ما كُنْتَ تفعله من صوم الستّ من شوال على أنه مستحبٌّ؛ نسأل الله تعالى أن يتقبله منك ويجزيك به، فهو قولٌ لأَئمةٍ أخيار. وما سمعْتَه من بعض المفتين في إحدى القنوات الفضائية كذلك قول لأئمةٍ أخيار رحمهم الله تعالى جميعاً.
ومسألة صيام الست من شوال، فيه خلافٌ كبيرٌ بين أئمة المذاهب من الفقهاء، فنجد أقوالاً لفقهاء الحنفية، وأقوالاً لفقهاء المالكية.
فالحنفية إمامهم قال بكراهة صومها، وأبو يوسف كره إتْبَاع رمضان بصومها، وكره صومها متتابعاً، والحسن بن زياد كان لا يرى لصومها ولو متتابعاً بعد الفطر بأساً، وعامة المتأخرين من الحنفية لم يروا به بأساً، ومن مشايخهم من يرى أنه ينبغي للعالم أن يصوم سراً، وأن ينهى الجُهَّال عنه، وكان شمس الأئمة الحلواني يرى أن الكراهة مختصة فقط بالمتصل برمضان، أما إذا أكل بعد العيد أياماً، ثم صام لا يُكره بل يُستحب(1).
والمالكية، إمامهم مالك بن أنس رحمه الله قال بكراهة صومها، بل وأنكره إنكاراً شديداً، كما قال ابن عبد البر في الكافي، وخالفه تلميذه وابن أخته مُطرِّف بن عبد الله اليساري ولم يأخذ بذلك، وذكر الحطاب الرُّعيني أن الرجل إذا صامها في خاصة نفسه فلا يكره، وقال القرافي: « واستحب مالك صيامها في غيره خوفاً من إلحاقها برمضان عند الجهال»، ومال اللخمي لاستحبابها(2).
غير أن الشافعية والحنابلة لم يختلفوا في استحباب صومها.
وعلى هذا، فالفقهاء في حكم صوم ستٍّ من شوال على مذاهب وأقوال:
المذهب الأول: استحباب صوم ستّة من شوال، وعليه الجمهور، وهو قول الشافعية والحنابلة وبعض الحنفية كالحسن بن زياد، وشمس الأئمة الحلواني، وبعض المالكية كمطرِّف واللخمي، وبه قال طاووس والشعبي وميمون بن مهران وابن المبارك وإسحاق (3).
المذهب الثاني: لأبي يوسف صاحب أبي حنيفة رحمه الله: كراهة صوم ست من شوال في حالتين:
الحالة الأولى: أن يتبع رمضان بصومها، قال: ” كانوا يكرهون أن يتبعوا رمضان صياماً خوفاً من أن يلحق بالفريضة”. وهو الذي وجهه شمس الأئمة الحلواني أن الكراهة في المتصل برمضان، أما إذا أكل بعد العيد أياماً، ثم صام لا يكره بل يستحب.
والحالة الثانية: أن يكون صومها متتابعاً لا متفرقاً، قال رحمه الله: “أكره متتابعاً ولا أكره متفرقاً”(4).
المذهب الثالث: كراهة صوم ستٍّ من شوال، وهو قول الإمامين أبي حنيفة النعمان ومالك بن أنس رحمهما الله تعالى، وهو المروي عن الحسن البصري رحمه الله، ونسبه مالك إلى أهل العلم في زمانه أنهم كانوا يكرهون ذلك ويخافون بدعته.
قال يحيى الليثي رحمه الله: ” وسمعت مالكاً يقول في صيام ستة أيام بعد الفطر من رمضان: إنه لم ير أحداً من أهل العلم والفقه يصومها، ولم يبلغني ذلك عن أحد من السلف، وإن أهل العلم يكرهون ذلك ويخافون بدعته، وأن يُلحِق برمضان ما ليس منه أهل الجهالة والجفاء لو رأوا في ذلك رخصة عند أهل العلم ورأوهم يعملون ذلك”(5).
وقال إسرائيل أبو موسى عن الحسن البصري رحمه الله أنه كان إذا ذُكر عنده صيامُ ستة أيام من شوال يقول: ” والله لقد رضي الله بصيام هذا الشهر عن السنة كلها”(6).
المذهب الرابع: استحباب صيامها للرجل في خاصة نفسه، دون إظهار أو إشهار لاسيما إذا كان من أهل العلم، وهذا قول بعض الحنفية وبعض المالكية، نقله أبو المعالي ابن مازة عن بعض مشايخهم الأحناف قولهم: ” ينبغي للعالم أن يصوم سراً، وينهى الجهَّال عنه”(7) . ونصّ عليه القرافي في الذخيرة، والحطاب في مواهب الجليل، وكأنهما يقيدان مذهب مالك في إظهار صيام ست من شوال، وأنه لا يكره إذا كان صيامها من غير إظهار وإشهار.
وقول الجمهور فيه النصّ عن النبي ﷺ، من حديث أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه: ( من صام رمضان ثم أتبعه ستاً من شوال كان كصيام الدهر). ومن حديث ثوبان رضي الله عنه مولى رسول الله ﷺ: ( من صام ستة أيام بعد الفطر كان تمام السنة ، من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها)(8). ومن حديث جابر رضي الله عنه: ( من صام رمضان وستاً من شوال فكأنما صام السنة كلها )(9). وهو الراجح من جهة النص، وقول مالك وأبي حنيفة بالكراهة له وجهه من جهة العمل، ولقد بحثت عمن عمل به وصام ستاً من شوال من سلف الأمة الصالحين وأئمة الدين من الصحابة والتابعين وتابعيهم، فلم أقف على واحد منهم رُوي عنه أنه كان يصوم الستة الأيام من شوال، ولا يُتصوّر أمراً بهذا الفضل والخير يغفل عنه الأبرار من الصحابة والتابعين والأخيار من أئمة الدين، فهو وإن كان فيه الرواية فلم يكن عليه العمل، وهذا الذي جعل مالكاً وأبا حنيفة يتوقفان عن استحباب صومها وذهبا على الاحتياط للدين بالقول بالكراهة، خاصةً وأنّ العبادات أصلها التوقيف. بل إنّ ما خشيه الإمام مالك وأبو حنيفة قد وقع في كثير من بلاد المسلمين وبيئاتهم، حتى صار العيد الفعلي ثامن من شوال بعد صيام الست من شوال، فيستمر الناس كأنهم في رمضان تعظيماً لهذه الأيام وتأكيداً لصومها، والإنكار على من أفطر فيها، وهكذا أُلحق برمضان.
وعليه فالصحيح الراجح أن يكون صوم ستٍّ من شوال مستحباً، ولكن بشروط أربعة تتوافق بها أقوال الفقهاء، وتزول بها كراهة من يرى الكراهة، هي:
1ـ أن يصومها رغبة لما جاء فيها من الحثّ على صيامها.
2ـ أنْ لا يظهر صومها.
3ـ أن لا يصل صومها بالعيد، فالأفضل أن يفطر مع يوم العيد أياماً أخرى ثم يبدأ صيامها، حتى لا يلحق برمضان، ولدفع ما يعتقده بعض العامة أنّ رمضان لا تكتمل إلا بصومها.
4ـ أنْ لا يصومها متتابعة، بل يصومها متفرقة، ليفارق صومها صوم رمضان الذي لا يكون إلا متتابعة.
والله الموفق إلى الخير والصواب، والحمد لله رب العالمين.
- راجع: المحيط البرهاني في الفقه النعماني، لأبي المعالي برهان الدين بن مازة، ج2 ص 393، البحر الرائق شرح كنز الدقائق، لابن نجيم، ج6 ص 133.
- انظر: الذخيرة للقرافي، ج2 ص 530، الكافي لابن عبد البر ، ج1 ص 180، مواهب الجليل في شرح مختصر خليل، للحطاب، ج2 ص 414، التوضيح في شرح مختصر ابن حاجب، لخليل بن إسحاق، ج2 ص 459، المختصر الفقهي لابن عرفة، ج2 ص 97، تبيين المسالك، ج2 ص 183.
- راجع: المصادر السابقة، وانظر: المغني لابن قدامة، ج3 ص 112، الإرشاد إلى سبيل الرشاد، ص 153، الشرح الكبير على متن المقنع، ج3 ص 1ـ 3، المبدع في شرح المقنع، ج3 ص 49، الإنصاف للمرداوي ج3 ص 343، المجموع شرح المهذب، ج6 ص 400 -401، الحاوي الكبير للماوردي، ج3 ص 136، الإقناع في حل ألفاظ أبي شجاع، ج1 ص 280، السراج الوهاج على متن المنهاج، ج1 ص 146، البيان في مذهب الإمام الشافعي، ج3 ص 548، كفاية النبيه في شرح التنبيه، ج6 ص 394، مغني المحتاج إلى معرفة معاني ألفاظ المنهاج، ج2 ص 184.
- انظر : المحيط البرهاني في الفقه النعماني، لأبي المعالي برهان الدين بن مازة البخاري، ج2 ص 393، والبحر الرائق شرح كنز الدقائق لابن نجيم، ج6 ص 133.
- الموطأ برواية يحيى، برقم 684، ج1 ص 310.
- أخرجه الترمذي برقم 759، باب ما جاء في صيام ستة أيام من شوال، وصححه الألباني، وابن أبي شيبة في المصنف برقم مصنف ابن أبي شيبة 9817، ج3 ص 97.
- المحيط البرهاني الموضع السابق.
- أخرجه ابن ماجة برقم 1715.
- أخرجه أحمد في المسند، برقم 14341، قال شعيب الأرناؤوط: ” صحيح لغيره، وهذا إسناد ضعيف لضعف عمرو بن جابر الحضرمي وباقي رجاله ثقات رجال الشيخين”. ج3 ص 308.