المدخل والتصوّر:
الحمد لله ربّ العالمين، والصَّلاة والسَّلام على رسول الله الأمين وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد:
فتمويل التعليم بصيغة الإجارة الموصوفة في الذمة يمكن تصويره على النحو الآتي:
مؤسسات التعليم العالي في البلاد تخصص مقاعد دراسية في تخصصات مرغوبة، وذلك بموافقة وزارة التعليم العالي خارج القبول العام الذي يتم من مكتب القبول الموحد بوزارة التعليم العالي برسوم استثمارية للأفراد والمؤسسات، وهو الذي يسمَّى بـ « القبول الخاص ».
يقوم البنك باستئجار (حجز وشراء) عددٍ من هذه المقاعد الدراسية ودفع رسومها المحددة «أجرتها» كاملة للمؤسسة التعليمية « الجامعة » العارضة لهذه المقاعد.
يعرض البنك هذه المقاعد للراغبين فيها ممن لم يتمكّن من الحصول على مقعد دراسي بطريق القبول العام بصيغة الإجارة برسوم أعلى من التي دفعها للجامعة.
يدفع المستفيد ( الطالب) الذي قَبِل هذا العرض الأجرة المتفق عليها بينه وبين البنك على أقساط سنوية أو شهرية إما من بداية العقد، وإما بعد فترة سماح قد تصل إلى ما بعد التخريج.
هذا التمويل يقوم على عقدين منفصلين:
الأول: عقد إجارة للمقاعد الدراسية (خدمة التعليم الجامعي) بين الجامعة والبنك.
والعقد الثاني: عقد تأجير تلك المقاعد الدراسية ( خدمة التعليم الجامعي الموصوفة ) بين البنك والمستفيد [ العميل].
* لا يتحقق في العقدين معنى عقدين في عقد أو صفقتين في صفقة، لأنهما عقدان مستقلان منفصلان من جهة الانعقاد، ومن جهة أطراف العقد، فإنّ زمن العقد الأول بين البنك والجامعة سابق بزمنٍ عن العقد الثاني، كما أن أحد طرفي العقد الأول هو الجامعة، وأحد طرفي العقد الثاني هو المستفيد [العميل]، ولا يلتقيان في أيٍ من العقدين.
حكم العقد الأول: بين البنك والجامعة
العقد الأول مخرّجٌ على أنه عقد إجارة موصوفة في الذمة، ولا مانع شرعاً في تمويل التعليم بصيغة الإجارة الموصوفة في الذمة، وما يدفع الموانع الشرعية لهذا العقد المخرّج على إجارة الذِّمّة؛ جوازها، وتحقق محل العقد بشروطه، وكون الأجرة معلومة علماً يمتنع به التنازع، ثم انتفاء الموانع، وبيان هذه المؤكدات كما يلي:
أولاً: جواز الإجارة الموصوفة في الذّمة:
فإنّ الإجارة الموصوفة في الذمة إجارةٌ قال بجوازها الجمهور من المذاهب الثلاثة « المالكية والشافعية والحنابلة»، ولم أقف على قولٍ للحنفية يمنع الإجارة الموصوفة في الذمة:
وإليك بعض أقوال الفقهاء من المذاهب الثلاثة:
أ ـ من نُقول المالكية:
ـ قال القاضي عبد الوهاب رحمه الله في التلقين: « والإجارة ضربان: إجارة عين وإجارة في الذِّمة. فالعين يتعلق الحق بها وينفسخ العقد بتلف العين قبل استيفاء المنفعة وتقع المحاسبة. وأمّا التي في الذِّمة فتجوز حالةً ومؤجلة »(1).
ـ وقال ابن رشد رحمه الله في بداية المجتهد : « وأمّا أنواع الإجارة فإنّ العلماء على أن الإجارة على ضربين: إجارة منافع أعيان محسوسة، وإجارة منافع في الذِّمة، قياساً على البيع، والذي في الذِّمة من شرطه الوصف…» (2).
وقد يعبّر المالكية رحمهم الله عن الإجارة الموصوفة بالإجارة المضمونة، كما جاء عند البراذعي رحمه الله: « ولا بأس بأخذ حميل بالحمولة المضمونة»(3).
وكما قال ابن الجلاب رحمه الله في التفريع: « والإجارة في الحج على وجهين: الإجارة المضمونة، والإجارة على البلاغ وهي جائزة. فالمضمونة: هو أن يستأجر الرجل عن حجة موصوفة من مكان معلوم بأجرة معلومة، فيكون الفضل له والنقص عليه» (4).
وعبّر عنه الشيخ الدردير رحمه الله (بإجارة الضمان)، وعرّفها بأنّها « الإجارة بقدر معين على وجه اللزوم سواء كانت في الذمة نحو من يأخذ كذا في حجة وحينئذ يقوم وارثه مقامه إن شاء، أو في عين الأجير ك استأجرتك على أن تحج أنت عني بكذا وسواء عين السنة»(5).
والشاهد من هذه النقول والأقوال لهؤلاء الأئمة: إثباتُ أنّ المالكية يقسّمون الإجارة إلى إجارة على الأعيان وإجارة على الذِّمة، وأنهم قائلون بجواز الإجارة في الذِّمة، وهو صريح كلام القاضي عبد الوهاب وابن الجلاّب والدِّردير والبراذعي، ويفهم من كلام ابن رشد أنه لا خلاف في نوعي الإجارة عند العلماء من المالكية وغيرهم، إذ إنّ من شرط كتابه « بداية المجتهد » وعادته؛ أنْ يذكر الخلاف إنْ وُجِد وهو من أغراض كتابه ومقاصده، وقد قال في مقدّمة البداية: « فإنّ غرضي في هذا الكتاب أن أثبت فيه لنفسي على جهة التذكرة من مسائل الأحكام المتفق عليها والمختلف فيها بأدلتها، والتنبيه على نكت الخلاف فيها» (6).
ب ـ من نُقول الشافعية:
أمّا الشافعية فقد كثر كلامهم عن الإجارة الموصوفة في الذمة:
ـ قال النووي رحمه الله : « فالإجارة قسمان: واردة على العين كمن استأجر دابة بعينها ليركبها أو يحمل عليها أو شخصاً بعينه لخياطة ثوب، وواردة على الذمة كمن أستأجر دابة موصوفة للركوب أو الحمل أو قال ألزمت ذمتك خياطة هذا الثوب أو بناء الحائط فقبل»(7).
ـ وقال الرافعي رحمه الله : « الإجارة تنقسم إلى: واردة على العين، كما إذا استأجر دابة بعينها ليركبها، أو يحمل عليها، أو شخصاً بعينه لخياطة ثوب . وإلى واردة على الذمة كما إذا استأجر دابة موصوفة للركوب، أو للحمل، أو قال: الزمت ذمتك خياطة ثوب أو بناء جدار فقبل» (8).
ـ وقال الخطيب الشربيني رحمه الله في مغني المحتاج: « القسم الثاني: إجارة واردة على الذمة كاستئجار دابة موصوفة لحمل مثلاً، وبأن يلزم ذمته أي الشخص عملاً خياطة أو بناء أو غير ذلك، ويقول الآخر: قبلت أو اكتريت»(9).
ـ وقال شمس الدين الأسيوطي رحمه الله في جواهر العقود: « وتنقسم الإجارة إلى واردة على العين، كإجارات العقارات، وكما إذا استأجر دابة بعينها للحمل أو الركوب، أو شخصاً بعينه للخياطة أو غيرها، وإلى واردة على الذمة، كاستئجار دابة موصوفة، وكما إذا التزم للغير خياطة أو بناء» (10).
فالإجارة الموصوفة في الذمّة عند الشافعية قسمُ إجارة مشروعة جائزة عندهم.
جـ ـ من نُقول الحنابلة:
قال ابن مفلح رحمه الله في الفروع: « الإجارة أقسام: عين موصوفة في الذمة، فيشترط صفات سلم .. وعين معينة فهي كالمبيع… الثالث: عقد على منفعة في الذمة في شيء معين أو موصوف، كخياطة..»(11).
ـ وقال أبو البركات مجد الدين ابن تيمية رحمه الله في المحرر:« باب الإجارة: وهي عقد لازم لا تنفسخ بالموت، وأنواعها ثلاثة:
أحدها : عقد على عمل في الذمة: في محل معين أو موصوف كخياطة وقصارة…الثاني: إجارة عين موصوفة في الذمة..الثالث: إجارة عين معينة…»(12).
ـ وقال ابن القيم رحمه الله معرفاً الإجارة الموصوفة في الذمة« الإجارة على الذمة.. هي التزام لعمل مضمون في الذمة».
وفي حكم إجارة المسلم نفسه للذمّيّ قال:« إجارة المسلم نفسه للذمي ثلاثة أنواع: أحدها إجارة على عمل في الذمة فهذه جائزة …» (13).
وهكذا نجد من خلال نقول فقهاء هذه المذاهب الثلاثة أنّ الإجارة الموصوفة في الذمّة من الإجارات الجائزة شرعًا المقبولة فقهاً، فلا يمتنع بناء خدمة التعليم عليها. بل هي من صيغ الإجارات التي تصلح أن تحصل بها منافع التعليم، وقد جاء عن بعض الأئمة تصويب إجارة الذمّة على التعليم كالإمام الجويني رحمه الله وقد قال: « إذا كانت الإجارة واردة على الذّمة، مثل أن يُصدقها الزوج تعليم سورة البقرة، ولا يتعرّض لتعليم نفسه، فلا شك أنّه لا يتعيّن عليه التعليم بنفسه، وله أنْ يقيم غيره في ذلك مقام نفسه. وهذا بيِّن في أحكام الإجارات » (14).
ثانياً: تحقق محلّ العقد بشروطه:
فإنّ محل العقد وهو المنفعة ( الخدمة المقدمة من الجامعة ) موصوفة وصفاً نافياً للنزاع، فقد وُصفت هذه (الخدمة) محل العقد وصفاً نافياً للنِّزاع، من حيث:
أ ـ مدة الدراسة وسنواتها..
ب ـ عدد الساعات الدراسية والساعات التدريبية..
ج ـ المقررات والمواد الدراسية التي ستقدم للدارسين..
د ـ نوع الشهادة أو الدرجة التي تمنحها الجامعة..
هـ النظم الإدارية واللوائح المحدِّدة للحقوق والواجبات…
والمنافع يكون وصفها بطريقين(15): إما بطريق المدة، وإما بطريق ما يقدّم أو يطلب من العمل، وإما بكلا الطريقين إن أمكن، وهنا يمكن أن تقدر المنفعة (الخدمة الجامعية) بالطريقين معاً، فانضبطت.
ثالثاً: معلومية الأجرة:
فالأجرة في هذا العقد معلومة محدّدة باتفاق المؤجر (الجامعة) والمستأجر (البنك).
رابعاً: انتفاء الموانع:
ومع ما سبق؛ فإننا لا نرى في هذا العقد ما يمنع فيما يظهر، لأنها إجارة موصوفة في الذمة تحققت بشروطها، وهي:
1ـ أن ترد على موصوف في الذمة، سواء أكانت لعين أو لعمل وخدمة.
وهذا الشرط يمكن أن يتحقّق، كأن يقول مسؤول الجامعة: « ألزمنا ذمتنا تقديم التعليم الجامعي في مرحلة البكالريوس وتتكون من حزمة خدمات تتمثل في دراسة التخصص الفلاني لمدة أربع سنوات يشتمل على خمسين مادة دراسية في سنوات الدراسة بجملة 30 ساعة دراسية لكل مادة، وهذه المواد موزعة على السنوات الدراسية الأربع، في السنة الأولى المادة كذا والمادة كذا والمادة كذا، وفي السنة الثانية المادة كذا وكذا وكذا، وفي السنة الثالثة المادة كذا ..و..و.. وفي السنة الرابعة المادة كذا ..و .. ، كما يشتمل على تدريب عملي في الموقع الفلاني، أو في إحدى المواقع، على أن يتخرج الطالب بعد التزامه بالدراسة والنجاح بدرجة البكالريوس في التخصص الفلاني.
2ـ أن تكون المنفعة معلومة مضبوطة بما يقطع النزاع، قال البهوتي رحمه الله في شرح منتهى الإرادات: « وشرط ضبطها ـ أي المنفعة ـ بما أي وصف لا يختلف به العمل، كخياطة ثوب يذكر جنسه وقدره وصفته وصفة الخياطة، وبناء دار يذكر الآلة ونحوها وحمل لشيء يذكر جنسه وقدره..» (16).
ويختلف الضبط والوصف في الإجارة الموصوفة في الذّمة في حالة أن تكون الإجارة واردة على عمل في الذّمة، وفي حالة أن تكون واردة على عين موصوفة في الذّمة، فيشترط في الحالة الأولى الوصف بما لا يختلف، ويشترط في العين الموصوفة صفات السلم.
قال أبو البركات مجد الدين ابن تيمية رحمه الله : «..وأنواعها ثلاثة: أحدها: عقد على عمل في الذّمة: في محل معين أو موصوف كخياطة وقصارة، فيشترط وصفه بما لا يختلف… الثاني: إجارة عين موصوفة في الذّمة: فيعتبر لها صفات السلم..» اهـ المراد نقله(17).
وهذا الشرط متحقّق أيضاً لأن الخدمة موصوفة وصفاً نافياً للنزاع.
3ـ أن تكون المنفعة قابلة للبذل والإباحة، فلا يجوز أن تكون الخدمة أو المنفعة في المحرمات، كما لا يجوز أن تكون غير متقومة..
وهذا الشرط متحقّق أيضاً، لأنّ منفعة التعليم منفعة متقومة وخدمة مباحة قابلة للبذل.
بل يرى شمس الدين الأسيوطي رحمه الله أنّ الإجارة الموصوفة في الذمة أولى أن يورد على التعليم حيث قال: « والأولى أن يورد الإجارة على الذمة في البناء والخياطة وتعليم الخط والقراءة والحج، ويكتب ألزم فلان ذمته أن يخيط لفلان كذا أو يبني له كذا أو يعلمه كذا أو أن يحج عن فرض فلان المتوفى إلى رحمة الله تعالى حجة الإسلام وعمرته الواجبتين عليه من بلد كذا، وإن شاء كتب في صورة الحج عاقَدَ فلانٌ فلاناً على أن يحجّ عن فلان المتوفى » (18).
4ـ أن تكون الأجرة معجلة، وهو متحقق أيضاً في العقد الأول في تمويل التعليم.
ومع ذلك فإنّ هذا الشرط ليس شرطاً متفقاً عليه بين الفقهاء، بل فيه ثلاثة أقوال للقائلين بالإجارة الموصوفة في الذمة:
القول الأول:
يشترط تعجيل الثمن (الأجرة ) مطلقاً، وهو ظاهر كلام ابن رشد وقد نسبه للإمام مالك $.
قال رحمه الله تعالى: « ومن شرط إجارة الذمة أن يعجّل النقد عند مالك ليخرج من الدين بالدين» (19).
وقد وافق المالكيةَ في هذا كثيرٌ من الشافعية على أنّ الإجارة الموصوفة في الذمة سلمٌ في المنافع، والسلم شرطه تعجيل الثمن.
قال الشربيني رحمه الله: « ويشترط في صحة إجارة الذمة تسليم الأجرة في المجلس وأن تكون حالة كرأس مال السلم لأنها سلم في المنافع فلا يجوز فيها تأخير الأجرة ولا تأجيلها ولا الاستبدال عنها ولا الحوالة بها ولا عليها ولا الإبراء منها » (20).
وقال الأسيوطي رحمه الله: « ويشترط في الإجارة في الذمة تسليم الأجرة في المجلس كتسليم رأس مال السلم في المجلس » (21).
القول الثاني:
لا يشترط تعجيل الأجرة بعينها، وإنما الشرط تعجيل أحدهما، إما الأجرة وأما المنفعة، وهو قول للمالكية أيضاً قال القاضي عبد الوهاب رحمه الله في التلقين: « ويجب فيها تعجيل أحد الطرفين من الأجرة أو الشروع في الاستيفاء، فيخرج عن الدين بالدين» (22).
ولعل هذا يصلح تقديمه على كلام ابن رشد الحفيد رحمه الله، لأن تعجيل النقد إن كان للخروج من الدَّين بالدَّين؛ فإنّ تقديم أحد المعقودين ( الأجرة أو المنفعة ) يخرج من الدَّين بالدَّين، فلا يُشترط في الصحيح من قول المالكية تعجيل النقد بعينه لاسيما إذا وجدنا تأكيد هذا المعنى عند ابن رشد الجدّ وقد قال فيما نقله صاحب التاج والإكليل: « قال ابن رشد: الإجارة على عمل معين كنسج الغزل إن كان مضموناً في الذمة لم يجز إلا بتعجيل الأجر أو الشروع ، وإن تأخر كان الدَّين بالدين فلا يجوز إلا بتعجيل الطرفين أو أحدهما » (23).
القول الثالث:
اشتراط تعجيل الأجرة في حالة وعدم اشتراطه في حالة، والتفصيل في ذلك، فاشترط أصحاب هذا القول وجوب تعجيل الأجرة إذا وقع عقد الإجارة الموصوفة في الذمة بلفظ السلم أو السلف، وعدم وجوب التعجيل إذا وقع العقد بغير لفظ السلم أو السلف، كوقوعه بلفظ الإجارة. وهم بعض الشافعية والحنابلة:
أما الشافعية فمختلفون هل يلزم قبض الأجرة في المجلس أو لا؟ لأنهم اختلفوا هل الإجارة الموصوفة في الذمة سلم أو لا؟ قال النووي رحمه الله: «ولنا خلاف في أنّ هذه الإجارة: هل لها حكم السلم حتى يجب فيها تسليم رأس المال في المجلس أم لا؟ فإن قلنا لا؛ فهي كإجارة العين » (24). أي لا يجب تسليم الأجرة في المجلس.
وقال في موضع آخر مبيناً متى يجب تقديم الأجرة في مجلس العقد؟ : « فصلٌ: أمّا الإجارة الواردة على الذمة؛ فلا يجوز فيها تأجيل الأجرة ولا الاستبدال عنها ولا الحوالة بها ولا عليها ولا الإبراء، بل يجب التسليم في المجلس كرأس مال السلم، لأنه سلمٌ في المنافع، فإن كانت الأجرة مشاهدة غير معلومة القدر؛ فعلى القولين في رأس مال السلم. هذا إذا تعاقدا بلفظ السلم بأن قال: أسلمت إليك هذا الدينار في دابة تحملني إلى موضع كذا، فإن عقدا بلفظ الإجارة بأن قال: استأجرت منك دابة صفتها كذا لتحملني إلى موضع كذا؛ فوجهان بنوهما على أن الاعتبار باللفظ أم بالمعنى؟ أصحهما عند العراقيين وأبي علي والبغوي أنه كما لو عقدا بلفظ السلم ورجح بعضهم الآخر » (25).
وقال في المجموع شرح المهذب: « يشترط في صحة إجارة الذمّة أن يكون تسليم الأجرة في المجلس، هذا إذا عقدت الإجارة بلفظ السلم، كرأس مال السلم، لأن الأجرة سلم في المنافع، وكذا إذا عُقدت بلفظ الأجرة في الأصح» (26). أي: وفي الصحيح لا يشترط تسليم الأجرة في إجارة الذمة إذا عُقدت بلفظ الإجارة.
ـ والحنابلة ذهبوا إلى ما ذهب إليه الشافعية من التفصيل :
قال البهوتي رحمه الله في شرح منتهى الإرادات: « (وإن جرت) إجارة على موصوف بذمة ( بلفظ ) سلم، كأسلمتك هذا الدينار في منفعة عبد صفته كذا وكذا لبناء حائط مثلاً وقَبِل المؤجر ( اعتبر قبض أجرة بمجلس) عُقِدَ، لئلا يصحّ بيع دين بدين، ( و ) اعتبر ( تأجيل نفع ) إلى أجل معلوم كالسلم، فدلّ أن السلم يكون في المنافع كالأعيان، فإن لم تكن بلفظ سلم ولا سلف لم يعتبر ذلك » (27).
ولكن ابن قدامة رحمه الله فرّق في الكافي بين نوعي الإجارة الموصوفة في الذمة، فإن كانت الإجارة عقداً على عمل في الذّمة جاز تأخير الأجر إلى انقضاء العمل، بلا خلاف عندهم ، وإن كانت الإجارة عقداً على منفعة في الذمّة ففيه خلاف بينهم هل يجب العجيل أم يجوز التأجيل؟.
قال رحمه الله: « وإن كانت الإجارة على عمل في الذمة استحق استيفاء الأجرة عند انقضاء العمل لقول النبي ﷺ: ( أعطوا الأجير أجره قبل أن يجف عرقه)(28) ولأنه أحد العوضين فلزم تسليمه عند تسليم الأجر كالبيع وإن شرطا تأجيلها جاز إلا أن يكون العقد على منفعة في الذمة ففيه وجهان:
أحدهما: يجوز، لأنه عوض في الإجارة، فجاز تأجيله كما لو كان على عين.
والثاني: لا يجوز، لأنه عقد على ما في الذمة، فلم يجز تأجيل عوضه، كالسلم » (29).
وثمّة فارق بين الإجارة الموصوفة في الذمّة وبين السلم، كما نبّه إلى ذلك في حاشية الجمل على شرح المنهج:
أـ كون السلم بيعاً وهذه إجارة.
ب ـ وكون المعقود عليه في السلم متصوّرٌ لا يفوت منه شيء..
فجاء في الحاشية: « الواردة على الذّمة يفرّق بينها وبين السلم بأنّ السلم يسمى بيعاً بخلاف الإجارة، وبأن المعقود عليه في السلم يتصور وجوده في الخارج غير فائت منه شيء بمضي الزمن» (30).
وعلى هذا؛ فإنْ عُجلت الأجرة أو أُجّلتْ فلا فساد في العقد.
5 ـ ولا تشترط في الإجارة الموصوفة في الذّمة أمور تُشترط في الإجارة المعينة، ومنها:
أ ـ يجوز تأجيل المنفعة في الإجارة في الذّمة ، بينما لا يجوز تأجيل المنفعة في الإجارة المعيّنة، نصّ عليه الأسيوطي في جواهر العقود(31)، ونصّ عليه النووي في الروضة فقال: « أما إجارة العين فلا يصح إيرادها على المستقبل، كإجارة الدار السنة المستقبلة والشهر الآتي … أما الواردة على الذّمة فيحتمل فيها التأجيل والتأخير كما إذا قال ألزمت ذمتك حملي إلى موضع كذا على دابة صفتها كذا غدا أو غرة شهر كذا » (32).
وقال الغزالي رحمه الله في الوسيط: « ويدخل التأجيل فيه فيقول في المحرم: ألزمتك أن تركبني غرة المحرم، لأنه في الذّمة فأشبه السلم » (33).
وهو ما قال به القاضي عبد الوهاب رحمه الله: « وأمّا التي في الذّمة فتجوز حالة ومؤجلة » (34).
ويزيد إمام الحرمين الجويني رحمه الله هذا الأمر بياناً فيقول: « الإجارة الواردة على الذمة تقبل التعجيل والتأجيل، فإن كانت معجلةً، فلم يسلّم المكري حتى مضت مدة، لم تنفسخ الإجارة وبقي الدين مستقراً في الذمة؛ فإن الإجارة ليست تعتمد عيناً حتى يُفرض انفساخ العقد بضياعٍ وتلفٍ فيها»(35).
وهذا يعني: عدم اشتراط وجود العين المؤجرة أو قيام المنفعة المراد تأجيرها ـ كما في الإجارة المعينة، بل تصحّ الإجارة الموصوفة في الذّمة مع كون المنفعة معدومة عند إبرام العقد، لأنها التزام بتقديم المنفعة في الموعد الذي يتفق عليه لبدء سريان العقد، إلا إذا عقدت حالَّة.
ولعلّ الوجه الفقهي لذلك أمران:
الأول: أن المنفعة المعقود عليها لا تتطلب حين العقد سوى أن توصف، بخلاف الإجارة المعينة فلا بدّ أن تعيّن، إذ الموصوف موجود بصفته لا بعينه، فجاز أن تكون معدومة عند التعاقد .
الأمر الثاني: أنّها منفعة مضمونة في ذمّة المؤجر، فكأنها قائمة، لضمان توفيرها وتقديمها للمستأجر فيما يتفقان عليه من زمان استيفائها.
ب ـ لا يشترط القدرة على تسليم العين المؤجرة، لأنها منفعة مضمونة فلا يخشى معها عدم التمكّن من التسليم، لأنّه حتى إذا هلكت أو تغيبت أو غُصبت وجب إبدالها (36).
قال صاحب المغني: « إذا وقعت الإجارة على عين ، مثل أن يستأجر عبدا للخدمة، أو لرعاية الغنم ، أو جملاً للحمل أو للركوب ، فتلفت ، انفسخ العقد بتلفها .وإن خرجت مستحقة ، تبينا أن العقد باطل .وإن وجد بها عيباً فردها ، انفسخ العقد ، ولم يملك إبدالها ؛ لأن العقد على معين ، فثبتت هذه الأحكام ، كما لو اشترى عينا .وإن وقعت على عين موصوفة في الذّمة ، انعكست هذه الأحكام ، فمتى سلم إليه عيناً فتلفت ، لم تنفسخ الإجارة ، ولزم المؤجر إبدالها وإن خرجت مغصوبة ، لم يبطل العقد ، ولزمه بدلها .وإن وجد بها عيباً فردها ، فكذلك ؛ لأن المعقود عليه غير هذه العين، وهذه بدل عنه ، فلم يؤثر تلفها ، ولا غصبها ، ولا ردها بعيب في إبطال العقد..» (37).
فكل هذه الشروط متحققة في تمويل التعليم بالإجارة الموصوفة في الذّمة، حتى تعجيل الثمن (الأجر).
وقد أُورد عليه بأنّ فيه نوع غررٍ وجهالة، إذ ربما يتعطّل الدارس ( العميل، المستفيد) وربما يغيب الأستاذ بعض المحاضرات، وربما يتغيّب الطالب عن بعض المحاضرات والتدريبات، وربما تتأخّر مواعيد الاختبارات، قد لا يكون بعض الأساتذة بالمستوى الذي قصده ورغب من أجله الطالب في الالتحاق بهذه الجامعة، ونحو ذلك.
والجواب من وجهين:
الوجه الأول: أنّ هذا الغرر من الغرر اليسير الذي لا ينفك عن مثله أي عقد، وهذه الاحتمالات لا تأمنها أية جامعة مهما حرصت، ولا يقدر أي طالب أن يتفاداها مهما التزم وانتظم أو اجتهد أو حرص، فهو إذن غررٌ غير مؤثر في صحة العقد.
الوجه الثاني: أنّ هذا الغرر إنْ لم يسلّم بكونه غرراً يسيراً؛ فإنه غررٌ في عقد تدعو له الحاجة، وقد اشتُرط لتأثير الغرر ألاّ تدعو للعقد حاجة (38)، إذ إنّ كثيراً من الناس في حاجة إلى الحصول على مثل هذه الفرص الدراسية، وربما يبيع بعضهم بيوتهم ودورهم ودوابهم [ سياراتهم ] لتعليم أبنائهم بطريق القبول الخاص، وكثيرٌ غيرهم يعجز عن رسوم هذه المقاعد فيقع لهم الحرج والشدة بفقدها. فالحاجة إلى هذه الخدمة والمنفعة ظاهرة ماسة وإنْ لم تتعيّن لما لجأ إلى تحصيلها عبر المصارف أحد.
فصحّ العقد الأول بين البنك والجامعة المقدِّمة للخدمة. وبقي النظر في العقد الثاني بين البنك والمستفيد ( العميل ).
حكم العقد الثاني بين البنك والعميل ( الطالب)
وهذا العقد اختلفت فيه الآراء الفقهية المعاصرة ، فمنهم من يرى أنه إجارة على الإجارة ( إجارة من الباطن) ومنهم من يرى أنه (مقاولة ) ومنهم من يرى أنه (سلم موازٍ )، والمختار الأول: أنه إجارة على إجارة موصوفة في الذّمة.
وهذا العقد الثاني ينبني على العقد الأول الذي خُرِّج على أنه إجارة موصوفة في الذّمة، ولهذا ترد فيه إشكالات أربعة ـ فيما ظهر لي ـ سأحاول أن أوردها وأُجيب عنها فيما يلي:
الإشكال الأول:
الإجارة الموصوفة في الذّمة سَلَمٌ في المنافع عند من قال بها، فكيف يجوز التصرّف فيها قبل قبضها؟.
والجواب عن هذا الإشكال من أربعة وجوه:
الوجه الأول:
أنّ من الفقهاء من فصّل في الإجارة الموصوفة في الذّمة فجعل قسماً منها سلماً، ولم يجعل القسم الآخر كذلك. فرّقوا بين الإجارة في العين الموصوفة في الذّمة، وبين الإجارة في المنفعة الموصوفة في الذّمة، فجعلوا للأول أحكام السلم، ولم يجعلوا للثاني أحكامه، بل جعلوه إجارة تأخذ أحكام الإجارة.
قال ابن مفلح رحمه الله: « الإجارة أقسام:
أ ـ إجارة عين معيّنة .
ب ـ إجارة عين موصوفة في الذّمة، فيشترط صفات السلم.
ج ـ وعقد على منفعةٍ في الذّمة في شيء معيّن أو موصوف، كخياطة ، ويشترط ضبطه بما لا يختلف…» (39).
والذي فهمته من هذا النصّ: أنّ ابن مفلح أراد التفريق بين إجارة العين الموصوفة في الذّمة وبين إجارة المنفعة الموصوفة في الذّمة، فتُعامل الأولى على أنها سلم في المنافع، ولا تُعامل الثانية سَلَماً. وبالتالي إذا ضُبطت بما لا يختلف؛ جاز التصرف فيه بالإجارة.
وكأن الإمام السبكي رحمه الله يرجّح كون الإجارة الموصوفة في الذمة ليس سلماً حين قال: « ..الإجارة واردة على الذّمة مثل أنْ يقول: أجرتك على أن تحصل لي خياطة هذا الثوب، فإنْ قلنا هي كالسلم؛ فيُشترط قبض الأجرة في المجلس ويثبت خيار المكان دون الشرط، وإن لم نلحقها بالسلم؛ فهي كالإجارة الواردة على العين، لأنّ المنفعة معدومة بخلاف السلم، لأنّه وارد على موصوف، فعلى هذا؛ حكمها حكم الإجارة الواردة على الأعيان ، والصحيح أنه لا يثبت فيه الخياران لأنه لا يؤدي إلى تعطيل المنفعة»(40). فهو رحمه الله أثبت الخيار فيها على أنها سلمٌ أو ملحقة بالسلم، لكنه ذهب إلى عدم ثبوت الخيار فيها بحجة أنه ليس فيها تعطّل المنفعة، فرجّح بذلك اختلاف هذه الإجارة عن السلم.
الوجه الثاني:
أنّ التصرّف في الإجارة غير البيع، إذ في البيع يقف التصرف على القبض، لأنه ينتقل به الضمان، أما في الإجارة فلا يقف التصرف على القبض، لأنه لا ينتقل به الضمان عن المؤجر، ولأن موجب عقد الإجارة ملك المنفعة والتسلط على استيفائها بنفسه وبمن يقوم مقامه، فجاز التصرف فيه قبل قبضه(41).
الوجه الثالث:
أنّ الشافعية والحنابلة فرّقوا بين انعقاد هذه الإجارة بلفظ السلم فلا يجوز التصرف فيها قبل القبص، وبين انعقادها بلفظ غير لفظ السلم كلفظ الإجارة، فيجوز عندئذ التصرف قبل القبض.
فهذا الإمام النووي رحمه الله بعد أن منع تأجيل الأجرة في الإجارة الواردة على الذمة؛ فرّق بين عقدها بلفظ السلم وبين عقدها بلفظ الإجارة فقال: « هذا إذا تعاقدا بلفظ السلم بان قال: أسلمت إليك هذا الدينار في دابة تحملني إلى موضع كذا، فإنْ عقدا بلفظ الإجارة بأن قال: استأجرت منك دابة صفتها كذا لتحملني إلى موضع كذا؛ فوجهان بنوهما على أن الاعتبار باللفظ أم بالمعنى؟ أصحهما عند العراقيين وأبي علي والبغوي أنه كما لو عقدا بلفظ السلم، ورجّح بعضهم الآخر» (42)، أي جواز التأجيل على أنه إجارة لا سلم، وهو قول صحيح في المذهب.
وقال البهوتي رحمه الله في شرح منتهى الإرادات: « وإن جرت إجارة على موصوف بذمّة بلفظ سلم، كأسلمتك هذا الدينار في منفعة عبد صفته كذا وكذا لبناء حائط مثلاً وقَبِل المؤجر اعتبر قبض أجرة بمجلس عُقِدَ، لئلا يصحّ بيع دَين بدَين، واعتبر تأجيل نفع إلى أجل معلوم كالسلم، فدلّ أن السلم يكون في المنافع كالأعيان، فإن لم تكن بلفظ سلم ولا سلف لم يعتبر ذلك» (43).
وقال الرحيباني رحمه الله في مطالب أولي النهى: « وإن جرت إجارة على عين موصوفة بذمة بلفظ سلم ؛ كأسلمتك هذا الدينار في خدمة عبد صنعته كذا ، وقبل المؤجر ؛ اعتبر قبض أجرة بمجلس جرى فيه العقد؛ لئلا يصير بيع دين بدين ، واعتبر تأجيل نفع إلى أجل معلوم ، وإن كان بلفظ الإجارة ؛ جاز التصرف قبل القبض » (44).
فبان أنّ من قال بعدم الإجارة على الإجارة الموصوفة في الذّمة، إنما نظر إلى كونها سلماً في المنافع، لا إجارة، أمّا من نظر إليها أنها إجارة؛ فإنّه يجوز عنده التصرف قبل القبض.
الوجه الرابع:
ذهب الإمام النووي رحمه الله إلى جواز الإجارة على الإجارة الموصوفة في الذّمة، وأعطى حق الاختصاص للمستأجر وبالتالي جوّز له إجارتها، فقال في روضة الطالبين: « وإن كانت الإجارة على الذّمة وسلم دابة وتلفت لم ينفسخ العقد، وإن وَجَدَ بها عيباً لم يكن له الخيار في فسخ العقد، ولكن على المؤجر إبدالها، ثم الدابة المسلمة عن الإجارة في الذّمة وإن لم ينفسخ العقد بتلفها، فإنه ثبت للمستأجر فيها حق الاختصاص حتى يجوز له إجارتها » (45).
الإشكال الثاني:
طالما كان العقد إجارةً موصوفةً في الذّمة؛ فشرطه وجوب تعجيل الثمن (الأجرة) في مجلس العقد، وبالتالي لا فائدة للعميل ولا جدوى له في هذا العقد، لأنه إنما دخل في هذا العقد ليؤجّل الأجرة ويقسطها.
والجواب عنه:
ـ أنّنا في الكلام على هذا الشرط ذكرنا الأقوال الثلاثة للفقهاء فيه، وهي:
أ ـ اشتراطه تعجيل الثمن في مجلس العقد.
ب ـ اشتراط أحد الطرفين إما الأجرة وإما استيفاء المنفعة.
ج ـ وجوب تعجيله إذا عُقدت بلفظ السلم أو السلف، وعدم وجوب التعجيل إذا عقدت بغيرهما، كانعقادها بلفظ الإجارة.
د ـ وجه رابع للحنابلة أورده ابن قدامة في الكافي، وهو أنه يجوز تأجيل الأجرة إذا اتفقا على تأجيلها(شَرَطا)، لأنه عوض في الإجارة، فجاز تأجيله كما لو كان على عين. قال ابن قدامة: « وإن شَرَطا تأجيلها « أي الأجرة» جاز، إلاّ أنْ يكون العقد على منفعة في الذمة، ففيه وجهان:
أحدهما: يجوز لأنه عوض في الإجارة فجاز تأجيله كما لو كان على عين.
والثاني: لا يجوز لأنه عقد على ما في الذمة فلم يجز تأجيل عوضه كالسلم»اهـ(46).
كأنّه يقول: الإجارة على العين متفق على جواز اشتراط تأجيل الأجرة، والإجارة الموصوفة مختلف في اشتراط التأجيل، منهم من يرى جوازه ومنهم من يمنع. فالجواز قول معتبرٌ من أخذ به لا يُنكر عليه.
كما أنّ صاحب الذخيرة الإمام القرافي رحمه الله يرى جواز تأجيل النقد في الإجارة الموصوفة في الذّمة، قال رحمه الله :« يُمنع كراء السفن في وقت الخطر ويفسخ للغرر، ويجوز اشتراط التأخير إلى وقت السلامة إذا لم ينقد، إلا في القريب نحو الشهر فيجوز النقد، ولو كان الكراء مضموناً جاز النقد، ولو بعد لكونه مأموناً بكونه في الذّمة »(47).
والكراء المضمون هو الإجارة الموصوفة في الذمة ذاتها. ولو جاز النقد جاز التأخير والنساء، فليس بإشكال يفسد به العقد ويُمنع.
الإشكال الثالث:
أن هذا العقد يدخله الغرر وتكتنفه الجهالة من جهات، من جهة مدة الدراسة: فلا يُعلم متى يتخرّج الطالب، وهل سيمكث في الفرقة عاماً أو أكثر؟ وهل سيحصل على الدرجة أم لا ؟ وغير ذلك..
هذا الإشكال: مجاب عنه، بما أجيب به في العقد الأول، فهو غررٌ يسير لا يكاد ينفك عن مثله عقدٌ من العقود، إذ الأصل في الجامعات استقرارها ، وانتظام الدراسة فيها وتخرّج طلابها في الغالب الأغلب اللهم إلاّ في الظروف القاهرة من الاضطرابات والثورات ونحوها، فمثل هذا الغرر لا اعتداد به في إفساد العقود..
كما أنّه لو سلّمنا كونه غرراً معتبراً؛ فإنّه غررٌ في عقدٍ تدعو الحاجة إليه ـ كما تقرر من قبل ـ ، فصار غير مؤثّرٍ في صحته.
الإشكال الرابع:
أنّ هذا العقد يؤدي إلى تأجيل البدلين، فيؤول بذلك إلى بيع كالئ بكالئ ودَين بدَين، إذ المعقود عليه معدوم عند التعاقد، والبدل ( الأجرة) مؤجّلٌ عن مجلس العقد.
والجواب: أن الإجارات تقبل تأجيل البدلين، إذ لا يجب تقديم الأجرة في الإجارة إلا على قولٍ للشافعي بوجوبه، على ما قال ابن جزي رحمه الله: « لا يجب تقديم الأجرة بمجرد العقد، وإنّما يستحب تقديم جزء من الأجرة باستيفاء ما يقابله من المنفعة، إلاّ إن كان هناك شرطٌ أو عادةٌ أن يقترن بالعقد ما يوجب التقديم.. وقال الشافعي رحمه الله: تجب الأجرة بنفس العقد » اهـ(48).
وفي الدر المختار: « الأجر لا يلزم بالعقد فلا يجب تسليمه» ويشرح ابن عابدين العبارة فيقول رحمه الله: « لأنّ العقد وقع على المنفعة، وهي تحدث شيئاً فشيئاً، وشأن البدل أن يكون مقابلاً للمبدل ، وحيث لا يمكن استيفاؤها حالاً؛ لا يلزم بدلها حالاً، إلا إذا شرطه ولو حكما بأن عجله » (49).
وبهذا صحّ الاعتماد على صيغة الإجارة الموصوفة في الذمّة في تمويل التعليم، مع مراعاة ما ذكر من أوصاف وضوابط.
فتوى الهيئة العليا للرقابة الشرعية
وأصدرت الهيئة العليا للرقابة الشرعية على المصارف والمؤسسات المالية بالسودان فتواها رقم ( 2/2011) بشأن تمويل خدمة التعليم بصيغة الإجارة الموصوفة في الذّمّة، نصها ما يلي:
« تمت مداولات عديدة حول موضوع تمويل الخدمات حيث وقفت الهيئة على تجربة بعض البلاد المجيزة لهذا الموضوع وما أُخذ عليها . وأعدت الهيئة الدراسات الوافية في هذا الموضوع .. كما تناولت مآخذ بعض الباحثين من حيث تحديد محل العقد على نحو ينفي الجهالة وعن شبهة عدم العلاقة المباشرة بين الطالب الذي يستأجر كرسي الدراسة والبنك مستأجر من المؤسسة التعليمية هذه الخدمة .
إن خدمة التعليم الحكومي والأهلي والعام والخاص خدمة مستقرة في السودان لها مؤسساتها الحكومية المسؤولة عن تنظيمها والتأكد من استيفاء الشروط والمتطلبات المفترض تحققها في المؤسسة التي تقدم هذه الخدمة. كما أن ذات المؤسسة لها أجهزتها الإدارية والأكاديمية المتابعة لمسار تقديم الخدمة والتي تتخذ من التدابير ما يضمن استمرار هذه الخدمة. وهي بهذا الوصف خدمة مضبوطة ومعلومة لكل المعنيين بها .
وبدون الإخلال بذلك نرى التزام المؤسسات التمويلية التي ترغب في تمويل هذه الخدمة مراعاة الآتي:
أولاً : الحيثيات :
تمويل خدمة التعليم بصيغة الإجارة الموصوفة في الذمة يمكن تصويره على النحو الآتي:
تقوم إدارات مؤسسات التعليم في البلاد بطرح مقاعد دراسية عن طريق القبول الخاص في مختلف مراحل التعليم ( العام والعالي ) برسوم محددة حيث تتم تسمية المؤسسة التعليمية، وتحدد الخطة الدراسية لجميع السنوات، كما تحدد الساعات الدراسية ولا يشترط تحديد الأساتذة .
يقوم البنك باستئجار عددٍ من المقاعد المطروحة ودفع الرسوم كاملة للمؤسسة التعليمية العارضة لهذه المقاعد .
يقوم البنك بعرض هذه المقاعد للراغبين من الطلاب المؤهلين.
يقوم المستفيد ” الطالب الذي قبل هذا العرض” بدفع الأجرة المتفق عليها بينه وبين البنك على أقساط وفق ما يتم الاتفاق عليه بين الطرفين
يؤخذ في الاعتبار المخاطر المعتادة التي ترتبط بطبيعة هذه الخدمة .
ثانياً : كيفية تنفيذ عملية التمويل :
يتم تنفيذ هذا التمويل عبر عقدين مستقلين منفصلين على النحو الآتي :
الأول : عقد تملك منافع مقاعد دراسية يتم توقيعه بين البنك والمؤسسة التعليمية .
الثاني : عقد تمليك منافع مقاعد دراسية يتم توقيعه بين البنك والمستفيد ” الطالب ” .
ثالثاً : الفتوى :
بناءً على ما سبق ترى الهيئة أنه لا مانع شرعاً من تمويل خدمة التعليم بصيغة الإجارة الموصوفة في الذمة اعتماداً على أن :
الإجارة الموصوفة في الذمة التي هي أصل هذه الصيغة التمويلية قال بجوازها العلماء ولا نعلم في ذلك خلافاً .
الأصل في المعاملات الإباحة حيث إن المنافع والخدمات ذات قيمة مادية مباحة يمكن تقديرها وضبطها ومبادلتها بالمال فتجوز إجارتها إجارة موصوفة في الذمة .
تمويل خدمة التعليم وفق أحكام الإجارة الموصوفة في الذمة يحقق مصالح شرعية معتبرة إذ يتيح لشريحة كبيرة من الطلاب المؤهلين مواصلة دراستهم الأكاديمية وإعدادهم بالصورة التي تؤهلهم لخدمة مجتمعاتهم في شتى مجالات الحياة» (50).
وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحه وسلم، والحمد لله رب العالمين.
الهوامش
- التلقين في الفقه المالكي، القاضي عبد الوهاب البغدادي، ص 121. ↩
- بداية المجتهد ونهاية المقتصد لابن رشد الحفيد، ج3 ص 434. ↩
- التهذيب في اختصار المدونة، للبراذعي، ج4 ص 35 . ↩
- التفريع في فقه الإمام مالك بن أنس، لابن الجلاب، ج1 ص 192 – 103 . ↩
- الشرح الكبير على مختصر خليل للشيخ الدير بحاشية الدسوقي، ج2 ص 11 . ↩
- بداية المجتهد ونهاية المقتصد لابن رشد الحفيد، مقدمة المؤلف، ج1 ص 9. ↩
- روضة الطالبين للنووي ج5 ص 173-174 . ↩
- العزيز شرح الوجيز المعروف بالشرح الكبير، للرافعي ، ج6 ص 83. ↩
- مغني المحتاج شرح إلى معرفة معاني ألفاظ المنهاج، للخطيب الشربيني، ج3 ص 443. ↩
- جواهر العقود ومعين القضاة والموقعين والشهود، شمس الدين المنهاجي الأسيوطي، ج1 ص 209. ↩
- كتاب الفروع ، لابن مفلح ومعه تصحيح الفروع لعلاء الدين المرداوي، تحقيق د. عبد الله بن عبد المحسن التركي، ج7 ص 160-163. ↩
- المحرر في الفقه على مذهب الإمام احمد بن حنبل ، مجد الدين أبو البركات ابن تيمية الحراني، ج1 ص 356 . ↩
- أحكام أهل الذمة ، ج1 ص 566. ↩
- نهاية المطلب في دراية المذهب، الجويني، ج13 ص 20. ↩
- راجع: الكافي لابن قدامة، ج2 ص 308 – 309، شرح منتهى الإرادات، ج6 ص 229. ↩
- شرح منتهى الإرادات، ج6 ص 229 . ↩
- المحرر في الفقه، ج1 ص 356 . ↩
- جواهر العقود، للأسيوطي، ج1 ص 234. ↩
- بداية المجتهد، ج3 ص 434. ↩
- الإقناع للشربيني، ج2 ص 349. ↩
- جواهر العقود، للأسيوطي، جج1 ص 209 . ↩
- التلقين ، ص 121. ↩
- التاج والإكليل، ج10 ص 27 . ↩
- روضة الطالبين، ج4 ص 153. ↩
- روضة الطالبين، ج5 ص 176 . ↩
- المجموع شرح المهذب، للنووي، ج15 ص 356-357. ↩
- شرح منتهى الإرادات، ج6 ص 229 . ↩
- أخرجه ابن ماجة برقم 2443، والبيهقي في السنن الكبرى برقم 11988 ، والطبراني في المعجم الصغير برقم 34 ، وصحح الألباني إسناد ابن ماجة. ↩
- الكافي في فقه الإمام أحمد بن حنبل الشيباني، ج2 ص 172 . ↩
- حاشية الجمل على شرح المنهج، سليمان العجيلي المعروف بالجمل، ج3 ص 105 . ↩
- جواهر العقود، للأسيوطي ج1 ص 210. ↩
- روضة الطالبين ، ج5 ص 182 . ↩
- الوسيط للغزالي ، ج4 ص 171. ↩
- التلقين، ص 121. ↩
- نهاية المطلب في دراية المذهب، ج8 ص 109، فقرة رقم 5145. ↩
- انظر: المحرر في الفقه، ج1 ص 356 . ↩
- المغني لابن قدامة، ج6 ص 56 ، دار الفكر، طبعة 1405هـ ↩
- راجع بتوسع: الغرر وأثره في العقود، لشيخنا الصديق الضرير حفظه الله تعالى، ص 600 وما بعدها. ↩
- الفروع، ج4 ص 331. ↩
- فتاوى السبكي، ج1 ص 440. ↩
- وهذا خلافاً للحنفية، فقد منعوا من الإجارة على الإجارة على أنها ربح ما لم يضمن، انظر: المهذب ج1 ص 403، المغني ج8 ص 55، كشاف القناع ج3 ص 566. شرح منتهى الإرادات، ج6 ص 212. ↩
- روضة الطالبين، للنووي، ج5 ص 176. ↩
- شرح منتهى الإرادات، ج6 ص 229 . ↩
- مطالب أولي النهى، ج3 ص 613ـ 614 . . ↩
- روضة الطالبين وعمدة المفتين ، للنووي ، ج 5 ص 223. ↩
- الكافي لابن قدامة ، ج2 ص 172 . ↩
- الذخيرة للإمام القرافي، ج5 ص 485 . ↩
- القوانين الفقهية، ص 241. ↩
- حاشية ابن عابدين ، ج4 ص132-133. ↩
- موقع الهيئة العليا للرقابة الشرعية على المصارف والمؤسسات المالية،ttps://www.hssb.gov.sd/ar/content . ↩