الخطبة الأولى:
إن الحمد لله؛ نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، نحمده سبحانه كما يحمده حملة عرشه المكرمون والملائكة المقربون والنبيون والمرسلون، عدد ما أحاط به علمه، وخط به قلمه، وأحصاه كتابه، وبلغ فيه لطفه، وأدركه بصره، وقهره ملكه، ورضيته نفسه، ووسعته رحمته. أهل الثناء والمجد أحق ما قال العبد وكلنا لك عبد، لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله وحبيبه وصفيه وخليله، خيرته من خلقه، وأمينه على وحيه، وسفيره بينه وبين عباده، أكرم الخلق على الله أحبهم إليه صلى الله عليه وسلم. أرسله ربه للإيمان منادياً، وإلى الجنة داعياً، وإلى صراطه المستقيم هادياً، وبكل معروف آمراً، وعن كل منكر ناهياً. رفع له قدره، وشرح له صدره، وجعل الذلة والصغار على من خالف أمره، والشفاعة والسعادة لمن تابع سيره.
يا خير مبعوث وأفضــــل مرسلٍ
وشفيع قوم أذنبوا وأســـــــــــاءُوا
أنوارك العظمى إذا ما أشرقتْ
يوم القيامة في الورى سعـــداء
سلامي إلـى سيِّــــد المـرسلــيـن
شفيع الخلائق في المـــــــزدحم
وأصحابه الغر فخر الوجــــــــــــود
دعاة الفضيلة أهــــــــــــل الذمم
أراهم بقلبيَ في مهجـــــــــــــــتي
يـــــــــــــذودون عن ديننا والقيم
تَشِعُّ على الكون أنوارهـــــــــــــــم
وتســــــــــــــــري تبدد عنا الظلم
ومن لم يهم بالرسول الكـــــريم
يعاني التردي وفرط السقـــــــم
فأكثر صلاةً على المصطفـــــى
تفُزْ بالرضا والمُنَى والكــــرم
اللهم فصلِّ وسلِّم وبارِك وأنعم وزد على سيدنا وحبيبنا قرة عيون الموحدين صلوات ربي وسلامه عليه نبينا محمد بن عبد الله، وعلى آله الطيبين الطاهرين، وأصحابه الغُرِّ الميامين الذين شادوا الدِّين، ومن اتبعوهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد:
فهذه الأيام هي فرصة جليلة؛ لأن القلوب ترتبط بالسماء، بالسماء الذي أُنزل منه الوحي على قلب المصطفى الحبيب e. ترتبط قلوب المؤمنين بهذا الشهر، شهر ربيعٍ الأول، شهر الأنوار؛ لأن فيه شعّت أنوار النبوة على العالمين رحمةً وهدى، صلوات ربي وسلامه على محمد صلى الله عليه وسلم.
في هذا الشهر – بلا إشكال علمي ولا خلاف فقهي – وُلد المصطفى الحبيب صلى الله عليه وسلم، ولذلك يُستغلّ هذا الشهر للوقوف مع حبيبنا المصطفى e، لتنبيه وتذكير المؤمنين بنبيهم محمد e أكثر من غيره من الشهور؛ لأن الناس يكونون بين محتفل بذكرى مولده e أو متحدث فيه. فكلنا نسمع من يمدح المصطفى صلى الله عليه وسلم فيكثر من مدحه في هذا الشهر، ونجد الساحات تمتلئ احتفالاً واحتفاءً بذكرى مولده الشريف صلى الله عليه وسلم.
ونجد من يتكلم في حكم هذا الاحتفال، والناس في هذا العصر اختلفوا في حكم الاحتفال بمولد المصطفى صلى الله عليه وسلم بين مجوِّزٍ محسِّنٍ لهذا الاحتفال، وبين مانع ومحرّم ومبدِّعٍ للاحتفال بالمولد الشريف. والخلاف فيه خلافٌ سائغٌ جائزٌ لا إشكال فيه؛ لأن لكل فريق دليلَه ولكل فريق حجّتَه، وكل خلاف انبنى على دليل هو خلاف مقبول محمود غير مذموم. والدليل إما أن يكون دليلاً قطعياً فلا يمكن أن يقع فيه الخلاف، وإما دليل ظني لا شك من تفاوت الأفهام ومن اختلاف الآراء بالاستدلال بذات الدليل ربما. ولهذا فالخلاف واقع في حكم المولد، وهو خلاف جائز سائغ لا إشكال فيه، فمن يرى الجواز فله ذلك ولا يُنكر عليه؛ ومن يرى منعه لا يُنكر عليه أيضاً ، لأن المختلفات تحكمها قاعدتان: قاعدة فقهية وقاعدة أصولية.
· فالقاعدة الفقهية تقول: “لا يُنكر المختلف فيه وإنما يُنكر المتفق عليه”.
· والقاعدة الأصولية تقول : “لا إنكار في مسائل الخلاف (أو في مسائل الاجتهاد)”. ومسائل الاجتهاد هي المسائل التي تنبني على الأدلة الظنية، الأدلة التي تحتمل أكثر من معنى، دليل يحتمل أكثر من معنى في طياته في ألفاظه في عباراته في سياقه في أسبابه فتكون مسائله خلافية .
ولذلك لا ننكر على من يحرِّم، ولا ننكر على من يبيح إلا ما يقع من المنكرات المتفق عليها في أعمال المولد من الاختلاط الماجن والأحوال المسيئة لجناب النبي e، وما يمارسه المحتفلون من سلوك لا تليق بالمناسبة ولا بالمحتفى به e. فإذاً لا ينبغي أن نقف عند الخلاف ننصر هؤلاء أو ننصر أولئك وإن كان لنا رأي نتبناه أو نراه، وإنما الذي يعنينا أن نستفيد من هذا الحدث، من هذه الذكرى، فننبه إلى جوانب عظيمة من مقام مصطفانا الحبيب محمد e، وما يجب على المؤمنين تجاهه، ما يجب عليّ وعليك مع النبي صلى الله عليه وسلم:
كيف تكون معه؟..
ما حقه عليَّ وعليك؟ ..
ما واجبنا تجاهه صلى الله عليه وسلم؟ تجاه دينه، تجاه دعوته، تجاه هديه، تجاه سنته؟ كيف تكون؟..
هذا الذي يعنينا أكثر من أن نتحدث عن الخلاف في جواز الاحتفال أو عدم جواز الاحتفال بذكرى المولد الشريف صلوات ربي وسلامه على محمد عليه الصلاة والسلام. ولذلك هنا اليوم سأقف، وفي غير اليوم أيضاً سأقف مع جوانب من هذه الواجبات العظيمة.
الواجب الأول الذي يجب أن أقف معه اليوم: ما قرّره القرآن، ما قرّره رب العزة في حق المصطفى صلى الله عليه وسلم، فقد قال تعالى: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾. فحديثنا عن أولوية مصطفانا صلى الله عليه وسلم؛ منا بنا؟ منا، هو أولى بي مني، وأولى بك منك. فالنبي أولى بمؤمن به وبرسالته وبكتابه صلى الله عليه وسلم، ألا وهو أولى بك منك عليه الصلاة والسلام: منك أنت، في مالك، في ولدك، في والدك، كل ما تملك، كل ما يليك.. رسول الله صلى الله عليه وسلم أولى بك فيه.
قال التستري رحمه الله في تفسير هذه الآية: «من لم ير نفسه في ملك الرسول e ، ولم ير ولاية الرسول e في جميع الأحوال ، لم يذق حلاوة سنته بحال، لأن النبي e هو أولَى بالمؤمنين» ([1]).
وروى الطبري رحمه الله في التفسير بسنده إلى أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله e قال: ( ما من مؤمن إلا وأنا أولَى الناس به في الدنيا والآخرة، اقرءوا إن شئتم ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾..
وفي سنن الدارمي [ ح رقم 2636] يقول النبي e : ( والذي نفسي بيده ما على الأرض مؤمن إلا وأنا أولَى الناس به ).
وفي البخاري [ ح رقم 4781] يقول e: ( ما من مؤمن إلا وأنا أولَى الناس به في الدنيا والآخرة، اقرءوا إن شئتم ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾.
وفي صحيح مسلم [ ح رقم 15 – 1619] يقول e : ( والذي نفس محمدٍ بيده إنْ على الأرض من مؤمن إلا وأنا أولَى الناس به ).
ما المراد بهذه الأولوية في الآية ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾؟؟. أولَ في ماذا؟
وروى الحسن البصري رحمه الله تعالى مرسلاً أنه e قال: «أنا أولى بكل مؤمن من نفسه » [ تفسير الطبري ].
فما المراد بالأولوية هنا في هذه الآية: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾؟ ما المراد بالأولوية في هذه الآية؟ أولى بك، أولى بكل مؤمن في ماذا؟ هل في شيء معين؟ لا، في كل شيء! أولى بي وبك أيها المؤمن في كل شيء، أولى بك من نفسك في كل شيء، و(مِنْ) هنا للتفصيل: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾، من أنفسهم كل شيء من كل شيء، ولو من نفسك أنت، ولو من نفسك، فالنفس أولى شيء بك، لكن رسول الله صلى الله عليه وسلم أَوْلاكَ وأولى بك حتى من نفسك عليه الصلاة والسلام.
النبي أولى بالمؤمن من نفسه في ماله:
إذا احتاج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مالك كله، إياك أن تتردد، أخرج من جميع مالك لحاجة مصطفاك صلى الله عليه وسلم، أخرج من جميع مالك. حين أمر الرسول صلى الله عليه وسلم بالصدقة ذات مرة -أمر بالصدقة- وفرح عمر بن الخطاب رضي الله عنه وقال (وكان عنده في ذاك الوقت عنده مال كثير)، فقال رضي الله عنه: “لأفضلن أبا بكر رضي الله عنه” -وكان يحاول أن يسابق أبا بكر الصديق رضي الله عنه كثيراً لكنه في كل مرة يسبقه أبو بكر- فقال: “هذه فرصتي الآن لأفضلن أبا بكر رضي الله عنه”. فجمع ماله وقسمه قسمين، فأخذ نصف المال إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال له النبي عليه الصلاة والسلام: «هذا مال كثير، ماذا تركت لأهلك؟» قال: تركت لهم نصفه، نصف المال، فسُرَّ النبي صلى الله عليه وسلم.
ولكن بعده بقليل يأتي أبو بكر رضي الله عنه ويحمل مالاً كثيراً، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «وما تركت لأهلك؟» قال: تركت لهم الله ورسوله([2])، رضي الله تعالى عنهما..
عمر رضي الله عنه جاء بنصف المال لأنه قدّر أنّ حاجة النبي صلى الله عليه وسلم هذا النصف، لكن أبا بكر رضي الله تعالى عنه قدّر أن النبي صلى الله عليه وسلم ربما يكون محتاجاً لكل ماله، فكيف يكون محتاجاً وأنا يبقى عندي مال؟ فكأنه قال: “والله لا أترك شيئاً من مالي ورسول الله صلى الله عليه وسلم محتاج”، فأخذ كل ماله وجاء لنبي الله صلى الله عليه وسلم، فقال له: (ما تركت لأهلك؟) قال: «تركت لهم الله ورسوله صلى الله عليه وسلم » .
فإذا احتاج نبيك إلى مالك كله إياك أن تردد، ابذل مالك كله لرسول الله صلى الله عليه وسلم. لماذا؟ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أولى بك من نفسك في مالك: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾.
أولى بالمؤمن من نفسه في ولده:
ولدك النبي أولى به منك، أحق فيه منك. حق النبي في ولدك أعظم من حقك في ولدك صلى الله عليه وسلم. لماذا؟ لأن الله تعالى قرر: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾.
أبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه يستأذن على رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيته، يأتي زائراً للنبي صلى الله عليه وسلم فيستأذن فيدخل، فإذا به يسمع صوت عائشة رضي الله عنها عالياً! عائشة ابنته، وهي زوج النبي صلى الله عليه – هي زوجة طبعاً، زوجة الرسول صلى الله عليه وسلم، والنبي صلى الله عليه وسلم زوج بشر، والزوجات زوجات، فربما الزوجة ترفع صوتها على زوجها- فإذا كانت عائشة رضي الله عنها إذا رفعت صوتها ترفع صوتها على النبي صلى الله عليه وسلم ( وهذا أمر عادي)، فكيف إذا كانت أزواج النبي يرفعن أصواتهن على رسول الله؟ فأنت تغضب من زوجتك وتثور عليها وربما تؤذيها إذا رفعت صوتها عليك، وهذا كثيرٌ منا يقع فيه، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
فالنبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم من ولدك. فلما دخل وسمع صوت عائشة مرتفعاً أسرع أبو بكر إليها وتناولها ليلطمها -أسرع ليلطم ابنته!- غضباً لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو يصرخ عليها: « أَلَا أَرَاكِ تَرْفَعِينَ صَوْتَكِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ» فأسرع رسول الله صلى الله عليه وسلم فوقف بينه وبينها وحجزه عنها وقد كاد أن يلطمها، رضوان الله تعالى عليه. فخرج أبو بكر مغضباً من فعل عائشة رضي الله عنها، لكنه غضب لرسول الله من بنته؛ لأن النبي أولى بالمؤمن من ولده ومن ابنته.
النبي e وجد ذلك فرصة لإطفاء هذه الثورة والغضب من عائشة رضي الله عنها، فصار يمازحها ويقول لها: «كيف رأيتني أنقذتك من الرجل؟ ». وبعد أيام وقد هدأت الثائرة، رجع أبو بكر رضي الله عنه في زيارة أخرى فوجدهما قد اصطلحا، فقال رضوان الله تعالى عليه: “أدخلاني في سلمكما كما أدخلتماني في حربكما”، رضوان الله تعالى عليه فقالe: (قد فعلنا قد فعلنا ) ([3]) .
فالنبي e أولى بالمؤمن من نفسه في ولده:
يوم بدر ما كان أولاد أبي بكر كلهم قد آمنوا؛ كان عبد الرحمن بن أبي بكر ([4]) ما زال كافراً مشركاً، وجاء في صف المشركين يوم بدر ليحارب النبي e وأبا بكر والمسلمين. فلما رآه أبو بكر رضي الله عنه غضب فدعاه إلى المبارزة، دعاه إلى المبارزة ليقاتله، وربما يقتل ولده حميةً للنبي e، لأنه جاء محارباً لرسول الله e، لأنه وقف عدواً للنبي عليه الصلاة والسلام، والنبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم في أولادهم. ولكن رسول الله e منعه وقال له: «متعنا بنفسك يا أبا بكر، أما تعلم أنك عندي بمنزلة السمع والبصر؟» ([5]) رضوان الله تعالى عليه، «أما تعلم أنك عندي بمنزلة السمع والبصر؟» رضوان الله تعالى عليه.
فالنبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم، أولى بالمؤمن من نفسه في أبيه، في ولده ووالده.
أبو قحافة رضي الله عنه قبل أن يُسلم وأبو بكر معه نال من نبينا محمد e وسَبَّه، فقام إليه أبو بكر رضي الله عنه وصكَّه صكة سقط منها أبوه !!!.
هل يجوز أن تضرب أباك؟ لا، لكن في جانب رسول الله صلى الله عليه وسلم، في حق النبي e، نعم اضربه! يُضرب في حق المصطفى e؛ لأن النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم في آبائهم، فذُكر ذلك لرسول الله e، فقال لأبي بكر رضي الله عنه: «أفعلت ذلك يا أبا بكر؟» قال رضوان الله تعالى عليه: “والله لو كان السيف قريباً مني لضربته!)
الحمد لله أن السيف لم يكن قريباً منه..
قال: “والله لو كان السيف قريباً مني لضربته”. وأبو قحافة رضي الله تعالى عنه أسلم بعد ذلك، رضوان الله تعالى على أبي بكر والصحابة أجمعين.
في غزوة أحد -غزوة أحد- يتعرض عبد الله بن الجراح وهو مشرك لولده أبي عبيدة بن الجراح، وأبو عبيدة ينصرف منه، ما يريد يواجه أباه، لكنَّ أباه يصر، كلما انصرف وابتعد؛؛ يأتيه أبوه من أمامه فيتعرض له، فقاتله أبو عبيدة فقتله.
فبقتل أبي عبيدة أباه، وبضرب أبي بكر لأبيه وعزمه مبارزة ولده رضوان الله تعالى عليهم أنزل الله عز وجل قوله جل وعلا: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ﴾ وهؤلاء هم (حزب الله) ﴿أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾.
النبي أولى بالمؤمن من نفسه حتى في عبادته وذكره:
حتى في عبادته وذكره. أُبي بن كعب رضي الله عنه كان كثير الصلاة على محمد صلى الله عليه وسلم، وذات مرة أراد أن يوزع الأذكار، يوزع الأذكار ، كذا من ذكر يومه للتسبيح، وكذا للتهليل، وكذا للتحميد، وكذا للصلاة على رسول اللهe وهكذا. فسأل النبي صلى الله عليه وسلم فقال: “إني أكثر الصلاة عليك، فكم أجعل لك من صلاتي؟” قال له النبي صلى الله عليه وسلم: «ما شئت». قال: “الربع؟” قالe : «ما شئت، وإن زدت فهو خير». فقال أبيٌّ: “النصف؟” -رفع من الربع إلى النصف- فقال e: «ما شئت، وإن زدت فهو خير». قال أُبيٌّ: “الثلثين؟” فقال e : «ما شئت، وإن زدت فهو خير». فقال أُبيٌّ: ” أجعل لك صلاتي كلها؟” فقال صلى الله عليه وسلم: «إذاً يُكفَى همَّك ويُغفر ذنبك» ([6]).
أنت الفائز الرابح أن تجعل كل ذكرك صلاةً على المصطفى صلى الله عليه وسلم..
وهنيئاً للمكثرين من الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم.
من منكم يا ترى يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم ألف مرة في كل يوم أو ليلة؟ من منا يا ترى يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم ثلاثة آلاف مرة في اليوم والليلة؟ كم منا يا ترى يصلي على مصطفانا صلى الله عليه وسلم عشرة آلاف مرة في اليوم أو الليلة، أو في اليوم والليلة؟.
رأيت في عزاء في (أمبدة) ([7]) رجلاً جاء فقال لصاحب العزاء ابن الميّت -قال له-: “أبشرك، أنا أمس بالليل رأيت النبي صلى الله عليه وسلم، رأيت النبي صلى الله عليه وسلم وبشرني بحال أبيك. “.
والله هو -أنا كنت بجوار صاحب العزاء ، وأسمع ما يقول- والله أنا ما كنت أظن أنه أصلاً عابد ، بظاهر حاله، فأحرجتُ من نفسي ، خجلتُ واستحييتُ من نفسي جداً. فلما قال ذلك قلت له: “ما شاء الله ، وكيف أنت ترى النبي صلى الله عليه وسلم؟” قال: “أنا أراه كثيراً”. وكيف يعني؟ ما السبب لهذا التكريم الإلهي لك؟ قال: “والله ما أدري، لكن لمّا أنا أُكمل وردي من الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم وأصلي عليه عشرة آلاف مرة، فإذا صليت كثيراً هكذا أرى النبي صلى الله عليه وسلم”.
طيب يا ترى كيف كان حال الشيخ مصطفى الفادني رحمة الله تعالى عليه، صاحب القرية التي في شرق النيل؟ متواتر عنه أنه كان يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم في كل ليلة خمسين ألف مرة، وكان يهلل خمسين ألف مرة، وكان يسبح خمسين ألف مرة. يعني مئة وخمسين ألف غير الأذكار الأخرى! كيف هؤلاء وفقهم الله وأطلق لسانهم بذلك؟ صلوات الله وسلامه على المصطفى الحبيب عليه الصلاة والسلام، فهنيئاً للمكثرين من الصلاة على محمد.
السلطان عبد الحميد رحمه الله كان مع زحمته حيث كان سلطان الدنيا، السلطان العثماني عبد الحميد الثاني كان مع زحمته الشديدة ويعمل ليلاً ونهاراً ولا ينام إلا على كرسيه. فذات ليلة -هو كان يصلي في كل ليلة حين يريد أن ينام في آخر لَيْلِهِ يصليِّ ألف مرة على النبي صلى الله عليه وسلم- وفي هذه المرة كان يصلي فنام على كرسيه. فجاءه بعد يوم أو يومين رجل يريد أن يدخل عليه، ويقول: “أنا عندي دين على السلطان عبد الحميد”. فأخبروه، قالوا: “رجل يطلب الدخول عليك ويقول إنه يطالبك بدين”. دَين أدخلوه! أي دَين؟ أنا ليس عليَّ دَينٌ لأحد من المواطنين. فدخل عليه فقال له: “نعم، أنا كذا كذا تاجر، وقد استدنت ديوناً كثيرة وبقي عليّ من الديون كذا ألف دينار أو درهم، وقد أرسلني النبي صلى الله عليه وسلم إليك أن تسدد ديني”. كيف أرسلك النبي صلى الله عليه وسلم؟ قال: “أخبرني النبي صلى الله عليه وسلم وقال: وعلامة ذلك أنك بالأمس كنت تصلي ونمت، وصلاتك وردك ألف صلاة عليه صلى الله عليه وسلم، ولكنك غفلت فصليت فأنقصت 900/ أو 990 ونمت على كرسيك”. فأخبره النبي صلى الله عليه وسلم، فصار عبد الحميد يبكي ويخرج له أكياس الذهب ويعطيه حتى قال: ” يكفيني يكفيني”.
فالمصلون على رسول الله، المكثرون من الصلاة عليه هم الأقربون لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وهم المحظوظون برؤيا المصطفى الحبيب صلى الله عليه وسلم. فهكذا النبي أولى بك من ذكرك، أولى بك من نفسك في ذكرك، في صلاتك وفي عبادتك.
♦ النبي صلى الله عليه وسلم يمرُّ على أُبيُّ بن كعب هذا رضي الله تعالى عنه وهو يصلي، فدعاه: “أي أبيّ”، قال له: «أي أبيّ؟». وأُبيّ حين ناداه التفت قليلاً ثم واصل في صلاته. فلما أتم صلاته -وقد خفف الصلاة ليدرك النبي صلى الله عليه وسلم- فذهب إليه، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «ما منعك أيْ أُبيّ إذ دعوتك أن تجيبني؟» وهو يصلي في الصلاة بين يدي الله عز وجل! قال: «ما منعك أن تجيبني إذ دعوتك؟» فقال له: كنت أصلي يا رسول الله. فقال له: «أفلست تجد فيما أوحى الله عز وجل إليّ أن ﴿اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾؟» قال: ” بلى أيْ رسول الله صلى الله عليه وسلم لا أعود ” ([8]) .
وأيضاً مرّ النبي صلى الله عليه وسلم -كما في صحيح البخاري وغيره- على أبي سعيد بن المعلَّى رضي الله عنه وهو يصلي فدعاه فلم يجبه، فلما فرغ من صلاته وأتاه قال له النبي صلى الله عليه وسلم: «ما منعك أن تجيبني إذ دعوتك؟» فقال: كنت أصلي يا رسول الله. فقال: «ألم يقل الله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾؟» ([9]).
إذاً النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم حتى في عبادتهم، صلوات ربي وسلامه عليه.
ولهذا كان شعار الصحابة رضوان الله عليهم في مخاطبة سيد الكونين صلوات ربي وسلامه عليه: “بأبي أنت وأمي يا رسول الله”، “فداك أبي وأمي يا رسول الله”، “نحري دون نحرك يا رسول الله صلى الله عليه وسلم”، فيفدونه بآبائهم وأمهاتهم وأنفسهم وأولادهم.
فداك نفسي وأمي والدي ولدي
والكون والأفق زد ما كان مسراكا
والصين والهند أوروبا وأمريكا
وكلهم دون نعلٍ كان ممشاكا
لو أجمعوا كيْدَهم!! سنُّوا قوانينَهم
جاؤوا بكلكَلْهم ما هزّ جفناكا
فيا رسول الهــــــــــــــــــدى والبِرِّ معذرةً
إذا كَبَا قلمي في نثر معناكا
وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
الخطبة الثانية
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
ثم أما بعد، فيا أيها الإخوة الأحباب؛ فهذه مواقف كثيرة وكثيرة، سردها يطول، إن شاء الله تعالى إذا وجدنا فرصة نذكّركم ببعضها. ولكن الذي يجب أن نتنبه له أيها الإخوة:
هل اليوم في واقع المسلمين هذه الآية قائمة؟ ..
هل في حياة المسلمين ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾؟ ..
هل عندي وعندك النبي أولى بنا من أنفسنا؟
أين النبي صلى الله عليه وسلم من أنفسنا؟
أين النبي صلى الله عليه وسلم من أنفسنا في أخلاقنا؟
أين النبي صلى الله عليه وسلم من أنفسنا في صلاتنا؟
أين النبي صلى الله عليه وسلم من أنفسنا في أحوالنا كلها؟
أين النبي صلى الله عليه وسلم من أنفسنا في سلوكنا؟ في تجاراتنا؟ في صفقاتنا؟ في معاملاتنا؟
أين النبي صلى الله عليه وسلم من أنفسنا في جيراننا؟
أين النبي صلى الله عليه وسلم في مناهجنا التعليمية والتربوية في المدارس والجامعات؟
هل هو أولى بالمؤمنين من أنفسهم في نظمنا وقوانيننا؟ إلى اليوم الخمر مباح قانوناً! إلى اليوم الدعارة مجازة! إلى اليوم الردة مباحة من تعديل قانون الجنايات في (2020) هل النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم في قوانينهم وفي نظمهم؟ .ز
هل النبي صلى الله عليه وسلم أولى بالمؤمنين من أنفسهم في سياساتنا وفي مواقفنا وفي قراراتنا؟.
إذاً الآية في وادٍ ونحن في وادٍ!
يجب أن نعود لهذه الآية، نقيم كتاب الله فينا، في حالنا، في مجتمعاتنا، في سياساتنا، في قوانيننا، في نظمنا، في مواقفنا كلها. صدق الله ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ وما كذب، ولكننا كذبنا وما صدقنا الآية، الآية هي الحق، ولكن نحن المؤمنين ما حققناها، ما حققنا قول الله تعالى ولا تحققنا به.
فليكن شعارنا ودثارنا اليوم: (النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم) في كل شيء من أمور الدين والدنيا، نحتكم إلى شرعه، نتخلق بخلقه، نستعلي بهديه، نستوي على أمره ونهيه، نستقيم على سنته، نتقدّم على العالمين بدعوته، نغرس في أجيالنا محبته، وبذلك نصدق وبذلك نؤمن كمال الإيمان.
اللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه. اللهم اهدنا فيمن هديت، وعافنا فيمن عافيت، وتولنا فيمن توليت، وبارك لنا فيما أعطيت، وقنا واصرف عنا شر ما قضيت، إنك تقضي ولا يقضى عليك، فإنه لا يذل من واليت، ولا يعز من عاديت، تباركت ربنا وتعاليت. اللهم يا ربنا يا الله يا أكرم الأكرمين يا أرحم الراحمين يا الله؛ اللهم انصر الإسلام وأعز المسلمين، اللهم أذل الكفرة والمشركين، اللهم عليك بأعدائنا أعدائك أعداء الدين..
([2]) المجالسة وجواهر العلم ، لأبي بكر الدينوري برقم 2239 .
([3]) أخرجه أحمد في المسند برقم 18421، وأبو داود برقم 4999، والبزارفي مسنده برقم 3275، والنسائي في السنن الكبرى برقم 8441، وصحح إسناد أبي داود الأرناؤوط (7/349). واللفظ لأبي داود.
([4]) في تفسير القرطبي لآية ( لا تجد قوماً يؤمنون بالله واليوم الآخر يؤادون من حاد الله ورسوله). عبدالله بن أبي بكر، ولكن في أكثر المصادر أنه عبد الرحمن بن أبي بكر.
([5]) تفسير القرطبي لآية ( لا تجد قوماً يؤمنون بالله واليوم الآخر..).
([6]) أخرجه عبد بن حميد في مسنده برقم 170، والضياء المقدسي في الأحاديث المختارة، برقم 1185 .
([7]) أُمْبَدَّة حي من أحياء مدينة أمدرمان غرب الخرطوم السودان.
([8]) أخرجه أحمد في المسند برقم 9345. وابن خزيمة في صحيحه برقم 861.
([9]) أخرجه البخاري في صحيحه برقم 4474 وأبو داود برقم 1458، والنسائي في السنن الكبرى برقم 987.