الإثنين 24 أغسطس 2026م
الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ
فتاوى الصيام

مـنْ يصوم ولا يصلِّي

سأل: من كتاب «سؤالات الصائمين» — مسائل الأركان
نصّ السؤال زوجي لا يصلي، ومع ذلك كلما دخل شهر رمضان يتحمّس للصيام فيصوم معنا، وأنا أكلمه كثيراً عن أهماله للصلاة وتركه لها، وهو لا يسمع لي، وقد سمعت من بعض الدعاة أنّ صيامه لا ينفعه ما دام لا يصلي، فما رأيكم دام فضلكم؟.

الصلاة عماد الدين، وتاركها ليس له من الإسلام كثير حظٍّ، بل منزلته بين الفسوق والكفران لا يرتفع عنهما قيد أنملة، لا يخرج من أيِّهما إلا بإقامتها على الدوام. وهي العبادة التي لا تسقط بعذر من مرض أو سفر مهما بلغ به المرض، وهي العبادة التي ما أُنزل فرضها من السماء، بل دُعي لفرضها النبي الكريم ﷺ إلى السماء السابعة ففرضها ربنا عليه وعلى أمته، وقد حذّر رسول الرحمة عليه الصلاة والسلام من تركها تحذيراً شديداً، حتى إنّه ﷺ جعل العهد الذي بين المسلم وبين المسلمين الصلاة، فقال: (العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر)(1) وقال ﷺ: (بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة)(2). وقول فاروق الأمة عمر بن الخطاب رضي الله عنه في تارك الصلاة: ( لا حظّ في الإسلام لمن ترك الصلاة)(3) . والشريعة تؤاخذ تاركها إنْ ظفرت به ولا تتركه حرَّاً طليقاً وهو لا يزال مستخفاً بها مستهيناً بأمرها.

وعليه فتارك الصلاة قبل الحكم على صيامه؛ يجب أن يُنظر في أمر تركه للصلاة، فإنْ كان تركه لها جحوداً وإنكاراً، فهو كافرٌ مرتدٌّ لا ينفعه صيامٌ ولا زكاةٌ ولا حجٌّ بإجماع الأمّة والأئمّة، ويُقتل كفراً بعد استتابته. أمّا إنْ كان تركه لها كسلاً وتهاوناً فالجمهور من المالكية والشافعية والحنابلة وغيرهم يوجبون قتله كذلك حدَّاً، والحنابلة وابن حبيب من المالكية كفراً، بعد استتابته، بينما ذهب الحنفية إلى حبس من تركها تهاوناً وكسلاً وضربه حتى يصلي أو يموت في حبسه.

فها هو تارك الصلاة في مجتمع المسلمين لا يترك حراً طليقاً بينهم، بل حقّه بين القتل كفراً أو حداً وبين الحبس والضرب.

والراجح في تارك الصلاة كسلاً وتهاوناً أنه عاصٍ فاسق، ولا يكفر بتهاونه وكسله في أداء الصلوات ـ وإنْ كان حدّه القتل ـ ، ما دام مقرَّاً بوجوبها غير منكِرٍ لها؛ والقاعدة في ذلك: أنّ من دخل الإسلام بيقين لا يخرج منه إلا بيقين، ولقوله تعالى آية كريمة من كتاب سؤالات الصائمين(4). ولحديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: « خمس صلوات كتبهن الله على العباد فمن جاء بهن لم يضيع منهن شيئاً استخفافاً بحقهن؛ كان له عند الله عهد أن يدخله الجنة، ومن لم يأت بهن؛ فليس له عند الله عهد، إن شاء عذبه وإن شاء أدخله الجنة»(5). ولحديث أَبِي قَتَادَةَ بْنَ رِبْعِيٍّ رضي الله عنه، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: (قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: افْتَرَضْتُ عَلَى أُمَّتِكَ خَمْسَ صَلَوَاتٍ، وَعَهِدْتُ عِنْدِي عَهْدًا أَنَّهُ مَنْ حَافَظَ عَلَيْهِنَّ لِوَقْتِهِنَّ أَدْخَلْتُهُ الْجَنَّةَ، وَمَنْ لَمْ يُحَافِظْ عَلَيْهِنَّ فَلاَ عَهْدَ لَهُ عِنْدِي)(6). على أنّ في حديث ( العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر) إضماراً تقديره : ( فمن تركها ـ جحوداً وإنكاراً ـ فقد كفر) وكذلك في حديث مسلم (بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة) وتقديره : (..ترك الصلاة إنكاراً). كما أنّ الكفر فيهما مؤَّولٌ بكفر المعصية، كتأويل ابن عباس وغيره لقوله تعالىآية كريمة من كتاب سؤالات الصائمين (7) وكتأويل العلماء لقوله ﷺ في حجة الوداع: ( لا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض)(8). ولقوله ﷺ: ( سباب المسلم فسوقٌ وقتاله كفرٌ)(9). قال الترمذي رحمه الله: ” ومعنى هذا الحديث (قتاله كفر) ليس به كفراً مثل الارتداد عن الإسلام..وقد روي عن ابن عباس وطاووس وعطاء وغير واحد من أهل العلم قالوا: كفر دون كفر وفسوق دون فسوق”(10).

ولكنه مع ذلك دلّ على أنّ ترك الصلاة وقتال المسلم أفعالٌ أشبه بالكفر وأقرب إليه من الإسلام والإيمان، لأنها أفعال تشبه أفعال أهل الكفر لا أهل الإسلام.

ولهذا: فإنْ وجدنا من يصوم رمضان إذا دخل الشهر، وهو لا يصلي، لا نمنعه من الصيام، ولا نقول إنّ صيامه لا ينفعه، إذ الصيام فرضٌ قائم بنفسه، واجب أداؤه بذاته، كما يجب أداء الصلاة، وعليه يصحّ صومه، ولو ترك الصيام مع الصلاة يكون قد ترك ركنين وأضاع فرضين، ولا شكّ أنّ ترك ركن أو فرض؛ أخفّ من ترك ركنين وإضاعة فرضين .

ونرجو أن يحمله الصوم إلى محبة دينه، وأن يزيد تقواه به، فيقوى في التزامه، ويزداد في تديّنه، فيحبَّبَ إليه الإيمان، ويكرَّه إليه الفسوق والعصيان، حتى يخرج مع خروج الشهر من فسوق ترك الصلاة إلى صفوف مقيمي الصلاة والصيام. والله ولي ذلك والقادر عليه.

الحواشي

  1. أخرجه الترمذي برقم 2621، والنسائي برقم 463، وابن ماجة برقم 1079، وأحمد برقم 22987، وصححه الألباني وشعيب الأرناؤوط.
  2. أخرجه مسلم في صحيحه برقم 256، وأحمد في المسند برقم 15221، والبيهقي في السنن الكبرى برقم 6730.
  3. موطأ الإمام مالك برقم 82.
  4. سورة النساء الآية 48 .
  5. أخرجه أبو داود في السنن برقم 425، 1422، ومالك في الموطأ برقم 268.وابن ماجة برقم 1401، والنسائي برقم 461، وصححه الألباني سنن النسائي ج1 ص 230.
  6. أبو داود في السنن برقم430 ، وابن ماجة برقم 1403.
  7. سورة المائدة الآية 44.
  8. البخاري في صحيحه برقم 121، وبرقم 1739، 4403، 4405، ومسلم في الصحيح برقم 232، 234، 4477.
  9. أخرجه البخاري في صحيحه برقم 48، 6044، 7076، ومسلم برقم 230،والترمذي برقم 1983،
  10. سنن الترمذي ج5 ص 21.

أ.د. عبدالله الزبير عبدالرحمن

لديك مسألةٌ تُشكل عليك؟ استفتِ الشيخ

اكتب سؤالك وسيصل مباشرةً إلى مكتب فضيلة الشيخ، ويصلك الجواب على بريدك.

الردّ خلال ٣–٧ أيام بياناتك محفوظة ولا تُنشر ١١٦ فتوى منشورة
استفتِ الشيخ
فتوى مختارة

التتابـع والتفــريق فــي القضـــاء

عليّ أيام من شهر رمضان أفطرت فيها لمرض ألمّ بي، وأريد أن أقضيها، فهل واجب عليّ أن أقضيها متتابعة ؟ أم يمكنني أن أقضي هذه الأيام متفرقة يوماً أو يومين ، ثم بعد أيام أو بعد أسبوع ، أو بعد شهر أو شهرين أقضي يومين وهكذا حتى أقضيها جميعها؟.

اقرأ الجواب