الإثنين 24 أغسطس 2026م
الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ
فتاوى الصيام

صوم التطوع المضعف عن العمل والعبادة

سأل: من كتاب «سؤالات الصائمين» — أقضية التطوع
نصّ السؤال معنا في العمل أخٌ فاضل وعابد، كثير الصوم، فهو يصوم الاثنين والخميس غالباً، ويصوم الأيام البيض وغير ذلك، ولكنه عندما يكون صائماً يظهر عليه التعب الشديد، وغالباً يعتذر عن أداء أعماله الموكلة إليه، ثم إما يكون نائماً أو مستريحاً ولا يؤدي عمله كما هو مطلوب، هل صوم التطوع الذي يسبّب عدم أداء العمل صحيح؟ أفيدونا نفع الله بكم.

يجب أن يعرف هذا الأخ الفاضل أنّ عمله في وظيفته التي يشغلها واجب عليه أداؤه بالوجه المطلوب، دون تأخير شيء منه أو تأجيله أو التباطئ فيه، بينما صيام الاثنين والخميس والأيام البيض صيام تطوع لا يجب عليه، فصار حاله متعارضاً بين العمل الواجب عليه وبين الصيام غير الواجب عليه، والقاعدة أنّ الواجب لا يُترك إلا لواجب، فلا يجوز ترك الواجب لمندوب أو مستحب، ولا يجوز ترك الواجب لجائز أو مباح، كما لا يجوز ترك الواجب حتى لمكروه.

وبهذا: إذا وجد أنّ صوم التطوع يضعفه عن أداء واجباته الوظيفية، أو أعماله التي يعول بها نفسه وأهله وعياله؛ ينتقل صومه من الندب والاستحباب إلى الحرمة، لأنه منعه عن فعل واجب، فلا يجوز له أن يقصِّر في عمله الواجب بصيام التطوع.

بل ذهب الفقهاء إلى التفاضل بين صيام التطوع وبين التطوعات الأخرى التي هي أحب منه في الشرع، كالصلاة والذكر وتلاوة القرآن، فهذه في مراتب الأعمال أحبّ وأعلا من صيام التطوع، وكان فقهاء الأمة من السلف والخلف يراعون الأولى فالأولى، فربما تركوا صيام التطوع إذا أضعفهم عما هو أحبّ منه.

فهذا أبو طلحة رضي الله عنه كان يقلّ من صيام التطوع من أجل الغزو والجهاد، قال أنس رضي الله عنه: « كان أبو طلحة لا يكاد يصوم ـ أي التطوع ـ على عهد رسول الله ﷺ من أجل الغزو، فلما توفي رسول الله ﷺ ما رأيته مفطراً إلا يوم فطر أو أضحى» (1).

وهذا عبد الله بن مسعود رضي الله عنه يقلّ من صيام التطوع من أجل الإكثار من الصلاة والذكر وتلاوة القرآن..

فعن عبد الرحمن بن يزيد قال: « كان عبد الله يقلّ الصيام، فقلنا له: إنك تقلّ الصيام، قال: إني إذا صمتُ ضعفتُ عن الصلاة، والصلاة أحبّ إليّ من الصيام».

وعن شقيق قال: كان عبد الله يقلّ الصوم، فذُكر ذلك له، فقال: «إني إذا صمتُ ضعفتُ عن القراءة، وتلاوة القرآن أحبّ إليّ » (2).

وقد وجّه الطحاوي خبر عائشة أن رسول الله ﷺ لم يكن يصوم من أيام العشر الأُوَل شيئاً، مع ما جاء فيه من ترغيبه ﷺ للعمل الصالح فيها فقال: « ما من أيام العمل الصالح فيها أحب إلى الله من هذه الأيام ». يعنى أيام العشر. قالوا يا رسول الله ولا الجهاد فى سبيل الله؟ قال « ولا الجهاد فى سبيل الله إلا رجل خرج بنفسه وماله فلم يرجع من ذلك بشىء»(3).. فقال الطحاوي: « يجوز أن يكون ﷺ لم يكن يصوم فيها على ما قالت عائشة لأنه كان إذا صام ضعف عن أن يعمل فيها ما هو أعظم منزلة من الصوم وأفضل منه من الصلاة ومن ذكر الله عز وجل وقراءة القرآن كما قد روي عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه في ذلك مما كان يختاره لنفسه… فيكون ما قد ذكرته عائشة عنه ﷺ من تركِه الصومَ في تلك الأيام؛ ليتشاغل فيها بما هو أفضل منه، وإن كان الصوم فيها له من الفضل ما له، مما قد ذكر في هذه الآثار التي قد ذكرناها فيه، وليس ذلك بمانعٍ أحداً من الميل إلى الصوم فيها، لا سيما من قدر على جمع الصوم مع غيره من الأعمال التي يتقرب بها إلى الله عز وجل سواه والله نسأله التوفيق» اهـ(4).

ومن نصيحة العلماء في ذلك ما جاء في مختصر منهاج القاصدين: « واعلم أن من رُزق فطنة، علم المقصود بالصوم، فحمل نفسه قدر ما لا يعجزه عما هو أفضل منه، فقد كان ابن مسعود رضي الله عنه قليل الصوم، وكان يقول: إذا صمتُ ضعفت عن الصلاة وأنا أختار الصلاة على الصوم، وكان بعضهم إذا صام ضعف عن قراءة القرآن، فكان يكثر الفطر حتى يقدر على التلاوة، وكل إنسان أعلم بحاله وما يصلحه »اهـ(5) .

والقاعدة في ذلك ما ذكره ابن بطال: « كل من كان صومه لا يورثه ضعفاً عن أداء فرائض الله، وعمّا هو أفضل من صومه من نفل الأعمال، وهو صحيح الجسم، فغير مكروه له صومه ذلك، وكل من أضعفه صومه النفل عن أداء شيءٍ من فرائض الله؛ فغير جائز له صومه، بل هو محظور عليه، فإن لم يضعفه عن الفرائض وأضعفه عمّا هو أفضل منه من النوافل؛ فإنّ صومه مكروه» اهـ المراد نقله(6).

والله الموفق إلى الخير والصواب.

الحواشي

  1. تهذيب الآثار لأبي جعفر الطبري، برقم 523، ج323 ـ 324.
  2. تهذيب الآثار للطبري برقم 519، 520، 521، ج1 ص 323 -324، ابن أبي شيبة في المصنف برقم 8909، والبيهقي في شعب الإيمان برقم 2018 ، 2019، وعبد الرزاق في المصنف برقم 7903، والطبراني في المعجم الكبير 8777، 8778.
  3. أبو داود برقم 2440، وأحمد في المسند برقم 1968 وصححه الأرناؤوط، وأصله في صحيح البخاري برقم 969.
  4. شرح مشكل الآثار، للطحاوي، ج7 ص 419.
  5. مختصر منهاج القاصدين، لابن قدامة ، ص 45 ت 46.
  6. شرح ابن بطال لصحيح البخاري، ج4 ص 121 ـ 122، وراجع هذه القاعدة المهمة لابن تيمية رحمه الله في مجموع الفتاوى ج25 ص 272.

أ.د. عبدالله الزبير عبدالرحمن

لديك مسألةٌ تُشكل عليك؟ استفتِ الشيخ

اكتب سؤالك وسيصل مباشرةً إلى مكتب فضيلة الشيخ، ويصلك الجواب على بريدك.

الردّ خلال ٣–٧ أيام بياناتك محفوظة ولا تُنشر ١١٦ فتوى منشورة
استفتِ الشيخ
فتوى مختارة

هل يجوز للمرأة أن تزوّج نفسها إذا امتنع الأبوان من تزويجها؟

عندنا بنت لها رغبة في الزواج وهي أرملة قتل الدعامة زوجها، وهي عندها عمارة من زوجها، لكن أمها رفضت أن تتزوج ابنتها هذه، لأنها طمعت في عمارة ابنتها، لأنها تخشى لو تزوجت البنت لن تستفيد من العمارة، فمنعتها من أن تتزوج، وللأسف ضغطت على زوجها الذي هو أب البنت وهددته أنه لو زوّج ابنته أو وافق على زواجها أنها ستتركه،…

اقرأ الجواب