في المسألة ثلاثة أقوال(1):
القول الأول: جواز الركعة الواحدة بعضها من قيام وبعضها من قعود، وهو مذهب أبي حنيفة ومالك والشافعي وعامة الفقهاء، وسواء قام ثم قعد أو قعد ثم قام.
القول الثاني: منع القعود بعد القيام والقيام بعد القعود، وهو محكي عن بعض السلف، قال الشيخ صديق حسن خان: وهو غلط.
القول الثالث: كراهة القعود بعد القيام والقيام بعد القعود، حكاه القاضي عياض عن أبي يوسف ومحمد بن الحسن الشيباني صاحبي أبي حنيفة. ففي الخانية: يُكره للمقتدي أن يقعد في التراويح فإذا أراد الإمام أن يركع يقوم لأن فيه إظهار التكاسل في الصلاة والتشبه بالمنافقين قال تعالى (2) “.. قالوا: “إذا لم يكن لكسل بل لكبر ونحوه لا يكره”(3).
والراجح قول الجمهور بصحة هذه الصلاة وجواز القيام بعد القعود والقعود بعد القيام، فتصح صلاة التراويح لمن جمع بين القيام والجلوس ، يجلس حيناً إذا شعر بالتعب والإرهاق والمشقة، ثم إذا أتم الإمام القراءة من الركعة قام فركع معه وسجد، والدليل عليه أمران:
الأمر الأول: أن صلاة التراويح من النوافل والتطوعات التي يجوز أداؤها قياماً وقعوداً ولو من غير حاجة أو من غير تعب أو مشقة، فلا حرج في صلاة النافلة جلوساً ولو لم يشقّ عليه القيام، بخلاف صلاة الفريضة، فإنها لا تجوز من قعود إلا لصاحب العذر، ففي صحيح البخاري عن عمران بن حصين رضي الله عنه، قال: “كانت بي بواسير فسألت النبي ﷺ عن الصلاة فقال: ( صَلِّ قَائِماً فإنْ لمْ تستطعْ فقاعداً فإنْ لم تستطع فعلى جنب)(4).
الأمر الثاني: أنّ ذلك من فعله الشريف عليه الصلاة والسلام، فقد صحّ عن رسول الله ﷺأنه كان يفعل ذلك في صلاة الليل كما في حديث عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَقِيقٍ قَالَ: سَأَلْتُ أمنا وسيدتنا عَائِشَةَ عَنْ صَلاَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَنْ تَطَوُّعِهِ، فَقَالَتْ: “كَانَ يُصَلِّي فِي بَيْتِي قَبْلَ الظُّهْرِ أَرْبَعًا، ثُمَّ يَخْرُجُ فَيُصَلِّى بِالنَّاسِ ثُمَّ يَدْخُلُ فَيُصَلِّى رَكْعَتَيْنِ، وَكَانَ يُصَلِّى بِالنَّاسِ الْمَغْرِبَ ثُمَّ يَدْخُلُ فَيُصَلِّى رَكْعَتَيْنِ، وَيُصَلِّى بِالنَّاسِ الْعِشَاءَ وَيَدْخُلُ بَيْتِى فَيُصَلِّى رَكْعَتَيْنِ، وَكَانَ يُصَلِّى مِنَ اللَّيْلِ تِسْعَ رَكَعَاتٍ فِيهِنَّ الْوِتْرُ، وَكَانَ يُصَلِّى لَيْلاً طَوِيلاً قَائِمًا، وَلَيْلاً طَوِيلاً قَاعِدًا، وَكَانَ إِذَا قَرَأَ وَهُوَ قَائِمٌ رَكَعَ وَسَجَدَ وَهُوَ قَائِمٌ، وَإِذَا قَرَأَ قَاعِدًا رَكَعَ وَسَجَدَ وَهُوَ قَاعِدٌ، وَكَانَ إِذَا طَلَعَ الْفَجْرُ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ”(5).
وكما أخبرت عنه السيدة عائشة رضي الله تعالى عنها، قالت: ” ما رأيت رسول الله ﷺيقرأ في شيء من صلاته جالساً، حتى إذا كَبِر قرأ جالساً، حتى إذا بقي عليه من السورة ثلاثون أو أربعون آية قام فقرأهن ثم ركع”(6).
ومع ذلك نلاحظ أن بعض المصلين لا يبدأ مع الإمام بل ينتظر قرب ركوعه للدخول معه، لكنه في فترة جلوسه ينشغل بغير الصلاة ولا يحرم للصلاة بل يتكلم مع إخوانه وربما تآنسوا وضحكوا، ثم إذا أوشك الإمام من الركوع أو ركع؛ أسرع بالدخول مع الإمام، وقد يفعل ذلك مراراً ربما في كل ركعتين، فهذا ليس داخلاً في الصورة المسؤول عنها، بل أقلّ أحوال هذا الفعل الكراهة، وصاحبه مسيءٌ لم يراع حرمة المسجد ولا حرمة الصلاة ولا حرمة المصلين وشوش عليهم صلاتهم، وعلى المصلين أن ينكروا على أمثاله وينهوه عن هذا السلوك المشين. والله تعالى أعلم..
- انظر: السراج الوهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج ، ج3 ص 63.
- سورة النساء الآية 142.
- انظر: حاشية ابن عابدين ج1 ص 475.
- أخرجه البخاري برقم 1117.
- أخرجه مسلم في صحيحه برقم 1733.
- صحيح مسلم باب صلاة الليل قائما وقاعدا .