نصّ كثير من علمائنا المعاصرين على أن الأعمال الشاقة من الأعذار المبيحة للفطر، وألحق بعضهم أصحابها بالشيخ الكبير والمرأة العجوز والمريض المزمن الذي لا يرجى برؤه . (1)
وأصحاب الأعمال الشاقة بالنسبة لصيام رمضان على مراتب:
منهم من يشقّ عليه الصوم مشقة شديدة مع عمله ، وإذا ترك العمل وتوقّف عنه من أجل الصيام لا يجد ما يعينه على الحياة الكريمة، فهذا حالته تصل إلى درجة الضرورة الشرعية التي تباح لأجلها المحظورات. فيفطر . فإن كان عمله مستمراً كل أيام السنة؛ يُلحق بمن يطيقونه (الشيخ الكبير والمرأة العجوز، يفطر ويطعم عن كل يوم مسكيناً، ولا قضاء عليه، كالبنّاء الذي لا ينقطع عمله، والخبّاز الذي يواجه حرارة النار في فرنه ومخبزه، وعمال المناجم، والمحكوم عليهم بالأعمال الشاقة المؤبدة ونحوهم.
ومنهم من يشقّ عليه الصوم مشقة شديدة ويعمل عملاً شاقّاً لا يقدر معه على الصوم، وإذا ترك هذا العمل أيام رمضان تضرر في ماله فيضيع،كالمزارع الذي حان وقت الحصاد في شهر رمضان، فإذا ترك حصاد زرعه من أجل الصيام ضاع ماله، وتلف زرعه، وأكلته الطيور. فهذه الحالة أيضاً من حالات الضرورة، فيباح له الفطر على أن يقضي الأيام التي أفطر فيها من أجل الحصاد، لأن الحصاد لا يستمر كل أيام السنة .
ومنهم من يشقّ عليه الصيام مع العمل ، فلا يقدر على الصوم مع العمل ولا يقدر على العمل مع الصوم ، وهو إذا صام وترك عمله لا يضيع ماله كله ، ولا يعجز عن الحياة الكريمة له ولأبنائه وأهله، ولكن يلحقه العنت والحرج في حياته وحياة أسرته ، فهذا حالته لا تصل إلى درجة الضرورة بل هي داخلة في الحاجيات، والحاجيات المعتبرة جعلها الشارع الحكيم سبباً للرخصة عن صيام رمضان، فيجوز له الفطر ، خاصة وأن مشقة الأعمال الشاقة مع الصوم مشقة محققة ، فهي أولى بالرخصة من السفر والمرض ، لأن مشقتهما ليست مشقات محققة ، إذ ليس كل سفر يشق على المسافر مع الصيام ، وليس كل مرض يشق على المريض مع الصيام، فكان من باب أولى الترخيص لأصحاب الأعمال الشاقة ليفطروا إذا شقّ عليهم الصوم مع تلك الأعمال .
وبالفعل يدخل أصحاب الأعمال الشاقة ممن يعجز عن الصيام معها أو يشقّ عليه الصوم مشقة شديدة في معنى قوله تعالى .
ووجه الترخيص لهم بالفطر وترك الصيام بسبب الأعمال الشاقة؛ هو: أنّ صاحب العمل الشاق يتنازعه واجبان : واجب إعالة أسرته من الأبناء والزوجة والنفقة عليهم لقوله تعالى (2). وواجب الصيام . ولكن واجب الصيام واجب قاصر عليه وحده ، وواجب النفقة واجب متعدٍّ يتجاوزه إلى غيره من الأبناء والأهل . ومن ناحية أخرى : واجب النفقة تتعلق به حقوق الآخرين ، وحقّ الآدمي مقدّم في الأداء على حق الله تعالى ، والواجب المتعدّي أولى بالتقديم من الواجب القاصر ، ومعروف عند الفقهاء أن الواجب لا يترك إلاّ لواجب ، فترك صاحب العمل الشاق واجب الصيام لواجب الإنفاق .
وشرط جواز الفطر لصاحب الأعمال الشاقة مراعاة الترتيب التالي:
أولاً: أنْ يترك هذا العمل الشاق في شهر رمضان حتى ينقضي الشهر.
ثانياً: إنْ كان تركه لهذا العمل الشاق يضرّه وأهله وعياله؛ ولا يجد بديلاً له؛ يخفف منه بقدر ما يكفيه مؤونته وأهله.
ثالثاً: إنْ لم يتمكن من ذلك؛ لا ينوي الفطر ابتداءً ، بل عليه أنْ ينوي الصوم من الليل عزيمة، ويصبح صائماً حتى إذا باشر عمله الشاق فشقّ عليه الصوم، أفطر، لأنه ليس ممن رُخِّص لهم أصالةً كالمريض الذي أصبح على مرضه، والمسافر الذي أصبح على سفره، والشيخ الكبير والمرأة العجوز ومن كان منهم، فهؤلاء مرخّص لهم أن يصبحوا مفطرين، أما غيرهم فالواجب عليهم أن يصبحوا صائمين، فإنْ شقّ عليه عمله، ولا يستطيع تركه من أجل الصوم، لتعلّق رزقه وعياله عليه؛ أفطر عندئذ، والله تعالى أعلم..
- ينظر : فقه السنة للسيد سابق، 1/439- 440فقه الصيام للقرضاوي ص 70 ، الفتاوى الشرعية محمد سلامة جبر، ص 86 ، وفتاوى الأزهر فتوى جاد الحق (1/131) وفتاوى اللجنة الدائمة برقم 12592، مجموع فتاوى ابن باز ج5 ص 245، فتاوى المسير محمد أحمد المسيّر ج1 ص 106، فتاوى عطية صقر 1/745.
- سورة البقرة الآية 233 .