الإثنين 24 أغسطس 2026م
الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ
فتاوى الصيام

اعتكاف القائم على اليتيم والصغير

سأل: من كتاب «سؤالات الصائمين» — أقضية الاعتكاف
نصّ السؤال أنا أب لبنتين وابن والثلاثة صغار، وقد توفيت أمهم رحمها الله تعالى، فأنا أقوم عليهم حتى يشغلوني عن الاعتكاف رغم رغبتي الكبيرة في أن أعتكف أياماً في رمضان، فهل عليّ حرجٌ أنْ لا أعتكف؟.

ذكرنا في جواب السؤال السابق أنّ حكم الاعتكاف الأصل هو الاستحباب والندب، وأنه لا يجب على أحد الاعتكاف إلا إذا نذره، وقد نقل ابن المنذر وغيره الإجماع على ذلك، قال ابن المنذر في كتاب الإجماع: “وأجمعوا على أن الاعتكاف سنة لا يجب على الناس فرضاً إلا أن يوجبه المرء على نفسه نذراً فيجب عليه ” (1). وهو ما نقله موفق الدين بن قدامة وشمس الدين بن قدامة وابن هبيرة والنووي وابن رشد الحفيد وغيرهم، كلهم نقلوا الإجماع على أنه لا يجب إلا بالنذر(2).

ومعنى ذلك أن من لم ينذر الاعتكاف لا يجب عليه، وإنما فقط يُندب له ويُستحب، والمندوب أو المستحب مما يجوز فعله وتركه ولكن فعله أولى من تركه، لا مما يجب فعله، ولذلك لا يأثم تارك المندوب أو المستحب.

وأنت فيما ذكرتَ عن حالك، فإنّ قيامك على أولادك الصغار، وانشغالك بأمورهم واجب عليك، واعتكافك في رمضان أو غيره مندوب مستحب، فإنْ اعتكفت تكون قد تركت واجباً من أجل مندوب، والشرع لا يجوّز ترك الواجبات من أجل المندوبات لأنه يؤدي إلى ضياع الواجب بما هو أقلّ منه وأدنى، فالواجب لا يترك إلا لواجب مثله ـ كما يقول الفقهاء.

وعليه: فلا حرج عليك، أن لا تعتكف من أجل رعاية أولادك الصغار والقيام بأمورهم، وفي مثل حالك قول ابن عباس رضي الله عنهما: ” لأن أمشي مع أخ في حاجة أحب إلي من أن أعتكف في هذا المسجد يعني (مسجد المدينة) شهراً “(3). وِشأنك أولى وأحقّ بذلك، لأنك ساع في حاجة ضعفاء أيتام صغار.

بل قد ذهب الإمام رمالك رحمه الله تعالى إلى أنّ الاعتكاف قد يكون مكروهاً في حقّ من لا يقوى عليه ومن لا يقدر على الوفاء بحقه، ولا شكّ أنك مع انشغال قلبك بأمر أولادك الصغار الذين ماتت أمهم عنهم، لن تقدر على الوفاء بحق الاعتكاف، فربما كان في حقك مكروهاً ـ على قول مالك ـ وقد قال في المدونة: ” ولا أرى للذي لا يقوى أن يعتكف” (4).

ولذلك نصّ المالكية على أنه : ” يُكره الاعتكاف لغير مكفي الشؤون، لما يترتب على ذلك من ضياع الحقوق الواجبة، ولما فيه من لجوء المعتكف للخروج من المسجد لطلب الغذاء ونحو ذلك”(5). ولا شكّ أن حالتك داخلة فيما قالوه.

ومما يخفف عليك الأمر أكثر؛ أنّ مالكاً رحمه الله ذكر في المدونة (6) أن أئمة الصحابة من الخلفاء الراشدين رضوان الله عليهم أبا بكر وعمر وعثمان لم يبلغه أنهم اعتكفوا، وأن أئمة التابعين لم يبلغه أنهم اعتكفوا ولا أحداً ممن يُقتدى به، إلا أبا بكر بن عبد الرحمن بن الحارث رحمهم الله تعالى، وذلك لشدّة الاعتكاف عليهم لانشغالهم أو خوفهم ألاّ يوفوا بحقه وشرطه.

فلا حرج عليك، بل نسأله تعالى أن يجزيك خيراً على ما تقوم به من رعاية أولادك الصغار، حفظهم الله لك وأصلحهم ونفعك ببرهم، والحمد لله.

الحواشي

  1. كتاب الإجماع لابن المنذر ص 16 المسألة رقم 130.
  2. راجع: المغني لابن قدامة، ج3 ص 122، الشرح الكبير لشمس الدين بن قدامة، مع المغني ج3 ص 122، الإفصاح عن معاني الصحاح لابن هبيرة ج1ص 219، والمجموع شرح المهذب ج6 ص 469، بداية المجتهد ج2 ص 201.
  3. من حديث أخرجه الطبراني في المعجم الكبير ج11 ص 84 برقم 13468.
  4. المدونة الكبرى لمالك، ج1 ص 342 .
  5. تبيين المسالك لتدريب السالك إلى أقرب المسالك، ج2 ص 192.
  6. المدونة نفس الموضع.

أ.د. عبدالله الزبير عبدالرحمن

لديك مسألةٌ تُشكل عليك؟ استفتِ الشيخ

اكتب سؤالك وسيصل مباشرةً إلى مكتب فضيلة الشيخ، ويصلك الجواب على بريدك.

الردّ خلال ٣–٧ أيام بياناتك محفوظة ولا تُنشر ١١٦ فتوى منشورة
استفتِ الشيخ
فتوى مختارة

الصائم يُدْعَى إلى وليمة

كنت صائماً يوماً من الأيام البيض، فصادف أنْ أقام جارٌ لنا دعوة طعام فدعاني مع مجموعة من الجيران، فتحيّرتُ؛ هل ألبّي الدعوة أم لا؟ وإذا ذهبتُ إلى دعوته؛ هل أقطع صيامي وآكل معهم لأجامله؟ أم أبقَى صائماً وأخبره بصيامي وأعتذر له ؟. وحين ذكرت ذلك لامني بعضهم على عدم تلبيتي للدعوة، ولامني آخرون أني لم أقطع صيامي لأجامل جارنا، وعذرني…

اقرأ الجواب