أصحاب الغسيل الكلوي على درجات ومراتب من حيث الصيام، لأنّ منهم من لا يستطيع أن يصوم، ومنهم من يقوى على الصيام وما أصابه من فشل كلوي إذا غسّل المرات المقررة يصبح عادياً قادراً على الصيام، ومنهم من يكون الغسيل له إجراءاً طبياً مؤقتاً يزول بعد غسلات ما يعانيه فيعود كُلاه إلى العمل، فيستغني من الغسيل، فيدرك رمضان صائماً، وهكذا..
وهذا السؤال إنما يعني القادرين على الصيام منهم.
والذي عرفناه من حقيقة الغسيل الكلوي لمرضى الفشل الكلوي أنه على نوعين:
النوع الأول: ما يسمى بالغسيل البريتوني، ويكون بإدخال سوائل مرشحة بين طبقتي الغشاء البريتوني.
والنوع الثاني: ما يسمى بالغسيل الدموي، ويكون بإخراج دم المريض كله من جسده بواسطة أنبوب وإدخاله إلى آلة ( جهاز الكلية الصناعية ) تتولى تنقية الدم ثم إعادته إلى الجسم بعد، ويتم إضافة بعض المواد الكيماوية والغذائية كالسكريات والأملاح إلى الدم داخل الآلة ( الكلية الصناعية) بغرض التنقية والتطهير وتعويض الدم ما فقده من المواد الضرورية لصحته.
وهذا الغسيل بنوعيه لم يكن معروفاً لدى فقهائنا في العصور الماضية، وعليه؛ فإنّ لعلماء العصر في أثر الغسيل على الصيام آراء:
ـ الرأي الأول: أنّ غسيل الكلى يفسد الصوم مطلقاً، وهو رأي اللجنة الدائمة للإفتاء بالمملكة العربية السعودية(1).
وسبب إفساده للصوم ما يحتويه الغسول من مواد كيماوية وغذائية كالسكريات والأملاح.
والرأي الثاني: التفريق بين نوعي الغسيل، وهو رأي مركز الفتوى بالشبكة الإسلامية، فرأوا أنّ الغسيل البريتوني لا يكون مفطراً، إذ السوائل لا تدخل إلا بين طبقتي الغشاء البريتوني(2).
والرأي الثالث: يرى أنه لا يفطر سواءٌ أكان من نوع الغسيل الدموي أو الغسيل البريتوني، لأن الغسيل بنوعيه يلحق بالحَقْن، فليس أكلاً ولا شرباً، وهذا رأي للشيخ محمود عويضة وغيره(3).
والراجح فيما نرى القول بعدم فساد الصوم بغسيل الكلى، وذلك للآتي:
أولاً: أما الغسيل البريتوني؛ فإنّ غاية ما يكون إدخال سوائل مرشحة لتنقية الدم من السموم عبر منفذ بين السرة والعانة تُدفع بطريقة تفكِك السموم والشوائب من الدم ثم تسحب هذه السوائل، وهذه السوائل حدّها ما بين طبقتي الغشاء البريتوني، فلا يصل إلى الجوف، ولا يدخل الجهاز الهضمي، وليس من أغراضه ولا من آثاره إذهاب جوع ولا عطش، بل كل ما تفعله السوائل تنقية الدم من الشوائب والسموم، فلا يكون مفطراً.
وسبب عدم إفساده للصوم وعدم إفطاره للصائم: أنّه وإن يُدخل إلى الجسم سوائل فإنها لا يكون إدخالها بمنفذ معتاد ـ كما قررناه من قبل ـ ولا تصل إلى الجوف، وإنما يكون بين طبقتي الغشاء البريتوني، كما أنها لا تحدث شبعاً ولا رِيَّاً، وما كان هذا صفته فلا يفسد به صوم.
ثانياً: أما الغسيل الدموي، فإنّ صورته تتكون من الآتي:
1ـ دم المريض الذي يُخرج بواسطة أنبوب إلى جهاز الكلية الصناعية، ففيه إخراج للدم، فأشبه الحجامة، وقد تقرر من مذهب جماهير الفقهاء عدم إفساد الحجامة للصوم. فثبت أنّ مجرد خروج الدم لا يفسد الصوم.
2ـ إرجاع الدم إلى جسم المريض بنفس الطريق أو بطريق مطابق للطريق الأول، وهذا يشبه إدخال الدم لفاقده بطريق الوريد، وقد ذهب جماهير علماء العصر إلى عدم إفساده للصوم، فهو الذي عليه فتوى الأزهر في عام 1948م، والذي خرجت به الندوة الإسلامية الطبية التاسعة في الدار البيضاء، وهو الذي قال به الشيخ محمد بخيث المطيعي والسيد سابق ومحمود عويضة والشيخ القرضاوي، وغيرهم(4).
3ـ إضافة بعض المواد الكيماوية والغذائية كالسكريات والأملاح إلى الدم داخل جهاز الكلية الاصطناعي خارج الجسم، بغرض تطهيره وتنقيته من الشوائب والسموم، ويترتب على ذلك:
أ ـ تحلّل هذه المواد مع الدم بحيث تستحيل إلى دم إنسان، فلا تتميز عنه بل تكون من مكونات الدم الطبيعي بعد إضافتها.
ب ـ إضافتها وإدخالها في الدم يكون خارج جسم الإنسان، فلا يدخل الدم من منفذ معتاد أو حتى غير معتاد.
ج ـ لا يحدث قطعاً شبعاً ولا ريّــاً، وإنما غرضه وأثره تطهير الدم وتنقيته من الشوائب والسموم، بل جسمه لا يستفيد سوى هذه التنقية والتطهير للدم، كما أفاد بعض الخبراء الأطباء.
وبهذه الحقائق والمعطيات؛ لا يكون غسيل الكلى الدموي ولا البريتوني مفطراً للصائم، ما استطاع أن يصوم مع مرضه.
وعليه: فإنّ أصحاب الغسيل الكلوي (البريتوني والدموي على سواء) لا يفسد صوم من قوي على الصيام، ولا شيء عليهم لا قضاء ولا فدية ولا شيء إنْ كانوا صائمين.
والله تعالى أعلم..
- راجع: فتاوى اللجنة الدائمة، ج10 ص 190، فتاوى الصيام من موقع الإسلام سؤال وجواب، ص 114 ـ 115.
- راجع فتوى مركز الفتوى بالشبكة الإسلامية، ج5 ص 8057، برقم 25751، وبرقم 38982.
- انظر: الجامع لأحكام الصيام، محمود عويضة، ص 241، أحكام استعمال الدواء للصائم، محمد نعمان البعداني، ص 235 ـ 236.
- فقه الصيام للقرضاوي ص 101، يسألونك في الدين والحياة للشرباصي، ج1 ص 144، ج3 ص 53، أحكام استعمال الدواء للصائم، ص 309.