هذا المذهب باطل، ولا يقرون عليه لمخالفته الشرع الواضح للأدلة الآتية:
أولاً : اتفق جمهور العلماء سلفاً وخلفاً ، ووافقهم عليه المتأخرون والمعاصرون ، وقررته المجامع الفقهية ومجامع البحوث ومجالس الإفتاء في عصرنا أنه لا عبرة باختلاف المطالع بين البلاد الإسلامية التي تشترك مع بعضها في جزء من الليل ، فكيف بالقرى التابعة للدولة الواحدة والقبائل أو الطوائف داخل المصر الواحد والمدينة الواحدة(1).
ثانياً : الشارع علّق وجوب صيام شهر رمضان بمطلق الرؤية فقال: (صوموا لرؤيته) ، والمطلق يتحقق بأول أفراده ، فإذا رؤي الهلال من مسلم عدل أو مسلمين عدلين ثبت الشهر فلزم الصيام الجميع .
والرؤية غير مقيدة برؤية كل واحد من المسلمين وإلا لم يلزم الصيام أعمى أو أعمش أبداً ، وإنما الرؤية الشرعية هي رؤية بعضهم لأن القصد ثبوت الرؤية بقطع النظر عن الرائين ، ولو كانت العبرة بالرائين لقال: “صوموا لرؤيتكم” . فكان المعتبر ثبوت الهلال وإن لم يره أغلب الناس، حتى في الرائين العبرة أن يكون من المسلمين لا أن يكون من أبناء القبيلة أو أهل الطريقة .
ثالثاً : إن اليوم الذي يصوم فيه الناس هو اليوم الشرعي الذي يجب أن يبدأ فيه شهر رمضان، لأن النبي ﷺ قال:( الصوم يوم يصوم الناس)(2)، فإذا علموا يوم صوم الناس وهو جماعة المسلمين وإمامهم “الحاكم” لزمهم الصيام.
رابعاً : لو اعتبرنا أنَّ هذه المسألة خلافية ، فإنها تُرفع بأمر الحاكم المسلم المطاع ، لأن أمر الحاكم يرفع الخلاف في القضايا العامة بلا خلاف . فإذا أصدر الحاكم أمراً بإعلان أول الصوم وآخره وجب على الجميع الالتزام به سواء عرفوا أمره بالإذاعة أو بالتلفاز أو بالصحف أو غيرها.
- حتى من يرى اختلاف المطالع من الشافعية وغيرهم لم يقولوا بجواز انفراد الواحد أو المجموعة بالشهر على خلاف ما عليه أهل بلادهم . فالشافعية لا يعتبرون اختلاف المطالع في البلاد القريبة والمتصلة والماجشون من المالكية ، وإن رأى اختلاف المطالع ولكن إذا صام الإمام “الحاكم” برؤية بلدٍ آخر لزم الناس .
- هكذا ذكره ابن تيمية في الفتاوى وعند الترمذي في كتاب الصيام برقم (697) بلفظ: (الصوم يوم تصومون). وعند أبي داود في كتاب الصوم برقم 2324 بلفظ: (وفطركم يوم تفطرون). وحسّنه الترمذي .