النية ركن من أركان الصيام لا يكون الصيام ولا يصح إلا بها لقول النبي ﷺ: ( إنّما الأعمال بالنيات ، وإنما لكل امرئ ما نوى)(1). فيلزم كل من أراد أن يصوم رمضان أن ينوي صيام رمضان .
وفي وقت عقد النِّية بالصيام قال العلماء :
[1] ينوي قبل طلوع الفجر في كل صيام واجب ، كصيام رمضان وصيام القضاء والكفارة والنذر، وهذا معنى التبييت في قول النبي ﷺ: (من لم يبيّت الصيام قبل طلوع الفجر فلا صيام له )(2) . هذا ما ذهب إليه الجمهور. وحُكيَّ عن زفر من الحنفية وعن عطاء ومجاهد أنهم قالوا: “يصحّ صوم رمضان في حق المقيم الصحيح بغير نية ” وقد احتج زفر لهذا الرأي : ” بأنه لا يصحّ فيه غير صوم رمضان لتعيّنه ، فلا يفتقر إلى نية، لأن الزمن معيار له، فلا يتصوّر في يوم واحد إلا صوم واحد”.
وهذا رأي مردود من وجهين :
الوجه الأول : أن هذا الرأي يقتضي تصحيح صوم المغمى عليه في رمضان إذا لم يأكل ويشرب ، لوجود الإمساك من غير نية . وهذا أمر مستشنع. كما وصفه أبو بكر الرازي من الحنفية(3) .
الوجه الثاني: أن هذا الرأي مخالف للنص الصريح من النبي ﷺ الذي يبيّن فيه أنه لا يصح الصوم إلا بالنية . وما خالف النص من الرأي مردود إذ لا اجتهاد مع النص ، ولا حظ للنظر مع الأثر .
إِذَنْ: يشترط في صيام رمضان وكل صيام واجب النية من الليل، وتصح النية إذا نوى في أي جزء من الليل من الغروب إلى طلوع الفجر .
[2] أجاز المالكية وبعض الشافعية عقد نية الصيام مع طلوع الفجر، لأنه عبادة ، والعبادات تجوز بنية تقارن ابتداءها ، كذلك الصيام(4) .
وهذا وجه صحيح في حالة نسيان عقد النية قبل طلوع الفجر أو الغفلة عنها في جزء من الليل ، في هذه الحالة يصحّ الصوم بنية عُقدت مع طلوع الفجر .
وذهب الشوكاني إلى أن من لم يتبين له وجوب الصوم إلا بعد دخول النهار كان عذراً له عن التبييت(5) .
أما في صيام التطوع :
فلا يشترط النية قبل طلوع الفجر، بل صحّ مع نية بعد طلوع الفجر.
قال العلماء :
[1] يجوز صيام التطوع بنيّة بعد طلوع الفجر وقبل الزوال ، شريطة أن لا يأكل شيئاً ، فإن أكل شيئاً ثم نوى لم يصحّ صومه ، وهذا قول الجمهور ـ الحنفية والشافعية والحنابلة ـ وهو قول ابن عباس ، وعلي، وابن مسعود، وحذيفة، وأنس بن مالك، وأبي الدرداء، وأبي طلحة، (6) .
وحجتهم حديث عائشة قالت : قال لي رسول الله ﷺ ذات يوم : ( يا عائشة ! هل عندكم شيء ؟ قالت: فقلت: يا رسول الله ما عندنا شيء. قال : فإني صائم)(7).
وعند ابن أبي شيبة عنها قالت : ( ربما دعا رسول الله ﷺ بغدائه فلا يجده فيفرض عليه الصوم ذلك اليوم )(8).
[2] وقال مالك وداود : لا يجوز صيام التطوع إلا بنية من الليل، لعموم قوله ﷺ: ( من لم يبيّت الصيام قبل الفجر فلا صيام له )(9) ، ولم يخص ﷺ في هذا الحديث فرضاً ولا سنة من نفل .
وهو قول ابن عمر وحفصة (10) .
والصحيح : جواز نيّة صيام التطوع بالنهار وقبل الزوال ، لأن عموم حديث: ( من لم يبيّت الصيام ) قد خصصه حديث عائشة : (هل عندكم شيء؟ إِذَنْ فإني صائم ) .
ولا يشترط في عقد النِّية التلفظ بها ، بل تتحقق النِّية بالقصد والعزم في القلب دون اللفظ باللسان ، أو بما يدلّ على القصد والعزم . فمن تسحر ليصوم الغد فقد نوى . وإن استحب الشافعية التلفظ بالنِّية .
وهل يشترط أن ينوي الصائم ليلة كل يوم من رمضان ؟
قال أبو حنيفة ، والشافعي ، وأحمد في رواية : يحتاج صوم كل يوم من رمضان إلى نيّة .
وقال مالك والليث بن سعد وإسحاق بن راهوية وأحمد في الرواية الثانية: من بيّت الصيام أول ليلة من رمضان أجزأه ذلك عن سائر الشهر لأن من كان شأنه صيام يوم من الأيام لا يدعه فإنه لا يحتاج إلى التبييت.
وهو الصحيح : لأنه صيام متصل لا يجوز قطعه إلا لعذر ، ولأن حديث ( من لم يبيّت الصيام قبل الفجر فلا صيام له ) فيه جواز صيام الشهر كله بنية جامعة ، والألف واللام في “الصيام” للعهد ، والمعهود صيام شهر رمضان. وقد سيق الحديث لأجله.
والله أعلم ..
- أخرجه البخاري كتاب الوحي باب كيف كان بدأ الوحي برقم 1 ، ج1 ص 3 ، ومسلم في باب إنما الأعمال بالنية 3/1515
- أخرجه مالك في الموطأ 1/288 ، والبيهقي في السنن الكبرى 4/203 ، والدار قطني 2/172 ، وأحمد في المسند 6/287 ، والترمذي بلفظ ( من لم يجمع ) في كتاب الصيام برقم (730) ، والنسائي برقم 2331، وابن ماجة في الصيام برقم (1700) بلفظ : ( لا صيام لمن لم يفرضه من الليل ) . وصححه ابن خزيمة في صحيحه 3/212 ، وابن حبان ، والحاكم وابن حزم في المحلى 6/162 . وحسنه السيوطي في الجامع الصغير 6/222 ، والنووي في المجموع 6/293 وصحح الألباني إسناد النسائي.
- انظر : فتح الباري 4/169 ، حاشية ابن عابدين 2/87 ، وهذا الوجه هو الذي ردّ به أبو بكر الرازي على زفر .
- انظر : الشرح الصغير مع حاشية الصاوي 1/695، المهذب للشيرازي مع المجموع، 6/292 .
- الدراري المضيئة شرح الدرر البهية للشوكاني ، 1/379 .
- راجع : المصنف لابن أبي شيبة 3/31 ، صحيح البخاري بشرح فتح الباري 4/167، الاستذكار لابن عبد البر 10/37 ، المغني لابن قدامة 3/27 ، المجموع شرح المهذب 6/297 .
- أخرجه مسلم في كتاب الصيام برقم (2707) ، والترمذي في كتاب الصيام برقم (733) .
- مصنف ابن أبي شيبة ، 3/31 .
- سبق تخريجه .
- انظر : الاستذكار 10/37، الشرح الصغير 1/695، المغني لابن قدامة 3/29-30.