مما لا يخفى على المسلم أنّ العشر الأواخر من أفضل أيام السنة، وهي أفضل أيام رمضان، فيها أُنزل القرأن، ولياليه هي ليالي الحظوة بأنس المولى جلّ وعلا وقُربه، ومنها ليلةٌ خيرٌ من ألف شهر، هي ليلة القدر الذي أخبرنا عنها ربّ العزة الكريم الرحيم فقال [سورة القدر].
وقد عرف الصالحون فضل هذه العشر فاجتهدوا فيها بسائر الطاعات، تعلّماً وتأسّياً واقتداءً بالمعلّم المعصوم ﷺ. فقد كان عليه الصلاة والسلام” يجتهد ما لا يجتهد في غيره “(1). وكان عليه الصلاة والسلام كما تقول عائشة ( إذا دخل العشر شدّ مئزره وأحيا ليلَهُ وأيقظ أهله ) فكان ﷺ يخصّ هذه الليالي العشر الأواخر من رمضان بأعمال لا يعملها في بقية الشهر، مما جعل الصالحين يتنبّهون لفضل هذه العشر الأواخر فيجتهدون فيها اجتهاداً كبيراً.
لذلك؛ فليس من العقل الراشد، ولا من صلاح المرأة؛ أن يَضِيعَ عليها كل هذا الفضل بالانشغال بالتسوّق وإضاعة الوقت والجهد في التجهيز للعيد بالكماليات وغير الضروريات، كتزيين البيوت، والاهتمام بشراء الملابس، وإعداد الحلوى والمقبلات والخبائز وغير ذلك مع المبالغة في ذلك بما تنقضي فيها الأوقات الفاضلة كلها أو جلها.
وإنما الذي ينبغي أن تتنبّه له المرأة الحائض في أيام العشر ولياليها؛ الاشتغال بأنواع الطاعات مما يصحّ منها فعلها، لاسيما الأجور مضاعفة وأسباب القبول وافرة، ومن ذلك:
1ـ الإكثار من ذكر الله تعالى وملأ أوقات فراغها بالتسبيح والتحميد والتهليل وغيرها من الأذكار القولية، فالذكر قوت قلوب العارفين، وغذاء أرواح العابدين، ونشوة المتنسكين، فتدخل بذلك في الذاكرين الله كثيراً والذاكرات، ﴿وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب : 35].
2ـ إعمار نهارها وليلها بالاستغفار، وفي حديث ابن عباس رضي الله عنهما يقول رسول الله ﷺ: ( من لزم الاستغفار جعل الله له من كل ضيق مخرجاً، ومن كل هم فرجاً، ورزقه من حيث لا يحتسب )(2). لاسيما والنبي ﷺ أرشد النساء بخصوصهن بالإكثار من الاستغفار، كما في حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أنّ رسول الله ﷺ قال: ( يا معشر النساء! تصدقن، وأكثرن الاستغفار، فإنى رأيتكنّ أكثر أهل النار ). فقالت امرأة منهن جزلة: « وما لنا يا رسول الله أكثر أهل النار؟». فقال ﷺ: ( تكثرن اللعن، وتكفرن العشير، وما رأيت من ناقصات عقلٍ ودينٍ أغلب لذي لب منكن ). قالت: «يا رسول الله! وما نقصان العقل والدِّين؟» قال: ( أما نقصان العقل؛ فشهادة امرأتين تعدل شهادة رجل، فهذا نقصان العقل، وتمكث الليالي ما تصلي، وتفطر في رمضان فهذا نقصان الدين )(3).
ومن ذلك؛ سيّد الاستغفار الذي أرشد إليه النبي ﷺ، وهو أن تقول: (اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت، خلقتني، وأنا عبدك، وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت، أعوذ بك من شر ما صنعت، أبوء لك بنعمتك علي وأبوء بذنبي اغفر لي، فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت) قال النبي ﷺ: (ومن قالها من النهار موقناً بها فمات من يومه قبل أن يمسي؛ فهو من أهل الجنة ، ومن قالها من الليل وهو موقن بها فمات قبل أن يصبح؛ فهو من أهل الجنة) (4).
3ـ أن تبيع حاجات دنياها تلك بلذة المناجاة لربها، وبأنس القرب لمولاها، فتعيش ليلها وغالب نهارها ويومها تستمع إلى كلام ربها من جهاز تسجيل أو هاتف أو تلفازٍ، تسمع خطاب ربها بأُذُنٍ واعية، وقلبٍ شاهد، إذ فيه ذكرى ﴿لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ ﴾ [ق : 37]، فيصحّ قلبها، وتزكو نفسها، وترقّ وتصفو. فيالها يومئذ من فائزة.
4ـ الإلحاح في الدعاء مع الإكثار منه ، خاصة في الليالي التي ترجَى فيها ليلة القدر، وكان مما أرشد إليه نبينا ﷺ عائشة حين قالت له عليه الصلاة والسلام: يا رسول الله! أرأيت إنْ علمتُ أيَّ ليلةٍ ليلة القدر؛ ما أقول فيها؟. قال: ( قولي: اللهم إنك عفو كريم تحب العفو فاعف عني) (5) . فتكثر في الليالي التي يُظَنُّ أنها ليلة القدر وليالي الوتر من العشر بهذا الدعاء ” اللهم إنك عفوٌّ تحبّ العفو فاعف عني”ولو أدخلت أهلها وزوجها وإخوانها ووالديها وأولادها معها في ذلك فقالت: “..فاعف عنا”.
5ـ إطعام الطعام، وإفطار الصائمين، وفي حديث زيد بن خالد الجهني رضي الله عنه، قال رسول الله ﷺ: ( من فطّر صائماً؛ كان له مثل أجره، غير أنه لا ينقص من أجر الصائم شيئاً)(6). وفي حديث سلمان رضي الله عنه، قال: قال رسول الله ﷺ: (من فطّر صائماً على طعام، وشراب من حلال، صلّت عليه الملائكة في ساعات شهر رمضان، وصلَّى عليه جبريل عليه السلام في ليلة القدر)(7) .
ومن العادات الحميدة الجميلة في بلادنا السودان، المعبّرة عن كرم أهلها، واهتمامهم بأمر المسلمين، وإظهار أخوّة الإسلام في أبهى صورها: الترصّد للمسافرين وأهل السبيل في أوقات الفطر على الطرق، وتجهيز إفطاراتٍ لهم، والحرص على ألاّ يمضوا وقت الإفطار إلا بعد الإفطار عندهم.
فلو أعدَّت المرأة الحائض خاصة في هذه الأيام من الطعام والشراب بقدر ما تقدر وبقدر ما عندها قليلاً كان أو كثيراً، فبعثت به إلى أولئك، كان ذلك لها خيراً ، وتقبل الله الصالحات.
6ـ أن تبعث إلى المسجد بالطيب والنضوح والدُّخنة والبخور، تطيّب بها المسجد ليالي العشر، خاصة في الليالي التي ترجى فيها ليلة القدر.
وغير ذلك من الطاعات والأذكار والأعمال الصالحات والاجتهاد في ذلك ما استطاعت إليه، والله نسأله أن يوفق ويعين، فهو خير مرجوّ وخير معين.
الصياموأقضية العوائدالصياموأقضية العوائدالصياموأقضية العوائدالصياموأقضية العوائد
الصيام
وأقضية العوائد
الصيام
وأقضية العوائد
- أخرجه مسلم من حديث عائشة رضي الله عنها.
- أخرجه أبو داود برقم 1520، وابن ماجة برقم3819.
- أخرجه مسلم في صحيحه برقم 250 .
- أخرجه البخاري في صحيحه برقم 6306 .
- أخرجه الترمذي برقم 3513، وقال: حديث حسن صحيح.وابن ماجة برقم 3850.
- أخرجه الترمذي برقم 807، وابن ماجة برقم 1746، وقال الترمذي: حسن صحيح وصححه الألباني.
- أخرجه الطبراني في المعجم الكبير برقم 6039، وبرقم 6038، والبزار في مسنده برقم 2501 . وفيه الحسن بن أبي جعفر قال عنه ابن عدي: له أحاديث صالحة وهو صدوق. وفيه علي بن زيد بن جدعان قال عنه الترمذي صدوق، وذلك من جانب حفظه، وقد أخرج له البخاري في الأدب المفرد، وأخرج له مسلم في صحيحه وكذلك الترمذي وأبو داود والنسائي وابن ماجة في سننهم، فمثل هذا الحديث يُعمل به في فضائل الأعمال ، ولله الحمد.