أصحّ الأحوال دائماً التأسّي بحال صاحب الرسالة ﷺ، والتزام منهاج النبوة في الدين والدعوة، ومن خلقه العظيم عليه الصلاة والسلام شفقته بأمته ورحمته بالعباد أجمعين، وقد قال الله تعالى فيه (1) فإنه يعزّ عليه عنت أفراد الأمّة، لأنه بهم رءوف رحيم، فواجب الدعاة وأئمة الصلاة التأسي به في هذه الأحوال، فيحيوا سنته ويقيموا شريعته.
ولقد وجّه ﷺ أئمة الصلاة أن يخففوا على المصلين إنْ أمّوا الناس فقال في الصحيح: ( إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ لِلنَّاسِ فَلْيُخَفِّفْ فَإِنَّ مِنْهُمُ الضَّعِيفَ وَالسَّقِيمَ وَالْكَبِيرَ، وَإِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ لِنَفْسِهِ فَلْيُطَوِّلْ مَا شَاءَ )(2)، وقال أبو مسعود الأنصاري رضي الله عنه: “قَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللهِ! لاَ أَكَادُ أُدْرِكُ الصَّلاَةَ مِمَّا يُطَوِّلُ بِنَا فُلاَنٌ. فَمَا رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺفِي مَوْعِظَةٍ أَشَدَّ غَضَبًا مِنْ يَوْمِئِذٍ، فَقَالَ: (أَيُّهَا النَّاسُ! إِنَّكُمْ مُنَفِّرُونَ فَمَنْ صَلَّى بِالنَّاسِ فَلْيُخَفِّفْ فَإِنَّ فِيهِمُ الْمَرِيضَ وَالضَّعِيفَ وَذَا الْحَاجَةِ)(3). وقال لسيدنا معاذ بن جبل رضي الله عنه يعاتبه لما شكى المأمومون عن طول صلاته، يقول له: ( يَا مُعَاذُ! أَفَتَّانٌ أَنْتَ؟ – ثَلاَثًا – اقْرَأْ ، و وَنَحْوَهَا(4).
إنْ كان هذا في المكتوبات فمن باب أولى في النوافل والتطوعات.
فالعبرة إذنْ برضا المصلين وسخطهم في التطوعات والنوافل الجماعية، فإنْ رضوا بالطول فالأولى الإطالة في التراويح، وإنْ شكوا من الطول فالأولى التخفيف في القراءة والركوع والسجود، ومعلوم أنّ صلاة التراويح سنّة وليست فرضاً، والجماعة فيها مستحبة، وطول القيام والقراءة فيها مستحبٌ، والقاعدة في المستحبات: أنّه يُستحب ترك المستحب تأليفاً للقلوب، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في مثل هذا: “ولذلك استحب الأئمة أحمد وغيره أن يدع الإمام ما هو عنده أفضل إذا كان فيه تأليف المأمومين”(5).
فألِّف ـ قدر المستطاع وفقك الله ـ قلوب المؤمنين المصلين بالتخفيف إنْ شكوا من الإطالة بهم، فتأليفهم أحبّ في الشرع من كرههم لصلاة طويلة.
قال الكاساني رحمه الله: ” في زماننا الأفضل أن يقرأ الإمام على حسب حال القوم من الرغبة والكسل، فيقرأ قدر ما لا يوجب تنفير القوم عن الجماعة، لأن تكثير الجماعة أفضل من تطويل القراءة”(6).
قلت: هذا في زمانه، ففي زماننا أكثر.
وقال الإمام أحمد رحمه الله: ” يقرأ بالقوم في شهر رمضان ما يخف على الناس ولا يشق عليهم،.. والأمر على ما يحتمله الناس”(7).
غير أنّ بعض المصلين لا يعجبهم ولا يرضيهم من التخفيف إلاّ ما تضمّن الإسراع في القراءة والركوع والسجود مما يُخرج الصلاة عن حدّ الخشوع الواجب فلا يتم ركوعاً ولا سجوداً أو بعض الأركان، فتكون صلاتهم نقراً كنقر الغراب، وقراءتهم هذرمة تأكل الحروف، فيُعرِّضون الصلاة إلى البطلان والفساد بالسرعة التي تضيع الفرائض والأركان، فهذا لا يُقبل منهم، ويجب أن لا ينحدر الأئمة طلباً لتأليف أمثال هؤلاء فيبطلوا صلواتهم وصلاة من يؤمونهم. والله الموفق للخير والصواب.
- التوبة 128
- البخاري في الصحيح برقم 703، ومسلم برقم 1075.
- أخرحه البخاري في صحيحه برقم 90، وابن ماجة في السنن برقم 984.
- أخرجه البخاري برقم 6106، ومسلم برقم 1068، وأبو داود برقم 790، وغيرهم.
- مجموع فتاوى ابن تيمية ، ج24 ص 195 .
- بدائع الصنائع للكاساني ج1 ص 289.
- المغني لابن قدامة، ج1 ص 836.