خروج الدم من رحم الفتاة في سنين المراهقة التي هي من تسع سنين إلى ثلاث عشرة سنة يُحمل على أنه حيض، والحيض هو أصدق علامات البلوغ والتكليف في الأنثى، غير أنّ الفقهاء ذهبوا في اعتبار الدفقة الواحدة حيضاً أو لا إلى قولين:
الأول: مذهب الجمهور(1) الذي يرى أن الدفقة الواحدة ليست حيضاً، فأقلّ الحيض عند الحنفية ثلاثة أيام بلياليها، وعند جماهير الشافعية والمشهور من مذهب الحنابلة أقلّ الحيض يومٌ وليلة. ولذلك لا تعتبر عندهم جميعاً الدفقة الواحدة حيضاً يرتّب أثره في ترك الصلاة والصيام ومسّ المصحف ونحوه.
رضي الله عنهم وقد استدلّ الحنفية على أن أقل الحيض ثلاثة أيام بلياليها بجملة أحاديث أقواها حديث أبي أماة رضي الله عنه أن النبي ﷺقال: (أقلّ الحيض ثلاث، وأكثره عشر). وبحديث واثلة بن الأسقع رضي الله عنه أن رسول الله ﷺقال: ( أقلّ الحيض ثلاثة أيام وأكثره عشرة أيام). وبخبر أنس بن مالك رضي الله عنه أن رسول الله ﷺقال: ( الحيض ثلاثة أيام، وأربعة، وخمسة، وستة، وسبعة، وثمانية، وتسعة وعشرة، فإذا جاوزت العشرة فمستحاضة). وبحديث معاذ بن جبل رضي الله عنه أنه سمع رسول الله ﷺيقول: ( لا حيض دون ثلاثة أيام ولا فوق عشرة أيام).
وهذه الأحاديث كلها مردودة لا يصح بها احتجاج، فهي إما ضعيف أو موضوع(2).
رضي الله عنهم واستدل الشافعية والحنابلة بالعرف والعادة بأن حيض معتاد يومٌ، وبقول عطاء رحمه الله: « رأيت من النساء من تحيض يوماً ». وبقول الأوزاعي رحمه الله : « عندنا امرأة تحيض غدوة وتطهر عشياً ». وبقول الشافعي رحمه الله: « رأيت امرأة أثبت لي أنها لم تزل تحيض يوماً ولا تزيد عليه » (3).
والثاني: مذهب المالكية وقد ذهبوا إلى أنّ الدفقة الواحدة حيض، إذ لا حدّ لأقلّ الحيض عندهم. واختار هذا القول ابن تيمية وابن القيم (4).
وقد استدلوا بأدلة منها:
1ـ قوله تعالى ﴿ وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾[البقرة : 222]. ووجه الدلالة أن الحيض إذا وُجد وجب الاعتزال، ووجوده مطلق عن زمان ومقدار.
2ـ أن القول بتحديد قدره وزمانه يحتاج إلى دليل، ولا دليل عليه، وكل ما أورده من حدّد أقلّه بيوم أو يومين أو ثلاثة لم يثبت شيء منه. وكما قال ابن القيم رحمه الله: «.. ولم يأت عن الله ورسوله ولا عن الصحابة تحديد أقل الحيض بحدٍّ أبداً، ولا في القياس ما يقتضيه » (5).
وكما قال ابن تيمية رحمه الله: « اسم الحيض علّق الله به أحكاماً متعددة في الكتاب والسنة، ولم يقدّر لا أقلّه ولا أكثره، ولا الطهر بين الحيضتين، مع عموم بلوى الأمة بذلك واحتياجهم إليه، واللغة لا تفرّق بين قدر وقدر، فمن قدّر في ذلك حدّاً؛ فقد خالف الكتاب والسنة »(6).
3ـ أن النبي ﷺحدّد صفة دم الحيض ولم يحدّد مقداره ولا أقلّه فقال : (إذا كان دم الحيض فإنه دم أسود يُعرف فإذا كان ذلك فأمسكي عن الصلاة..)(7). فإذا وُجد هذا الدم بهذه الصفة؛ وجب الإمساك عن الصلاة وتركها، ولو كان دفقة أو دفعة.
وهذا هو الراجح من المذهبين.
وعليه:
أولاً: ما ذكرتيه مما وقع لابنتك من نزول دفقة واحدة؛ فهذا حيضٌ، ما دام عرفت أنه دم حيض، وما دام خرج في سنٍّ تبلغ فيها البنت غالباً، إذ عمرها ـ كما ذكرتِ ـ اثنتا عشرة سنة. وقد سألت طبيبة استشارية في طبّ النساء والتوليد حاذقة فيه عن هذه الحالة فأكدت أنه حيضٌ.
وطالما حاضت، فقد بلغت سن البلوغ والتكليف. فوجب عليها أن تصوم رمضان.
ثانياً: إنْ كانت البنت قليلة البنية صغيرة في مظهرها يبدو عليها الضعف، مما يجعل أمها تُشفق عليها؛ فهذا يوجب على الأم أن ترعاها ليالي رمضان وأيامه، ففي الليالي تهتمّ بتغذيتها جيداً ومتابعة أكلها وشربها، وبالنهار تتابع راحتها، وغير ذلك مما يعينها على اعتياد الصوم والحفاظ عليه.
ثالثاً: كون هذا الدمّ خرج مرة واحدة وانقطع أربعة أشهر؛ فهذا جائز واقع في عادات النساء، خاصة في المبتدئات، فمنهن من ينقطع حيضها بعد الخروج الأول شهرين ثم ينتظم، ومنهن من ينقطع ثلاثة أشهر ثم ينتظم، ومنهن من يتأخّر حيضها عن المرة الأولى ستة أشهر ثم ينتظم، وهكذا. فهذا الانقطاع لا يغيّر حقيقة أن ما خرج منها دم حيض. والله تعالى أعلم..
- راجع: حاشية ابن عابدين ج1 ص 284، والاختيار لتعليل المختار ج1 ص 26، والمبسوط ج3 ص 147، شرح فتح القدير ج1 ص 160. والمغني لابن قدامة ، ج1 ص 388، وكشاف القناع ج1 ص 203، والأم للشافعي ج1 ص 64، والمجموع شرح المهذب ج2 ص 402. وانظر: كتاب الحيض والنفاس ج1 ص 133 وما بعدها.
- الحديث الأول أخرجه الطبراني في المعجم الكبير برقم 7465، في سنده مجهول هو عبد الملك، ومتروك هو العلاء بن كثير، ومع ذلك سنده مقطوع بين مكحول وأبي أمامة. وبهذا يكون الحديث ضعيفاً جداً. والحديث الثاني: أخرجه الدارقطني برقم 847، وقال(1/406): حماد بن منهال مجهول ومحمد بن أحمد بن أنس ضعيف. ففي سنده مجهول هو ابن المنهال، وضعيف هو محمد بن أحمد الشامي، والسند منقطع بين مكحول وواثلة. فالحديث بهذا ضعيف جداً.والحديث الثالث: أخرجه ابن عدي في الكامل في الضعفاء ج3 ص 127. وفي سنده الحسن بن دينار متروك عند أئمة الحديث كابن مهدي وابن المبارك ووكيع ويحيى وأبي حاتم، وكذّبه أبو خيثمة، وحتى ابن حبان اتهمه بالوضع. فالحديث أقرب إلى الوضع.والحديث الرابع: أخرجه ابن عدي في الكامل في الضعفاء ج6 ص 141. وفيه محمد بن سعيد المصلوب وهو كذاب زنديق يضع الأحاديث، كما قال أحمد وابن صالح المصري. ويراجع بتفصيل كتاب: الحيض والنفاس رواية ودراية، لأبي عمر دبيان الدبيان، ج1 ص 133 وما بعدها.
- كتاب الأم للشافعي ج1 ص 64، والمغني لابن قدامة ، ج1 ص 389.
- راجع: المدونة ج1 ص 152، والقوانين الفقهية لابن جزي الكلبي ص 31، وبداية المجتهد لابن رشد الحفيد ج1 ص 237، الشرح الصغير ج1 ص 208. مجموع فتاوى ابن تيمية ج19ص 237، أعلام الموقعين ج1 ص 297.
- أعلام الموقعين ج1 ص 297.
- مجموع فتاوى ابن تيمية، ج19 ص 237.
- أخرجه أبو داود برقم 304، والنسائي برقم 215، وابن حبان برقم 1348، والدارقطني برقم 791. وقال الألباني في إسناد النسائي (1/123):حسن صحيح. وقال شعيب الأرناؤوط عن إسناد ابن حبان (4/180): إسناده حسن رجاله رجال الشيخين.