومراده، في الفقرة التالية.
الفقرة الثانية: تفسير الأئمة معنى اجتماع البيع والسلف
1 ـ تفسير الإمام جابر بن زيد رحمه الله : « نهَى النبي ﷺعن بيع وسلف، وهو أن يستلف من رجل على أن يشتري منه »(6).
2ـ تفسير الإمام مالك رحمه الله: « وتفسير ذلك أن يقول الرجل للرجل آخذ سلعتك بكذا وكذا على أن تسلفني كذا وكذا فإن عقدا بيعهما على هذا الوجه فهو غير جائز فإن ترك الذي اشترط السلف ما اشترط منه كان ذلك البيع جائزاً »(7).
فالاجتماع المنهي عنه يتحقق عند مالك باشتراط المشتري السلف في عقد البيع، فإنْ لم يشترط فلا نهي.
3ـ تفسير الإمام الشافعي رحمه الله في تفسير معنى الحديث كما نقله البيهقي: « بيع وسلف الذي نُهيَ عنه: أن يعقد العقدة على بيع وسلف ، وذلك أن أقول : أبيعك هذا بكذا على أن تسلفني كذا ، وحكم السلف أنه حال، فيكون البيع وقع بثمن معلوم ومجهول ، والبيع لا يجوز أن يكون إلا بثمن معلوم»(8).
ومن تفسير الشافعي رحمه الله لمعنى الخبر كما نقله عنه البغوي قوله: « وأما نهيه عن بيع وسلف: هو أن يقول: أبيعك هذا الثوب بعشرة دراهم على أن تقرضني عشرة دراهم، والمراد بالسلف: القرض، فهذا فاسد، لأنه جعل العشرة ورفق القرض ثمناً للثوب، فإذا بطل الشرط، سقط بعض الثمن، فيكون ما يبقى من المبيع بمقابلة الباقي مجهولاً» (9).
ومن قوله أيضاً كما نقله ابن عبد البر رحمه الله: « نهيه عليه السلام عن بيع وسلف، لأنّ من سنته أن تكون الأثمان معلومة والبيع معلوماً، وإذا انعقد البيع على السلف؛ والمنفعة بالسلف مجهولة؛ فصار الثمن غير معلوم»(10).
فتَحَقُّقُ اجتماع البيع والسلف المنهي عنه عند الشافعي رحمه الله باشتراط البائع الإقراض في البيع بما يؤدي إلى الجهالة في الثمن بسبب جهالة منفعة السلف.
4ـ تفسير الإمام أحمد كما نقل عنه البغوي رحمهما الله، قال : « هو أن يقرضه قرضاً، ثم يبايعه عليه بيعاً يزداد عليه، ولو قال: أقرضتك هذه العشرة على أن تبيعني عبدك، ففاسد، لأنّ كل قرض جرّ منفعة فهو ربا. وقد يكون السلف بمعنى السلم ، وذلك مثل أن يقول : أبيعك عبدي هذا بألف على أن تسلفني مئة في كذا ، أو يسلم إليه في شيء ، ويقول : فإن لم يتهيأ عندك، فهو بيع عليك »(11).
فتَحقُّقُ اجتماع البيع والسلف الممنوع عند أحمد يكون بأمور:
أولها: أن يتقدم القرض على البيع..
ثانيها: أن يتم البيع على ما تم من القرض..
ثالثها: أن يشترط البيع في القرض.
وعليه؛ فإن تخلف أحدها لا يكون نهيٌ.
5ـ وقال الخطابي رحمه الله: « وذلك مثل أن يقول: أبيعك هذا العبد بخمسين ديناراً على أن تسلفني ألف درهم في متاع أبيعه منك إلى أجل، أو يقول: أبيعكه بكذا على أن تقرضني ألف درهم، ويكون معنى السلف القرض»(12).
6ـ وقال الصنعاني رحمه الله: « وصورة ذلك: حيث يريد الشخص أن يشتري سلعة بأكثر من ثمنها لأجل النساء، وعنده أنّ ذلك لا يجوز، فيحتال بأن يستقرض الثمن من البائع ليعجله إليه حيلة »(13) .
وهذا الذي نقله الشوكاني رحمه الله عن جماعة من أهل البيت: « أنّ السلف والبيع صورته: أنْ يريد الشخص أن يشتري السلعة بأكثر من ثمنها لأجل النساء، وعنده أنّ ذلك لا يجوز، فيحتال، فيستقرضه الثمن من البائع، ليعجله إليه حيلة».
ويبدو أن الشوكاني رحمه الله لم يرتضه تفسيراً حيث عقّب نقله قائلاً: « والأَوْلَى تفسير الحديث بما تقتضيه الحقيقة الشرعية أو اللغوية أو العرفية أو المجاز عند تعذر الحمل على الحقيقة لا بما هو معروف في بعض المذاهب غير معروف في غيره وقد عرفت الكلام في جواز بيع الشيء بأكثر من سعر يومه لأجل النساء» (14).
الفقرة الثالثة: الأسباب والعلل في منع بيع وسلف
ذكر الفقهاء لمنع اجتماع البيع والسلف أسباباً وعللاً، وقفت منها على ست علل هي ما يلي:
1ـ تنافي حكميهما:
قال الباجي رحمه الله: « أنه إن كان غير موقت فهو غير لازم للمقرض، وما نفاذه غير لازم للمقرض ، وإن كان غير مؤقت فهو غير لازم للمقرض ، والبيع وما أشبهه من العقود اللازمة كالإجارة والنكاح لا يجوز أن يقارنها عقد غير لازم لتنافي حكميهما».
2ـ الخروج عن مقتضاه:
قال الباجي رحمه الله: « ووجه ذلك من جهة المعنى أن الغرض أنه ليس من عقود المعاوضة، وإنما هو من عقود البر والمكارمة، فلا يصح أن يكون له عوض، فإن قارن؛ فقد فرض عقد معاوضة، وكان له حصة من العوض، فيخرج من مقتضاه فبطل، وبطل ما قارنه من عقود المعاوضة»(15)..
3ـ التردد بين السلفية والثمنية والغرر:
قال الزرقاني رحمه الله: ( قال مالك لا ينبغي أن يشتري أحد شيئاً من الحيوان بعينه) أي المعين كجمل وحصان معينين (إذا كان غائباً عنه وإن كان قد رآه ورضيه على أن ينقد ثمنه لا قربياً ولا بعيداً ) قيد في المنع وجوز في المدونة النقد فيما قرب لأن الغالب السلامة بخلاف البعيد فيخشى دخول بيع وسلف وهو غرر. ( وإنما كره ذلك لأن البائع ينتفع بالثمن ولا يدري هل توجد تلك السلعة على ما رآها المبتاع أم لا فلذلك كره ذلك ) لتردد الثمن بين السلفية والثمينة (ولا بأس به إذا كان مضمونا موصوفا ) مفهوم قوله أولا بعينه على أن ينقد ثمنه لزوال علة التردد » (16).
4ـ تهمة الرِّبا:
قال الإمام أحمد رحمه الله : « هو أن يقرضه قرضاً، ثم يبايعه عليه بيعاً يزداد عليه، ولو قال: أقرضتك هذه العشرة على أن تبيعني عبدك، ففاسد، لأنّ كل قرض جرّ منفعة فهو ربا»(17).
وهو الذي وجّه به الرزقاني بلاغ مالك رحمهما الله فقال رحمه الله : « السلف وبيع العروض بعضها ببعض ، (مالك أنه بلغه أن رسول الله ﷺنهى عن بيع وسلف ) مجتمعين لتهمة الربا » (18).
وهو قول كثير من مشايخ بلخ من الحنفية رحمهم الله، قال ابن عابدين رحمه الله: « وكثير من مشايخ بلخ كانوا يكرهونه ، ويقولون إنه قرض جر منفعة، إذ لولاه لم يتحمل المستقرض غلاء الثمن »(19) .
5ـ الجهالة:
وهو تفسير الشافعية رحمهم الله: قال الإمام الشافعي رحمه الله: « … فيكون البيع وقع بثمن معلوم ومجهول، والبيع لا يجوز أن يكون إلا بثمن معلوم»(20).
وقال رحمه الله: «.. والمراد بالسلف : القرض، فهذا فاسد، لأنه جعل العشرة ورفق القرض ثمناً للثوب، فإذا بطل الشرط، سقط بعض الثمن، فيكون ما يبقى من المبيع بمقابلة الباقي مجهولاً»(21).
وقال أيضاً: « نهيه عليه السلام عن بيع وسلف، لأنّ من سنته أن تكون الأثمان معلومة والبيع معلوماً، وإذا انعقد البيع على السلف؛ والمنفعة بالسلف مجهولة؛ فصار الثمن غير معلوم » (22).
6ـ اشتراط عقدٍ في عقد:
كما قال ابن قدامة رحمه الله في المغني: « وإن شرط في القرض أن يؤجره داره، أو يبيعه شيئاً، أو أن يقرضه المقترض مرة أخرى، لم يجز؛ لأن النبي ﷺنهى عن بيع وسلف. ولأنه شرط عقداً في عقد، فلم يجز، كما لو باعه داره بشرط أن يبيعه الآخر داره. وإن شرط أن يؤجره داره بأقل من أجرتها، أو على أن يستأجر دار المقرض بأكثر من أجرتها، أو على أن يهدي له هدية، أو يعمل له عملاً، كان أبلغ في التحريم » (23).
الفقرة الرَّابعة: أقوال الفقهاء في حكم اجتماع البيع والسلف
بناءً على الأحاديث التي رويت عن النبي ﷺ، والعلل التي أبدوها؛ اتفق الفقهاء على أن هذه الأحاديث دالّةٌ على النهي عن اجتماع البيع والسلف، وقد نقل الاتفاق على ذلك ابن عبد البر في التمهيد والباجي في المنتقى..
قال ابن عبد البر رحمه الله : « أجمع العلماء على أن من باع بيعاً على شرط سلف يسلفه أو يستسلفه فبيعه فاسدٌ مردودٌ » (24).
وقال الباجي رحمه الله: « أجمع الفقهاء على المنع من ذلك ، وتلقي الأمة له بالقبول والعمل به يدل على صحة معناه »(25).
ثمّ تباينت فهومهم واختلفت آراؤهم في المراد من اجتماع البيع والسلف وكيفية هذا الاجتماع، وفي العلة التي من أجلها منع الشارع الحكيم اجتماعهما ـ على ما بيناه أعلاه ـ.
أمّا ما يضرّ من اجتماع البيع والسلف وما لا يضرّه، وما يفسد العقد منه وما لا يفسده؛ كان الفقهاء في ذلك على ستة أقوال:
القول الأول: بطلان العقد وفساده مطلقاً:
وقد نقل هذا القول والرأي ابن عبد الحكم عن الشافعي وجمهور العلماء، ومروي عن مالكٍ فيما ذكره الأبهري رحمهم الله.
قال محمد بن عبد الله بن عبد الحكم رحمه الله: « لا يجوز البيع وإن رضي مشترط السلف بترك السلف، وهو قول الشافعي وجمهور العلماء، لأن البيع وقع فاسداً، فلا يجوز».
وقال الأبهري رحمه الله: « قد روى بعض المدنيين عن مالك أنه لا يجوز وإن ترك السلف قال الأبهري : وهو القياس، أن يكون عقد البيع فاسداً في اشتراط السلف، كالبيع في الخمر والخنزير، لأن البيع قد وقع فاسداً في عقده؛ فلا بدّ من فسخه»(26).
القول الثاني: كراهة البيع مع السلف:
وهو الذي ذهب إليه بعض الحنفية، والكراهة في حالتين:
الحالة الأولى: إذا كان البيع متقدماً على القرض، فذهب كثيرٌ من مشايخ بلخ إلى أنه مكروه، معللين كراهته بأنه قرضٌ جرَّ منفعة، إذ لولاه لم يتحمل المستقرض غلاء الثمن.
والحالة الثانية: إذا وقع البيع والقرض في مجلس واحد، فإن كانا في مجلسين لا مجلس واحد فلا بأس به. على أن المجلس الواحد يجمع الكلمات المتفرقة، فكأنهما وُجدا معاً، فكانت المنفعة مشروطة في القرض، وبه قال بعض مشايخهم (27).
القول الثالث: يصحّ البيع إذا تُرك السلف أو رُدَّ:
وبه قال بعض المالكية ومنهم محمد بن مسلمة، وسحنون، والفضل بن سلمة ويحيى بن عمر رحمهم الله تعالى(28).
بل هو المشهور عن الإمام مالك رحمه الله .
ـ قال ابن عبد البر رحمه الله: « إنّ مالكاً في المشهور من مذهبه يقول في البيع والسلف إنه إذا طاع الذي اشترط السلف بترك سلفه فلم يقبضه جاز البيع. وذكر أن لفظ الموطأ من رواية القعنبي وابن القاسم وابن بكير وابن وهب ويحيى بن يحيى فإنما هو قال مالك: «فإنْ ترك السلف جاز البيع » (29).
وحاول بعضهم أن يفرّق بين الترك والرد، على أنّ الترك يكون بعدم القبض أصلاً، والردّ يكون بعد القبض، استناداً إلى ألفاظ علمائهم، فعند سحنون: « يصحّ البيع في ذلك إذا لم يقبض السلف وترك، وأما إذا قبض السلف؛ فقد تمّ الرِّبا بينهما، والبيع حينئذ حرام مفسوخ على كل حال ».
وقال يحيى بن عمر: « سحنون أصلحه بترك السلف وإنما كان يرد السلف ».
وقال الفضل بن سلمة : « وكذلك قرأناه على يحيى بن عمر إذا رد السلف »(30).
فالذي يظهر أن تصحيح البيع في المذهب في كلا الحالين في حال الردّ وفي حال الترك.
وهذا التصحيح مبنيٌّ على أصول مالك رحمه الله من إجازة بيوع وقعت فاسدة ثم أدركها الإصلاح، كبيع الغاصب يخبره بعد العقد مالكه، ونحو هذا، ومثل نكاح العبد، فهو عنده موقوف على إجازة سيده(31).
القول الرابع: يصحّ، إذا تقدم الإقراض على البيع:
وهذا قول كثير من الحنفية ..
فذهب محمد والكرخي رحمهما الله إلى جواز ذلك بلا كراهة فقالا: لا بأس به.
وذهب بعضهم ومنهم ابن عابدين رحمه الله إلى أنه يصح مع الكراهة.
وهو مبني على أمرين:
الأمر الأول: لو وقع البيع أو الشراء بعد القرض.
والأمر الثاني: إذا لم يكن النفع مشروطاً في القرض (32).
القول الخامس: التصحيح إذا تقدّم البيع على القرض:
وهو قول طائفة من فقهاء الحنفية، منهم الخصاف ومحمد بن سلمة إمام بلخٍ وشمس الأئمة الحلواني، فأجازوا ذلك « إن تقدم البيع بأن باع المطلوب منه المعاملة من الطالب ثوباً قيمته عشرون ديناراً بأربعين ديناراً ثم أقرضه ستين ديناراً أخرى، حتى صار له على المستقرض مائة دينار، وحصل للمستقرض ثمانون ديناراً »(33).
وقد نفى شمس الأئمة الحلواني كون هذا الاجتماع من باب القرض الذي جرّ منفعة فقال: هذا ليس بقرضٍ جرّ منفعة، بل هذا بيع جرَّ منفعة ، وهي القرض(34).
القول السادس: الجواز إن لم يكن صرفاً:
وهو ما أفتى به مالك وابن القاسم رحمهما الله ، بشرط أنْ لا يكون من باب الصرف، فإنْ كان صرفاً فلا يجوز. لأنّ الصرف أضيق البيع، وهو لا يقبل المسامحة ولا المساهلة.
وصورته: ما ذكره ابن رشد الجدّ رحمه الله قال: « سئل عنه ابن القاسم : عن رجل كان له على رجل نصف دينار إلى أجل ، فدفع إليه الذي له الحق نصف دينار دراهم ، وأخذ منه ديناراً قبل الأجل . قال : لا خير فيه ، قيل له : فإن أعطاه عرضاً بالنصف وهو لا يساوي إلا الثلث أو نصفاً ، قال مالك : لا أرى به بأساً . وكرهه ابن القاسم ».
قال محمد بن رشد رحمه الله: « لم يجز مالك رحمه الله أن يأخذ منه ديناراً قبل الأجل على أن يعطيه بالنصف دراهم ، وأجاز أن يأخذه منه قبل الأجل على أن يعطيه بالنصف عرضاً ، وساوى ابن القاسم بينهما فلم يجز ذلك في العرض ولا في الدراهم ، وهو القياس، وإياه اختار ابن المواز؛ لأن تعجيل نصف الدينار سلف فلا يجوز أن يقارنه بيع، كما لا يجوز أن يقارنه صرف، ولابن القاسم فيما يأتي في هذا السماع مثل قول مالك ، فإنما أجاز ذلك مالك وابن القاسم في أحد قوليه في البيع ، لأنهما استخفاه فيه لقلته، ولم يستخفاه في الصرف ، لأنه أضيق من البيع؛ ألا ترى أن البيع والسلف إذا ترك الذي اشترط السلف أو رده على الاختلاف في ذلك، جاز البيع، والسلف يفسخ باتفاق، ولا يجوز في قول قائل أن يمضي الصرف وإن رضي مشترط السلف بتركه»(35).
الفقرة الخامسة: اجتماع البيع والسلف في خدمات السفر
المراد بخدمات السفر: الحزمة من الخدمات التي يقدمها المصرف عبر وكالات السفر أو بنفسه للعميل، غير أن بعض هذه الخدمات يكون منها ما يتطلب دفع رسوم شخصية تخصّ العميل، فإذا دفعها المصرف أو الوكالة فإنما يدفعونها باسم العميل ونيابة عنه، فتكون حقيقتها قرض من المصرف أو الوكالة للعميل، مثل رسوم استخراج جواز السفر، ورسوم التأشيرة، وقيمة التذكرة ، ونحوها..
فحين يقوم البنك أو الوكالة بذلك ضمن مجموعة حزمة خدمات السفر يكون قد اجتمع البيع والسلف في هذه الخدمات.
حتى لو لم يأخذ المصرف أجراً على دفع هذه الرسوم؛ فقد وقع اجتماع البيع والسلف في هذه الخدمات.
لذلك؛ لا بدّ من الوقوف على أثر اجتماع البيع والسلف في خدمات السفر.
الفقرة السادسة: أثر اجتماعهما في خِدْمات السفر
رأينا مما سبق عرضه من أقوال الفقهاء أنّهم أجمعوا على النهي عن السلف والبيع في الجملة، ثم اختلافهم في تفصيل ما يفسد منه وما يضرّ.
فهل لاجتماع البيع والسلف الواقع في حزمة خدمات السفر أثر يمنع صحة المعاملة؟.
نرى ذلك من جهتين:
الجهة الأولى: بالنظر إلى الصور المحرّمة والجائزة عليها:
فلو نزّلنا الصور المحرمة والصور الجائزة من اجتماع البيع والسلف مما قاله الأئمة والفقهاء؛ على خدمات السفر؛ نخرج بما يلي:
1ـ على رأي مالكٍ رحمه الله الاجتماع الممنوع يتحقق باشتراط المشتري السلف في عقد البيع، وفي خدمات السفر لا اشتراط من العميل على المصرف ذلك، فخرجت الصورة المنهية عنه.
2ـ وقد أجاز مالك وابن القاسم رحمهما الله اجتماعهما في البيع دون الصرف، ورأَيَا خفة ذلك لا سيما إذا كان القرض قليلاً. وهو هكذا في خدمات السفر، إذ ما يُدفع في استخراج الجواز والتأشيرة وحتى ما يدفع للتذكرة في مقابل حزمة الخدمات كلها قليلٌ، كما يقول ابن رشد رحمه الله : «فإنما أجاز ذلك مالك وابن القاسم في أحد قوليه في البيع، لأنهما استخفّاه فيه لقلته » ، فدخل تصحيحهما لاجتماع البيع والسلف في خدمات السفر.
3ـ ولا أثر لاجتماع البيع والسلف في خدمات السفر على رأي الشافعي رحمه الله حيث يرى تَحَقُّق اجتماع البيع والسلف الممنوع: باشتراط البائع الإقراض في البيع بما يؤدي إلى الجهالة في الثمن بسبب جهالة منفعة السلف.
وهذا لا يكون في خدمات السفر، لأن المصرف الذي يبيع هذه الخدمات لا يشترط على العميل أن يقرضه، فخرج الاجتماع المؤثّر عند الشافعي كذلك.
4ـ وتَحقُّقُ اجتماع البيع والسلف الممنوع عند أحمد رحمه الله كما قررنا إنما يكون بأمور ثلاثة:
أولها: أن يتقدّم القرض على البيع.
ثانيها: أن يتمّ البيع على ما تمّ من القرض.
ثالثها: أن يشترط البيع في القرض.
فإن تخلّف أحد هذه الثلاثة؛ لا يكون نهيٌ.
ونجد أمرين منها يتخلّفان في خدمات السفر:
أـ فالخدمات لا تتوقف على ما تمّ من القرض، لأنّ ما هو في معنى القرض، قد يكون أصلاً وقد لا يكون، ثم الإتمام يعني أن يتمّ البيع بإتمام ثمنه على ما تمّ من القرض، وهذا لا يكون في خدمات السفر ألبتة.
ب ـ وكذلك لا اشتراط لهذه الخدمات في القرض، بل ما كان في معنى القرض تَبَعٌ وضِمْن لا أصل حتى تكون الخدمات شرطاً فيه.
ونلاحظ أنّ تفسير الأئمة الثلاثة يجعل اجتماع البيع والسلف لا أثر له إنْ لم يكن اشتراطاً، والاشتراط يجعل البيع متوقفاً على القرض، إذ حقيقة الشرط: ما كان عدمه يستلزم عدم الحكم. والشرط هو الذي يتوقف عليه المؤثر في تأثيره، لا في ذاته(36). فمثلاً: شرط الصلاة الطهارة، فالصلاة لا توجد إلا بطهارة، فتوقَّفَ وجود الصلاة على وجود الطهارة شرعاً.
وهذا غير وارد في خدمات السفر.
5ـ أما على رأي الكثيرين من مشايخ الحنفية، فإنّ خدمات السفر فإن اجتماع البيع والسلف في خدمات السفر غير مؤثّر في صحتها من وجوه خمسة:
الوجه الأول: لو وقع الشراء بعد القرض، صحّ عند الكثيرين مع الكراهة ومن غير كراهة على قول الكرخي والخصّاف ومحمد بن الحسن، والعلامة ابن عابدين ممن يرى صحته مع الكراهة حتى لو اشترى المقترض الشيء اليسير من المقرض بثمن غالٍ لحاجته للقرض فقالوا: يجوز ويكره، وعلّق ابن عابدين على ذلك فقال: أيّ يصحّ مع الكراهة.
والوجه الثاني: لو وقع البيع قبل القرض، فجوّزه الخصّاف ومحمد بن سلمة إمام بلْخ، وكرهه بعضهم.
والوجه الثالث: لو وقعا في مجلسين فلا بأس به ، وإنْ وقعا في مجلس واحد يكره.
والوجه الرابع: إذا لم تكن المنفعة مشروطة في القرض فلا بأس به على قول محمد بن الحسن رحمه الله.
والوجه الخامس: تجويز شمس الأئمة الحلواني إذا تقدّم البيع على القرض ، على أنه بيع جرَّ منفعة وليس قرضاً جرّ منفعة.
الجهة الثانية: بالنّظر إلى الأسباب والعلل المانعة:
ولو نظرنا إلى ما ذكره أئمتنا من العلل والأسباب التي منعت اجتماع البيع والسلف، وجعلت هذا الاجتماع مفسداً للعقد محرماً للمعاملة، نجد أنّ في بعضها ما يدفع أثر اجتماعهما في خدمات السفر.
1ـ فالجهالة التي علّل بها الشافعية منع اجتماع البيع والسلف غير متصورة في تمويل خدمات السفر ، لأنّ العقد يوقّع بموجب عرض كامل الأجرة المطلوبة، فلا مجال لجهالة تفضي إلى نزاع بين المصرف والعميل.
2ـ والغرر الذي علّل به المالكية منع اجتماع البيع والسلف؛ فلم يظهر لي ذلك في تمويل خدمات السفر، وإنْ وُجد فيبدو أنه من الغرر اليسير المعفو عنه.
وحتى لو كان الغرر وجوداً وكثيراً؛ فحاجة الناس “العملاء” إلى هذه الخدمات حاجة عامة متعينة تدعو للعقد، وشرط تأثير الغرر في العقود ألا تدعو للعقد حاجة(37).
3ـ وتهمة الرِّبا التي علل بها مالك وأحمد رحمهما الله المنع من اجتماع البيع والسلف إنما تكون باشتراط البيع على القرض، ولا اشتراط في تمويل خدمات السفر، فتخلّف السبب المانع، فجاز.
4ـ أما اشتراط عقدٍ في عقد الذي جعله ابن قدامة المقدسي رحمه الله علّة منع اجتماع البيع والسلف؛ فقد تقرر وثبت أنه لا وجود لهذا الاشتراط في خدمات السفر.
5ـ أما ما قيل إنّه قرض جرّ نفعاً ؛ فخدمات السفر في حقيقتها بيع جرّ قرضاً، أو أجرة جرّت قرضاً، وليس هي من القرض الذي جرّ نفعاً، وهو الذي نبّه إليه شمس الأئمة الحلواني رحمه الله.
6ـ أما ما قيل في علة منع اجتماعهما: تنافي حكميهما، أو الخروج عن مقتضاهما؛ فينعدمان إذا خرجت الرسوم الشخصية من أخذ الربح عليها.
فلم يبق مانعٌ مؤثّرٌ لاجتماع البيع والسلف الواقع في خدمات السفر، بل هو من الاجتماع غير المؤثر في صحة المعاملة.
وعليه: يجوز للمصارف الإسلامية تمويل خدمات السفر كحزمة.
ولكن يشترط لصحة ذلك أمران:
الأول : أنْ يكون العميل في الخدمات التي تقابلها الرسوم الشخصية بالخيار، إنْ شاء تولاها بنفسه، وإنْ شاء قام بها المصرف.
والثاني: أنْ لا يحسب المصرف الربحَ والأجرَ على الرسوم الشخصية التي يدفعها نيابة عن العميل حتى لا يكون قرضاً جرّ نفعاً، ولا يدسُّه في احتساب أجره في الخدمات.
بهذا يمكن للمصرف الإسلامي أن يموّل خدمات السفر على تقوى من الله.
والله الموفق إلى الحق والصواب.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
الهوامش
- أخرجه الترمذي برقم 1234 وقال: هذ حديث حسن صحيح، وقال الألباني: حسن صحيح. والنسائي برقم 4611 وقال الألباني(7/288): حسن صحيح. وأحمد برقم 6671، وقال شعيب(2/178): إسناده حسن. ↩
- أخرجه مالك في الموطأ من بلاغاته برقم 1339، وأحمد برقم 6628، والنسائي برقم 5010، وغيرهم، حسن إسناده الأرناؤوط. ↩
- أخرجه ابن حبان في صحيحه برقم 4321، والبيهقي في السنن الكبرى برقم 21429، وقال شعيب الأرناؤوط في إسناد ابن حبان ج10 ص 161: إسناده ضعيف وهو حديث صحيح. ↩
- أخرجه البيهقي في السنن الكبرى برقم 10995وقال: تفرد به يحيى بن صالح الأيلي وهو منكر بهذا الإسناد. ↩
- موطأ مالك ص 658. ↩
- مسند الربيع بن حبيب ، ج1ص 225 برفم 564. ↩
- موطأ مالك ، ص 658 . ↩
- معرفة السنن والآثار للبيهقي ، ج8 ص 168 . ↩
- شرح السنة ، للبغوي ، ج8 ص 145 . ↩
- التمهيد ، لابن عبد البر، ج24 ص 391. ↩
- شرح السنة ، ج8 ص 144 . ↩
- عون المعبود شرح سنن أبي داود ، ج9 ص 349، وانظر: معالم السنن للخطابي، ج3 ص140 . ↩
- سبل السلام شرح بلوغ المرام، ج3 ص 16 – 17 . ↩
- نيل الأوطار، ج5 ص 245. ↩
- راجعهما في: المنتقى في شرح الموطأ ، للباجي، ج3 ص 435. ↩
- شرح الزرقاني على موطأ مالك، ج3 ص 385 . ↩
- شرح السنة للبغوي ، ج8 ص 144 . ↩
- شرح الزرقاني على الموطأ ، ج3 ص 389 . ↩
- حاشية ابن عابدين ، ج4 ص 175 . ↩
- معرفة السنن والآثار للبيهقي ، ج8 ص 168 . ↩
- شرح السنة للبغوي، ج8 ص 145 . ↩
- التمهيد ، لابن عبد البر، ج24 ص 391. ↩
- المغني لابن قدامة ، ج9 ص 105 .فقرة 3263. ↩
- التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد، لابن عبد البر، ج24 ص 385. ↩
- المنتقى في شرح الموطأ ، للباجي، ج3 ص 435. ↩
- التمهيد لابن عبد البر، ج24 ص 386 . ↩
- حاشية ابن عابدين ج4 ص 175 . دار إحياء التراث العربي ودار الكتب العلمية بدون. ↩
- راجع التمهيد لابن عبد البر ج 24 ص 385 وما بعدها. ↩
- التمهيد نفسه ، ج24 ص 387 . ↩
- التمهيد نفسه . ↩
- التمهيد نفسه. ↩
- حاشية ابن عابدين، نفسه 175. ↩
- حاشية ابن عابدين نفسه . ↩
- الحاشية السابق نفس الموضع. ↩
- البيان والتحصيل، لابن رشد ، ج7 ص 38 . ↩
- راجع: إرشاد الفحول إلى تحقيق الحق من علم الأصول، للشوكاني ص 27، وص 375. ↩
- انظر: الغرر لشيخنا الإمام الصديق الضرير رحمه الله، ص 600 وما بعدها. ↩