أجمع المسلمون على إباحة الفطر للمسافر في الجملة لقوله تعالى (1)
ولكن ليس كل سفر يباح فيه الفطر ويرخّص للصائمين أن يفطروا، هذا السفر اشترط العلماء فيه شرطين هما :
الشرط الأول : أن يكون السفر مما يجوز فيه القصر على رأي الجمهور. وهو السفر الذي يصحّ أنْ يطلق عليه اسم سفر . أما مسافة السفر المجوّز للقصر فليست منضبطة ، فلا تضبط بأيام ولا بأميال ، لأنّ ما روي عن سلفنا الصالح رضوان الله عليهم كله لم يضبط مسافة معينة ، حتى المرويّ عن واحد نجده يقصر في مسافات مختلفة .. مثلاً ابن عمر رضي الله عنهما، روي عنه أنه قصر في مسافة ستة وتسعين ميلاً ، وفي مسافة اثنين وسبعين ميلاً ، وروي عنه لا يكون الفطر إلاّ في ثلاثة أيام ، وروي : لا يكون القصر إلاّ في اليوم التام، وروي عنه القصر في ثلاثين ميلاً ، وفي ثمانية عشر ميلاً ، وفي سفر ساعة ، وفي ميل واحد ، وفي سفر ثلاثة أميال وقريب من هذا روي عن ابن عباس وعن عمر وغيرهما .. (2).
ولهذا فالصحيح أن يكون ضابط السفر المبيح للفطر والقصر ما يصحّ أن يطلق عليه اسم سفر .
الشرط الثاني : أن يكون سفر طاعة لا سفر معصية ، لأنّ سفر المعصية لا يسمح فيه بالرخص ، والقاعدة الفقهية : [ الرخص لا تناط بالمعاصي ] فالشرط في السفر المبيح للفطر أن يكون سفراً مباحاً لا سفراً محرّماً ، وكل سفر اتُخذ سبباً لارتكاب المعاصي ، كمن يسافر ليقطع الطريق ، أو يسافر ليبغي على حاكم مسلم مستحق للطاعة ، أو يسافر ليسرق ، أو يسافر ليزنِي، أو نحو ذلك .
فهذه الأسفار لا تبيح الأخذ برخصة الفطر في السفر ، وهذا ما رجّحه ابن عطية والقرطبي والقرافي من المالكية وهو مذهب الشافعية وغيرهم (3) .
- سورة البقرة الآية 185.
- انظر : المحلّى لابن حزم ، 4/385 ـ 387 ، سنن البيهقي 3/137 ، والمصنف لابن أبي شيبة 3/20.
- انظر : الفروق للقرافي ، 2/33 ـ 34 ، الأشباه والنظائر للسيوطي ، ص 138 ـ 140 ، تفسير القرطبي ، ج2 ص 258 ، المجموع للنووي 6/264 .