الإثنين 24 أغسطس 2026م
الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ
فتاوى الصيام

الجماع في نهار رمضان وخصال الكفارة

سأل: من كتاب «سؤالات الصائمين» — مسائل القضاء والكفارة
نصّ السؤال في يوم من أيام رمضان وأنا صائم زادت رغبتي في إتيان أهلي، وثارت شهوتي ولم أستطع أن أصبر حتى الليل فأتيت أهلي في نهار رمضان، وأنا أعلم أن من فعل مثل هذا عليه القضاء والكفارة، فكيف أكفر وبماذا أكفر؟.

الكفارات شرعت في الإسلام للزجر عن تعدي حدود الله ، وانتهاك حرمات الدين، ففي الصيام شُرعت الكفارة للزجر عن انتهاك حرمة الصيام لا سيما في رمضان حتى لا تنتهك حرمة نهار رمضان، عقوبة لمن يفعل ذلك. ولا شكّ أن السائل انتهك حرمة نهار رمضان بفعل قد نُهي عنه وأُمر أن يمسك عنه بالصيام وهو الجماع، ولذلك فعليه كفارة وهو يعلم ذلك.

والذي يكفِّر به عن هذه الفعلة الكبيرة وغيرها من موجبات الكفارة أحد ثلاثة أمور:

[1] صيام شهرين متتابعين من غير انقطاع ولا تراخ .

[2] إطعام ستين مسكيناً من أوسط ما يطعم به أهله.

[3] عتق رقبة .

لأن النبي ﷺ قضى على الذي أتى أهله في نهار رمضان بذلك.

ففي الصحيحين وغيرهما من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: ” جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: ” هلكت يا رسول الله ! قال: ( وما أهلكك؟ ) قال: “وقعت على امرأتي في رمضان” قال: ” هل تجد ما تعتق به رقبة؟ قال: لا. قال: فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين؟ قال: لا، قال: فهل تجد ما تطعم به ستين مسكيناً؟ قال: لا ، ثم جلس، فأتى النبي ﷺ بعَرَق فيه تمر (1) فقال: تصدق بهذا . قال: أفقَرَ منّا؟ فما بين لابَتيها أهل بيت أحوج إليه منا ” فضحك النبي ﷺ حتى بدت أنيابه ثم قال:(اذهب فأطعمه أهلك)(2).

والعلماء في أيّ من الكفارات هي التي تجب على ثلاثة أقوال:

القول الأول: ما ذهب إليه الجمهور من الحنفية، والشافعية، والحنابلة في مشهور مذهبهم: أن الأمور التي يكفّر بها على الترتيب ، فإنه واجب عليه أن يكفّر بعتق رقبة ، فإن لم يجد وجب عليه صيام شهرين متتابعين ، فإن عجز عن ذلك ؛ كفّر بإطعام ستين مسكيناً (3).

والقول الثاني: هو ما ذهب إليه مالك، وأحمد في رواية عنه، وهو التخيير بين الكفارات الثلاث ، غير أن المالكية يفضّلون الكفارة بالإطعام في المشهور معللين أنه أعمّ نفعاً(4).

والقول الثالث: هو الذي ذهب إليه الإمام يحيى بن يحيى الليثي من أصحاب مالك، وهو أن الكفارة الواجبة هي التي تحقق مقصودها من الزجر للمتعدّي، وقد حكي عنه رحمه الله تعالى أن حاكم الأندلس عبد الرحمن بن الحكم المرواني نظر إلى جارية له في رمضان نهاراً ، فلم يملك نفسه أن واقعها، ثم ندم ، وطلب الفقهاء وسألهم عن توبته، فقال يحيى بن يحيى : ” صم شهرين متتابعين ” فسكت العلماء، فلما خرجوا قالوا ليحيى: ” مالك لم تفته بمذهبنا عن مالك أنه مخيَّرٌ بين العتق والصوم والإطعام؟ ” فقال: ” لو فتحنا له هذا الباب لسهل عليه أن يطأ كل يوم جارية ويعتق رقبة، فحملته على أصعب الأمور لئلا يعود” (5).

والراجـح :

أننا نحقق مقصد الشارع من تشريع الكفارة، فإن مقصود الكفارة تحصيل الزجر في نفس منتهك حرمة نهار رمضان، وأن يشعر بنوع شدّة وعقاب، وكما قال تعالى: آية كريمة من كتاب سؤالات الصائمين(6).

ولذلك يجب أن يُفتَى من وجبت عليه كفارة بأنّه:

إنْ كان ميسور الحال جداً بحيث إذا كفّر بالإطعام أو العتق لا يحصل له الزجر بذلك ؛ فيجب عليه أن يكفر بالصيام ولا يكون مخيّراً بحال، لأنه لن يزجره الإطعام ولا العتق، لأنه سهل عليه ميسور له أن يجامع كل يوم فيكفر بإطعام ستين مسكيناً بل أكثر أو يعتق رقبة أو أكثر، فيستهين بحرمة رمضان، فحتى يزجر يؤمر بصيام شهرين متتابعين.

وإنْ كان معروفاً بحبه للمال وضنّه به وتقتيره حتى على نفسه ، وأنه يكون زاجراً له أن يؤمر بالعتق أو الإطعام ، أُمر بأحدهما.

وإنْ كان ممن يُظَنّ فيه أن أية خصلة من خصال الكفارة الثلاث يحصل له بها الزجر خُيِّر بينها.

وبهذه الطريقة نكون قد أعملنا قول جميع الفقهاء وحققنا المذاهب الثلاثة مع تحقيقنا لمقصود الشرع من تشريع الكفارات.

ولكن عتق الرقبة غير وارد في زماننا إلاّ أن يشاء الله تعالى قريباً بغلبة الأمة على الأمم لا سيما الطاغية المستكبرة، فلم يبق من خصال الكفارة إلاّ صيام الشهرين المتتابعين وإطعام ستين مسكيناً، فيؤمر بأحدهما على الطريقة التي قررناها. والله تعالى أعلم..

الحواشي

  1. العرق بفتح الراء هو الزنبيل أو القفة أو الكيس أو الجراب ، وقد حدده الفقهاء بأنه ما يسع خمسة عشر صاعاً، وهي ستون مداً لستين مسكيناً ، لكل مسكين مدٌّ . راجع : شرح النووي لصحيح مسلم:ج8 ص 226.
  2. البخاري كتاب الصوم باب إذا جامع في رمضان ولم يكن له شيء برقم 1936 ، وفي باب المجامع في رمضان هل يطعم أهله برقم 1937 . ومسلم في الصيام باب تغليظ تحريم الجماع برقم 2590-81/1 ج8 ص 224 –227 بشرح النووي.
  3. انظر : بدائع الصنائع ، ج2 ص 99 ، المجموع شرح المهذب ج6 ص 343 ، المغني لابن قدامة ، ج3 ص 66
  4. انظر : المغني لابن قدامة ، ج3 ص 66 ، التاج والإكليل ج2 ص 435، كفاية الطالب الرباني ، ج1 ص 276، تبيين المسالك ، ج2 ص 169-170 .
  5. انظر: سير أعلام النبلاء للذهبي، ج7 ص 257 مكتبة الصفا طبعة 1424هـ 2003م.
  6. سورة المائدة ، من الآية 95 .

أ.د. عبدالله الزبير عبدالرحمن

لديك مسألةٌ تُشكل عليك؟ استفتِ الشيخ

اكتب سؤالك وسيصل مباشرةً إلى مكتب فضيلة الشيخ، ويصلك الجواب على بريدك.

الردّ خلال ٣–٧ أيام بياناتك محفوظة ولا تُنشر ١١٦ فتوى منشورة
استفتِ الشيخ
فتوى مختارة

صــلاة التـراويح قيامــاً وجلوسـاً

بعض الناس يصلي التراويح فحين يشعر بالتعب والمشقة يجلس في أول الركعة فإذا أتم الإمام القراءة أو أوشك أن يتم يقف قائماً فيركع ويسجد معه فإذا قام الإمام بقي جالساً الركعة الثانية ثم يقوم إذا أوشك الإمام من الانتهاء من القراءة فيركع معه ويسجد ويسلم، وهكذا يفعل في كثير من الركعات، هل هذا يصح شرعاً؟.

اقرأ الجواب