الذي يجامع إلى طلوع الفجر له أحوال، وهم أصناف:
الصنف الأول: من كان يعلم بدنو الفجر ووشوك طلوعه فبادر إلى الجماع فطلع عليه الفجر وهو يجامع وكان يعلم من عادته أن الفجر سيطلع عليه وهو لا يزال في حال الجماع .
فهذا يُكره في حقه الجماع وإن كان قد بدأ ليلاً، وعليه قضاء هذا اليوم سواء نزع مع الفجر أو تمادى، لأنّه أشبه بالذي تعمّد إفساد صيامه، فيحكم بفساد صيام هذا اليوم فيقضيه.
الصنف الثاني: من كان يظنّ أن الفجر بعيد وأن الليل سيكفيه لقضاء وطره من أهله ، أو شكّ في قرب الفجر أو في دنوه ففاجأه الفجر بطلوعه، فتمادى في الجماع وهو يسمع النداء .
فهذا المجامع إذا علم بطلوع الفجر ثم مكث مستديماً للجماع ولم ينْزع؛ بطل صومه بلا خلاف، وعليه القضاء والكفارة عند الجمهور من المالكية والشافعية والحنابلة ، لأنه علم بطلوع الفجر فترك صوم رمضان بجماع . وعند أبي حنيفة عليه القضاء فقط دون الكفارة.(1).
الصنف الثالث: من كان يظن بعد الفجر وبقاء الليل فطلع عليه الفجر وهو يجامع فأول ما علم بطلوع الفجر نزع في الحال وقطع جماعه.
فهذا للعلماء في حكمه أقوال :
القول الأول: أنه بطل صومه وعليه القضاء والكفارة ، وهو قول ابن حامد والقاضي أبي يعلى من الحنابلة ، وهو بعيد عن أصول الشريعة، وضعيف من جهة الدليل لأنه لم يقصر ولم ينتهك حرمة رمضان.
القول الثاني: أنه بطل صومه وعليه القضاء فقط، وهو قول مالك، لأن صومه فسد ولكنه لا يقدر على أكثر مما فعله في ترك الجماع .
القول الثالث: أن صومه صحيح لم يبطل ، ولا شيء عليه لا قضاء ولا كفارة، وهو قول الجمهور من الحنفية والشافعية وبعض الحنابلة، وهو قول طائفة من التابعين وغيرهم كسعيد بن جبير، ومجاهد، والحسن البصري ، وإسحاق بن راهويه، وغيرهم(2).
وهذا القول هو الراجح لأنّه لم يكن آثماً ولا مسيئاً حين جامع بليل، ولم يكن متساهلاً أو قاصداً انتهاك حرمة رمضان لأنه ظنّ أن الفجر بعيد، ولم يكن مفرطاً فتمادى في الجماع بل بادر وحمل على نفسه فنَزع وقطع جماعه، فاتقى الله بما استطاع وليس في مقدوره أن يفعل أكثر مما فعله في ترك الجماع، ولا يمكن أن يقال: إنّ ترك المبطل للصوم يبطل الصوم. فبقي صيامه صحيحاً فلا يطالب بقضاء ولا بكفارة.
- انظر : المجموع شرح المهذب ، ج6 ص 416 – 419.
- انظر: المجموع نفسه ج6 ص 319 ، المغني لابن قدامة ، ج3 ص 65 ، مجموع الفتاوى لابن تيمية ، ج25 ص 263 – 264 .