الإثنين 24 أغسطس 2026م
الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ
فتاوى الصيام

عـدد ركعـات صـلاة التـراويح

سأل: من كتاب «سؤالات الصائمين» — أقضية صلاة التراويح
نصّ السؤال أصبحنا في حيرة من أمرنا، بعض المساجد يصلي الإمام بالناس فيها التراويح عشر ركعات، وفي بعضها يصلون ثمان ركعات وفي بعضها عشر ركعات وفي بعضها عشرين ركعة خاصة في المسجد الحرام والمسجد النبوي وكثير من المساجد الأخرى، وبعض الشباب اليوم يصرّ على أنّ الصحيح أنْ لا نزيد في التراويح عن ثمان ركعات ثم الشفع والوتر، فهلا بينتم لنا ما الصحيح والجائز في عدد ركعات صلاة التراويح، يرحمكم الله ويرحم والديكم؟.

أولاً: صلاة التراويح في عدد ركعاتها على السعة بل صلاة الليل كلها على التوسعة وعدم تحديد ركعات معينة، والدليل على ذلك:

1ـ ما ثبت عن النبي ﷺ من حديث ابن عمر رضي الله عنهما:” أَنَّ رَجُلاً جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ وَهْوَ يَخْطُبُ فَقَالَ كَيْفَ صَلاَةُ اللَّيْلِ فَقَالَ مَثْنَى مَثْنَى فَإِذَا خَشِيتَ الصُّبْحَ فَأَوْتِرْ بِوَاحِدَةٍ تُوتِرُ لَكَ مَا قَدْ صَلَّيْتَ)(1)، فحدّد الكيف وأطلق الكم، فدلّ على أن عدد الركعات في صلاة الليل كلها غير محددة.

2ـ ما ثبت عنه عليه الصلاة والسلام أنه ما التزم عدداً معيناً في صلاة الليل، فإنه ﷺ صح الخبر عنه أنه كان يصلي بالليل إحدى عشرة ركعة بوترها، وصح الخبر أنه ﷺ ربما صلى ثلاث عشرة ركعة، وروي عنه ﷺ أنه صلاها ست عشرة ركعة..

أـ فقد روت سيدتنا عائشة أن صلاة النبي ﷺ بالليل كانت إحدى عشرة ركعة في رمضان وفي غيره فقالت: ” ما كان يزيد في رمضان ولا غيره على إحدى عشرة ركعة”(2).

ب ـ وأخرج الترمذي عن سيدتنا أم سلمة قالت: “كان النبي ﷺ يوتر بثلاث عشرة ركعة فلما كبر وضعف أوتر بسبع”. قال إسحق بن إبراهيم معنى ما روي أن النبي ﷺ كان يوتر بثلاث عشرة قال إنما معناه أنه كان يصلي من الليل ثلاث عشرة ركعة مع الوتر فنسبت صلاة الليل إلى الوتر(3).

ج ـ وفي صحيح مسلم عن أبي سلمة أنه سأل عائشة عن صلاة رسول الله ﷺ فأخبرت أنه كان يصلي تِسْعَ رَكَعَاتٍ قَائِمًا يُوتِرُ مِنْهُنَّ(4).

د ـ وفي صحيح مسلم من حديث ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: ” صلّى رسول الله ﷺ من الليل ثلاث عشرة ركعة”(5).

وفي صحيح مسلم أن زيد بن خالد الجهني رضي الله عنه قال: ” لأرمقنّ صلاة رسول الله ﷺ الليلة، فصلى ركعتين خفيفتين، ثم صلّى ركعتين طويلتين طويلتين، ثم صلّى ركعتين وهما دون اللتين قبلهما، ثمّ صلى ركعتين وهما دون اللتين قبلهما.. إلى أن قال: ثم أوتر، فذلك ثلاث عشرة ركعة”(6).

د ـ وأخرج الإمام أحمد عن عليّ رضي الله عنه أنه قال: ” كان رسول الله ﷺ يصلي من الليل ست عشرة ركعة سوى المكتوبة “(7).

وكلٌّ ـ ما ترى ـ يروي ما شاهده ورآه من حال رسول الله ﷺوحاله دالة على أن صلاة الليل لا حدّ فيها محصور، ولا عدد لركعاتها محدود.

ثانياً: المروي عن أحوال السلف الصالح في عدد ركعات صلاة التراويح كما يلي:

(1) مروي عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه في خلافته الراشدة أنّه جمع المصلين للتراويح فكانوا يصلون ثلاثاً وعشرين ركعة مع الوتر، فقد روى مالك عن يزيد بن رومان قال : ( كان الناس في زمان عمر يقومون في رمضان بثلاث وعشرين ركعة )(1)

وصحابة رسول الله ﷺ كانوا كثيرين ولم يثبت عن أحد منهم أنه أنكر على عمر ، فدلّ على أنّ صلاة التراويح تصحّ أن تكون ثلاثاً وعشرين ركعة مع الوتر.

قال الإمام أبو حنيفة: ” لم يتخرّصه عمر رضي الله عنه من تلقاء نفسه ولم يكن فيه مبتدعاً، ولم يأمر به إلا عن أصل لديه وعهد من رسول الله ﷺ، ولقد سنّ عمر رضي الله عنه هذا وجَمَع الناس على أبيّ بن كعب رضي الله عنه فصلاّها جماعة والصحابة متوافرون: منهم عثمان وعلي وابن مسعود والعباس وابنه وطلحة والزبير ومعاذ وأبيّ وغيرهم من المهاجرين والأنصار، وما ردّ عليه واحد منهم ، بل ساعدوه ووافقوه وأمروا بذلك “(8).

(2) ومروي عن عليّ رضي الله عنه أنه كان يقوم في رمضان بثلاث وعشرين ركعة مع الوتر، فقد روى البيهقي عن شتير بن شكل ـ وكان من أصحاب على رضى الله عنه ـ: أنه كان يؤمهم فى شهر رمضان بعشرين ركعة، ويوتر بثلاث(9).

(3) ومروي عن السائب بن يزيد قال: “كنا نصلي زمن عمر في رمضان ثلاث عشرة..

(4) ومروي عن أبان بن عثمان وعمر بن عبد العزيز في عهد إمارته على المدينة جمعوا الناس في التراويح على تسع وثلاثين ركعة مع الوتر، فمن طريق داود بن قيس قال : “أدركت الناس في إمارة أبان بن عثمان وعمر بن عبد العزيز يعني بالمدينة يقومون بست وثلاثين ركعة ويوترون بثلاث”.

(5) ومروي عن محمد بن يوسف أنها إحدى وعشرون ركعة.

(6) وروي عن مالك: ست وأربعون وثلاث الوتر..

(7) ونقل ابن عبد البر عن الأسود بن يزيد أربعين يوتر بسبع وقيل ثمان وثلاثين..

(8) وعن نافع قال: لم أدرك الناس إلا وهم يصلون تسعاً وثلاثين ويوترون منها بثلاث..

(9) وعن الشافعي قال: “رأيت الناس يقومون بالمدينة بتسع وثلاثين وبمكة بثلاث وعشرين ..”.

(10) وعن زرارة بن أوفى أنه كان يصلي بهم بالبصرة أربعا وثلاثين ويوتر..

(11) وعن سعيد بن جبير أربعاً وعشرين، وقيل: ست عشرة، غير الوتر..(10)

(12) وأخرج البيهقي عن ابن عباس : ( كان يصلي في شهر رمضان في غير جماعة عشرين ركعة والوتر ) قال البيهقي: “زاد سليم الرازي في كتاب الترغيب له : ( ويوتر بثلاث)(11).

فكل هذه روايات وكلها بعدد، مما يدلّ على أنّ أمر التراويح على التوسعة في عدد ركعاتها، فتحديدها بعدد لم يقطع به دليل:

قال شيخ الإسلام ابن تيمية بعد أن أورد بعض الروايات في قيام رمضان وتنازع العلماء فيها: “والصواب: أنّ ذلك جميعه حسن كما نص على ذلك الإمام أحمد رضي الله عنه، وأنه لا يتوقّت في قيام رمضان عدد، فإنّ النبي ﷺ لم يوقّت فيها عدداً، وحينئذ فيكون تكثير الركعات وتقليلها بحسب طول القيام وقصره، فإن النبي ﷺ كان يطيل القيام بالليل حتى ثبت عنه في الصحيح من حديث حذيفة: أنه كان يقرأ في الركعة بالبقرة وآل عمران والنساء، فكان طول القيام يُغني عن تكثير الركعات، وأُبَيّ بن كعب لما قام بهم وهم جماعة واحدة لم يكن أن يطيل لهم القيام فكثّر الركعات، ليكون ذلك عوضاً عن طول القيام”(12). اهـ المراد نقله.

وقال الشوكاني:”.. قصر الصلاة المسماة بالتراويح على عدد معين وتخصيصها بقراءة مخصوصة لم يرد به سنة”(13).

ويقول الشيخ ابن عثيمين: ” لا ينبغي لنا أنْ نغلوَ أو نُفَرِّطَ، فبعضُ النَّاس يغلو من حيث التزامُ السُّنَّة في العدد، فيقول: لا تجوز الزيادة على العدد الذي جاءت به السُّنَّةُ، وينكرُ أشدَّ النَّكير على مَن زادَ على ذلك، ويقول: إنه آثمٌ عاصي. وهذا لا شَكَّ أنَّه خطأ، وكيف يكون آثماً عاصياً وقد سُئِلَ النَّبيُّ ﷺ عن صلاة الليل؟ فقال: «مثنى مثنى» ولم يُحدِّد بعدد، ومِن المعلوم أنَّ الذي سأله عن صَلاة الليل لا يعلم العَدَد، لأنَّ مَنْ لا يعلم الكيفيَّة فجهلُه بالعدد مِن باب أَولى، وهو ليس ممن خَدَمَ الرَّسولَ ﷺ حتى نقول: إنَّه يعلمُ ما يحدثُ داخلَ بيته، فإذا كان النَّبيُّ ﷺ بَيَّنَ له كيفيَّة الصَّلاة دون أن يحدِّد له بعدد؛ عُلِمَ أنَّ الأمرَ في هذا واسع” (14).

وقد وجّه العلماء هذا الاختلاف المروي في عدد ركعات صلاة التراويح فيقول الحافظ ابن حجر في الفتح بعد أنْ أورد كثيراً من هذه الروايات: “والجمع بين هذه الروايات ممكن باختلاف الأحوال، ويحتمل أن ذلك الاختلاف بحسب تطويل القراءة وتخفيفها، فحيث يطيل القراءة تقلّ الركعات وبالعكس، وبذلك جزم الداودي وغيره”(15).

ثالثاً: لو استطلعنا رأي فقهاء المذاهب الفقهية المتبوعة نجد:

1ـ الإمام مالك يقول: الأمر عندنا بتسع وثلاثين وبمكة بثلاث وعشرين وليس في شيء من ذلك ضيق..

2ـ والإمام الشافعي يقول: ” ليس في شيء من هذا ضيق، ولا حد ينتهى إليه؛ لأنه نافلة، فإن أطالوا القيام وأقلوا السجود فحسن، وهو أحبّ إلي، وإن أكثروا الركوع والسجود فحسن”(16).

3ـ والإمام أحمد يقول: ” روي في هذا أقوال ولم يُقْضَ فيه بشيء”(17).وذكر ابن تيمية أن أحمد نصّ على أن ذلك جميعه حسن(18).

وعليه:

رابعاً: انعقد الاتفاق بين الفقهاء على أنه ليس هناك عدد محدد في ركعات صلاة التراويح، وقد نقل الاتفاق على ذلك جلّةٌ منهم:

1ـ قال الحافظ ابن العراقي في طرح التثريب: ” قد اتفق العلماء على أنه ليس لقيام الليل حدّ محصور، ولكن اختلفت الروايات فيما كان يفعله النبي ﷺ”(19)..

2ـ وقال القاضي عياض:” لا خلاف في أنه ليس في ذلك حد لا يزاد عليه ولا ينقص منه، وأن صلاة الليل من الطاعات التي كلما زاد فيها زاد الأجر، وإنما الخلاف في فعل النبي ﷺ وما اختاره لنفسه”.

خامساً: مع ما بينّاه من عدم الحرج في عدد ركعات صلاة التراويح؛ ننبّه إلى ثلاثة أمور مهمّين:

الأمر الأول: أنّ أكثر أهل العلم توافقوا على موافقة فعل عمر رضي الله عنه، فذهبوا إلى أنّ المختار في عدد ركعات التراويح أنها ثلاث وعشرون ركعة مع الوتر.

ـ وهذا هو مذهب الحنفية رحمهم الله، وقد قال ابن نجيم: “وسُنّ في رمضان عشرون ركعة بعد العشاء قبل الوتر”(20).

ـ وهو المعتمد من مذهب المالكية، وقد قال الشيخ الدردير هي عشرون ركعة بعد صلاة العشاء يسلّم من كل ركعتين غير الشفع والوتر”(21).

وقال ابن رشد: ” اختار مالك في أحد قوليه وأبو حنيفة والشافعي وأحمد وداود القيام بعشرين ركعة سوى الوتر”(22).

ـ وهو مذهب الشافعية، وقد قال النووي: ” مذهبنا أنها عشرون ركعة بعشر تسليمات غير الوتر… هذا مذهبنا .. قال: ونقله القاضي عياض عن جمهور العلماء”(23).

ـ وهو مذهب الحنابلة وقد قال ابن قدامة : ” المختار عند أبي عبد الله رحمه الله ـ أي الإمام أحمد ـ ، فيها عشرون ركعة”(24) .

الأمر الثاني: أنّه طالما وجدنا الأمر في عدد ركعات صلاة التراويح على السعة والاختيار، فمعنى ذلك أنّها تصحّ ويصيب المصلي فضلها إن شاء الله بأي عدد صلاّها، وعليه: فلا مكان للإنكار على أية جماعة تصلي التراويح وبأي عدد، وإلا فقد وقع المنكر في التشدد والتنطع المذموم البغيض!.

إذا تقرر هذا؛ فلا مانع بعد ذلك من البحث عن الأفضل والأكمل حالاً من بين أعداد الركعات، هل هو الالتزام بإحدى عشرة ركعة كما ورد عن عائشة ؟، أم الالتزام بالذي استمر عليه عمل المسلمين صلاتها عشرين ركعة؟. أم ثلاث عشرة أم ست عشرة؟.

فيقال: الفقهاء في الأفضل والأحبّ انحصروا بين إحدى عشرة وبين عشرين ركعة، وأكثرهم يفضّل العشرين ركعة ـ كما رأينا ـ، وبعضهم يفضّل الالتزام بإحدى عشرة ركعة.

الأمر الثالث: أنبّه إلى ما نبّه إليه بعض أهل العلم: أنّ اختيار عدد ركعات التراويح يكون بحسب حال المصلّين، فربما كان أكثرهم كباراً في السن يعجزون عن طول القيام وكثرة الركوع والسجود، فتقلّل عندئذ الركعات وتخفف في طول الركوع والسجود، ولعلهم شباباً يرغبون في طول القيام فيطول بهم، وربما كان فيهم كثيرون مرتبطون بأعمال بعد التراويح فيخفف من أجلهم وتقلل الركعات، وهكذا، فالمهمّ أن ينتبه الناس إلى هذا، وأنّ الأمر على السعة حتى لا يؤدي إلى الاختلاف والتنازع كما يحدث في كثير من المساجد في كل عام. والله تعالى الموفق للحق والصواب.

الحواشي

  1. أخرجه البخاري برقم 473، وبرقم 990، وبرقم 1137.
  2. أخرجه البخاري برقم 2013.
  3. أخرجه الترمذي في السنن برقم 457. وقال : حديث حسن.
  4. صحيح مسلم حديث رقم 1759 .
  5. مسلم برقم 1824.
  6. مسلم برقم 1840 .
  7. الإمام أحمد في مسنده برقم 1240. ج1 ص 145.
  8. الاختيار لتعليل المختار، ج1 ص 74- 75.
  9. أخرجه البيهقي في السنن الكبرى برقم 4803 ، ج2 ص 496 .
  10. راجع كل هذا في: فتح الباري ج4 ص 253ـ 254، نيل الأوطار للشوكاني ج3 ص 63 -64، المجموع شرح المهذب، ج4 ص 38.
  11. أخرجه البيهقي في السنن الكبرى برقم 4799، وقال:” تفرد به أبو شيبة إبراهيم بن عثمان وهو ضعيف” اهـ.
  12. الفتاوى الكبرى ، ج2 ص 245، ومجموع الفتاوى ج23 ص 113.
  13. نيل الأوطار ، ج3 ص 65.
  14. الشرح الممتع على زاد المستقنع ، لابن عثيمين، ج4 ص 53.
  15. فتح الباري، ج4 ص 253.
  16. معرفة السنن والآثار للبيهقي ، ج4 ص 42، وفتح الباري للحافظ ابن حجر ، ج4 ص 253.
  17. انظر: سنن الترمذي ج3 ص 368 في الحديث رقم 811.
  18. مجموع الفتاوى ج23 ص 113، والفتاوى الكبرى ج2 ص 245 .
  19. الهدي النبوي الصحيح في صلاة التراويح، للصابوني، ص 119، عن رسالة صلاة التراويح عشرون ركعة للشيخ إسماعيل الأنصاري.
  20. البحر الرائق شرح كنز الحقائق، لابن نجيم، ج2 ص 71 .
  21. الشرح الصغير للدردير، ج1 ص 404.
  22. بداية المجتهد ونهاية المقتصد، ج1 ص 487 .
  23. المجموع شرح المهذب، ج4 ص 38 .
  24. المغني لابن قدامة، ج1 ص 833.

أ.د. عبدالله الزبير عبدالرحمن

لديك مسألةٌ تُشكل عليك؟ استفتِ الشيخ

اكتب سؤالك وسيصل مباشرةً إلى مكتب فضيلة الشيخ، ويصلك الجواب على بريدك.

الردّ خلال ٣–٧ أيام بياناتك محفوظة ولا تُنشر ١١٦ فتوى منشورة
استفتِ الشيخ
فتوى مختارة

السواك والمعجون للصائم

هل يجوز للصائم أن يستاك في نهار رمضان ؟ وماذا عليه لو استعمل مسواكاً رطباً ؟ وهل يصح صومه إذا استاك بالمعجون المعطر؟

اقرأ الجواب