الفقهاء في قضاء التراويح على ثلاثة أقوال(1):
القول الأول: أنه يستحب قضاؤها، وهو الصحيح من مذهب الشافعية، وبه قال المزني وأحمد في رواية عنه.
والقول الثاني: أنه يكره قضاؤها، وبه قال أبو حنيفة ومالك في الأشهر عنه والشافعي في القديم.
والقول الثالث: أنه يجوز قضاؤها منفرداً ما لم يدخل وقت تراويح أخرى، وقيل ما لم يمض الشهر، وهذا قول بعض الحنفية.
والراجح فيما يظهر، القول بجواز القضاء من خمسة وجوه:
الوجه الأول: أنها سنة في رتبة الوتر وركعتي الفجر، وقد أرشد النبي ﷺ بقضائهما، ففي حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النّبي ﷺ قال: ( من لم يصلّ ركعتي الفجر حتى تطلع الشمس فليصلهما)(2). وحديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أنّ النّبي ﷺ قال: ( من نام عن وتره أو نسيه فليصلّه إذا ذكره)(3). وعند الترمذي وابن ماجة والبيهقي والحاكم وغيرهم: ( من نام عن وتره فليصل إذا أصبح )(4). وكان ابن عمر يقضيهما من الضحى(5).
الوجه الثاني: أنّ النبي ﷺقضى ركعتين بعد العصر حين انشغل عنهما من بعد الظهر مع وفد عبد القيس، فقال ﷺ لما سألته أم سلمة عنهما: ( إنّه أتاني ناسٌ من عبد القيس بالإسلام من قومهم، فشغلوني عن الركعتين اللتين بعد الظهر فهما هاتان)(6). وهي سنة من السنن الراتبة، والتراويح كذلك، فاستويا في الحكم.
الوجه الثالث: حديث عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدٍ الْقَارِىِّ قَالَ: سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رضي الله عنه يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: « مَنْ نَامَ عَنْ حِزْبِهِ أَوْ عَنْ شَىْءٍ مِنْهُ فَقَرَأَهُ فِيمَا بَيْنَ صَلاَةِ الْفَجْرِ وَصَلاَةِ الظُّهْرِ كُتِبَ لَهُ كَأَنَّمَا قَرَأَهُ مِنَ اللَّيْلِ»(7).
والدلالة واضحة على المطلوب ، وهي دعوة النبي ﷺ الناس أنْ يقضوا نوافلهم التي فاتتهم بسبب ما .
الوجه الرابع: قوله (8) قال عمر بن الخطاب وابن عباس والحسن: “معناه من فاته شيء من الخير بالليل أدركه بالنهار، ومن فاته بالنهار أدركه بالليل”(9).
الوجه الخامس: أنّ الصحابة رضوان الله عليهم كانوا يقضون ما فاتهم بالليل أثناء النهار:
ـ اسْتَأْذَنَ رجلٌ عَلَى عُمَرَ رضي الله عنه بِالْهَاجِرَةِ، فَحَجَبَهُ طَوِيلاً، ثُمَّ أَذِنَ لَهُ، فَقَالَ:”إنِّي كُنْتُ نِمْتُ عَنْ حِزْبِي، فَكُنْت أَقْضِيهِ”.
ـ وقَالَ عَلِيٌّ رضي الله عنه: “مَنْ فَاتَهُ شَيْءٌ مِنْ حِزْبِهِ، فَصَلاَّهُ ارْتِفَاعَ النَّهَارِ، فَكَأَنَّمَا صَلاَّهُ بِاللَّيْلِ”.
ـ وعَنِ الْقَاسِمِ رحمه الله، قَالَ: “كُنَّا نَأْتِي عَائِشَةَ قَبْلَ صَلاَةِ الْفَجْرِ، فَأَتَيْنَاهَا ذَاتَ يَوْمٍ فَإِذَا هِيَ تُصَلِّي، فَقَالَتْ : “نِمْت عَنْ حِزْبِي فِي هَذِهِ اللَّيْلَةِ فَلَمْ أَكُنْ لأَدَعَهُ”.
وقال أَبِو سَلَمَةَ رضي الله عنه: “مَنْ فَاتَهُ جُزْؤُهُ مِنَ اللَّيْلِ فَقَضَاهُ قَبْلَ أَنْ تَزُولَ الشَّمْسُ، فَقَدْ أَدْرَكَ”(10). فدلّ كل ذلك على أنّ القضاء هو الأولى.
والله تعالى أعلم..
- راجع المسألة في : المجموع شرح المهذب ج4 ص 43، المغني لابن قدامة ، ج1 ص 793-795، حاشية ابن عابدين، ج1 ص 775، والبحر الرائق ج2 ص 316..
- أخرجه الترمذي برقم 423، والحاكم في المستدرك ج1ص 274 وصححه على شرط الشيخين ووافقه الذهبي، وقال النووي في المجموع (4/45) رواه البيهقي بإسناد جيد.
- أخرجه أبو داود برقم 3143، وحسن النووي إسناده في المجموع (4/45).
- أخرجه الترمذي برقم 466، وابن ماجة برقم 1188، والدارقطني برقم 1637، والبيهقي في السنن الكبرى برقم 4711، والحاكم في المستدرك برقم 1127، وصحح الحاكم إسناده على شرط الشيخين ووافقه الذهبي (1/443).
- المغني ، ج1 ص 794.
- أخرجه الشيخان في صحيحيهما، البخاري برقم 1233، ومسلم برقم 1970.
- أخرجه مسلم برقم 1779، وأبو داود برقم 1315.
- سورة الفرقان الآية 62.
- تفسير القرطبي ، للآية ، ج13 ص 66 ، مؤسسة مناهل العرفان بيروت، توزيع مكتبة الغزالي.
- مصنف ابن أبي شيبة، ج2 ص 71، بالأرقام: من 4817 ـ 4820.