إخراج القيمة في زكاة الفطر يكثر السؤال عنه في كل عام ، وقد أصبح هو الغالب في إخراج زكاة الفطر ، خاصة في بلادنا وكثير من بلاد المسلمين، والمشهور في هذه المسألة أن العلماء فيها على مذهبين :
[1] المذهب الأول: لزوم إخراج العين من الطعام والأقوات، وهو مذهب الجمهور من المالكية والشافعية والحنابلة والظاهرية: لأنه لا تجزئ القيمة في زكاة الفطر وفي سائر الزكوات .
وأصلهم في هذا أحاديث إخراج زكاة الفطر من الطعام ومن ذلك:
[أ] حديث ابن عمر رضي الله عنهما قال : ” فرض رسول الله ﷺ زكاة الفطر صاعاً من تمر ، أو صاعاً من شعير ، على العبد والحر، والذكر والأنثى، والصغير والكبير من المسلمين ” (1).
[ب] حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال : ” كنا نُخرج زكاة الفطر صاعاً من طعام أو صاعاً من شعير ، أو صاعاً من تمر ، أو صاعاً من أَقِطٍ(2)، أو صاعاً من زبيب “(3).
[ج] حديث ابن عباس رضي الله عنهما قال : ” أمرنا أن نعطي صدقة رمضان عن الصغير والكبير والحر والمملوك ، صاعاً من طعام، من أدَّى بُراً قُبل منه ، ومن أدّى شعيراً قُبل منه ، ومن أدّى زبيباً قُبل منه .. الحديث (4). وغير ذلك من الأحاديث التي سمّى فيها رسول الله ﷺ نوع الفطرة في الأطعمة والأقوات .
[2] المذهب الثاني : جواز إخراج القيمة بدل العين ، وأصحاب هذا المذهب فريقان :
الفريق الأول : من يرى جواز إخراج القيمة بدل العين مطلقاً وهو مذهب الحنفية والثوري ، وقال به الحسن البصري ، وعمر بن عبد العزيز، وهو قول جماعة من المالكية (5)كابن حبيب وأصبغ وابن أبي حازم وابن دينار وابن وهب. وقال الحنفية : ” دفع القيمة أفضل من دفع العين “(6).
والفريق الثاني : من يرى جواز إخراج القيمة في زكاة الفطر لعذر أو لضرورة ، وهم : إسحاق بن راهويه ، وأبو ثور ، وهو مذهب الزيدية(7).
وحجة الحنفية في تفضيل القيمة كون القيمة أعون على دفع حاجة الفقير لاحتمال أنه يحتاج غير الحنطة من ثياب ونحوها .
الترجيح :
مما يبدو واضحاً جداً أنّ مقصود الشارع في تشريع زكاة الفطر أمران مهمان : أحدهما: طهرة للصائم من اللغو والرفث ، والثاني : سدّ خلة المساكين وإغناؤهم عن الحاجة ومواساتهم في يوم العيد بمثل ما يكون عليه أهل بلدهم(8). لحديث ابن عباس رضي الله عنهما قال : ” فرض رسول الله ﷺ زكاة الفطر طهرة للصائم من اللغو والرفث ، وطعمة للمساكين”(9). وحديث ابن عمر رضي الله عنهما قال: “فرض رسول الله ﷺ زكاة الفطر وقال أغنوهم في هذا اليوم”(10).
أما المقصود الأول فيتحقق بكل إخراج لزكاة الفطر سواء أكان الذي أخرجه الصائم قوتاً وطعاماً ، أم كان قيمة.
أمّا المقصود الثاني وهو سدّ خلة الفقير ومواساة المسكين بزكاة الفطر فيتحقق بالطعام ويتحقق بغيره ، وقد يكون غير الطعام أوفق للمقصود من الطعام .
ولهذا ينبغي أن يكون الترجيح لما يكون أنفع للفقير وأكثر سداً لخلته، وأفضل في مواساته وإغنائه عن السؤال في يوم العيد. فقد يكون في بعض البلاد والقرى القوت والطعام أنفع للفقير وأسدّ لخلته، وقد يكون المال في بعضها أنفع للفقير وأسدّ لخلته.
وعليه : فالذي يترجح على ضوء هذه القاعدة : أن إخراج القيمة في زماننا هو الأرجح والأفضل ـ خاصة في المدن والأمصار ـ . وذلك لوجوه:
الوجه الأول : أن الطعام في عهد الرسول ﷺ وصحابته الكرام رضوان الله عليهم كان مختلفاً عن الطعام في زماننا ، حيث كان الطعام بنفسه مالاً ونقوداً، يستطيع من أُعطي الشعير أو الزبيب أو التمر أن ينقده في شراء أي سلعة يحتاج إليها .
ولهذا ـ في الحقيقة ـ لم يكن هناك فرقٌ بين ما هو عين وبين ما هو قيمة ، لأنها كلها كانت قيماً وأثماناً للأشياء ، فتسدّ خلة الفقير إذا دفع له طعام أو قوت ، لأنه يستطيع به شراء كل ما يحتاج إليه.
أما في زماننا فقد اختلف الطعام عن القيمة ، فمن أُعطي قمحاً أو تمراً أو زبيباً أو شعيراً ، وهو محتاج لغيرها، اضطر لبيعها في السوق ليأخذ قيمتها ليشتري بها ما يحتاج إليه ، فكان الأولى أن يعطى القيمة ابتداءً ليشتري بها ما احتاجه .
الوجه الثاني : أنّ من القواعد الأصولية المقررة : رعاية المقاصد أولى من رعاية الوسائل، ولذلك فالوسائل تأخذ حكم المقاصد وتسقط الوسائل بسقوط المقاصد ، فلو تقرر هذا : فإن لزكاة الفطر مقصوداً وللمقصود وسائل، فمقصود الشارع من زكاة الفطر نفع الفقراء ، بإخراج نوع مال وإعطائه لهم ، فلا يمكن أن يتشبث بالوسيلة وهي إخراج نوع مال ، ولو كان غيرها أكثر تحقيقاً للمقصود ، فإن الأعيان المنصوصة وسيلة ، والقيمة أكثر تحقيقاً لمقصود زكاة الفطر في هذا الزمان ، فكان إخراج القيمة أولى(11). ويعضّد هذا تطبيق معاذ رضي الله عنه لأمر النبي ﷺ في الصدقة حين بعثه إلى اليمن يقول طاوس : ” بعث رسول الله ﷺ معاذاً إلى اليمن ، فأمره أن يأخذ الصدقة من الحنطة والشعير ، فأخذ العروض والثياب بدل الحنطة والشعير”(12) وهذا ـ كما ترى ـ تحقيق لمقصود الأمر بالتوسع في وسيلته، وممن؟ من أعلم الصحابة بالحلال والحرام .
الوجه الثالث:أنّ القيمة والبدل معتبران في الزكاة ، والزكوات بأنواعها جنس ، فما صحّ في هذه يصحّ في الأخرى إلاّ إذا بنصّ نافٍ للاعتبار في بعضها.
فإنّ النبي ﷺ أقرّ معاذاً بن جبل رضي الله عنه على أخذ القيمة والبدل من أهل اليمن في الزكاة ، فقد قال معاذ بن جبل رضي الله عنه لأهل اليمن : ” ايتوني بخميس أو لبيس آخذه منكم مكان الصدقة فإنه أهون عليكم وخير للمهاجرين بالمدينة”(13).
وها هو معاذ رضي الله عنه يعلّل أخذه للبدل والقيمة بعلتين : أنه أهون على الدافعين ، وأنه أنفع للآخذين . فدلّ أن العبرة ما ينفع الفقراء. وقد أقره النبي ﷺ ولو كان خلاف الشرع الواجب لما أقره.
وعن عطاء أن عمر رضي الله عنه كان يأخذ العروض في الصدقة من الورق وغيرها(14).
الوجه الرابع :إنّ إخراج القيمة في زكاة الفطر كان من عمل الصحابة رضوان الله عليهم ، فقد روي عنهم أنهم كانوا يخرجون القيمة في خصوص صدقة الفطر فقد قال أبو إسحاق السبيعي رحمه الله : ” أدركتهم وهم يعطون في صدقة الفطر الدراهم بقيمة الطعام “(15). وأبو إسحاق السبيعي من العلماء العاملين ومن جلة التابعين وقد أدرك علياً وجماعة من الصحابة، فقوله: ” أدركتهم ” أي الصحابة رضوان الله عليهم . فعُلم أنّ إخراج القيمة من عمل الصحابة رضوان الله عليهم .
الوجه الخامس:أنّ أئمة المسلمين من سلف الأمة الصالحين المجتهدين والمجددين قد اعتبروا القيمة في زكاة الفطر ، ومن ذلك :
[1] أنّ معاوية أمير المؤمنين رضي الله عنه لما قدم المدينة حاجاً أو معتمراً في عهد خلافته اعتمد القيمة فجعل مدين من سمراء الشام تعدل صاعاً من تمرهم، فأخذ الناس بذلك إلاّ أبو سعيد الخدري ، كما في صحيح مسلم عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: “كنا نخرج إذ كان فينا رسول الله ﷺ زكاة الفطر عن كل صغير وكبير حر أو مملوك صاعاً من طعام أو صاعاً من أَقِطٍ أو صاعاً من شعير أو صاعاً من تمر أو صاعاً من زبيب فلم نزل نخرجه حتى قدم علينا معاوية بن أبي سفيان حاجاً أو معتمراً فكلم الناس على المنبر فكان فيما كلم به الناس أن قال: “إني أرى أن مدين من سمراء الشام تعدل صاعاً من تمر” فأخذ الناس بذلك قال أبو سعيد فأما أنا فلا أزال أخرجه كما كنت أخرجه أبداً ما عشت”(16).
فمعاوية عمل بالقيمة حيث قيّم سمراء الشام بتمر المدينة على أساس مدين بصاع.
[2] أنّ عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه مجدد القرن الثاني وخامس الخلفاء الراشدين قد أصدر مرسومه الراشد بإخراج القيمة فكتب إلى واليه ” عدي ” بالبصرة : ” يؤخذ ـ يعني زكاة الفطر ـ من أهل الديوان من أعطياتهم ، عن كل إنسان درهم “.
وكتب إلى قُرّة عامله في صدقة الفطر قال قرة : ” جاءنا كتاب عمر بن عبد العزيز في صدقة الفطر : نصف صاع عن كل إنسان أو قيمته نصف درهم”(17).
فلن يكون مخطئاً من وافق هؤلاء الصحابة وأولئك التابعين الأجلاء من صالحي سلف هذه الأمة رضوان الله عليهم وعمل بما كانوا يعملون .
هذا وقد ساق العلامة الغُماري في رسالته الفريدة: (تحقيق الآمال في إخراج زكاة الفطر بالمال) اثنين وثلاثين وجهاً فقهياً وأصولياً ومقصدياً وحديثياً لصحة إخراج زكاة الفطر بالقيمة ، ننصح طلاب العلم بالاطّلاع عليها .
وعليه: فيجزئ إخراج زكاة الفطر بالقيمة ، وهو الذي رجحته كثير من اللجان والمجالس والمجامع الفقهية والبحثية. وقد دأب مَجْمَع الفقه الإسلامي عندنا في كل عام على تحديد قيمة زكاة الفطر، جزاهم الله خيراً، وهو الموفق للخير والصواب.
- أخرجه البخاري برقم 1503 ج4 ص 138 بفتح الباري ، ومسلم في كتاب الزكاة برقم 2275، 2276 ، ج7 ص 60 – 62 .
- الأَقِط : لبن مجفف يابس مستحجر يطبخ به .
- أخرجه البخاري باب صدقة الفطر صاع من طعام ، برقم 1435 ومسلم باب زكاة الفطر على المسلمين من التمر والشعير برقم 984 .
- أخرجه البيهقي في السنن الكبرى ، برقم 7503 باب من قال يخرج من الحنطة ، جج4 ص 168، وعبد الرزاق في المصنف برقم 5767 ج3 ص 313 ورمز إليه البيهقي بالصحة لغيره .
- نقل عنهم الغماري في رسالته القيمة : تحقيق الآمال في إخراج زكاة الفطر بالمال ،ص 46.
- الدر المختار بحاشية ابن عابدين ، ج2 ص 77 ، 78.
- انظر : تحقيق الآمال ص 45 ، والسيل الجرار للشوكاني ، ج2 ص 86 .
- ينظر : أعلام الموقعين عن رب العالمين لابن القيم ، ج3 ص 12 ـ 13 .
- سبق تخريجه .
- أخرجه الدارقطني ، برقم 67 ، ج2 ص 152 .
- انظر : تحقيق الآمال ، للغماري ، ص 102 .
- مصنف ابن أبي شيبة ج2 ص 404، برقم 10437 باب ما قالوا في أخذ العروض في الصدقة.
- أخرجه البيهقي في السنن الكبرى برقم 7164، ج4 ص 113 باب من أجاز أخذ القيم في الزكوات، والدارقطني برقم 24 ج2 ص 100 ، والبخاري في ترجمة باب العرض في الزكاة، ج2 ص 525، مصنف ابن أبي شيبة باب ما قالوا في أخذ العروض في الصدقة برقم 10439، ج2 ص 404 .
- هذه الآثار في مصنف ابن أبي شيبة ج2 ص 404 برقم 10438 ـ 10441.
- ابن أبي شيبة ، باب في إعطاء الدراهم في زكاة الفطر ، برقم 10371 .
- أخرجه مسلم برقم 985 ج2 ص 678 .
- كلا الخبرين في مصنف ابن أبي شيبة ، باب إعطاء الدراهم في زكاة الفطر ، برقم 10369، 10368 ، ج2 ص 405 .